بيان تحليلي توعوي كذبوا عليكم: غزة بين هدنة معلنة وحرب لا تتوقف الأستاذ الدكتور عصام اشويدر رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان الأحد 19 يوليو 2026م
تصدير ثلاثمائة يوم مرّت على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ومع ذلك لا يزال المشهد اليومي على الأرض يكذّب هذا العنوان بالوقائع لا بالادعاء. فمنذ فجر الجمعة الماضي وحده ارتقى أربعة عشر إنساناً وأصيب سبعة وثلاثون آخرون، وقُصفت جنازة في النصيرات فتحوّل المشيّعون أنفسهم إلى ضحايا جدد. هذا التكرار الممنهج للاستهداف، في ظل تراجع الاهتمام الإعلامي العالمي، يستوجب قراءة تحليلية دقيقة توثّق الفجوة بين الخطاب المُروَّج والواقع المُعاش، وتُبقي القضية حاضرة في الوعي العام مهما طال أمد التعتيم عليها.
أولاً: الهدنة المكتوبة والواقع المُعاش، قراءة في وسم #كذبوا_عليكم يقوم الخطاب الرسمي والإعلامي المروَّج له على مجموعة من العبارات الجاهزة: إن الحرب توقفت، وإن القصف انتهى، وإن الأطفال لم يعودوا يُستهدفون، وإن المجاعة أصبحت من الماضي، وإن غزة بدأت تتعافى. غير أن وقائع الساعة الواحدة تنقض هذا الخطاب حرفاً حرفاً. فالقصف المدفعي والجوي لا يزال يستهدف الأحياء السكنية وخيام النازحين في الزيتون والشجاعية ودير البلح وخان يونس والنصيرات، وجيش الاحتلال يُعلن رسمياً بدء عمليات عسكرية جديدة في محيط الخط الأصفر، ويواصل دفع المكعبات الصفراء شرق دير البلح توسيعاً لرقعة السيطرة الميدانية. هذه الفجوة بين النص المكتوب والممارسة الفعلية ليست تفصيلاً عابراً، بل هي جوهر المشكلة: فحين يُعاد تعريف الهدنة إعلامياً بوصفها نهاية للمأساة بينما تستمر الخسائر البشرية يومياً، فإن الخطاب نفسه يتحول إلى أداة تضليل تُسهم في تبريد قضية لم تبرد نيرانها بعد. والتحليل الموضوعي هنا يفرض التمييز الدقيق بين هدنة مكتوبة على الورق وهدنة مطبَّقة على الأرض، فالأولى قائمة شكلاً، والثانية غائبة فعلاً، وما بينهما مسافة تُقاس بأرواح الضحايا لا بعناوين البيانات.
ثانياً: واقع غزة والأسرى واقع غزة الميداني والإنساني قبل الحديث عن أي ملف فرعي، تفرض الوقائع نفسها أولاً: فاستمرار استهداف الأحياء السكنية وخيام النازحين في قطاع غزة ليس حادثاً عرضياً، بل خرق مباشر ومتكرر لاتفاق وقف إطلاق النار الساري، تشهد عليه الغارات الجوية والمدفعية المتصاعدة على دير البلح وخان يونس والنصيرات، والتي تُنتج ارتفاعاً مطرداً لا يتوقف في أعداد الشهداء والجرحى. وإلى جانب القتل المباشر، يعيش السكان حصاراً معيشياً خانقاً يتقاطع فيه الجوع بالقتل في معادلة واحدة: غزة تجوع، وغزة تُقتل، في آنٍ معاً ودون فاصل زمني بينهما. فالقيود المفروضة على إدخال السلع الأساسية أنتجت شللاً تاماً في الحركة التجارية، وانهياراً غير مسبوق في القدرة الشرائية، وتوقفاً لعدد من المطابخ الخيرية التي كانت تشكّل خط الدفاع الأخير عن آلاف الأسر، بينما تعمّق موجة الحر الشديد هذه المعاناة في ظل انعدام الكهرباء والمياه ووسائل التبريد. وتضاف إلى ذلك أزمة مياه غير مسبوقة تتزامن مع الارتفاع الحاد في درجات الحرارة، خصوصاً