التحليل التاسع
من الهدنة إلى الجبهات المفتوحة إلى التطبيع
حين يُصبح التطبيع ثمن البقاء وثمن الاتفاق النووي
إعداد: الأستاذ الدكتور عصام اشويدر الحسني
الزمنية: 23 — 25 يوليو 2026
سلسلة تحليلات استراتيجية وجيوسياسية متكاملة
اليوم الثالث عشر: حين تتحول الحرب إلى روتين
ثلاثة عشر يوماً متتالياً من الضربات الجوية الأمريكية داخل الأراضي الإيرانية لم تعد خبراً عاجلاً بقدر ما أصبحت جدول أعمال يومياً. أميدية وجاسك وبندر عباس وكنارك والأحواز، وهذه الأخيرة كانت الأكثر تعرضاً للغارات خلال اليوم، جميعها أسماء توالت على نشرات الأخبار حتى فقدت وقع المفاجأة. وهذا بحد ذاته مؤشر يستحق التوقف عنده: الحرب التي تستمر دون أن تُحدث صدمة متجددة هي حرب دخلت طور الاستنزاف الطويل، لا طور الحسم السريع.
- في المقابل ردّت إيران باستهداف الأردن والكويت في اليوم نفسه، بينما أُسقطت صواريخ إيرانية فوق درعا السورية كانت متجهة أصلاً نحو إسرائيل. هذا التفصيل وحده يكشف أن الجغرافيا التي تحترق اليوم لم تعد جغرافيا الفعل ورد الفعل بين طهران وواشنطن، بل توسّعت لتشمل كل مساحة تقع على خط النار المحتمل، سواء كانت طرفاً في القرار أو لم تكن.
الخليج: من جبهة عبور إلى هدف مباشر
لم يعد الاستهداف الإيراني للكويت حادثاً عابراً. مبنى الجوازات في منفذ العبدلي الحدودي مع العراق، وهو منشأة مدنية بامتياز، تعرّض لهجوم بطائرات مسيّرة معادية تسبب بأضرار مادية دون إصابات بشرية بحمد الله. القوات المسلحة الكويتية وصفت الحادث بأنه ناتج عن عدوان إيراني آثم، في لغة رسمية غير معتادة تكشف حجم الغضب خلف البيان الدبلوماسي المعتاد.
حين يُستهدف مبنى جوازات مدني على حدود دولة لم تُشارك في الحرب، فإن الرسالة لا تحتاج إلى تأويل: الخليج لم يعد محايداً في نظر طهران، بل أصبح امتداداً جغرافياً لساحة المواجهة مع واشنطن، سواء رضي بذلك أم لم يرضَ.
الأردن بدوره اعترض صواريخ ومسيّرات إيرانية كانت في طريقها للمحتل الإسرائيلي، ليجد نفسه يدفع ثمن جغرافيته دون أن يكون طرفاً في القرار من أي جهة. وهذا يُعيد إلى الواجهة معادلة تكررت في هذه السلسلة أكثر من مرة: دول المنطقة تتحول إلى ساحة تصفية حسابات بين قوى لا تستشيرها ولا تُحمّلها في حساباتها إلا حين تحترق أرضها.
البحر الأحمر: جبهة موازية لا تابعة
في موازاة الجبهة البرية، اشتعل البحر الأحمر من طرف مختلف. السفينة السعودية إن سي سي ماسا تعرضت لهجوم أدى إلى إصابة طفيفة في بدنها، بعد يومين فقط من استهداف السفينة السعودية إنسيليا التي نتج عنها حريق. الحوثي في اليمن كان قد أعلن في وقت سابق من الأسبوع فرض حصار بحري على المملكة، وهو إعلان قوبل بانتقاد واسع إقليمياً ودولياً.
• الهجوم الثاني على سفينة سعودية خلال أقل من أسبوع في المياه نفسها
• الحوثي يُعلن حصاراً بحرياً رسمياً على السعودية لأول مرة بهذا الوضوح
• موقف دولي متصاعد ضد الحوثيين لكن دون فعل رادع حتى الآن
المهم هنا أن هذه الجبهة، وإن تقاطعت مصالحها مع طهران، لا تسير بالضرورة بأمر مباشر منها في كل ضربة. وهذا ما يجعل البحر الأحمر أخطر من جبهة اليابسة: فهو مساحة يمكن أن تنفلت فيها الأمور عن سيطرة أي طرف، بما في ذلك إيران نفسها، لأن الفاعل فيها متعدد الولاءات ومتعدد الحسابات.
