الأستاذ الدكتور عصام اشويدر الحسني
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية
رئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان
تمهيد
جسر الانتقال: لماذا الحيُّ القيُّوم بعد الله والرحمن والرحيم؟
كنّا في الحضرات الثلاث الأولى نبني شيئاً واحداً لا تعرفه إلا حين يكتمل.
في حضرة «الله» عرفتَ من تعبد: معبودٌ تتضافر في اسمه كل معاني الألوهية والعبودية، فليس في الوجود إلهٌ حقٌّ سواه، ولا تصلح العبادة إلا له.
ثم جاءت حضرة «الرحمن» لتُجيب عن سؤالٍ فطري أعمق: وكيف يراني هذا الذي أعبده؟ فإذا بك تكتشف أن عينَ العناية تسبق وجودك، وأن الرحمة الواسعة سبقت الخلق وأحاطت به إحاطةً لا تستثني أحداً.
ثم جاءت حضرة «الرحيم» لتُخصّص وتُعمّق، إذ أجابت: وكيف يعاملني في خصوصية هذه العلاقة؟ فعلمتَ أن الرحمة ليست مجرد نظرة عامة من بعيد، بل هي يدٌ ترفعك حين تعثر، ونفَسٌ يُسعفك حين تضيق.
فلمّا استقر هذا كله في قلبك، واطمأننتَ أنك تعبد إلهاً يراك برحمته ويتعهّدك برحيميّته، أطلّ سؤالٌ من أعماق الفطرة لا يُكبَت ولا يُدفع: وهل هو باقٍ؟ هل يغيب؟ هل ينام؟ هل يعتريه ما يعتري الملوك من العجز والزوال؟ وإن أسندتُ إليه أمري فهل أجد سنداً لا ينهار؟
هنا يجيء الحيُّ القيُّوم ؛ لا كإجابةٍ مجردة، بل كبنيانٍ يُشيَّد تحت قدميك قبل أن تخطو خطوة التوكل الحقيقية. فالتوكل لا يُبنى على رحمةٍ مجردة إن لم تصدر عن حياةٍ لا تنقطع، ولا تستقيم الاستعانة إن لم يكن المستعان به قيّوماً لا يفتر ولا يغفل.
وهكذا كان الحيُّ القيُّوم هو الحضرة الرابعة بالضرورة لا بالاختيار ؛ فهي التي تُحوّل المعرفة إلى توكل، والأنس إلى سكينة، والرحمة المعلومة إلى يقينٍ لا يزعزعه الخوف ولا يهزّه الفقد.
- القسم الأول ؛ التعريف العلمي: لغةً وعقيدةً
أولاً ؛ الحيُّ في اللغة والاصطلاح:
الحياة في لغة العرب ضدُّ الموت، وهي الصفة التي بها يكون الشيء حسّاساً مدرِكاً فاعلاً. وإذا وُصف بها الله تبارك وتعالى أخذت أبعاداً لا يحدّها قياسٌ ولا تضبطها أمثلة، فهي حياةٌ لم تسبقها عدم ولا يعقبها فناء، وليست طارئةً على ذاتٍ كانت قبلها ميتة، بل هي وصفٌ لازم لذاته جل وعلا لزوماً أزلياً أبدياً. قال ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد: «الحياة الثابتة لله سبحانه حياةٌ كاملة من جميع الوجوه، لا يشوبها نقص بوجهٍ ما، وكل كمالٍ ثابت لحيٍّ فهو ثابتٌ له على أكمل الوجوه وأتمها».
وقد جاء هذا الاسم في القرآن الكريم مقروناً بالقيوم في ثلاثة مواضع هي من أعظم آيات الكتاب: في آية الكرسي، وفي سورة آل عمران، وفي سورة طه ؛ وهذا الاقتران ليس عرضياً، بل هو توقيفٌ رباني يُشير إلى أن الاسمين متلازمان في الدلالة، لا يكتمل أحدهما إلا بالآخر.
