التحليل الثامن
من المذكرة المنهارة إلى الحرب الشاملة
الخليج بين الحرب النفسية وفاتورة الحماية، وغزة الورقة المحروقة
إعداد: الأستاذ الدكتور عصام اشويدر الحسني
الزمنية: 9 — 17 يوليو 2026
الوقائع الجوهرية
انهيار مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران بعد فشل الطرفين في الاتفاق على ثلاث عقد رئيسية: مصير الأموال الإيرانية المجمدة، والوضع في لبنان، وحرية العبور المفتوحة في مضيق هرمز.
استئناف الحرس الثوري الإيراني استهداف السفن التجارية في المضيق، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى تنفيذ موجات ضربات جديدة على المدن الساحلية الإيرانية بذريعة الحفاظ على حرية الملاحة.
رد إيراني يومي منتظم بمسيّرات وصواريخ باتجاه ما تصفه طهران بمواقع أمريكية في البحرين والكويت والأردن وقطر وأربيل، من ضمنها استهداف مباشر لقاعدة أمريكية في الكويت طال أنظمة اتصال وخزانات وقود ومنظومة دفاع من طراز باتريوت.
إعادة ترامب فرض الحصار البحري على إيران، مع التأكيد أنه يستهدف السفن الإيرانية والجهات المتعاملة معها حصراً، وإبقاء حرية الملاحة لبقية الدول.
إبلاغ ترامب الكونغرس رسمياً باستئناف العمليات العسكرية داخل إيران، ووصف الضربات بأنها دفاعية، مع التلويح بتوسيعها لتشمل محطات الطاقة والجسور إن لم تعد طهران إلى طاولة التفاوض.
اجتماع في غرفة العمليات ضم كبار مسؤولي الأمن القومي الأمريكي لبحث توسيع الضربات إلى أهداف استراتيجية داخل إيران، مع تسريبات عن خيارات تصل إلى إرسال قوات للسيطرة على جزر إيرانية قرب المضيق مثل جزيرة خارك، رغم تردد ترامب حيال أي تدخل بري.
تكثيف نوعي في الاستهدافات الأمريكية طال الجسور والمطارات والسكك الحديدية داخل إيران، إلى جانب انقطاعات كهربائية في مناطق من جزيرة كيش نتيجة الهجمات.
إطلاق طهران سراح مواطنة أمريكية محتجزة لديها، في خطوة لم توقف جولات القصف اليومية ولم تُخفف من زخم التصعيد.
تأكيد المتحدث باسم الجيش الإيراني أن السيطرة على مضيق هرمز باتت مطلباً وطنياً، وأن المضيق سيبقى مغلقاً حتى تعترف واشنطن بحق النظام الإيراني فيه، مقابل تأكيد الخارجية الإيرانية عدم وجود أي خطط لاستئناف المفاوضات في المدى القريب.
الكاشف الأكبر
في اللحظة ذاتها التي كانت فيها الصواريخ والمسيّرات الإيرانية تتساقط على الأراضي الكويتية والبحرينية والأردنية والقطرية، خرج الرئيس الأمريكي ليعلن أنه يريد أن تُعوّضه هذه الدول تحديداً عن كلفة حمايتها. سمّى السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت بالاسم، ووصف المنطقة بأنها جزء غني من العالم يستحق أن يدفع ثمن الأمن الذي توفره له واشنطن.
هذه هي المفارقة التي تختصر طبيعة العلاقة بين دول الخليج وحليفها الأمريكي: حماية تُقدَّم كخدمة مدفوعة الأجر، بينما الدول التي يُفترض أنها تُحمى هي ذاتها التي تتلقى الصواريخ على أراضيها ومطاراتها وقواعدها بسبب حرب لم تختر الدخول فيها أصلاً. لا فاتورة تُرسل لمن أشعل الحريق، بل تُرسل لمن احترق بيته.
