بقلم: الأستاذ الدكتور عصام اشويدر رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله اَلْحَمْدُ ِللهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِيْنَ وَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِيْنَ وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى أَشْرَفِ اْلأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْن
تمهيد: رسالة إلى كل من وجد نفسه في مرآة الصمت
قرأتُ ما سطره الكاتب من كلمات، وقرأتُ معها ذلك الاعتراف الذي أرسله إليه أحد القراء حين قال إنه وجد في مقاله أفكاره هو، وإنه يحتاج ومعه كثيرون من أمثاله إلى من يجدد العزائم وينصح. وهذا في ذاته شهادة على أن ما كتبه الكاتب لم يكن بوحاً فردياً عابراً، بل كان تعبيراً عن حالة جمعية تعيشها نفوس كثيرة من أبناء هذه الأمة اليوم، نفوس أثقلتها المشاهد المتلاحقة من غزة إلى سربرنيتشا، ومن زنازين المعتقلين إلى صمت العالم المتواطئ.
سأحاول في هذا المقال أن أتناول ما كتبه صاحب المقال بمنهجية تجمع بين النظر الشرعي والتحليل النفسي، لا لأقدم عزاء عابراً يخفف عنه للحظة ثم يزول، بل لأضع بين يديه إطاراً يفهم من خلاله ما يجري في داخله، ويستطيع من خلاله أن يعيد بناء طاقته على الفعل والقول والصبر، دون أن يفقد حساسيته تجاه مأساة أمته، فإن فقدان هذه الحساسية أخطر بكثير من الصمت المؤقت.
أولاً: ما الذي يحدث فعلاً حين يفقد اللسان قدرته على الكلام؟
ما وصفه الكاتب من عجز عن الحديث مع زوجته، ومن نفاد المعاني، ومن الرغبة في الهروب من التغريدات والأخبار، له اسم علمي دقيق يعرفه المتخصصون في علم النفس الإكلينيكي وعلم الصدمة، وهو ما يُعرف بـ«الإرهاق التعاطفي» أو «كرب الشهادة الثانوي». وهذه حالة تصيب كل من يتعرض بشكل متكرر ومكثف لمعاناة الآخرين، سواء كان معالجاً نفسياً يستمع يومياً لضحايا العنف، أو صحفياً يوثق المجازر، أو إنساناً عادياً يتابع عبر الشاشة مشاهد لا تُحتمل من غزة والهند وبورما.
والمهم هنا أن نفهم أن هذه الحالة ليست ضعفاً في الإيمان، ولا انهزاماً أمام الابتلاء، بل هي استجابة فسيولوجية ونفسية طبيعية لجهاز عصبي تجاوز طاقته على المعالجة. فالعقل البشري، مهما بلغ من قوة الإيمان واليقين، له سقف بيولوجي لتحمل الألم المتكرر، وحين يتجاوز هذا السقف، يلجأ الجسد والنفس إلى آليات دفاعية، منها الانسحاب المؤقت، ومنها فقدان القدرة على صياغة الكلام، ومنها ذلك الشعور بأن الجرح مفتوح ولكن النزيف توقف، كما وصف الكاتب بدقة بالغة.
والقرآن الكريم نفسه يصف حالات مشابهة من الانكسار عند الأنبياء أنفسهم، فهذا يعقوب عليه السلام حين ابيضت عيناه من الحزن على يوسف، لم يكن ذلك نقصاً في يقينه، بل كان تعبيراً بشرياً صادقاً عن حجم الفقد، حتى إنه قال لأبنائه إنما أشكو بثي وحزني إلى الله. فالشكوى إلى الله ليست تناقضاً مع الصبر، بل هي من أعمق صوره.
ثانياً: الفرق الجوهري بين الصمت الانهزامي والصمت التعبدي
هنا تكمن نقطة محورية أرى أنها تستحق التوقف الطويل. فليس كل صمت واحداً، وليس كل عجز عن الكلام هلاكا منتهياً. هناك صمت الانكسار الذي يفضي إلى الاستسلام والانسحاب الكامل من الفعل، وهناك صمت التعبد الذي هو محطة استراحة قسرية يفرضها الجسد والنفس، لكنه لا ينهي العلاقة بالقضية، بل يعيد ترتيبها.
النبي صلى الله عليه وسلم في عام الحزن، بعد وفاة خديجة رضي الله عنها وأبي طالب، مرَّ بحالة شديدة من الضيق، حتى إن السيرة تصف كيف كان يخرج إلى أطراف مكة يبحث عن متنفس، وكيف تعرض لأذى الطائف الذي وصفه بأنه أشد ما لقي من قومه. ومع ذلك، فإن هذه المحطة من الإنهاك لم تكن نهاية الرسالة، بل كانت تمهيداً لمرحلة جديدة، افتُتحت بالإسراء والمعراج، أي بمنحة ربانية تعيد شحن الروح بعد أن استنفدت طاقتها البشرية.