داخل مراكز الإيواء المكتظة بالنازحين، وهو مشهد تحذر منه الأوساط الطبية والإنسانية بوصفه مقدمة لكارثة صحية أوسع قد تتحول إلى تفشٍ للأمراض والأوبئة إن لم تُستدرك عاجلاً. أما القطاع الصحي، فيواصل الاحتلال استهدافه عبر احتجاز الأطباء والعاملين فيه، مما يسرّع انهيار المنظومة الطبية بأكملها ويحرم الجرحى والمرضى من الكفاءات القادرة على إنقاذهم، في وقتٍ توجَّه فيه دعوات موسعة للمستشفيات والنقابات الصحية والمنظمات الأممية لقيادة تحرك دولي ضاغط يطالب بالإفراج الفوري عن هذه الكوادر وتوفير الحماية للمنشآت الصحية المتبقية. وعلى الصعيد التعليمي، يكشف بيان وزارة التربية والتعليم في غزة أن أكثر من تسعين بالمئة من الطلبة ما زالوا خارج العملية التعليمية، وهو رقم كافٍ وحده لوصف حجم الجريمة الممتدة بحق مستقبل جيل كامل، ذلك أن حرمان الطفل من التعليم لا يقل خطورة عن حرمانه من الغذاء أو الدواء. وعلى الصعيد الإداري، فإن حلّ لجنة الطوارئ الحكومية في غزة يُسقط آخر الذرائع التي كانت تُستخدم لتأجيل دخول لجنة وطنية متوافق عليها لمباشرة مهام الإغاثة وإعادة الإعمار، وهو ما يضع الوسطاء الدوليين والإدارة الأمريكية أمام استحقاق مباشر لا مجال للتهرب منه: إما إلزام الاحتلال بتنفيذ بنود الاتفاق الموقّع كاملة، أو تحمّل مسؤولية استمرار الفراغ الذي يُطيل أمد معاناة السكان. ملف الأسرى يكشف ملف الأسرى وجهاً آخر من أوجه الفجوة بين الالتزامات المعلنة والممارسة الفعلية. فسلطات الاحتلال تفرض قيوداً مشددة جديدة على زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر للأسرى، في التفافٍ صريح على قرارات قضائية إسرائيلية عليا ذاتها، وهو ما يُفرغ هذه الزيارات من مضمونها الإنساني والحقوقي ويحد من قدرة اللجنة على أداء مهامها. وتتفاقم معاناة الأسرى والأسيرات، لا سيما المرضى منهم، جراء سياسات الإهمال الطبي الممنهج ذاتها التي تنهش القطاع الصحي داخل غزة، مما يحرم الجرحى والمرضى، في السجون كما في المستشفيات، من العلاج ومن الأطباء القادرين على تقديمه. إن معالجة ملف الأسرى بمعزل عن واقع غزة العام قراءة ناقصة، فالاثنان وجهان لسياسة واحدة تستهدف تجويف الحق في الحياة والعلاج من مضمونه، داخل القطاع وخارجه على حدٍ سواء.
ثالثاً: سكون العالم، الإلهاء وغض البصر يصح القول إن غزة اليوم ليست خارج المأساة بقدر ما هي خارج التغطية. فالمعاناة اليومية لم تتوقف، لكنها خرجت تدريجياً من عدسات الكاميرات ومن دائرة الاهتمام الإعلامي العالمي، حتى بات تكرار مشاهدها على الشاشات، حين تُعرض أصلاً، يُنتج تبلّداً في الإحساس بدل أن يُحرّك الضمير. وهذا السكون الدولي ليس محايداً في أثره، فهو يمنح الاحتلال هامش عمل أوسع، إذ يُدرك أن غياب الرقابة الإعلامية يعني غياب المساءلة الدولية . والأخطر أن هذا الإلهاء يتم أحياناً بفعل انشغال الرأي العام العالمي بملفات وأزمات أخرى تتقاطع زمنياً مع تصاعد الأحداث في غزة، فتُصبح القضية الفلسطينية بندًا مؤجلاً على أجندة اهتمام مزدحمة، لا لأنها أقل أهمية، بل لأن آلة الإلهاء الإعلامي والسياسي تُحسن توظيف الزحام لتغييب الأولويات.
