img
img

الشرع بين المرجعية والواقع: مقاربة تحليلية في السياسة الشرعية وإدارة الدولة السورية

img
منصة أفق السياسة

الشرع بين المرجعية والواقع: مقاربة تحليلية في السياسة الشرعية وإدارة الدولة السورية

د. فيصل الحمد

 تقييم الأداء المؤسسي والتخطيط الاستراتيجي


مدخل: حين يلتقي الفقه بالتاريخ

في لحظات نادرة من التاريخ، يقف الحاكم المسلم على تقاطع طرقٍ وجودي، يحمل في يدٍ نصاً مقدساً، وفي الأخرى واقعاً ملتهباً. في تلك اللحظة، لا ينفع الفقهُ المجرد ولا السياسةُ العلمانية، بل ينفع ما يمكن تسميته بـ"فقه الواقع"، أو ما اصطلح عليه علماؤنا بـ"السياسة الشرعية"، لتتحول المبادئ إلى قرارات، وتتحول القرارات إلى مصائر شعوب.

هذا المقال ليس سيرةً لشخص، بل هو تشريح فلسفي للعقلية الحاكمة التي تحاول أن تمزج بين ثوابت العقيدة ومتغيرات الواقع، في بلدٍ اسمه سوريا، وفي زمنٍ تتداخل فيه الاحتلالات والطوائف والضغوط الدولية، حتى ليكاد المرء يظن أن أحداً لا يستطيع أن يقف في وجه هذا الإعصار، ولا أن يسير في هذا الطريق الملغم بالألغام والمكائد والدسائس.

أولاً: العقيدة كبوصلة، والواقع كخريطة

الفارق الجوهري بين الحاكم المتدين والحاكم الفقيه، أن الأول يكتفي برفع شعارات الشريعة، بينما الثاني يغوص في مقاصد الشريعة ليستخرج منها حلولاً لواقعٍ يعيشه بكل تعقيداته.

الحاكم الذي يحمل رسالةً إسلامية، كما يبدو للمراقب العميق، يُدرك أن العقيدة ليست مجرد شعارات تُرفع، بل هي نظام قيمي يُبنى به الإنسان قبل أن تُبنى به الدولة. لهذا نجده يركز على:

1. بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

2. إعادة تعريف المواطنة بما يحفظ الكرامة للجميع.

3. تحويل العقيدة إلى سلوك أخلاقي في الإدارة والحكم، لا إلى أداة قمع أو استعلاء.

هذه هي العبقرية الفلسفية الأولى: جعل العقيدة مصدراً للكرامة الإنسانية، لا سيدةً عليه. عندما تصبح العقيدة بوصلة داخلية لدى الحاكم، فإنها توجه قراراته نحو العدل، لكنها لا تُلقى كحجارة على رؤوس المخالفين.

أما الواقع، فهو الخريطة التي يعرف منها أين يضع قدمه، وأين يتوقف، وأين يتقدم. الواقع السوري ليس مجرد شعب جريح، بل هو مختبر لصراع إرادات: إرادة شعب يريد الحرية، وإرادة قوى تريد الهيمنة، وإرادة طوائف تريد الأمان. فهم هذا الواقع بكل تعقيداته هو ما يجعل الحكم ممكناً، ويجعل القرارات متوازنة.

ثانياً: فلسفة التدرج: من فقه الصبر إلى فقه البناء

يقول الفلاسفة: "من لم يفهم طبيعة المرحلة، حكم على مشروعه بالفشل".

الحاكم المسلم يُفترض أن يقرأ المرحلة بعين فقه المراحل الذي طبقه النبي ﷺ في السيرة:

        مرحلة الاستضعاف: صبر ودعوة وبناء إيمان عميق.

        مرحلة التمكين: مؤسسات وعهود وإدارة تنوع.

        مرحلة المواجهة: استرداد الحقوق بعد اكتمال القوة.

سوريا اليوم خرجت من مرحلة الاستضعاف وتمر بمرحلة تمكين هش، حيث تتنازعها قوى داخلية وخارجية، في هذه المرحلة، لا يمكن أن تتصرف القيادة بعقلية المنتصر النهائي، بل بعقلية المرمم الذي يخشى أن يهدم الجدار إذا ضرب بيده بقوة.

لهذا نجد ملامح هذه الفلسفة واضحة:

        لا انتقام: لأن الانتقام يقتل المستقبل، والهدف هو بناء ذاكرة وطنية مشتركة، لا ذاكرة ثأر.