دولة تُقصف تُطالَب بأن تدفع ثمن قصفها. هذا ليس تحالفاً بالمعنى الكلاسيكي، بل هو نموذج اقتصادي للحماية يُشبه إلى حد بعيد منطق حماية الأحياء المسلحة: من لا يدفع، لا يُضمن له أمن، ومن يدفع، لا يُضمن له أمن كامل أيضاً، لكنه على الأقل يشتري وهم الحماية.
الخليج بين نيران إيران وفاتورة أمريكا: حرب نفسية مركّبة
ما تتعرض له شعوب الخليج اليوم لا يقتصر على الأضرار المادية المباشرة من صواريخ ومسيّرات، بل يمتد إلى مستوى أعمق وأخطر: حرب نفسية مركّبة تُدار بصمت، ولا تقل تأثيراً عن القصف نفسه.
الكويت تعيش منذ أيام حالة استنفار متواصل، بين صفارات إنذار وتصدٍ صاروخي وطائرات مسيّرة تحاول اختراق الأجواء. قطر رفعت مستوى التهديد الأمني إلى درجة طلبت فيها من مواطنيها ومقيميها الالتزام بالبقاء داخل المنازل والأماكن الآمنة. الإمارات ألغت المواعيد القنصلية في سفارتها الأمريكية ونقلت الموظفين غير الأساسيين خارج البلاد. البحرين تعيش تحت مظلة الإنذار ذاتها.
آليات الحرب النفسية
الاستنفار المستمر دون حسم: صفارات إنذار تتكرر يومياً دون أن تُفضي إلى نتيجة عسكرية حاسمة، ما يُبقي المجتمعات في حالة قلق دائم يستنزف القدرة النفسية للأفراد قبل أن يستنزف اقتصادهم.
تضارب الروايات والاتهامات: اتهامات إعلامية إسرائيلية لقطر بالموافقة على المشاركة في عمل عسكري ضد إيران، تلتها نفي قطري قاطع، وهو نمط متكرر من الحرب الإعلامية يهدف إلى زرع الشك بين دول الخليج بعضها ببعض، وبينها وبين الرأي العام الدولي.
تعليق الحياة الطبيعية: إلغاء مواعيد، نقل موظفين، توصيات بالبقاء في المنازل، كلها إجراءات تُدخل المجتمع في حالة طوارئ نفسية دون أن تكون هذه الدول طرفاً رسمياً معلناً في الحرب.
غياب اليقين حول من يستهدف من ولماذا: المواطن الخليجي يستيقظ كل صباح على استهداف صاروخي جديد لا يعرف مصدره الدقيق ولا نهايته المتوقعة، وهو ما يُنتج حالة من العجز المُتعلَّم أمام أحداث تتجاوز إرادته بالكامل.
والأخطر أن هذه الحرب النفسية لا تنتهي عند حدود الخوف اليومي، بل تُستثمر سياسياً واقتصادياً. فبينما تُنهك شعوب الخليج نفسياً تحت وطأة الاستهداف المتكرر، يُقدَّم لها في اللحظة ذاتها فاتورة الحماية. الترويع أولاً، ثم التحصيل المالي ثانياً. وهذا ما يجعل الحرب النفسية على الخليج مزدوجة الاتجاه: من الشرق تأتي الصواريخ، ومن الغرب تأتي المطالبات المالية، وفي المنتصف يقف مواطن خليجي عادي لا يملك من الأمر شيئاً.
اليمن والحوثي: باب المندب يدخل معادلة الابتزاز
كشفت مصادر مقربة من الحوثيين، بحسب رويترز، أن إيران طلبت من الجماعة الاستعداد لإغلاق مضيق باب المندب في حال استهدفت الولايات المتحدة البنية التحتية الكهربائية داخل إيران. ونشر الحوثيون صواريخ وطائرات مسيّرة قرب المضيق واستكملوا استعدادات لمهاجمة السفن، في تكرار لمنطق الاحتجاز البحري الذي استخدمته طهران سابقاً في هرمز.
