الأستاذ الدكتور عصام اشويدر الحسني، رئيس شبكة الرواد ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان
مدخل: حدث يتجاوز الأرقام
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله اَلْحَمْدُ ِللهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِيْنَ وَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِيْنَ وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى أَشْرَفِ اْلأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْن ثم أما بعد :
ما جرى عند سبتة ليس مجرد موجة هجرة غير نظامية عابرة، بل حدث مركب يكشف تداخل السياسة بالأمن، والاجتماع بالاقتصاد، والرمز بالتاريخ، وجامع ذلك كله البعد عن تطبيق شريعة الله الغراء الحكيمة التي لو حُكّمت لضبطت هذه الموازين جميعًا. فحين يندفع آلاف الشباب نحو البحر أو السياج الحدودي في وقت واحد، فالمسألة لا تعود مجرد رغبة فردية في العبور، بل تصبح تعبيرًا عن اختناق اجتماعي عميق، وعن لحظة سياسية قابلة للتوظيف، وعن حدود تفضح هشاشة التوازنات بين المغرب وإسبانيا وأوروبا كلها. والأرقام الكبيرة التي تداولتها وسائل الإعلام حول عبور عشرات الآلاف إلى سبتة خلال وقت قصير لا ينبغي قراءتها بوصفها رقمًا إحصائيًا فقط، بل باعتبارها رسالة صادمة عن طبيعة الانفجار الذي يمكن أن يحدث عندما تتقاطع الهشاشة الاجتماعية، وانتشار الفساد، وتقويض عمل المصلحين، مع الفراغ الأمني النسبي، ومع الإحساس الجماعي بأن الفرصة باتت ممكنة ولو كانت قاتلة. فالهجرة هنا ليست مسارًا منظمًا، بل اندفاعًا جماعيًا نحو مجهول، تحكمه الشائعة واليأس وإغراء القرب الجغرافي من أوروبا. وفي مثل هذه الحالات لا يعود البحر مجرد جغرافيا، بل يتحول إلى امتحان قاس للإنسانية، إذ إن الشباب الذين يلجؤون إلى هذا الخيار لا يفعلون ذلك حبًا في الموت، بل لأنهم يقدّرون في لحظة انهيار داخلي أن الموت المحتمل في البحر أقل قسوة من حياة يومية مسدودة الأفق.
الجذر الغائب: حين يتخلى المجتمع عن ميزان العدل القراءة السطحية لهذا المشهد تجعله مجرد هجرة سرية، لكن التحليل العميق يردّه إلى جذر أبعد من الاقتصاد والسياسة معًا: غياب تطبيق شرع الله في إدارة شؤون الناس، وما يترتب على هذا الغياب من انهيار متتابع في العدالة الاجتماعية، وامتهان الكرامة، وسوء توزيع الأموال، وتراجع محاربة الفساد، بل ومحاربة المصلحين أنفسهم. فحين تغيب هذه الأصول لا يبقى الفراغ فارغًا، بل يمتلئ بالفوضى، وتتحول الأمة إلى ساحة مستباحة لكل من أراد أن يستثمر في يأس شبابها. ومن الخطأ الفادح أن يُختزل الحديث عن تطبيق الشريعة في الحدود والعقوبات فقط، بينما جوهرها الأعظم هو إقامة العدل الذي قامت به السماوات والأرض: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [سورة الحديد، الآية 25] فالغاية من الرسالة كلها هي القسط، أي العدل في توزيع الحقوق والواجبات، في المال والمنصب والكرامة والفرصة. وحين تغيب هذه الغاية يصبح غياب الحدود الشكلية تفصيلًا صغيرًا أمام غياب العدل الكلي. ويقرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع كثيرة من كتابه السياسة الشرعية أن الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة. وهذه القاعدة، على قسوتها الظاهرية، تفسر كثيرًا مما نراه اليوم: مجتمعات تحمل شعارات الإسلام في خطابها الرسمي، بينما بنيتها الداخلية تعج بالظلم، فتصيبها سنن الله التي لا تحابي أحدًا. فالعقوبة هنا ليست غضبًا إلهيًا مباشرًا بقدر ما هي نتيجة طبيعية لانهيار السنن الاجتماعية التي أقامها الشرع لحفظ توازن الأمة.