ثانياً ؛ القيُّوم في اللغة والاصطلاح:
القيّوم صيغة مبالغة من القيام، وهو أبلغ من القائم. وقد ذهب أهل العلم في تفسيره مذهبين متكاملين لا متعارضين: الأول أنه القائم بنفسه الغني عن كل ما سواه، والثاني أنه القائم على كل شيء يدبّره ويحفظه ويمسك به أن يزول. قال ابن جرير الطبري: «القيّوم هو الذي لا يزول ولا يحول، وهو القائم على كل نفسٍ بما كسبت، وعلى كل شيءٍ بالتدبير والحفظ والإمساك».
وقد أوجز ابن تيمية رحمه الله هذا المعنى إيجازاً بليغاً حين قال: «القيّوم هو الذي قام بنفسه وقام به كل شيء، فما من موجودٍ إلا وهو محتاجٌ إليه في وجوده وبقائه وسائر أحواله».
فإذا جمعتَ الحيَّ والقيّوم في تأمّل واحد، أدركتَ أن الحياة هي الأصل الذي تنبثق منه كل الصفات ؛ فالسمع والبصر والعلم والقدرة والإرادة كلها من لوازم الحياة الكاملة ؛ وأن القيومية هي الفعل الدائم المتجدد الذي لا يتوقف لحظة. وبهذا يكون الحيُّ القيُّوم اسماً يجمع كمال الذات وكمال الفعل معاً.
ثالثاً ؛ مسألة الاسم الأعظم:
لا يمكن الحديث عن الحيّ القيّوم دون الإشارة إلى أن طائفةً من أهل العلم رجّحوا أن هذين الاسمين هما الاسم الأعظم الذي إذا دُعي الله به أجاب. فقد روى الترمذي وأبو داود وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يدعو: «اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد»، فقال: «لقد سألتَ الله باسمه الأعظم». وروى أبو داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع آخر يدعو: «يا حيُّ يا قيّوم» فقال نحو ذلك. وقد رجّح ابن القيم رحمه الله أن الاسم الأعظم يدور على ثلاثة: الله، والحيّ، والقيّوم، وأن هذه الأسماء الثلاثة هي القطب الذي تدور عليه سائر الأسماء الحسنى وترجع إليه.
القسم الثاني ؛ التأمل والتدبر: الدلالات العميقة
أولاً ؛ الحياة التي لا تُقاس بحياة:
حين تقول عن إنسانٍ إنه حيٌّ، فأنت تقول شيئاً محدود المعنى ؛ حيٌّ اليوم وهو أمس لم يكن، وحيٌّ الآن وهو غداً يموت، وحيٌّ في ظاهره وقد يختل باطنه، وحيٌّ بجسده وهو نائمٌ لا يدري بما يجري. أما حين تقول: الله الحيُّ ؛ فأنت تُثبت حياةً لا أوّل لها ولا آخر، ولا نومَ فيها ولا سِنَة، ولا مرضَ يعتريها ولا فتورَ يطرأ عليها.
وهنا تكمن عظمة التأمل في هذا الاسم: أن كل ما سوى الله من الأحياء حياتُهم عارية مستعارة، أُودعت فيهم ولم تكن لهم، وهي تُنزع في اللحظة التي يشاء الله نزعها. فالملوك والجبابرة والأقوياء كلهم على جسر الفناء يمشون، وما أُقيم لله من أجلهم خوفٌ ولا رجاء إلا كان على رمالٍ لا على صخر.
أما أنت حين تتعلق بالحيِّ الحقيقي، فأنت تتعلق بحياةٍ لا تُهدَّد ولا تُنهَك، وتسند أمرك إلى من لا يبيد. ولهذا كان دعاء يونس عليه السلام في بطن الحوت ؛ في ظلمات ثلاث لا يُرجى منها خروج بأسباب بشرية ؛ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. وفي هذا النداء إقرارٌ بأن الإله الحق حيٌّ لا يغيب، وقيّومٌ لا يغفل عن شيء ؛ فكان سبحانه قائماً على أمر يونس في قاع البحار، حتى أخرجه ونجّاه وأعاده إلى الحياة والرسالة.