اللافت في هذا الطلب أنه مشروط بمصلحة إيرانية مباشرة، وهي حماية بنيتها الكهربائية الداخلية، لا بأي اعتبار إنساني أو تضامني تجاه غزة أو أي قضية أخرى. الحوثي هنا يُستدعى كورقة ضغط إضافية في معركة إيران مع واشنطن، تماماً كما استُخدم هرمز من قبل: أداة تفاوضية تُشعَل متى احتاجتها طهران لنفسها، لا لغيرها.
ميدانياً، يأتي هذا التصعيد في وقت تبدو فيه الجبهة الداخلية اليمنية أكثر نضجاً من أي وقت مضى في مواجهة الحوثي. توحّد القوات اليمنية تحت قيادة واحدة، من قوات العمالقة إلى درع الوطن والمقاومة الوطنية وقوات مأرب والطوارئ، أعطى الحكومة تموضعاً عسكرياً مختلفاً عما كان قائماً في سنوات الهدنة. وقد وجّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي رسائل مباشرة لمناطق سيطرة الحوثي، محمّلاً الجماعة مسؤولية إغلاق مطار صنعاء ومصادرة أموال الخطوط الجوية اليمنية، ومحذراً القبائل من زج أبنائها وقوداً لحرب لا تخدم مستقبل اليمن.
والسؤال الذي تطرحه هذه اللحظة: هل يُقدم الحوثي على إغلاق باب المندب استجابة لطلب إيراني، في وقت يواجه فيه ضغطاً اقتصادياً داخلياً غير مسبوق وغضباً قبلياً متصاعداً؟ أي تحرك من هذا النوع، بحسب المعطيات الميدانية الراهنة، قد تكون بداية النهاية لا بداية الانتصار الذي تروّج له طهران.
غزة: الورقة المحروقة
في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة عودة كاملة للحرب بين واشنطن وطهران، استمر الاحتلال الإسرائيلي في قصف قطاع غزة دون توقف. غارة إسرائيلية استهدفت نقطة للشرطة في مخيم جباليا شمال القطاع، أسفرت عن استشهاد سبعة على الأقل من بينهم رئيس مركز الشرطة، في نمط هجمات كاد يكون يومياً رغم هدنة أُعلنت قبل أشهر ولم تُترجم يوماً إلى وقف حقيقي لإراقة الدماء.
والسؤال التحليلي الذي يفرض نفسه هنا هو التالي: إذا كانت إيران في حالة حرب فعلية ومفتوحة مع الولايات المتحدة، وإذا كان الاحتلال الإسرائيلي يواصل في اللحظة ذاتها قصف غزة وقتل رجال شرطتها، فلماذا لم توجّه طهران ولو صاروخاً واحداً باتجاه إسرائيل في هذه الجولة؟
كل الرد الإيراني في هذا التصعيد، من دون استثناء يُذكر، توجّه حصراً نحو القواعد الأمريكية في الكويت والبحرين والأردن وقطر وأربيل. لم تُستهدف تل أبيب، ولم تُستهدف أي منشأة إسرائيلية، رغم أن الاحتلال كان في اللحظة نفسها يقتل مدنيين وشرطيين في جباليا. حتى تهديد باب المندب الذي طلبته إيران من الحوثيين لم يُشترط بوقف العدوان على غزة، بل اشتُرط بحماية البنية الكهربائية الإيرانية الداخلية فقط.
إن هذا السلوك يؤكد ما رصدته هذه السلسلة في التحليل الرابع حين أشارت إلى أن إيران لو كانت تحمل فعلاً مشروع المقاومة لأغلقت هرمز في أكتوبر 2023 حين بدأت الإبادة في غزة، لا في فبراير 2026 حين ضُربت هي. اليوم يزداد الدليل رسوخاً: غزة لم تعد ورقة حيّة في حسابات طهران، بل تحوّلت إلى ورقة محروقة، تُستدعى خطابياً في البيانات والتصريحات، لكنها لا تُستدعى عملياً على أرض المعركة.