الجذور الاجتماعية للنزيف الظلم، البطالة، وضعف الإدماج، وانعدام الثقة في المستقبل، وانهيار كثير من الوعود التنموية، وتنامي الشعور بأن الصعود الاجتماعي صار شبه مستحيل، كلها عوامل تدفع إلى هذه الانفجارات. وعندما تتراكم هذه العوامل في مناطق حدودية حساسة، يصبح الشباب أكثر قابلية للانخراط في موجات جماعية يصعب ضبطها. واللافت أن مثل هذه التدفقات لا تحدث في فراغ، بل تسبقها دائمًا حالة نفسية جماعية تتغذى من الصور المنتشرة في الهواتف، ومن الفيديوهات التي توحي بأن العبور ممكن، ومن الشبكات التي تستثمر في اليأس الإنساني. عند هذه النقطة تتحول الهجرة من قرار فردي إلى ظاهرة قطيع، ومن خيار إنقاذ إلى مخاطرة جماعية مفتوحة على الكارثة. الكرامة المهدورة: حين يفقد الإنسان معنى وجوده من أعظم مقاصد الشريعة حفظ كرامة الإنسان، فالله كرّم بني آدم تكريمًا مطلقًا لا بشرط الغنى ولا بشرط الجاه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [سورة الإسراء، الآية 70] فحين يُهان الإنسان بالفقر المدقع، وبالبطالة التي تجعله عالة بلا معنى، وبانسداد الأفق الذي يقتل فيه كل أمل في التغيير، فإن هذا الإهدار للكرامة هو بالضبط ما يدفعه إلى المخاطرة بحياته في البحر. فالشاب الذي يرمي بنفسه في الأمواج لا يفعل ذلك لأنه يجهل الخطر، بل لأنه يرى أن الموت المحتمل أرحم من حياة مذلة لا كرامة فيها ولا أفق. والفارق الجوهري بين مجتمع يطبق مقاصد الشريعة فعليًا ومجتمع يكتفي بشعاراتها أن الأول يصون كرامة الإنسان بالعمل والفرصة والعدالة، فيجد فيه الشاب معنى للبقاء والبناء، والثاني يترك الكرامة معلقة بين الخطاب الرسمي والواقع المرير، فينفجر الشباب هروبًا من واقع لا يحتملونه. (كلامنا هنا ليس تبرير أو دعوى لذلك بل توصيف للحال في غياب تطبيق شريعة الله)
المال حين يُصرف لغير أهله من أخطر صور الانحراف عن الشريعة أن يُصرف المال العام في غير مصارفه الشرعية، فتتضخم الثروات عند فئة محدودة بينما تتسع دوائر الفقر والحرمان، ويُخنق أصحاب الدخل المحدود تحت وطأة الضرائب المرهقة التي تُقتطع من قوت يومهم بينما تُعفى منها جيوب النفوذ والمصالح الكبرى. والقرآن الكريم واضح في تحديد هذا الأصل حين يتحدث عن الفيء: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ [سورة الحشر، الآية 7] أي كي لا يتحول المال إلى دائرة مغلقة يتداولها القادرون فيما بينهم، بينما يُحرم منه المستحقون. فحين ينهار هذا المبدأ، ويتحول المال إلى أداة نفوذ وترضية للمقربين بدل أن يكون أداة عدل وتنمية، فإن النتيجة الحتمية هي ما نراه: شباب بلا عمل، وأسر بلا كفاية، ومناطق حدودية مهمشة تصبح بؤرًا جاهزة للانفجار عند أول شرارة. ويزداد الأمر مرارة حين يتحول النظام الضريبي نفسه، الذي كان ينبغي أن يكون أداة عدل توازن بين الأغنياء والفقراء، إلى أداة إرهاق تُثقل كاهل صاحب الدخل المحدود بينما تتسلل الثروات الكبرى من بين ثغرات الإعفاءات والامتيازات. والأخطر من ذلك أن غياب العدل في توزيع المال وجبايته لا يبقى أثره اقتصاديًا محضًا، بل يتحول إلى شرخ في الثقة بين الراعي والرعية، وهي الثقة التي جعلها الإسلام أساس العلاقة بين الحاكم والمحكوم. فحين يشعر الناس أن المال العام أصبح غنيمة لطبقة، وأن الضريبة عبء يُصرف عليهم دون أن يُصرف عنهم فسادها، ينهار العقد الاجتماعي، ويصبح الفرد مهيأً نفسيًا للبحث عن أي مخرج، ولو كان قاربًا مطاطيًا في عرض البحر.