وكذلك يوسف عليه السلام ؛ في ظلمة الجبّ أولاً، ثم في ظلمة السجن سنواتٍ طوالاً ؛ لم يكن لحظةً واحدة خارج قيومية الله. كان القيّوم يُدبّر أمر مستقبله من وراء الأسباب الظاهرة، حتى أجلسه على عرش مصر وجمعه بأهله ؛ وما كان ذلك إلا لأن من أسند أمره إلى القيّوم لا يُضيَّع، ولو مكث في قعر الجبّ أو جوف السجن.
ثانياً ؛ القيومية: السند الذي لا ينهار:
يغفل كثيرون عن أن الوجود كله يُمسك به الله إمساكاً دائماً لا ينقطع، فلو كُفَّ هذا الإمساك لحظةً واحدة لانهار الكون كله. قال تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: 65]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: 41].
فالقيومية ليست صفةً تاريخية ؛ أي أنه خلق ثم ترك ؛ بل هي فعلٌ متجدد في كل لحظة، وإدارةٌ دائمة لا تتوقف. وهذا ما يعنيه ابن تيمية حين يقول إن القيّوم «قام بنفسه وقام به كل شيء» ؛ فأنت لا تقوم إلا به، والرزق لا يأتيك إلا به، والأسباب نفسها لا تؤدي مهمتها إلا بإذنه وتسخيره.
فمن فهم القيومية انقلبت نظرته إلى الأسباب رأساً على عقب ؛ لم يعد ينظر إلى الأسباب نظرة الغافل كأنها مستقلة، بل يراها أدواتٍ في يد القيّوم يُحركها متى شاء وكيف شاء ويوقفها متى شاء.
ثالثاً ؛ آية الكرسي: التأمل في السياق:
لم يكن اختيار آية الكرسي لتكون أعظم آيةٍ في القرآن اعتباطاً، فهي تبدأ بـ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وتمضي في تفصيل مقتضيات هذين الاسمين: لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم ؛ فهذه الحياة الكاملة ؛ وله ما في السماوات وما في الأرض ؛ فهذه القيومية التامة ؛ ومن ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ؛ فهذا دليل سيادة القيّوم المطلقة ؛ ولا يُحيطون بشيءٍ من علمه ؛ فهذا كمال الحياة والإدراك ؛ ولا يَؤوده حفظهما ؛ أي لا يُثقله ولا يُتعبه ؛ وهو العلي العظيم.
انظر كيف تتشابك مقتضيات الحيّ القيّوم في هذه الآية تشابكاً يبلغ بك في النهاية إلى يقينٍ أن الكون كله تحت ولاية من لا تعتريه غفلة.
على بركة الله
رابعاً ؛ القيومية ؛ اسمٌ جامع لصفات الفعل الإلهي على وجه الديمومة والاستمرار:
يقع كثيرٌ من الناس في غلطٍ دقيق حين يتصوّرون القيومية على أنها فعلٌ واحد مضى ؛ خلق الله الكون ثم هو قائمٌ عليه من بعيد ؛ وهذا التصور هو بعينه ما نفاه القرآن الكريم في غير موضع، وما أبطله أهل السنة في ردّهم على من زعم أن الله خلق ثم استوى مستريحاً ( سبحان الله عما يصفون ).
والصواب أن القيومية ليست لحظةً تاريخية مضت، بل هي حالٌ دائم متجدد في كل آنٍ، وأن هذا الاسم الجليل هو في حقيقته اسمٌ جامعٌ لصفات الفعل الإلهي كلها ؛ فكل ما يصدر عن الله من خلقٍ ورزقٍ وتدبيرٍ وإمساكٍ وإحياءٍ وإماتة، إنما هو مظهرٌ من مظاهر قيوميته سبحانه.
قال ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى: «القيّوم هو الذي قام بنفسه وقام به كل شيء، فما من موجودٍ إلا وهو محتاجٌ إليه في وجوده وبقائه وسائر أحواله» ؛ فتأمّل قوله «وبقائه وسائر أحواله» ؛ فليس القيام مقصوراً على لحظة الإيجاد، بل هو ممتدٌّ في كل حال من أحوال المخلوق من مبدئه إلى منتهاه.
