أ.د. عصام اشويدر الحسني
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان
سلسلة تحليلات استراتيجية وجيوسياسية متكاملة
حين يُروَّج للصورة قبل البيان كرسالة مبطنة
محمد بن سلمان ورجب طيب أردوغان وشهباز شريف يؤدون صلاة الجمعة معاً في المسجد الحرام، ثم يوقعون في قصر الصفا بمكة المكرمة اتفاقية تحمل اسم البقعة التي جمعتهم. المشهد لم يكن بروتوكولاً عابراً، فالإعلام التركي نفسه توقف عند تفصيل لافت هو الأجواء الودية والعفوية بين القادة الثلاثة، بعيداً عن جفاف التصريحات الرسمية. وفي السياسة الدولية، الصور نادراً ما تصنع الاتفاقات، لكنها كثيراً ما تكشف المناخ الذي وُلدت فيه الاتفاقات. والمناخ هنا واضح: ثلاث دول تملك مجتمعة ما لا تملكه منفردة، اجتمعت في لحظة واحدة من عمر منطقة تُحاصَر منذ أشهر بحرب لم تخترها ولم تُستشر في قرارها.
توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك جرى فعلياً يوم الجمعة السابع من أغسطس 2026 في قصر الصفا بمكة المكرمة، بمشاركة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف. والاتفاق ينص على مبدأ لا يحتاج إلى شرح لمن عاش عقوداً في ظل حلف الناطلسي: أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد اعتداءً عليها جميعاً. هذا التطابق مع المادة الخامسة من ميثاق الناتو لم يفت أحداً من المراقبين، وهو ما دفع كثيرين لتسمية الاتفاق بالناتو السني (السني بمفهومه السياسي الغربي هو مصطلح يفتقر إلى الدلالة الحقيقية للسني من الناحية العقدية أو الشرعية)، رغم أن الرياض وإسلام آباد وأنقرة حرصن جميعاً على نفي أي طابع طائفي أو مذهبي للتحالف.
من يملك ماذا: تشريح تحالف القوى الثلاث
الاتفاق لا يقوم على عدو معلن، بل على جمع ثلاث طبقات من القوة لم تجتمع من قبل تحت مظلة واحدة. السعودية تضع على الطاولة ثقلها المالي وموقعها الجغرافي بين الخليج والبحر الأحمر ومكانتها الدينية الرمزية بوصفها قِبلة العالم الإسلامي. تركيا تضيف جيشاً هو الثاني حجماً داخل حلف الناتو، وصناعة دفاعية متسارعة النمو، وخبرة عملياتية ممتدة من سوريا إلى ليبيا والبحر الأسود. أما باكستان فتحمل ما لا تملكه الدولتان الأخريان: الترسانة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، وجيشاً يفوق تعداده مئات الآلاف، وموقعاً حدودياً مباشراً مع إيران وأفغانستان.
والأهم أن هذا التحالف لا يبدأ من الصفر. فالاتفاق الدفاعي الثنائي السعودي الباكستاني الموقّع في سبتمبر 2025 كان قد انتقل بالفعل من الورق إلى الميدان، بوصول نحو ثمانية آلاف جندي باكستاني، وستة عشر مقاتلة من طراز جيه إف 17، وأسراب من المسيّرات، ومنظومة الدفاع الجوي الصينية الصنع HQ 9 إلى الأراضي السعودية. اتفاق مكة إذن لا يبني تحالفاً افتراضياً، بل يوسّع ترتيباً أثبت بالفعل قابليته للتنفيذ.
حين تجتمع الطاقة السعودية، والجيش التركي، والقنبلة الباكستانية، تحت مظلة واحدة، فإن السؤال الحقيقي لم يعد من هو العدو، بل من يملك القرار حين يُستدعى بند الدفاع المشترك.
لماذا الآن: حين تصنع أمريكا حليفاً لا تملك زمامه
توقيت الاتفاق لا يُقرأ بمعزل عن استراتيجية الدفاع الأمريكية لعام 2026، التي أعلنت فيها واشنطن بوضوح توجهها نحو ما يُعرف بتقاسم الأعباء: الاحتفاظ بالقواعد والتفوق الجوي والبحري والمعلومات الاستخباراتية، مع دفع القوى الإقليمية لتحمل الجزء الأكبر من عبء الدفاع عن نفسها. من هذه الزاوية يبدو اتفاق مكة استجابة مباشرة لرغبة أمريكية: حلفاء أقوى يقللون الحاجة إلى تدخل أمريكي مباشر في كل أزمة، فيما تحتفظ واشنطن بالمظلة الاستراتيجية العليا.