حين تُحارَب الإصلاح لا الفساد ولعل أشد الأمراض فتكًا بالأمة هو انقلاب المعايير: أن تُحارَب الأصوات المصلحة بدل أن يُحارَب الفساد نفسه. فحين يتحول من ينادي بالعدل والشفافية ومحاسبة المفسدين، بل ومن ينادي بتطبيق الشريعة ذاتها، إلى متهم يُزج به في دوائر الشبهة أو التضييق، وتُسلّط عليه القوانين الجائرة، وتُحشد ضده جحافل مرتزقة الإعلام والذباب الإلكتروني، بينما يبقى الفساد الحقيقي محميًا أو مغضوضًا عنه، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع بأسره رسالة قاتلة: أن الإصلاح مكلف، وأن السكوت أسلم، وأن من يرفع صوته سيُكسر قبل أن يُسمع. «إِذَا رَأَى النَّاسُ الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ» [رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني] فمحاربة المصلحين ليست فقط ظلمًا فرديًا يقع على أشخاص بعينهم، بل هي إغلاق لصمام الأمان الوحيد الذي يمكن أن يعيد التوازن إلى المجتمعات قبل أن تنفجر. فحين يُخرَس المصلح، ويُترك المفسد، يفقد المجتمع آخر آليات تصحيحه الذاتي، ولا يبقى أمامه إلا التراكم الصامت لليأس، حتى ينفجر في صورة موجات هجرة جماعية، أو احتجاجات عارمة، أو إنفلاتات لا يملك أحد ضبط مسارها.
الشباب: من أمانة الأمة إلى وقود المتلاعبين الشباب في التصور الإسلامي أمانة وذخيرة استراتيجية، هم القوة العاملة، والحاضنة الإيمانية، والجيل الذي يحمل مشروع الأمة إلى المستقبل. لكن حين تنهار المنظومة الداخلية من عدل وكرامة وشفافية وإصلاح ودعوة وتربية، يتحول هذا الشباب من أمانة تُصان إلى فريسة سهلة لكل من أراد أن يستثمر في يأسه. وهنا يبرز البعد الأخطر في القضية: أن الشباب المحبط، المهمش، المحروم من فرصة حقيقية، يصبح مادة خام جاهزة للتوظيف من قبل فاعلين متعددين، داخليين وخارجيين، سياسيين واقتصاديين واجتماعيين. فمن الداخل قد يُستثمر غضبه في صراعات نفوذ محلية، أو يُدفع إلى الانحراف كي يُصرف عن المطالبة بحقه، أو يُستخدم وقودًا في توترات اجتماعية تخدم أطرافًا بعينها. ومن الخارج تجد شبكات التهريب والاستغلال في هذا اليأس الجماعي فرصة ذهبية، بل قد تتحول ملفات الهجرة نفسها إلى أوراق ضغط تُستخدم في صراعات جيوسياسية أكبر من حجم أولئك الشباب أنفسهم، وهم لا يدرون أنهم تحولوا إلى أداة في رقعة شطرنج لا يعرفون قواعدها. والمفارقة المؤلمة أن هذا الشباب، الذي كان يمكن أن يكون طاقة بناء لو وجد العدل والفرصة، يتحول إلى حطب يُحرق من أجل تنفيذ مخططات لا ناقة له فيها ولا جمل. وهذه هي الخسارة المزدوجة: خسارة الفرد الذي يضيع، وخسارة الأمة التي تفقد أفضل ما فيها من طاقة شبابية كان يمكن أن تُستثمر في النهوض بدل أن تُستنزف في الهروب أو الانخراط في مشاريع الآخرين. ويؤسف حقًا أن يُرى هذا المصير في شباب أمة حملت يومًا رسالة الشهادة على الناس، فتحولت طاقتها المهدورة إلى مرآة لخلل عميق في إدارة شؤونها.