وهذا ما تُصرّح به الآيات الكريمة تصريحاً لا يحتمل التأويل ؛ قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الروم: 40] ؛ فالخلق والرزق والإماتة والإحياء أفعالٌ متعاقبة لا تنقطع، كلها صادرةٌ عن القيّوم في كل مرحلة.
وقال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: 6] ؛ فالرزق ليس عطاءً أُعطي مرةً ثم انتهى، بل هو تدفّقٌ دائم من القيّوم لكل دابةٍ في كل لحظة. وقال تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: 65] ؛ والإمساك فعلٌ مستمر لا يتوقف لحظة، فلو انقطع طرفة عين لانهار الكون.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين القيومية وبين كل تصوّر فلسفي للإله الغائب ؛ فالفلاسفة الذين تخيّلوا إلهاً أوجد الكون ثم تركه يسير بقوانينه الذاتية، إنما وقعوا في هذا الخطأ لأنهم لم يُدركوا معنى القيومية. فليس ثمة «قوانين طبيعة» تعمل باستقلالية ؛ بل ثمة قيّومٌ يُجري هذه الأسباب في كل لحظة، ويُمسك بها أن تتوقف، ويوقفها متى شاء ؛ وهذا هو معنى المعجزة في الإسلام ؛ ليست خرقاً لقانونٍ مستقل، بل هي القيّوم يُجري الأمر على غير المجرى المعتاد.
فإذا استحضرتَ هذا أدركتَ أن علاقتك بالله ليست علاقةً تاريخية ؛ أوجدك ثم تركك ؛ بل هي علاقةٌ حيّة متجددة في كل نفَس ؛ رزقك في هذه اللحظة، وأمسك قلبك أن يتوقف الآن، ودبّر أمرك في هذه الثانية بعينها. والتوكل الحق لا يُبنى إلا على هذا الإدراك ؛ إدراك أن القيّوم لم يفرغ من أمرك يوماً، ولن يفرغ حتى تلقاه.
القسم الثالث ؛ الثمرة: الانعكاس على الفرد والمجتمع والأمة
أولاً ؛ انعكاسه على الفرد:
من أحسن استحضار الحيّ القيّوم تغيّرت علاقته بالخوف تغيّراً جذرياً.
الخوف في جوهره النفسي هو الشعور بالهشاشة أمام قوةٍ لا تملك ردّها، أو الشعور بالوحدة في مواجهة ما هو أكبر منك. فإذا أدركتَ أن الحيَّ القيّوم يُمسك بك إمساكاً دائماً لا يتوقف، وأن لا شيء يصلك إلا بما قدّره ومرّره، فلن يكون خوفك من المجهول كخوف من يقف في العراء ؛ بل كخوف من يقف في ساحةٍ تحيط به جدران القيّوم من كل جانب.
ولهذا كان التوكل على الحيّ القيّوم مختلفاً في طبيعته عن كل تعلّق آخر. التوكل على الوالد يزول بزواله، والتوكل على السلطان يتزعزع بضعفه، والتوكل على المال يتبدد بفنائه. أما التوكل على الحيّ الذي لا يموت والقيّوم الذي لا يفتر، فهو الوحيد الذي لا يُخذل صاحبه. وقد قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: 58] ؛ ولو لم يكن في هذا الاسم إلا هذه الآية لكفت في بيان سرّ التوكل الحقيقي.
وأما المبتلى ؛ المريض الذي طال مرضه، والمحزون الذي ثقل حزنه ؛ فإن استحضار القيّوم يُحوّل نظرته إلى محنته تحويلاً عميقاً. إذ يُدرك أن قيوميّة الله لا تتوقف عن العمل في صالحه ولو في أحلك اللحظات، وأن ما يجري عليه ليس إهمالاً من قيّومٍ غافل، بل تدبيرٌ من قيّومٍ يُحكم أمره ولا يُضيع من التجأ إليه. وهذا ما أشار إليه فيكتور فرانكل حين قرّر أن الإنسان يستطيع أن يحتمل أي كيف إذا عرف لماذا ؛ والمؤمن بالحيّ القيّوم يعلم أن وراء كل ابتلاءٍ حكمةً من لا يُجري الأمور إلا لحكمة.