- حين تُصبح المصادرة سياسة معلنة
أعلن ترامب أن أي أضرار تلحق بالسفن أو الشحنات سيتم تعويضها من الأموال الإيرانية المجمدة التي تسيطر عليها الولايات المتحدة، واصفاً ذلك بأنه إجراء عادل ومنصف. الرد الإيراني جاء سريعاً وحاداً على لسان وزير الخارجية، الذي اعتبر أن الاستيلاء على أصول دولة أخرى لتغطية مطالبات لا صلة مباشرة لها بتلك الأصول يُرسي سابقة خطيرة ومؤجّجة.
من يحتفي اليوم بمصادرة أموال إيران عليه أن يسأل نفسه سؤالاً واحداً: إذا تطبّعت الدول الكبرى مع مبدأ مصادرة أصول من تختلف معه سياسياً، فأي ضمانة تبقى لأي دولة أخرى، بما فيها دول الخليج نفسها، بأن أصولها لن تكون الهدف التالي في نزاع مقبل لا تعرف تفاصيله بعد؟
هذه ليست دفاعاً عن إيران بقدر ما هي قراءة في المنهج. فالسياسة التي تُبرَّر اليوم بأنها عقاب لخصم معلن، قد تتحول غداً إلى أداة ضغط على حليف متردد. والدول التي تحتفظ بأصول ضخمة في الخارج، ومنها دول خليجية بمليارات الدولارات، معنية بهذا النقاش أكثر من غيرها.
الكاشف الأكبر: التطبيع شرط لم يُعلن ولم يُنسَّق
وقّعت وزارة الطاقة السعودية اتفاقية التعاون النووي مع الولايات المتحدة، في خطوة قُدّمت إعلامياً بوصفها إنجازاً استراتيجياً سعودياً خالصاً. لكن الصورة الكاملة اتضحت خلال ساعات: مصدر لصحيفة الشرق ببلومبرغ أكد أن إعلان ترامب ربط التطبيع مع إسرائيل بشرط لإتمام الاتفاق النووي لم يكن منسّقاً مع الرياض.
ثم جاء تصريح المتحدثة باسم البيت الأبيض ليفيت أكثر وضوحاً حين قالت إنه لا برنامج نووياً سعودياً من دون دخول اتفاقيات إبراهام، مؤكدة أن القرار النهائي بيد ترامب وأن الصفقة لن تُبرم إذا لم تنضم السعودية للاتفاقيات. وحين سُئلت عن احتمال إعفاء السعودية من التفتيش الدولي، اكتفت بالقول إنها لا تريد التعليق على التفاصيل، وهو تحفظ يحمل دلالته الخاصة.
حين تُعلن دولة عظمى صفقة باسم شريك إقليمي، ثم تُضيف شرطاً سياسياً حساساً دون علمه المسبق، فإن السؤال لم يعد عن مضمون الصفقة، بل عن من يملك القرار فعلياً في الملف الذي يُقال إنه سعودي. الصمت السعودي الرسمي حتى كتابة هذه السطور ليس قبولاً، لكنه ليس رفضاً معلناً أيضاً، وهذا الفراغ بالذات هو ما ينبغي مراقبته في الأيام القادمة.
الأخطر في هذا المشهد أن التطبيع يُقدَّم هنا لا كخيار سيادي تتخذه السعودية في توقيتها ووفق حساباتها، بل كثمن مفروض مقابل حق مدني، هو الطاقة النووية السلمية، من المفترض أنه لا علاقة مباشرة له بالصراع العربي الإسرائيلي من الأساس.