سبتة كعقدة سياسية، وسنة التدافع الكوني سبتة ليست مجرد بوابة هجرة، بل عقدة سيادية تاريخية بين الرباط ومدريد، ولهذا فإن أي ضغط عليها يتحول بسرعة إلى أزمة دبلوماسية ذات أبعاد تتجاوز الحدود. والمدينة نفسها تحمل في الوعي المغربي والإسلامي معنى سياسيًا يتصل بالاحتلال والتاريخ الاستعماري، وبالذاكرة غير المنتهية للصراع على الجغرافيا والهوية. ومن هنا فإن كل موجة هجرة نحوها لا تُقرأ فقط كحادث إنساني، بل كإشارة إلى هشاشة الملف الحدودي برمته. وفي السياق الأوسع، ظهرت قراءة تربط بين موقف الحكومة الإسبانية من الاحتلال الإسرائيلي وبين ما جرى، إذ تبنت إسبانيا في السنوات الأخيرة مواقف أكثر وضوحًا في دعم الفلسطينيين وانتقاد الحرب على غزة، بل اتخذت خطوات سياسية ودبلوماسية أثارت غضبًا إسرائيليًا واضحًا. ومن هنا وُلدت فرضية أن بعض الأطراف قد ترى في الضغط عبر ملف الهجرة رسالة غير مباشرة إلى مدريد. وهذه الفرضية تبقى حتى الآن تفسيرًا سياسيًا أكثر من كونها حقيقة مثبتة، إذ لا توجد دلائل علنية قاطعة تؤكد أن موجة سبتة كانت مفتعلة لهذا السبب .فيبقى هذا التفسير ممكنًا في نطاق القراءة الاستراتيجية وإن لم يصل إلى مستوى الإثبات.
ومن منظور استراتيجي، لا بد من النظر إلى الأزمة بوصفها أداة ضغط محتملة ضمن ميزان أوسع من التفاعلات. فحين تُستخدم الحدود، أو يُستثمر القلق الأمني، أو يُدفع بملف الهجرة إلى الواجهة، فإن الهدف لا يكون دائمًا العبور ذاته، بل إرباك الخصم ورفع الكلفة السياسية عليه وتذكيره بأن الملفات الهامشية ظاهريًا يمكن أن تتحول إلى أزمات مركزية. غير أنه ينبغي الحذر من المبالغة في تفسير كل موجة هجرة باعتبارها مخططًا خارجيًا محضًا، فهذه النظرة تُبسط الواقع أكثر مما ينبغي، ذلك أن الأرضية المحلية نفسها مهيأة للانفجار بفعل ما سبق ذكره من غياب العدل والكرامة، فيكفي محفز صغير لتوليد موجة ضخمة، سواء استغلها فاعل سياسي أم لا. وهذا التوظيف الخارجي المحتمل ما هو، من منظور شرعي، إلا تجليًا لسنة التدافع الكونية: فحين تتخلى الدولة عن وظيفتها في إقامة العدل، فإن الفراغ لا يبقى فارغًا، بل تملؤه شبكات التهريب في مكان الفرصة الاقتصادية المشروعة، ويملؤه الفاعلون الخارجيون في مكان السيادة الفعلية على الملفات الحساسة. وإذا كانت القراءة السابقة قد فتحت الباب أمام فرضية توظيف خارجي للأزمة، فإن قراءة أخرى، تتداولها أوساط تحليلية عديدة، تذهب في الاتجاه المعاكس تمامًا، فترى في بعض ما جرى توظيفًا داخليًا، أي أداة ضغط مغربية بامتياز، تُستخدم لتذكير مدريد بأن استقرار سبتة ومليلية مرهون بمدى انسجام الموقف الإسباني مع الثوابت المغربية. فمنذ سنوات، والملف الصحراوي يمثل جوهر العلاقة بين الرباط ومدريد، وقد ظل الموقف الإسباني لعقود متأرجحًا بين الحياد الغامض والانحياز الضمني لأطروحة البوليساريو المدعومة من الجزائر، قبل أن يشهد تحولًا نسبيًا حين اعترفت إسبانيا بمخطط الحكم الذاتي كأساس واقعي وجدي لحل النزاع. ومع ذلك، تبقى ملفات أخرى عالقة في الذاكرة السياسية المغربية، من استمرار وجود مدينتي سبتة ومليلية تحت السيادة الإسبانية رغم مطالبة المغرب التاريخية باستكمال وحدته الترابية، إلى التوتر المتكرر حول المياه الإقليمية والصيد البحري وترسيم الحدود.
