img
img

تونس بين انفجار الشارع وارتباك الجوار: قراءة في المستجدات

img
الشبكة

تونس بين انفجار الشارع وارتباك الجوار: قراءة في المستجدات

أ. د. عصام الشويدر الحسيني، رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان


مدخل: من الغموض الصحي إلى الانفجار الشعبي المؤكد

إذا كان التحليل الأول قد تناول لحظة الغموض حول الحالة الصحية للرئيس بوصفها كاشفاً لهشاشة الثقة المؤسسية، فإن المستجدات اللاحقة نقلت المشهد من مرحلة التوقع إلى مرحلة الانفجار الموثق. فالرئيس ظهر لاحقاً في نشاط ليلي محدود لتفنيد الشائعات، لكن هذا الظهور لم يُخمد الأزمة، بل تزامن مع اشتعال جبهة مختلفة تماماً: جبهة الخدمات الأساسية، التي تحولت خلال أيام قليلة إلى المحرك المباشر لأوسع موجة احتجاجات تشهدها تونس منذ سنوات.

أزمة الماء والكهرباء: حين يتحول العجز الإداري إلى قضية حياة أو موت

لم تعد أزمة انقطاع التيار الكهربائي والماء مجرد ملف خدمي، بل تحولت إلى قضية تمس أرواح الناس مباشرة، بعدما طالت الانقطاعات العشوائية أقسام الاستعجالي والإنعاش وحضّانات حديثي الولادة، واضطر الطاقم الطبي في أحد المستشفيات إلى التدخل اليدوي لمساعدة الرضّع على التنفس. وتحدثت تقديرات نقلها مسؤولون في منظمة الأطباء الشبان عن أعداد وفيات مرتبطة بموجة الحر وانقطاعات الكهرباء، وإن كانت هذه الأرقام تقديرية بطبيعتها لا يقلل من خطورة الظاهرة نفسها. وهذا النوع من الأزمات هو الأخطر سياسياً على أي سلطة، لأنه ينقل الاحتقان من حيز النقاش الإيديولوجي المجرد إلى حيز التجربة اليومية المباشرة لكل مواطن، بصرف النظر عن اصطفافه السياسي.

وقد فاقم من وقع الأزمة غياب الحكومة عن جلسة برلمانية مخصصة لمناقشتها، وهو غياب قرأه كثيرون بوصفه استمراراً لنمط متكرر: كلما اقتربت أزمة كانت متوقعة الحدوث منذ أشهر، يتحول النقاش العام من البحث عن حلول إلى البحث عن تفسير لغياب المسؤولين أنفسهم، بما يعمّق الشعور بانفصال مركز القرار عن الشارع في اللحظات الأكثر حساسية.

ملف الغنوشي: من قضية سياسية إلى قضية حقوقية إنسانية

أضاف بيان هيئة الدفاع عن راشد الغنوشي، تحت عنوان "11 يوماً من الإخفاء القسري"، بعداً إنسانياً مباشراً لملف كان حتى وقت قريب محصوراً في الجدل السياسي حول شرعية محاكماته. فالحديث عن حرمان معتقل متقدم في السن من التواصل مع محاميه وعائلته، يندرج قانونياً في خانة الإخفاء القسري وهو انتهاك موصوف في القانون الدولي . وهذا ما يفسر التفاعل الواسع مع تساؤل ابنته العلني عن مكان والدها، إذ نقل القضية من سجال سياسي حزبي إلى سجل حقوقي إنساني أكثر قابلية للإجماع عبر الاصطفافات.

عودة الأصوات الرمزية: المرزوقي والذاكرة الجماعية لعام 2011

دعوة الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي العلنية للتحرك الشعبي حملت وزناً رمزياً يتجاوز مضمونها المباشر، لكونه أول رئيس تونسي بعد الثورة، فاستحضاره لشعارات من قبيل "استرجعوا ثقتكم في أنفسكم" أعاد تفعيل مرجعية 2011 في الوجدان الجماعي، وهي مرجعية يخشاها النظام الحالي بقدر ما يخشاها كل نظام عربي قائم على تجميد المسار العدل والكرامة بدل تطويره. غير أن الأمانة التحليلية تقتضي التذكير بأن حضور المرزوقي في المشهد التونسي يظل محل انقسام هو الآخر بين من يراه صوت ضمير المرحلة التأسيسية وبين من يعتبره طرفاً محسوباً على مرحلة سياسية سابقة له حساباتها الخاصة، وهذا الانقسام بحد ذاته مؤشر إضافي على أن اللحظة التونسية لم تنضج بعد لقيادة توافقية جامعة.

القراءة الإقليمية: لماذا يرتجف الجوار من حراك لا يتجاوز حدوده؟

التغطية المصرية الحذرة، وتحديداً وصف بعض الإعلاميين الوضع في تونس بأنه "خطير"، تعكس قلقاً بنيوياً من عدوى الاحتجاج أكثر مما تعكس اهتماماً موضوعياً بمصير تونس نفسها، وهذا نمط متكرر في علم النفس السياسي للأنظمة التي بنت شرعيتها بعد قطيعة مع مسار الحق والعدل والكرامة سابق: أي نجاح حراك شعبي في بلد عربي واحد يُقرأ كتهديد رمزي لسردية الاستقرار التي تسوّغ بها هذه الأنظمة استمرارها، بصرف النظر عن المسافة الجغرافية.

أما الملف الجزائري، فقد أثار تصريح الرئيس عبد المجيد تبون عن عدم التهاون مع "أي تهديد إرهابي يستهدف تونس" موجة غضب وتأويلات واسعة في الشارع التونسي، رغم أن تبون نفى بشكل قاطع أي نشاط عسكري جزائري داخل تونس. والأهم من نص التصريح هو توقيته المتزامن مع الذكرى الخامسة لإجراءات 25 يوليو وأوسع احتجاجات تشهدها البلاد منذ سنوات، وهو ما جعل جمهوراً واسعاً يقرأه كرسالة سياسية داخلية أكثر منه تصريحاً عابراً، مستحضراً سوابق إقليمية استُخدم فيها خطاب مكافحة الإرهاب لتبرير مواقف من حراكات شعبية أخرى والحركات الإسلامية.

خلاصة هذا التحليل

ما يميز هذه المرحلة عن سابقتها أن الاحتقان لم يعد معلقاً على تفسير خبر غامض، بل بات مستنداً إلى وقائع متعددة موثقة بدرجات متفاوتة: أزمة خدمية تمس الحياة مباشرة، وملف حقوقي إنساني واضح المعالم، وعودة رموز رمزية للمرحلة التأسيسية، وارتباك إقليمي يكشف عن قلق مشترك بين الأنظمة المجاورة أكثر مما يكشف عن مؤامرة موحدة. والفارق الجوهري بين قراءة متزنة وأخرى متهورة لهذه اللحظة هو بالضبط القدرة على معالجة كل ملف من هذه الملفات بمعياره الخاص، دون خلط اليقين بالشائعة أو الرمز بالحقيقة.

تعليقات