وهذا هو الدرس الأول لكل من يجد نفسه اليوم في موقع الكاتب: أن يسمح لنفسه بمحطة الصمت دون أن يحملها معنى الهزيمة أو التقصير، فالله سبحانه يعلم ضعف بنيتنا جميعاً، ولهذا خفف عنا في التكليف، وقال في كتابه ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. الآية (185) من سورة البقرة
ثالثاً: صورة المقاتل الذي نفدت ذخيرته، قراءة أعمق
استعار الكاتب في مقاله صورة بليغة، صورة المقاتل الذي نفدت ذخيرته فصارت بندقيته عبئاً عليه، لا هو قادر على استخدامها ولا على تركها. وهذه الصورة تستحق أن نتوقف عندها من زاوية نفسية وشرعية معاً.
من الناحية النفسية، هذه الصورة تعبر بدقة عما يسميه علماء الصدمة «التجمد» أو Freeze، وهي واحدة من ثلاث استجابات غريزية للخطر إلى جانب الهروب والمواجهة. وحين يواجه الإنسان كماً من الألم يفوق قدرته على المواجهة أو الهروب، يدخل في حالة تجمد، تتجلى في العجز عن الكلام أو الفعل، مع بقاء الوعي الكامل بالمأساة. وهذا بالضبط ما وصفه الكاتب حين قال إن الكلام نفد وانتهى والمأساة مستمرة.
لكن من الزاوية الشرعية، فإن هذه الصورة، رغم صدقها الوجداني، تحتاج إلى تصحيح جزئي حتى لا تتحول إلى قناعة راسخة تُقعد عن الفعل. فالمؤمن لا ينفد سلاحه أبداً، لأن سلاحه الحقيقي ليس الكلمة وحدها، بل هو الاتصال بالله عز وجل، وهذا الاتصال لا ينضب مهما نضبت الكلمات. فحين يفقد الإنسان القدرة على الكتابة أو الحديث، يبقى له سلاح الدعاء، وسلاح الصبر المحتسب، وسلاح الحضور القلبي مع إخوانه المنكوبين ولو بالصمت المتعاطف. والدعاء في أوقات العجز عن الفعل ليس عملاً هامشياً، بل هو صلب الفعل نفسه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدعاء هو العبادة".
بل هو من أكرم الأشياء على الله تعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء".
رابعاً: حين يتحول الحزن الجماعي إلى مسؤولية جماعية
من أهم ما لفت الانتباه في مقال الكاتب، أنه لم يعزل نفسه عن الأمة في محنتها، بل جعل نفسه جزءاً من نسيجها المتألم، من غزة إلى تركستان إلى بورما إلى السودان إلى المعتقلين في مصر والمغرب. وهذا الشعور بالانتماء الجماعي للألم هو في جوهره من علامات صحة القلب، لا من علامات مرضه، فالنبي صلى الله عليه وسلم شبّه المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم بالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
لكن المسؤولية الجماعية لا تعني أن يحمل الفرد الواحد عبء الأمة كلها على كتفيه وحده. وهنا يأتي دور علم النفس الاجتماعي في تفسير ما يُعرف بـ«التبعية الأخلاقية المفرطة» أو الشعور بأن الفرد مسؤول شخصياً عن معالجة كل مأساة يراها. وهذا شعور نبيل في أصله، لكنه إذا لم يُهذب بفقه الاستطاعة، تحول إلى عبء يستنزف الإنسان دون أن يحقق نفعاً حقيقياً للمظلومين. والقاعدة الشرعية هنا واضحة: لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وهذا التكليف بالوسع لا ينفي المسؤولية، بل يوزعها بعدل بين أفراد الأمة، فلكل فرد ثغرة يسدها بحسب طاقته، لا بحسب حجم المأساة كلها.
خامساً: آليات عملية لتجديد العزيمة
بعد هذا التأصيل النظري، أنتقل إلى ما هو أقرب إلى النصيحة العملية، وأقسمها إلى ثلاثة مستويات متكاملة، روحي ونفسي واجتماعي، لأن الإنسان كائن مركب لا يُصلح بمعالجة بعد واحد فيه وحده.