ووفق هذه القراءة،فإن السماح المؤقت بتراخي الرقابة الحدودية عند سبتة، في لحظة سياسية بعينها، يمكن أن يُقرأ كرسالة ضغط مزدوجة الدلالة: تذكير لإسبانيا بأن أمن مدينتيها المحتلتين يبقى، في نهاية المطاف، رهينًا بتعاون الجارة الجنوبية، وتلميح إلى أن أي تلكؤ إسباني في دعم الموقف المغربي بشأن الصحراء، أو أي انزلاق نحو مقاربات تصب في مصلحة الجزائر ومرتزقة البوليساريو، قد يُقابَل بكلفة سياسية وأمنية محسوسة. وهذه ليست فرضية معزولة عن التاريخ، فالعلاقات المغربية الإسبانية شهدت أكثر من مرة توترات مشابهة تزامنت مع محطات حساسة في الملف الصحراوي، وهو ما يجعل بعض المحللين يقرؤون توقيت الأزمات الحدودية بوصفه لغة سياسية بديلة عن التصريحات الرسمية. وفي موازاة هذه القراءة، تُطرح فرضية ثالثة أوسع نطاقًا، تتصل هذه المرة بملف مضيق جبل طارق نفسه، إذ يذهب بعض المتابعين إلى أن هناك من يسعى، بإيعاز أمريكي يُنسب إلى إدارة ترامب، إلى إعادة رسم موازين النفوذ في هذا الممر الاستراتيجي الذي يُعد من أكثر المضائق البحرية حساسية في العالم، بما يخدم حسابات أمريكية أوسع تتعلق بالوجود العسكري والبحري في المتوسط ومدخل الأطلسي معًا. ومهما بلغت جاذبية هذه القراءات وتماسكها الظاهري، فإنها تبقى، شأنها شأن فرضية الرسالة إلى مدريد بسبب موقفها من غزة، اجتهادات تحليلية تُستقى من قراءة التوقيت والسياق أكثر مما تستند إلى وثائق أو تصريحات معلنة، ولذلك يجب تناولها بوصفها احتمالات واردة ضمن مشهد سياسي معقد، لا حقائق مؤكدة، وإن كان توارد عدة فرضيات متقاطعة حول الحدث نفسه، من زوايا مختلفة ومتضاربة أحيانًا، دليلًا في ذاته على أن سبتة تحولت إلى مرآة تنعكس عليها كل التوترات الإقليمية والدولية في آن واحد.
مأساة الإنسان قبل السياسة وسط هذا كله، ينبغي ألا تضيع الحقيقة الأهم: أن وراء كل رقم إنسانًا، ووراء كل محاولة عبور قصة يأس حقيقية. فالقتلى الذين سقطوا في البحر لا يشكلون مجرد حصيلة، بل شهادة على حجم الانهيار الذي قد يدفع الإنسان إلى مواجهة الموت من أجل احتمال صغير جدًا للنجاة، وهذه هي النقطة الأخلاقية الأخطر في الملف كله. إن تحويل الشباب إلى وقود للبحر يعكس إخفاقًا متعدد المستويات: إخفاقًا في التنمية، وإخفاقًا في العدالة الاجتماعية، وإخفاقًا في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وإخفاقًا في إدارة الحدود بطريقة تمنع المأساة بدلًا من أن توثقها بعد وقوعها . وإن من أهم أسباب هذا الإخفاق المركّب البعد عن الشريعة التي تأمر بالعدل والإحسان، وتجعل من إقامتهما شرطًا لصلاح البلاد والعباد . فحين يُكمَّم أفواه المخلصين والمصلحين، ويُحاصر كل صوت صادق يريد أن يقول الحق لمن يملك القرار، تفقد الأمة أدوات تصحيحها الطبيعية، ويُترك الخلل ينمو في صمت حتى يتحول إلى مأساة جماعية. ويزداد الأمر خطورة حين يُغيَّب واقع الشباب وهمومه الحقيقية عن منابر الجمعة، فتتحول الخطبة، التي كان يمكن أن تكون فرصة أسبوعية للتوجيه والتربية وربط الشاب بمعنى وجوده ودوره في أمته، إلى خطاب مكرر بعيد عن نبض الشارع وأسئلة الجيل الجديد، لا يلامس قلقه من البطالة، ولا يرى أخذا على يد الظالم، ولا ييأسه من انسداد الأفق، ولا يمنحه بديلًا إيمانيًا وعمليًا عن مغامرة الموت في البحر. وهكذا تفقد المؤسسة الدينية دورها الإرشادي في اللحظة التي يحتاجها الشباب أكثر ما يحتاجون، فيجدون أنفسهم بين منبر صامت عن واقعهم، ودولة عاجزة أو غير راغبة في إنصافهم، وشبكات استغلال جاهزة لاستثمار يأسهم.
