الدكتور مسلم اليوسف
عميد كلية الحقوق في الجامعة الدولية للعلوم والنهضة
كان اتفاق 10 آذار2025م نقطة
التحول الأساسية، إذ نص على دمج المؤسسات والقوات التابعة لـقسد في مؤسسات الدولة،
إلى جانب الاعتراف بحقوق السوريين الكرد وحقوقهم ال سياسية والثقافية، وإعادة تنظيم
السيطرة على الحدود والمطارات والمنشآت الاستراتيجية، وبذلك كان حل قسد في آب/
2026 نتيجة لمسار سياسي وعسكري طويل، وليس قراراً منفصلاً عن السياق، ولكن ما الذي
يعنيه حل قسد فعلياً؟
ينبغي التمييز بين ثلاثة
مستويات:
1- انتهاء قسد كقوة عسكرية
مستقلة وهذا هو المستوى الأوضح، فالإعلان يعني انتهاء وجود قوة عسكرية مستقلة خارج
البنية الرسمية للجيش السوري، بعد دمج قواتها في ألوية الجيش.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في
أنها تكرس مبدأ: لا جيشين في دولة واحدة، وهو مبدأ أساسي في بناء الدولة الحديثة.
2-انتقال المؤسسات المحلية
إلى الدولة، فالاتفاقات السابقة شملت انتقال المعابر والمطارات والحقول النفطية والمؤسسات
المدنية إلى سلطة الدولة، مع إدماج الكوادر المحلية في مؤسسات الدولة.
وهذا يعني أن دمشق لا تستعيد
مجرد مساحة جغرافية، وإنما تستعيد وظائف سيادية كانت موزعة بين المركز والسلطات المحلية.
3- إعادة تعريف القضية الكردية،
وهنا تكمن المسألة الأهم. إذا انتهت قسد، فإن ذلك لا يعني انتهاء الكرد، ولا انتهاء
مطالبهم الثقافية والسياسية، ولا انتهاء هويتهم القومية، فحل التنظيم العسكري لا يعني
حل القضية الكردية.
بل إن نجاح التجربة الجديدة
مرهون بتحويل القضية الكردية من قضية أمنية وعسكرية إلى قضية مواطنة وحقوق سياسية وثقافية
وقانونية.
وقد تضمن المسار الجديد تعهدات
بحقوق الأكراد، بما فيها اللغة والتعليم والحقوق السياسية، وهو ما أشار إليه الرئيس
السوري في سياق الاتفاقات مع الجانب الكردي.
إن أهم أثر استراتيجي لحل
قسد هو تعزيز مبدأ احتكار الدولة للسلاح والقوة المنظمة، لذلك فإن دمج قسد في الجيش
العربي السوري يزيل أحد أكبر مراكز القوة المسلحة المستقلة داخل البلاد، ومن هذه الزاوية
يمثل القرار خطوة باتجاه إعادة بناء الدولة الوطنية.
إن حل قسد لا يعني بالضرورة
انتصار نموذج المركزية المطلقة، كما لا يعني بالضرورة انتصار الفيدرالية، بل يمكن أن
يكون فرصة لبناء نموذج لامركزي إداري رشيد داخل دولة موحدة.
وهذا قد يكون أحد أهم مخارج
الثورة السورية المباركة، فإذا تحولت عملية الدمج إلى مجرد استيعاب أمني للعناصر المسلحة
دون استيعاب سياسي واجتماعي للمجتمع الكردي، فإن المشكلة ستنتقل من المجال العسكري
إلى المجال السياسي، ربما يكون البعد الاقتصادي أقل حضوراً في الخطاب الإعلامي، لكنه
من أكثر الأبعاد أهمية، فشمال شرقي سورية يحتوي على موارد استراتيجية، وفي مقدمتها
النفط والغاز والأراضي الزراعية ومصادر المياه، وقد نصت ترتيبات الدمج السابقة على
انتقال السيطرة على الحقول النفطية والمعابر والمطارات إلى الدولة المركزية، وهذا يعني
أن الدولة السورية ستملك قدرة أكبر على إدارة الموارد الوطنية؛ وتوحيد الإيرادات؛
وإعادة توزيع الموارد؛ وتمويل الخدمات العامة؛ ودعم إعادة الإعمار.
لا ينبغي قراءة الحدث باعتباره
شأناً كردياً فقط، فما يحدث في الشمال الشرقي سيؤثر على:
العرب في دير الزور والرقة؛
والمسيحيين والسريان؛ والتركمان؛ والعشائر؛ وسكان المناطق الحدودية؛ وبقية القوى المحلية.،
وهنا تظهر قاعدة سياسية شديدة الأهمية: إذا نجحت الدولة في دمج قسد دون إلغاء خصوصية
المجتمع المحلي، فإن النموذج يمكن أن يتحول إلى قاعدة للمصالحة الوطنية. أما إذا فُهم
الاندماج باعتباره استعادة للسلطة المركزية دون إصلاح سياسي، فإن نجاحه الأمني قد يكون
مؤقتاً.