        لا تهميش: لأن الطوائف والمكونات إذا شعرت بالخطر، صارت مشاريع تقسيم.

        لا انعزال دولي: لأن سوريا تحتاج أن تلتقط أنفاسها اقتصادياً وسياسياً.

هذه القرارات قد يراها البعض "بطيئة" أو "متنازلة"، لكنها في العمق هي فقه اقتناص اللحظة: أن تحافظ على وجود الدولة أولاً، ثم تعزز حضورها، ثم تستكمل مشروعها.

ثالثاً: جدلية الثابت والمتحول في القرار السياسي

أخطر ما يواجه القائد الذي يحمل رسالةً دينية سامية أن يتيه بصره بين حدود الثابت ومرونة المتحول، فيقع في فخ الخلط المدمر:

        الثوابت: وهي الجوهر الذي لا يقبل المساومة، وتتمثل في القيم والمبادئ الكبرى التي تُبنى عليها شرعية الأمة ووجودها؛ كالعدل المطلق، والحرية، وصون الكرامة الإنسانية، ورفض الاحتلال بكل أشكاله، ووحدة التراب، وهنا يترسخ المعنى النبوي الخالد في قول النبي صلى الله عليه وسلم لبني شيبان: (إن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه)، في إشارة راسخة إلى أن الدين منظومة متكاملة لا تقبل التجزئة، ولا تُؤخذ انتقائياً لخدمة مصالح ضيقة أو أهواء عابرة.

        المتغيرات: وهي الأوعية والوسائل والأدوات التنفيذية التي تتسع بالضرورة لمتغيرات العصر، وتتكيّف بحسب تبدل الظروف والمصالح المعتبرة.

القيادة السورية، بحسب المعطيات الميدانية، تبدو متمسكة بالثوابت في:

1. رفض تقسيم سوريا.

2. الإصرار على استعادة السيادة على كامل التراب السوري.

3. عدم الاعتراف بشرعية الاحتلال الإسرائيلي، مع بقاء حق استرداد الأرض قائماً لا يسقط بالتقادم.

4. التمسك بالهوية الإسلامية الحضارية للدولة دون إكراه للآخرين.

وفي المقابل، تتجلى مرونتها البليغة في ساحة "المتروكات والوسائل" (المتغيرات):

1. إدارة شبكة التحالفات وشكل العلاقات مع القوى الدولية والإقليمية بما تقتضيه المصلحة العليا.

2. تقدير التوقيتات وإيقاع الخطوات في فرض النظام العام وترتيب الأولويات الداخلية.

3. اعتماد المناهج الأدق في إدارة التنوع الاجتماعي والديني بحكمة تستوعب الجميع.

هذا الفهم الجدلي الرصين هو روح السياسة الشرعية وعمادها الأكين: أن يكون القائد صلباً كالجبل في عقيدته ومبادئه، ومتدفقاً كالنهر في وسائله وطرائق معالجته.

رابعاً: بين عمر وأبي بكر: ميزان الحكم الراشد

في التاريخ الإسلامي، يمثل أبو بكر الصديق الصلابة المؤسسية، بينما يمثل عمر بن الخطاب المرونة الاجتهادية.

        أبو بكر قاتل مانعي الزكاة حفاظاً على وحدة النظام.

        عمر غيّر وعاء فرض المال على بني تغلب مراعاةً لطبيعتهم، فسماها صدقة مضعفة، مع بقاء الوجوب المالي.

القيادة في سوريا تمارس الازدواج الراشدي:

        فهي صديقية عندما يتعلق الأمر بوحدة البلاد ورفض الفوضى.

        وهي عمرية عندما تتعامل مع الأقليات والطوائف والمجتمع المدني.

هذا المزج ليس تلفيقاً، بل هو فقه المصلحة المرسلة الذي يجعل من النصوص روحاً تسري في جسد الواقع، لا سيفاً يقطع أوصال المجتمع.

خامساً: فلسفة "المقاومة الشاملة" في مواجهة الاحتلال

إذا كان الاحتلال الإسرائيلي قد استغل لحظة انهيار الدولة السورية ليتوسع في الجنوب، فإن السؤال الفلسفي الذي يطرح نفسه هو: كيف يقاوم الحاكم الواقعي؟

الإجابة تكمن في مفهوم "المقاومة الشاملة" التي لا تختزل في السلاح. والمقاومة هنا لا تعني المواجهة العسكرية الفورية، بل هي إدارة صراع طويلة النفس تتنوع أدواتها بتغير المراحل:

        مقاومة سياسية: برفض التطبيع وعدم الاعتراف بالاحتلال.