على المستوى الروحي، أوصي بما أسميه «العودة إلى المصدر قبل العودة إلى الميدان». فحين يشعر الإنسان بأن الكلمات نفدت، لا ينبغي أن يجبر نفسه على الكتابة أو الحديث فوراً، بل عليه أن يعود أولاً إلى القرآن الكريم لا بوصفه نصاً يُحلَّل، بل بوصفه غذاء يُتلقى. فليقرأ سورة يوسف بتأمل، فهي سورة الابتلاء المديد الذي ينتهي بالفرج، وليقرأ سورة الشرح، فإن مع العسر يسراً تتكرر فيها مرتين لحكمة بالغة، إذ يعقب كل عسر يسران، أحدهما دنيوي وقد يتأخر، والآخر أخروي محقق لا يتخلف.
وكذلك من أعمق أبواب هذه العودة إلى المصدر، الرجوع إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، ففي هذه السيرة معين لا ينضب لمن أنهكه الحزن. ففي المرحلة المكية، مرحلة الابتلاء الخالص التي لم يكن فيها للمسلمين قوة ولا منعة، حين اشتد الأذى بالصحابة، جاء خباب بن الأرت رضي الله عنه ليشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقال: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فكان الجواب النبوي درساً في الصبر لا في العجلة، إذ قال صلى الله عليه وسلم: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض فيُجعل فيها، فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» رواه البخاري. وخباب نفسه، صاحب هذه الشكوى، هو من عانى أشد صنوف التعذيب، حتى قال حين سأله عمر رضي الله عنه عما لقي من المشركين: يا أمير المؤمنين، انظر إلى ظهري، فما رأى عمر كاليوم من أثر النار على جسد رجل. وذكر أنهم كانوا يضجعونه على الرضف المحمى فما ينطق بكلمة يرضونها منه. ثم كان جزاؤه بعد سنين أن أجلسه عمر في خلافته على متكئه الخاص وقال: ما على الأرض أحد أحق بهذا المجلس من هذا إلا رجل واحد.
ثم جاءت المرحلة المدنية بما فيها من غزوات وقتال وقتل، حين تحول الابتلاء من الصبر المجرد إلى الفعل والمدافعة، ثم مرحلة ما بعد الفتح حين تبدل حال الأمة من الاستضعاف إلى التمكين. ثم وقعت أعظم مصيبة نزلت بهذه الأمة، وهي وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وما تلاها من حروب الردة التي كادت تعصف بالدين لولا ثبات الصديق رضي الله عنه. ثم توالت المحن على خيرة هذه الأمة، فقُتل عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وقُتل الحسن مسموماً والحسين مذبوحاً في كربلاء، وقُتل عبد الله بن الزبير مصلوباً، وهم خير القرون وأزكى النفوس.
ولم تنقطع هذه السنة في سير الصالحين من بعدهم، فهذا الإمام مالك يُضرب حتى تنخلع كتفه في محنته، وهذا الإمام أحمد بن حنبل يُجلد ويُسجن سنوات في محنة خلق القرآن ولا يلين، وهذا سعيد بن جبير يُقتل صابراً محتسباً على يد الحجاج، وهذان ابن تيمية وابن القيم يُسجنان ويُنكل بهما ولا يفتران عن العلم والدعوة حتى في غياهب السجون. فهذه السير كلها ليست حكايات تاريخية تُروى للعبرة العابرة، بل هي طريق ممهود يسير عليه كل من ابتُلي في هذا الدين، وفيها تسلية لمن ظن أن حزنه فريد أو أن عجزه استثناء.
وحسبُ من أراد أن يستحضر هذا كله في لحظة انكساره، أن يستذكر قول الإمام ابن القيم رحمه الله: «يا مخنث العزم، أين أنت والطريق طريق تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورمي في النار الخليل، وأُضجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونُشر بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضر أيوب، وزاد على المقدار بكاء داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد صلى الله عليه وسلم، تزهو أنت باللهو واللعب!» [الفوائد، ص56].
على المستوى النفسي، أنصح بما يسميه المختصون «التنظيم الحسي قبل التنظيم المعرفي»، أي أن الجسد المنهك عاطفياً لا يستجيب أولاً للنصائح العقلية، بل يحتاج إلى تهدئة فسيولوجية تسبقها. فحين تشعر بذلك الخدر أو التلجلج، امنح نفسك مساحة يومية قصيرة، ولو عشر دقائق، بعيداً عن الشاشات كلياً، تمارس فيها التنفس العميق المصحوب بالذكر، فقد أثبتت الدراسات الحديثة في علم الأعصاب أن التنفس البطيء المتحكم فيه يخفض من نشاط الجهاز العصبي السمبثاوي المسؤول عن حالة التأهب المستمر، وهي الحالة التي تستنزف طاقتك دون أن تشعر.