لكن هنا يكمن الفخ الذي قد تقع فيه واشنطن دون أن تنتبه: فتحالف يجمع جيشاً بحجم الجيش التركي، وقنبلة نووية باكستانية، وثقلاً مالياً سعودياً، ويطور مع الوقت قيادة مشتركة وصناعة عسكرية مندمجة ومنظومة دفاع جوي مترابطة، لن يظل بالضرورة أداة تنفذ الرغبة الأمريكية إلى الأبد. فقد يتحول تدريجياً من حليف يُدار من الخارج إلى قطب إقليمي يمتلك قراره بنفسه، يستفيد من الغرب أمنياً ومن الصين اقتصادياً، دون أن يكون تابعاً لأي منهما. وهذا الاحتمال يزداد ترجيحاً بوجود تركيا تحديداً، بما تملكه من خبرة دبلوماسية وعسكرية ممتدة مع الشرق والغرب على حد سواء.
أمريكا لا تصنع اليوم حليفاً بالمعنى التقليدي، بل تُخرج إلى الوجود، من حيث لا تقصد، لاعباً إقليمياً جديداً فوق رقعة الشطرنج الكبرى. وهذا هو الفارق الجوهري بين إدارة الأزمة والتحكم في نتيجتها.
الغياب اللافت: أزمة الثقة السعودية المصرية
الغياب الأبرز عن طاولة مكة لم يكن الخليج وحده، بل مصر تحديداً، رغم أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان كان قد دفع باتجاه إدراج القاهرة، ووصفها علناً بأنها شريك طبيعي في جميع القضايا. غير أن مصادر سعودية موثوقة أكدت أن الرياض عارضت انضمام مصر إلى الاتفاق في هذه المرحلة، وأن ثقة السعودية بالقاهرة في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي تراجعت بصورة ملحوظة. المصادر ذاتها تتحدث عن نظرة سعودية ترى أن مصر باتت تعتمد بصورة متزايدة على الدعم المالي الخارجي، دون أن تقدم في المقابل وزناً عسكرياً واستراتيجياً موازياً، إلى جانب تحفظات سعودية إزاء قرب القاهرة من أبوظبي في ملف التنافس الإقليمي بينهما.
ومع ذلك فالباب لم يُغلق نهائياً. فوزير الخارجية المصري أعلن أن القاهرة تدرس بجدية مسألة الانضمام إلى اتفاقية مكة من مختلف جوانبها، مؤكداً وجود تنسيق كامل بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان ضمن آلية رباعية قائمة أصلاً، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن أي انضمام يتطلب دراسة دستورية وقانونية معمقة قبل اتخاذ أي إجراء. هذا التريث الرسمي المصري يقابله تريث سعودي مواز، والمحصلة أن مصر، صاحبة أحد أكبر الجيوش في المنطقة والتي شاركت تاريخياً في تحرير الكويت عام 1991، وجدت نفسها للمرة الأولى منذ عقود خارج ترتيب أمني إقليمي كبير يُصاغ في محيطها المباشر.
الفجوة بين الموقف الرسمي وضجيج المنصات
وهنا لا بد من الإشارة إلى معطى يستحق الرصد لا التسليم به كحقيقة مؤكدة: تتداول بعض حسابات التواصل الاجتماعي روايات عن اتساع فجوة شعبية بين المصريين ودول الخليج بسبب تعاطف مزعوم لدى قطاع من الرأي العام المصري مع الرواية الإيرانية حيال الحرب. هذه المعطيات لم تصدر عن مصدر رسمي موثوق ولا تعكس الموقف المصري المعلن، الذي جاء منذ اليوم الأول للحرب مديناً بوضوح استهداف إيران لدول الخليج والأردن، بل إن القاهرة عززت حضورها العسكري الرمزي في الإمارات ودول خليجية أخرى تضامناً معها. الأدق تحليلياً إذن هو التمييز بين أمرين منفصلين: أزمة ثقة موثقة على مستوى القرار الاستراتيجي بين الرياض والقاهرة، ومعطيات غير موثقة تُروَّج على منصات التواصل حول الشارع المصري. الخلط بينهما يخدم من يريد تعميق القطيعة، لا من يريد فهمها.