رابعاً: استغلال الاحتلال للمشهد الإقليمي المتوتر لا يمكن فصل تصاعد وتيرة القصف والعمليات العسكرية في غزة خلال الأشهر الأخيرة عن السياق الإقليمي الأوسع الذي شهد تصعيداً حاداً بين إيران والولايات المتحدة وتوترات ممتدة في محيط الخليج ومضيق هرمز. فحين تتجه الأنظار الدولية والإعلامية نحو جبهة إقليمية أكبر يُخشى أن تتطور إلى مواجهة واسعة، يجد الاحتلال في هذا الانشغال الدولي فرصة مواتية لتصعيد عملياته العسكرية في غزة بوتيرة أعلى وضغط أقل، مستفيداً من تراجع الضغط الدبلوماسي الذي كان يمكن أن يُمارَس عليه لو ظلت الأنظار مركّزة على القطاع وحده. هذا النمط من استغلال الأزمات المتزامنة ليس جديداً في السياسة الدولية، لكن خطورته هنا مضاعفة، لأنه يحول التوتر الإقليمي من عامل قد يخدم القضية الفلسطينية بتوسيع دائرة الاهتمام إلى غطاء يُستخدم لتمرير المزيد من العمليات العسكرية دون حساب. وهذا ما يفرض على المتابعين والمحللين عدم فصل الملفين، بل قراءتهما معاً بوصفهما مساحة واحدة تُدار فيها موازين القوى والتوقيت السياسي بعناية من طرف الاحتلال وحلفائه.
خامساً: غزة قضية لا تموت مهما بلغ حجم التعتيم الإعلامي أو الانشغال الدولي بملفات أخرى، تبقى قضية غزة قضية مركزية لا يجوز أن تخضع لمنطق التراجع أو النسيان. فالسكوت عن قضية بهذا الحجم من المأساة الإنسانية ليس موقفاً محايداً، بل هو مشاركة ضمنية في إطالة أمدها، ذلك أن الأنظمة التي تستفيد من الصمت الدولي تُدرك جيداً أن استمرار المتابعة والتوثيق والضغط هو العامل الوحيد الذي يبقي كلفة استمرار العدوان مرتفعة سياسياً وأخلاقياً. لذلك فإن استمرار الحديث عن غزة، بكل لغات أهل الأرض وبكل الوسائل المتاحة، ليس ترفاً إعلامياً ولا تكراراً عبثياً، بل هو أضعف درجات المسؤولية تجاه قضية ما زالت تنزف يومياً أمام أعين العالم. توجيهات توعوية وعملية توثيق الوقائع اليومية بدقة وبأرقام وتواريخ محددة، فالتوثيق المنهجي هو الأساس الذي تُبنى عليه أي مساءلة قانونية أو سياسية لاحقة. فضح الفجوة بين الخطاب الرسمي المروَّج للهدنة والوقائع الميدانية اليومية، عبر مقارنة صريحة بين ما يُعلن وما يحدث فعلياً على الأرض. الضغط على المؤسسات الصحية والحقوقية والنقابات المهنية والمنظمات الأممية لقيادة تحرك دولي عاجل يطالب بالإفراج عن الكوادر الطبية المحتجزة وضمان وصول اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى الأسرى دون قيود. عدم السماح للانشغال الإقليمي أو الدولي بملفات أخرى أن يتحول إلى ذريعة لتغييب قضية غزة عن سلّم الأولويات الإعلامية والسياسية. الحفاظ على استمرارية الحديث عن القضية في الخطاب العام، فالتعتيم الإعلامي لا يعني توقف المأساة، بل يضاعف مسؤولية من يملك منبراً في إبقاء الحقيقة حاضرة. دعم مسارات التوثيق والمناصرة عبر القنوات المؤسسية الموثوقة، بما يضمن تحويل التعاطف الفردي إلى ضغط جماعي منظم وقابل للمتابعة.
خاتمة لن يكون الصمت خياراً مقبولاً أمام مشهدٍ تتحول فيه الجنازات إلى جنائز جديدة، وتتحول فيه الخيام إلى مقابر مؤقتة يحفرها الآباء بأيديهم خوفاً على أطفالهم. إن مسؤولية المتابعين والمهتمين بالقضية اليوم لا تقتصر على التعاطف العابر، بل تمتد إلى التحليل الدقيق والتوثيق المستمر والضغط المؤسسي المتواصل، حتى لا تتحول الهدنة المعلنة إلى غطاء يُبرّر استمرار الاستهداف، وحتى تبقى غزة حاضرة في كل منبر وكل خطاب، مهما طال أمد الصمت الدولي حولها. اللهم أطعم جائعهم، وآمِن خائفهم، وآوِ مشرّدهم، واشفِ جريحهم، وارحم شهيدهم، واكشف عنهم الحصار والبلاء.
اكتب مراجعة عامة