خلاصة استراتيجية وشرعية الخلاصة أن أزمة سبتة ليست حدثًا منفصلًا، بل نقطة التقاء بين مستويات متعددة متشابكة: مستوى اجتماعي يتمثل في اليأس والبطالة وانسداد الأفق، ومستوى حدودي أمني يتمثل في هشاشة المعابر وسهولة تحول الشائعة إلى حركة جماعية، ومستوى سياسي يتمثل في توتر العلاقة بين المغرب وإسبانيا وما قد يرافقه من رسائل ضغط، داخلية كانت أم خارجية، ومستوى رمزي دولي يتمثل في تداخل مواقف مدريد من القضية الفلسطينية، وملفات الصحراء ومضيق جبل طارق، مع قراءة بعض الفاعلين لهذه الأزمة. غير أن هذه المستويات جميعها، على تعددها وتشابكها، تتفرع من جذر واحد أعمق، هو غياب العدل بمفهومه الشرعي الشامل: عدل في المال وجبايته، وعدل في الكرامة، وعدل في التعامل مع المصلحين، وعدل في فتح الأفق أمام الشباب. وجامع ذلك كله، والضامن الحقيقي لعودته، هو تحكيم شريعة الله الغراء التي لا تصلح أحوال الأمم إلا بها، ولا تستقيم موازين العدل والكرامة والاجتماع إلا في ظلها.
ومن هنا فإن معالجة ظاهرة كسبتة لا يمكن أن تكون أمنية محضة، لأن الأمن هنا نتيجة لا سبب. المعالجة الحقيقية تبدأ من إعادة بناء منظومة العدل: عدل في توزيع المال وجبايته بحيث لا تُخنق الطبقة المتوسطة ومحدودو الدخل تحت وطأة الضرائب بينما تتسلل الثروات الكبرى من الرقابة، وعدل في الفرص، وعدل في المعاملة بين المركز والأطراف، وعدل في التعامل مع أصوات الإصلاح بدل قمعها بالقوانين الجائرة ومرتزقة الإعلام والذباب الإلكتروني، وعدل في استرجاع دور المنبر والخطاب الديني ليعود صوتًا حيًا يخاطب واقع الشباب وهمومه بدل أن يبقى بعيدًا عن نبض الشارع، وفتح الأفق أمام الشباب كي يجدوا في أوطانهم ما يجعلهم يختارون البقاء لا الهروب، بمنأى عن أن يتحولوا أداة طيّعة بيد المتلاعبين، من الداخل أو الخارج، يُحرقون وقودًا لحسابات لا تخصهم.
فالهجرة لم تكن فقط صرخة يأس، ولا فقط رسالة سياسية، ولا فقط استثمارًا في لحظة توتر، إنها في الحقيقة مرآة لخلل أعمق من كل ذلك، خلل يجعل البحر يبدو لبعض الشباب أقل قسوة من اليابسة. وحين تتخلى الأمم عن تطبيق عدل الله في أرضها فإنها تفتح على نفسها أبوابًا من الابتلاء لا تُغلق بسهولة، والثمن لا يُدفع دفعة واحدة، بل يتراكم على شكل أزمات متتالية: بطالة، ثم يأس، ثم تكميم للأصوات المصلحة، ثم هجرة جماعية، ثم استغلال سياسي داخلي وخارجي، حتى تتحول الأمة بأكملها إلى ساحة يتلاعب فيها كل من أراد، بينما شبابها الذين كان يجب أن يكونوا عماد نهضتها يُحرقون وقودًا لمشاريع لا تخصهم. وتلك، والله المستعان، مأساة تستحق أن يُقرأ فيها التاريخ والواقع معًا، لا بعين الأمن وحدها، بل بعين العدل الذي هو أصل كل صلاح، وميزان كل نهضة مرجوة، ولن يستقيم شيء من ذلك إلا بتحكيم شرع الله الذي جاء رحمة للعالمين، وعدلًا لا يحابي قويًا على ضعيف، ولا غنيًا على فقير.
اكتب مراجعة عامة