الفارق بين الورقة الحيّة والورقة المحروقة أن الأولى تُستخدم حين يُراد تحقيق مكسب فعلي، أما الثانية فتُستخدم فقط حين يُراد إنتاج شعار. وغزة، في المعادلة الإيرانية الراهنة، صارت شعاراً لا ورقة ضغط. توجَّه الصواريخ حيث توجد المصلحة المباشرة لطهران، لا حيث يوجد الدم الفلسطيني.
الخطاب الداخلي وتوسّع نطاق الاستهداف
في مؤشر على حالة الانفلات في الخطاب الداخلي الإيراني، اقترح مسؤول إيراني كبير، بحسب موقع واللا الإسرائيلي، شن هجوم بري على إحدى القواعد الأمريكية في المنطقة وأسر مئة جندي أمريكي وإحضارهم إلى إيران.
مثل هذا الطرح، بصرف النظر عن جدّيته أو قابليته للتنفيذ، يعكس حالة من التصعيد في سقف الخطاب الداخلي الإيراني، وربما محاولة من أحد مراكز القوة الثلاثة التي رصدتها هذه السلسلة سابقاً، وتحديداً الحرس الثوري، لفرض أجندته على الدائرة السياسية المدنية الأكثر ميلاً للتهدئة.
في المقابل، تُظهر الضربات الأمريكية تحولاً نوعياً واضحاً، من استهداف القدرة الإيرانية على تهديد الملاحة في هرمز إلى استهداف مباشر للبنية التحتية الحيوية للدولة الإيرانية: الجسور، المطارات، السكك الحديدية، ومحطات توليد الطاقة، وهو ما تسبب بالفعل في انقطاعات كهربائية بمناطق من جزيرة كيش. هذا التحول يشير إلى أن واشنطن انتقلت من منطق الاحتواء البحري إلى منطق إنهاك الدولة الإيرانية من الداخل، وهو تصعيد نوعي يفتح الباب أمام مرحلة أشد خطورة إن استمر بلا كوابح.
خلاصات نقطية
انهيار مذكرة التفاهم أعاد المنطقة إلى نقطة الصفر، وربما إلى ما هو أسوأ من نقطة البداية.
دول الخليج تدفع الثمن مرتين: مرة بالدم والصواريخ التي تسقط على أراضيها، ومرة بالفاتورة المالية التي يطلبها الحليف الذي يفترض أنه يحميها.
الحرب النفسية على الخليج أداة موازية للحرب العسكرية، تُنهك المجتمعات دون أن تمنحها موقعاً رسمياً كطرف في الصراع أو مقعداً على طاولة القرار.
باب المندب دخل معادلة الابتزاز الإيراني بالمنطق ذاته الذي حكم هرمز: ورقة تُستخدم لمصلحة إيران الذاتية لا لأي قضية أخرى.
غزة تحوّلت من ورقة ضغط إلى ورقة محروقة في الحسابات الإيرانية، إذ لم تُستهدف إسرائيل بصاروخ واحد رغم استمرار قصفها لغزة في ذروة الحرب الإيرانية الأمريكية.
الاستهداف الأمريكي ينتقل تدريجياً من احتواء التهديد البحري إلى إنهاك بنية الدولة الإيرانية من الداخل، وهو تصعيد نوعي غير مسبوق في هذه الجولة.
تذكير منهجي
لا تثق بالتصريحات، وراقب أين تتحرك الأساطيل. لا تثق بالشعارات، وراقب من يجلس على طاولة التفاوض. لا تثق بمن يدّعي حمايتك، وراقب من يرسل لك الفاتورة بعد أن يقصفك عدوّك. لا تثق بمن يرفع راية القضية، وراقب أين توجّه صواريخه فعلياً حين تُتاح له الفرصة لتوجيهها.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
يوليو 2026 سلسلة تحليلات استراتيجية متكاملة
اكتب مراجعة عامة