من الأهداف في هذه الحرب خمسة أهداف
قراءة متأنية لمجريات الأسابيع الأخيرة تكشف أن هذه الحرب لم تعد تُدار لهدف واحد معلن هو كبح البرنامج النووي الإيراني، بل تحمل في طياتها حزمة أهداف متوازية تتقاطع وتتكامل، وإن بدت متناقضة في الظاهر منها :
• التطبيع: تحويل لحظة الضعف الإقليمي إلى فرصة لانتزاع اعتراف سياسي كان يُعتبر حتى وقت قريب مطلباً بعيد المنال
• التركيع: إخضاع دول كانت تُدير سياساتها الخارجية بقدر من الاستقلالية إلى موقع المتلقي للأوامر لا المفاوض الندّ
• التخويف: استخدام التصعيد المستمر وسيلة ضغط نفسي مزمن تُبقي المنطقة بأسرها في حالة ترقب دائم
• الاستنزاف: إطالة أمد الحرب بما يُنهك الاقتصادات الإقليمية جميعها، المعادية والحليفة على حد سواء
• الاستحواذ: تثبيت مواطئ قدم اقتصادية وأمنية جديدة، من اتفاقيات الطاقة النووية إلى ترتيبات الممرات المائية
هذه الأهداف الخمسة لا تخدم بالضرورة جهة واحدة بالكامل، لكنها تلتقي جميعاً عند نتيجة واحدة: منطقة تخرج من هذه الحرب أضعف مما دخلتها، وأقل قدرة على قول لا، أياً كان الطرف الذي يطلب الموافقة.
الكونغرس يُموّل حرباً بلا أفق زمني معلن
اعتمد مجلس النواب الأمريكي خطة أولية لموازنة توفر خمسة وتسعين مليار دولار لتمويل الحرب على إيران. هذا الرقم وحده يستحق التوقف: فالميزانيات الحربية الضخمة لا تُخصَّص عادة لعمليات يُتوقع حسمها خلال أسابيع، بل لحروب استنزاف مفتوحة الأمد.
وفي الوقت ذاته، تنقل وول ستريت جورنال أن ترامب لا يرى حالياً خياراً أفضل من مواصلة الضربات، بينما لا يزال ويتكوف وكوشنر يعتقدان أن التوصل إلى اتفاق ما زال ممكناً. هذا الانقسام داخل الإدارة الأمريكية نفسها يُضاف إلى الانقسام الموصوف سابقاً داخل مراكز القرار الإيرانية، ليُنتج مشهداً تتقاطع فيه الفوضى من الجهتين، لا الحسم من أي منهما.
كما تنقل الصحيفة أن ترامب بات يشعر بإحباط متزايد من نتنياهو، في وقت تسعى فيه إسرائيل لترتيب لقاء بينهما رغم التوتر القائم. وهذا التفصيل يُذكّر بثابت من ثوابت هذه السلسلة: تعدد اللاعبين الكبار في المسرح لا يعني بالضرورة تطابق أجنداتهم، حتى وهم في الخندق ذاته.
الخلاصة: الثوابت تتأكد لا تتغير
هذه الدفعة من الأحداث، رغم وقوعها بعد أشهر من محطات هذه السلسلة، لا تنقض ما استقرت عليه من قراءات، بل تُعمّقها. الخليج ما زال يدفع ثمناً لا يختاره. غزة غائبة تماماً عن كل هذه المعطيات وقتل يومي وتوسيع دائرته ، لم تُذكر في تصريح واحد من التصريحات المتداولة. والتصريحات، كما جرت العادة، يجب أن تُقرأ كدخان لا كحقيقة.
والجديد هذه المرة أن الثمن لم يعد اقتصادياً أو أمنياً فقط، بل أصبح سياسياً بامتياز: التطبيع نفسه يتحول من قرار سيادي إلى شرط مفروض، ومن خيار استراتيجي إلى تذكرة عبور إجبارية نحو الاعتراف بالحق في التكنولوجيا النووية السلمية.
السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم في كل عاصمة خليجية ليس فقط متى تنتهي هذه الحرب، بل ماذا سيبقى من هامش القرار المستقل بعد أن تنتهي، أياً كانت النتيجة النهائية على الأرض.
تذكير منهجي
لا تثق بإعلان الصفقات قبل أن تسأل من صاغ بنودها فعلياً. ولا تثق بالصمت الرسمي بوصفه رضا، فقد يكون انتظاراً لحساب الخسائر قبل اتخاذ الموقف. وراقب دائماً الفارق بين ما يُعلن باسم دولة وما يُقرر فعلياً من خلفها.
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾
يوليو 2026 — سلسلة تحليلات استراتيجية متكاملة
اكتب مراجعة عامة