وأما الخائف ؛ من يقف على حافة قرارٍ مصيري أو في مواجهة عدوٍّ لا يُطاق ؛ فإن استحضار الحيّ القيّوم يمنحه ما لا يمنحه شيءٌ آخر: يقيناً بأن من فوّض أمره إلى من لا يموت ولا يغفل، لن يجد نفسه يوماً قد بات بلا سند.
ثانياً ؛ انعكاسه على المجتمع:
من أعمق انعكاسات هذا الاسم على المجتمع أنه يُنتج جيلاً لا يُحسن التعلق بالزائل.
المجتمعات تُصاب بأمراضٍ روحية حين تجعل من الأحياء الفانين موضع التوكل والخوف والرجاء المطلق ؛ سواءٌ كان ذلك في شخصية الزعيم الذي تتعلق به القلوب حتى إذا مات تفككت الأمة، أم في المؤسسة التي تُقدَّس حتى إذا انهارت أصابها الإحباط المدمّر. هذا هو ما يُسمّى في علم النفس الاجتماعي بـ«المعاناة من الخسارة الوجودية» ؛ حين يُربط المعنى بمصدرٍ فانٍ فيتهاوى المعنى بتهاوي المصدر.
أما المجتمع الذي يستحضر الحيَّ القيّوم فإنه يبني ولاءه على أساسٍ لا يزول ؛ يتعاون أفراده لا لأن قائدهم قوي بل لأن الله قيّوم، ويصبرون على المحن لا لأن نصراً بشرياً قريب بل لأن القيّوم لا يُضيع من والاه.
وهذا يُنتج شيئاً آخر بالغ الأثر: مجتمعاً يُحسن إعادة البناء بعد الانكسار. فالأمم التي تتعلق بالزائل تنهار مع زواله، أما الأمم التي مصدر قوتها الحيّ القيّوم فهي تعرف كيف تقوم من كبوتها لأن مصدر قيامها لم يُكبَّل قط.
ثالثاً ؛ انعكاسه على الأمة:
﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255]
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: 58]
﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: 111]
تتأمّل أحوال الأمة اليوم فتجد أن كثيراً من أزماتها تعود في جذرها إلى انكسارٍ في التوكل لا في الإمكانات. أمةٌ تملك من الموارد والعقول والتاريخ ما يُغبطها عليه سواها، لكنها تعيش أزمة السند ؛ تبحث عن قيّومٍ بشري يكفل مستقبلها وهو نفسه لا يُكفل، وتُعلّق آمالها على مواثيق الأمم وهي مواثيق الفانين.
والحيُّ القيّوم يُجيب على سؤال الأمة الأعمق: ما الذي نتكئ عليه؟ يُجيب بأن السند الحقيقي لم يمت، ولم يتغيّر، ولم ينم. وأن كل انتصارٍ حقيقي في تاريخ هذه الأمة لم يكن بتفوق عددي ولا بتحالفٍ دولي، بل كان حين أسندت أمرها إلى القيّوم الذي لا يُعجزه شيء. فبدرٌ كانت ثلاثمائة وبضعة عشر في مواجهة الألف، وخيبرٌ فُتحت بيد رجلٍ كان قبلها أعمى القلب، وكان النصر دائماً من حيث لا يُحتسب ؛ لأن القيّوم لا يحتاج إلى حسابات البشر.
ولهذا فإن استحضار الأمة لهذا الاسم هو بداية الطريق إلى استرداد ما فُقد ؛ لا بالاتكالية التي تدعي التوكل وهي عجزٌ مُقنَّع، ولا بالغرور الذي يتّكئ على الذات وهو استغناءٌ عن القيّوم ؛ بل بذلك التوازن العميق الذي يُعبّر عنه النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الكرب: «يا حيُّ يا قيُّوم، برحمتك أستغيث» ؛ فالسند قائمٌ والرحمة موصولة، والحاجة معترَفٌ بها لا يُداريها.