مصر لم تُستبعد من مكة بقرار إيراني ولا بضغط أمريكي، بل بحسابات ثقة تراكمت عبر سنوات. وهذا أخطر من أي إقصاء مفروض من الخارج، لأنه إقصاء تصنعه العلاقة العربية العربية بيدها.
الحلقة المضادة: تركيا بين تطويقين
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لم يكتفِ بالترويج لاتفاق مكة، بل كشف عن قراءته لتحالف مضاد يتشكل في المتوسط: التحالف الأمني الذي جمع إسرائيل وقبرص واليونان قبل توقيع اتفاق مكة بفترة. ووصف فيدان الصورة بعبارة مباشرة: تركيا في شمال المتوسط، ومصر في جنوبه، وهذا التحالف يرسم خطاً في المنتصف بينهما، وغرضه ووجهته واضحان بحسب تعبيره. وهذا الموقف ليس جديداً، بل امتداد لتوصيف تركي سابق يرى في هذا المحور محاولة لتطويق أنقرة من الجنوب.
والمفارقة أن مسؤولين في الكيان الإسرائيلي يقرأون المشهد بالمنطق المعاكس تماماً، إذ وصف مسؤول رفيع عندهم اتفاق مكة نفسه بأنه تحالف موجه ضد إسرائيل، ودليل على صعود محور سني مقابل تراجع ما يُسمى بالمحور الشيعي. وهكذا يجد كل طرف في تحالف الطرف الآخر تطويقاً له، في حلقة تصعيد تأويلي متبادل يصعب كسرها. وتزداد الصورة تعقيداً حين نضع اليونان في موقعها الحقيقي: عضو في الناتو تواجه اتهاماً من حليفها التركي داخل الحلف ذاته بالانحياز إلى محور مضاد، بينما تُصر أثينا على أن شراكتها مع إسرائيل وقبرص سلمية ولا تستهدف أي طرف ثالث. وهذا اختبار حقيقي لقدرة الناتو على احتواء تناقضات أعضائه الإقليمية، لا مجرد خلاف عابر بين حليفين.
هرمز وباب المندب: من يحاصر من؟
بينما تُبنى التحالفات البرية في مكة، تشتد المعركة على الممرات المائية. ترامب هدد علناً بإعلان مضيق هرمز أرضاً تابعة للولايات المتحدة بعد ما وصفه بهزيمة إيران، معتبراً أن الضربات الأمريكية أحدثت أضراراً كبيرة بالقدرات العسكرية الإيرانية، وأن واشنطن لم تعد ترى قيادة إيرانية واضحة يمكن التفاوض معها. طهران ردت بالرفض القاطع، إذ اعتبر نائب وزير الخارجية الإيراني أن هرمز لا يمكن الاستيلاء عليه بتغريدة ولا بأمر تنفيذي ولا بخطاب انتخابي، مؤكداً أن المضيق إيراني وسيظل كذلك، وأن المضيق سيُفتح أو يُغلق فقط تحت قرار إيراني.
وفي المقابل، وبينما تتركز الأنظار على هرمز، تتحرك الأذرع الإيرانية في الاتجاه المعاكس تماماً نحو باب المندب
الحوثيون كثّفوا تهديد الملاحة في هذا الممر الحيوي الثاني، وهو ما يطرح فرضية تحليلية جديرة بالتأمل: هل ثمة تفاهم ضمني، ولو غير معلن، بين واشنطن وطهران على تقسيم مناطق النفوذ في الممرات المائية، بحيث تُبقي كل جهة توترها في الممر الذي يخدم حساباتها، فيما يبقى الطرف الأكبر خاسراً في الحالتين هو حركة الملاحة الدولية ودول المنطقة التي لا تملك قراراً في أي من الممرين؟ هذا سؤال يستحق المتابعة الدقيقة أكثر مما يستحق الجزم بإجابة قاطعة في هذه المرحلة.