ماذا يعني تعيين مظلوم عبدي
مستشاراً للرئاسة؟
تطور بالغ الدلالة وقع بعد
إعلان حل قسد، إذ صدر في 27 آب 2026م قرار بتعيين مظلوم عبدي مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية،
وهذا التطور يستحق قراءة تتجاوز الجانب الشخصي، فإدخال قائد سابق لقوة عسكرية كبيرة
إلى مؤسسة الرئاسة يعني انتقال العلاقة من:
التفاوض بين طرفين إلى إعادة
دمج أحد طرفي الصراع داخل بنية الدولة، وقد يكون لذلك أثر رمزي وسياسي مهم جداً. فالدولة
هنا لا تستوعب الجنود فقط، وإنما تستوعب أيضاً بعض القيادات السياسية والعسكرية السابقة،
وهذا يشبه، من منظور بناء السلام، الانتقال من إدارة الصراع إلى إعادة إنتاج النخبة
السياسية داخل الدولة، لكن النجاح يتطلب ألا تتحول هذه العملية إلى مجرد صفقة بين شخصيات،
بل إلى مسار مؤسسي شفاف يحفظ حقوق المجتمع بأكمله.
هل انتهت فعلاً الإدارة الذاتية؟
ينبغي التعامل مع هذا السؤال
بدقة إعلان حل قسد ينهي بوضوح وجودها كقوة عسكرية مستقلة، لكن الانتقال المؤسسي والإداري
أوسع من القرار العسكري، فالترتيبات التي جرى تنفيذها خلال عامي 2025 و2026 شملت نقل
مؤسسات ومعابر ومنشآت ودمج كوادر محلية ضمن الدولة. ومن ثم فإن السؤال الحقيقي لم يعد،
هل ستبقى الإدارة الذاتية؟ بل أي نوع من الإدارة المحلية سيحل محلها؟ وهذه نقطة شديدة
الأهمية بالنسبة إلى مستقبل سورية. فإذا قامت الدولة بتطوير إدارة محلية منتخبة وقادرة
على إدارة الخدمات والتعليم والتنمية المحلية، فإن إنهاء الإدارة الذاتية المسلحة يمكن
أن يتحول إلى انتقال من حكم الأمر الواقع إلى حكم محلي شرعي داخل الدولة.
وفي الختام نقترح مجموعة من الإجراءات لضمان نجاح مرحلة ما بعد قسد لعل أهمها:
أ- إصدار إطار قانوني واضح للدمج بحيث تكون عملية دمج القوات خاضعة لقانون واضح يحدد:
الرتب؛ والاختصاصات؛ والقيادة؛ والرواتب؛ والمحاسبة؛ والانتشار.
ب- ضمان الحقوق الثقافية الكردية والتي منها التعليم؛ والثقافة؛ التراث؛ والمناسبات الثقافية.
ج - تعزيز اللامركزية الإدارية،
فليس المطلوب تفكيك الدولة، وإنما جعل الدولة أكثر قدرة على الاستجابة للمجتمعات المحلية.
د- اعتماد توزيع عادل للموارد،
فينبغي وضع نظام شفاف لتوزيع عوائد النفط والغاز والزراعة والمنافذ الحدودية.
ه- دمج القيادات السياسية
في الحياة السياسية من الخطأ أن تتحول عملية الدمج إلى إقصاء كامل للنخب المحلية، والأفضل
أن تنتقل المنافسة من البندقية إلى المؤسسات.
و- إنشاء آلية وطنية للمصالحة
وينبغي معالجة آثار سنوات الحرب والانتهاكات والتهجير بطريقة قانونية، لا انتقامية.
ز- حماية السجون والمخيمات
المرتبطة بتنظيم الدولة، لأن أي انهيار أمني في هذا الملف يمكن أن تكون له آثار إقليمية
ودولية كبيرة.
لقد حققت دمشق من خلال هذا
المسار مكسباً استراتيجياً مهماً، لأنها تقترب من إنهاء أحد أبرز مراكز القوة المسلحة
المستقلة في البلاد، كما حصل الكرد على فرصة للانتقال من مشروع حكم ذاتي قائم على القوة
العسكرية إلى المشاركة في الدولة عبر المؤسسات السياسية والقانونية.
ومن هنا فإن نجاح مرحلة ما
بعد قسد لن يقاس بعدد الجنود الذين دخلوا الجيش العربي السوري، ولا بعدد المؤسسات التي
رفعت عنها أعلام الإدارة السابقة، وإنما سيقاس بالسؤال الأعمق:
هل استطاعت سورية أن تحول
تعددها القومي والثقافي والسياسي من مصدر للصراع إلى مصدر لقوة الدولة؟
إذا نجحت في ذلك، فإن حل
قسد يمكن أن يكون بداية فصل تأسيسي جديد في تاريخ الدولة السورية الجديدة.
اكتب مراجعة عامة