القسم الرابع ؛ الاستحضار العملي: كيف تعيش مع الحيِّ القيُّوم؟
عِش مع هذا الاسم من خلال ثلاثة مفاتيح:
المفتاح الأول ؛ في لحظة الخوف:
حين تُطوّقك الأسباب وتضيق أمامك المخارج، قل بقلبك قبل لسانك: «يا حيُّ يا قيّوم، برحمتك أستغيث» ؛ فهذا الدعاء يُعيد ترتيب الحقائق في داخلك قبل أن يُغيّر شيئاً في خارجك. هو يقول: أنت حيٌّ ترى ما أنا فيه، وأنت قيّومٌ تُمسك بي حتى في هذه اللحظة، وبرحمتك لا بحولي أستغيث.
المفتاح الثاني ؛ في لحظة التوكل:
قبل كل قرارٍ مصيري ابنِ توكّلك على يقينٍ لا على أمنية ؛ اعمل بالأسباب كاملاً كما أمرك الله، ثم أسند النتيجة إلى القيّوم الذي يُمسك بكل شيء. فالتوكل ليس أن تترك السبب، بل أن تُدرك أن السبب أداةٌ في يد القيّوم لا قوةٌ مستقلة بذاتها.
المفتاح الثالث ؛ في لحظة الانكسار:
حين تسقط ولا تجد يداً تُقيمك، تذكّر أن القيّوم لا يزال قائماً. لم يجلس، لم ينم، لم يُعرض عنك. وأن قيوميّته لك في لحظة ضعفك لا تقلُّ عن قيوميّته لك في لحظة قوتك ؛ بل ربما كان الانكسار هو اللحظة التي تعرف فيها حقاً على من تتوكل.
خاتمة الحضرة الرابعة
﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255]
كلما تأمّلتُ هذه الآية وقفتُ عند ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ وقفةً طويلة ؛ لا لأنها معلومةٌ علمية، بل لأنها منحةٌ للقلب البشري لا تُقدَّر. فالسِّنة هي النعاس الخفيف الذي يسبق النوم، ونفيُها قبل نفي النوم ترتيبٌ قرآني بالغ الدقة ؛ فالله لا يعتريه حتى أوّل درجات الغياب.
ما معنى هذا لك أنت؟
معناه أنه لم تكن لحظةٌ واحدة في حياتك كلها كان فيها ربُّك غائباً عنك ولو نعاساً. ما من ليلةٍ أحسستَ فيها بالوحدة إلا وعيناه عليك سبحانه. ما من هَمٍّ أثقل صدرك إلا وكان الحيُّ القيُّوم يُمسك قلبك من الانكسار التام. ما من مرحلةٍ تاهت فيها الأمة إلا والقيّوم يُحيط بها إحاطةً لا تنقطع.
والتوكل على الحيّ القيّوم ليس موقفاً يُتخذ مرةً ثم يُنسى، بل هو حالٌ يُعاش ؛ كنَفَسٍ لا يتوقف طالما بقيت الحياة. كلما ضاق صدرك، كلما ثقل ظهرك، كلما انكسر ظنُّك بالسبب ؛ فافزع إلى الحيّ القيّوم، وقل معترفاً ومُقرًّا ومتوكلاً: «يا حيُّ يا قيُّوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تَكِلني إلى نفسي طرفة عين».
فمن وكله الله إلى نفسه فقد وُكِل إلى الفناء. ومن أسند أمره إلى الحيّ القيّوم، فقد تعلّق بالحبل الوحيد الذي لا ينقطع.
قائمة المراجع
1. القرآن الكريم
2. ابن جرير الطبري ؛ جامع البيان عن تأويل آي القرآن
3. ابن تيمية ؛ مجموع الفتاوى، درء تعارض العقل والنقل
4. ابن القيم ؛ بدائع الفوائد، مدارج السالكين، الوابل الصيّب
5. ابن كثير ؛ تفسير القرآن العظيم
6. السعدي ؛ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان
7. العثيمين ؛ القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى
8. الحمد ؛ معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى
9. أبو العزايم ؛ أسماء الله الحسنى وأثرها في المعالجة النفسية
10. Frankl, V. — Man's Search for Meaning
11. Reivich, K. & Shatte, A. — The Resilience Factor
12. Haque, A. — Psychology from Islamic Perspective
الحضرة الخامسة: العليم ؛ من يعلم حالك؟
اكتب مراجعة عامة