حين يتنازع طرفان على من يملك الممر المائي، فإن الخاسر الوحيد المؤكد هو من يعبر منه دون أن يُستشار: دول الخليج التي تمر عبر هرمز سبعون بالمئة من وارداتها الغذائية، واليمن الذي يُستخدم باب المندب ساحة لتصفية حسابات لا علاقة له بها.
طهران: خطاب الصلابة وواقع التصدع
التصريحات الإيرانية في هذه المرحلة تحمل مؤشرين متناقضين ظاهرياً لكنهما يكشفان الحقيقة ذاتها. الرئيس مسعود بزشكيان أكد مراراً أنه لن يقف أبداً ضد المرشد، معتبراً أن الوحدة أهم من أي قيمة أخرى، وأن انكسارها يعني انهيار السلطة. هذا الخطاب، الذي يبدو تأكيداً للتماسك، هو في جوهره اعتراف ضمني بهشاشة هذا التماسك، إذ لا يحتاج نظام مطمئن إلى تكرار قسم الولاء بهذه الوتيرة. وفي موازاة ذلك جاء تصريح نائب وزير الخارجية غريب أبادي في لهجة أكثر حدة، رافضاً وصف الهزيمة، ومتهماً واشنطن بالمكابرة، ومؤكداً أن إيران لا تخشى التهديدات ولا تستسلم لاستعراضات القوة.
هذا التذبذب بين خطاب الوحدة الداخلية وخطاب التحدي الخارجي هو استمرار مباشر لما رصدته هذه السلسلة في حلقات سابقة: التهويل الإعلامي الإيراني مؤشر انهيار داخلي لا قوة، وكلما اشتدت لهجة النفي والتحدي في العلن، تعمقت الفجوة بين مراكز القرار الثلاثة داخل الجمهورية الإيرانية: الدائرة السياسية المدنية، والحرس الثوري، والمرشد الذي لا يُعرف موقفه الحقيقي على وجه الدقة.
خلاصة تحليلية: قوة مستقلة أم أداة أمريكية مؤجلة؟
اتفاق مكة يحتمل مسارين متناقضين تماماً في نتيجتهما النهائية، وكلاهما وارد بالقدر ذاته من الجدية في هذه المرحلة المبكرة. المسار الأول أن يبقى التحالف أداة أمريكية بامتياز، تُدار من بعيد ضمن فلسفة تقاسم الأعباء، فتُبقي واشنطن يدها العليا على القرار الاستراتيجي بينما تتحمل الرياض وأنقرة وإسلام آباد الكلفة الميدانية والسياسية. والمسار الثاني أن يتطور التحالف، مع الوقت وتراكم التجارب الميدانية المشتركة، إلى قطب إقليمي فعلي يمتلك قراره المستقل، ويعيد صياغة موازين القوى في منطقة اعتادت أن تُدار موازينها من خارجها لا من داخلها.
وما يحسم الاتجاه ليس نوايا الموقعين المعلنة، بل ثلاثة اختبارات عملية قادمة: هل ينضم إلى الاتفاق أطراف عربية وإسلامية أخرى فيتحول من تحالف ثلاثي إلى منظومة إقليمية أوسع، أم يبقى محصوراً في حدوده الحالية؟ وهل تُترجم بنوده الدفاعية العامة إلى آليات تدخل عسكري واضحة عند أول اختبار حقيقي، أم تبقى حبراً على ورق كما تخشى تحليلات عديدة؟ وهل تنجح الرياض في ردم فجوة الثقة مع القاهرة بما يوسع قاعدة التحالف عربياً، أم يترسخ الانقسام العربي العربي في قلب أخطر لحظة إقليمية منذ عقود؟
تذكير منهجي
لا تثق بالصورة الودية، وراقب من غاب عنها ولماذا غاب.
لا تثق بشعار عدم الاستهداف، وراقب من يشعر بأنه مستهدف فعلاً.
لا تثق بالمظلة الأمريكية الجديدة، وراقب من يملك مفتاح إطفائها حين تحين اللحظة.
لا تثق بوحدة الخطاب الإيراني المعلنة، وراقب من يكرر القسم أكثر من اللازم.
﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ سورة الأنفال، الآية 30
أغسطس 2026 - سلسلة تحليلات استراتيجية متكاملة، التحليل الحادي عشر
اكتب مراجعة عامة