        مقاومة قانونية: عبر توثيق الانتهاكات والسعي لملاحقة المحتل دولياً.

        مقاومة تنموية: ببناء الداخل وتقويته، لأن التنمية هي أساس القوة.

        مقاومة ثقافية: بترسيخ الهوية الوطنية السورية التي تضم الجميع.

        مقاومة مواطنية: الوطن للجميع واستيعاب الاختلافات الطائفية.

        مقاومة فكرية: بخلق حلول غير اعتيادية لا تنبع من الرؤية والوسائل الغربية في كل الجوانب، بمعنى التفكير خارج الصندوق والحلول المعلبة الغربية.

القيادة السورية في هذه المرحلة تبدو وكأنها تشتغل على البنية التحتية للتحرير: وحدة الصف، بناء المؤسسات، كسب الأصدقاء الدوليين، وتهدئة الجبهات الداخلية. هذه هي "سنة النبي ﷺ" في الحديبية: أن تشتري الزمن لصالحك، لا أن تحرق نفسك في معركة غير مكتملة الأركان.

سادساً: أخطر لحظة: متى تتحول المرونة إلى تفريط؟

لكي تكتمل الرؤية الفلسفية، يجب أن نعترف بالمخاطر.

المرونة مشروعة ما دامت تحمي الثوابت، لكنها تتحول إلى انزلاق عندما:

1. تُباع الأرض: حين يتحول الصمت عن الاحتلال إلى قبول به.

2. تُفرغ الشريعة من محتواها: حين تصبح الهوية الإسلامية للدولة مجرد ديكور خطابي.

3. يُطبع مع العدو: حين تصبح المصالح الاقتصادية أقوى من قيم التحرير.

4. يُعاد إنتاج الاستبداد: حين يتحول "ضبط الأمن" إلى قمع للمعارضة المشروعة.

القيادة السورية اليوم في اختبار تاريخي: هل ستبقى عند حدود "فقه المرحلة"، أم ستجرفها تيارات المصالح نحو "فقه الانهزام"؟

الجواب يعتمد على قدرتها على استيعاب المجتمع في صناعة القرار، وعدم احتكار الحقيقة، وجعل المؤسسات أقوى من الأفراد.

خاتمة: الحكم في زمن الرماد

إن الحكم في سوريا اليوم يعني أن تقف فوق بركان من الجراح والتحديات، والتاريخ لا يمنح الفرص إلا للذين يفهمون أن:

        العقيدة هي أن تجعل للشعب رباً يخشاه، وضميراً يحاسبه.

        الواقع هو أن تجعل لهذا الشعب قوتاً يأكله، وأماناً يسكن فيه، ودولة تحميه.

        الحكمة هي أن تعرف كيف توازن بين هذا وذاك، دون أن تفرط في هذا لذاك.

الحاكم في سوريا ليس ملاكاً منزلاً، ولا بطلاً أسطورياً، بل بشرٌ تحاصره الظروف، ويختبره التاريخ. فإن التزم بمعادلة الشريعة والواقع، وامتلك بوصلة الصدّيق ومرونة الفاروق، فربما يكتب لهذا البلد المنكوب فصلاً جديداً من النهوض، كما نهضت من قبل مجتمعات من تحت الرماد.

فما أحوج سوريا اليوم إلى حاكمٍ يدرك أن السياسة الشرعية ليست نصوصاً جامدة، بل روحٌ تبحث عن العدل في كل زمان ومكان، وما أحوج الأمة إلى أن تدرك أن التغيير الحقيقي لا يأتي إلا حين تلتقي قوة المبدأ بمرونة التطبيق، على قاعدة:

"العقيدة إيمان ثابت، والوسائل متغيرة مرنة"

وهذه هي فلسفة الحكم التي يجب أن ننظر بها إلى التجربة السورية، بعينٍ ناقدة منصفة، لا بعينٍ متحمسة تبرر كل شيء، ولا بعينٍ محبطة ترفض كل شيء، ولا بعينٍ رافضة للواقع.

إن الأمة العربية والإسلامية تنظر إلى التجربة السورية نظرة أمل للخروج من الحلقة المفرغة التي تدور فيها، ومن زمن التيه الذي طال أمده، حتى كاد اليقين أن يضيع بين الأهوال.

تعليقات