وعلى المستوى الاجتماعي، وهو الأهم في تقديري، لا ينبغي للإنسان أن يجعل من نفسه جزيرة معزولة في مواجهة هذا الكم من الألم. فما فعلته زوجة الكاتب حين سألته «مالك؟» كان في جوهره فعل علاج، فالمشاركة الوجدانية مع من يثق بهم الإنسان تخفف من حدة الإرهاق التعاطفي بشكل مثبت علمياً. فلا ينبغي إغلاق باب الحديث حتى مع من يسأل بمحبة، بل ينبغي أن يجعل المرء من صدقه في التعبير عن عجزه خطوة أولى نحو استعادة الكلام، فقد يكون الاعتراف بالعجز هو أول أشكال الشفاء منه.
سادساً: حين يصبح الصمت نفسه رسالة
أختم هذا المحور بفكرة قد تبدو مفارقة، وهي أن مقال الكاتب الذي وصف فيه عجزه عن الكلام، كان في ذاته أبلغ كلام. فحين قرأه من قرأه ووجد فيه أفكاره هو، فإن ذلك يعني أن صدق التعبير عن الألم قد يكون أكثر تأثيراً من آلاف التحليلات الجافة. ومن هنا، فإن ما يحتاجه الكاتب وكل من شاركه هذا الشعور، ليس بالضرورة أن يجد كلاماً جديداً يوازي حجم المأساة، فهذا مستحيل أصلاً، بل أن يدرك أن قليلاً من الصدق يكفي، وأن الله سبحانه لا يحاسب العبد على حجم ما قال، بل على صدق ما في قلبه.
سابعاً: حين يُثقل الحزن الفردي فوق طاقة الفرد
أشار الكاتب في مقاله إلى ثقل خاص إضافي، وهو أخوه المعتقل في مصر، وحمله المسؤولية تجاه والديه الكبيرين في السن. وهذا النوع من الأعباء الشخصية المتراكبة فوق الحزن الجماعي هو أشد أنواع الإرهاق، لأنه يجمع بين الحزن العام والقلق الخاص في آن واحد.
وهنا نذكر بما ورد في السيرة النبوية من تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع أزماته الشخصية وسط أزمات الأمة، فحين كان في الخندق محاصراً مع أصحابه، جائعاً كما جاعوا، لم يتوقف عن أداء دوره القيادي، لكنه في الوقت نفسه لم يخف بشريته، فقد شد الحجر على بطنه كما فعلوا. فالقيادة والريادة، سواء في العمل الحقوقي أو الفكري أو الدعوي، لا تعني أن يتنكر الإنسان لضعفه البشري، بل أن يديره بحكمة دون أن يوقفه كلياً.
خاتمة: من فقدان النطق إلى استعادة الرسالة
في الختام، هذه المحطة من العجز والصمت التي وصفها الكاتب ليست نهاية الطريق، بل هي استراحة قسرية يفرضها جسد أنهكه حمل ثقيل. والاستراحة ليست خيانة للقضية، بل هي شرط لاستمرار حملها.
وليتذكر الكاتب وكل من شاركه هذا الشعور أن يعقوب عليه السلام، بعد كل ذلك الحزن الطويل، عاد إليه بصره وابنه معاً، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعد عام الحزن انطلق في أعظم مسيرة في تاريخ الرسالات. فالانكسار المؤقت ليس تناقضاً مع النصر اللاحق، بل هو أحياناً مقدمة له.
وليعلم الكاتب أن استمراره في المتابعة رغم الألم، وبقاء قلبه حياً يتوجع لإخوانه في الهند وغزة والسجن، هو في ذاته دليل على سلامة إيمانه، لا على ضعفه. فالقلوب الميتة لا تتألم، والذي يتألم اليوم هو الذي سيكون له الأجر غداً، وحسب الكاتب في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم إن مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد.
فليصبر، وليستعن بالله، وليمنح نفسه فسحة الصمت متى احتاجها، ثم ليعد إلى الكلمة حين يستعيد قواه، فإن الأمة التي أنجبت من يتألم لأجلها بهذا الصدق، هي أمة لن يعوزها من يتكلم باسمها حين يحين وقت الكلام.
هذا المقال جاء رداً وتأصيلاً على تدوينة سابقة، وقد رُوعي فيه الجمع بين المنظور الشرعي المستند إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، والمنظور النفسي المستند إلى أدبيات علم الصدمة والإرهاق التعاطفي (Secondary Traumatic Stress / Compassion Fatigue) كما تناولتها الأدبيات الحديثة في علم النفس الإكلينيكي.
اكتب مراجعة عامة