فلسفة الائتمان وسقوط الأقنعة: قراءة في جدلية الثقة الشخصية والسلوكية
د. صلاح الدليمي
رئيس منصة افق السياسية
تتحركُ العلاقاتُ الإنسانيةُ في فلكٍ معقدٍ من الروابط، وتظلُّ "الثقة" هي المحورَ الذي يدورُ حوله نجاحُ هذه العلاقات أو فناءُها. غيرَ أنَّ التأملَ العميقَ في أسبابِ التصدعاتِ المجتمعيةِ يكشفُ عن إشكاليةٍ معرفيةٍ في فهمِ الثقة؛ إذ يخلطُ الكثيرون بين مظهرِ الإنسان ومخبرِه، وبين ماضيه وسلوكه الحاضر. ومن هنا، وجبَ تفكيكُ الثقةِ إلى نوعينِ أساسيينِ يشكلانِ معاً ميزانَ التقييمِ السليم، والإجابةَ الشافيةَ عن أعقدِ الإشكالاتِ الحياتية.
ثنائية الثقة: بين النَّسَبِ الطاهرِ والمسلكِ العابر
تنقسمُ الثقةُ في جوهرِها إلى مسارين لا يغني أحدُهما عن الآخر:
أولاً: الثقة الشخصية (الاستحقاقُ الظاهري): وهي الثقةُ المستمدةُ من حُسنِ النَّسَبِ، ومتانةِ الدِّين، والسمعةِ الحميدةِ التي يتوارثُها المرءُ أو يُعرَفُ بها في محيطه.
ثانياً: الثقة السلوكية (الاستحقاقُ العملي): وهي الكيفيةُ الإجرائيةُ التي يتعاملُ بها الإنسانُ مع الناسِ في معتركِ الحياة، وأسلوبُ تأثُّرِه وتأثيرِه، ومقدارُ تجلّي قِيَمِهِ في حركةِ الواقع.
إنَّ سِرَّ النجاحِ في العلاقاتِ واستمرارِها رهينٌ بالتحرّي عن السمعتين معاً، وليس الاكتفاءِ بالنوعِ الأولِ الفطري أو الموروث. فكم من إنسانٍ يلتحفُ بالدِّين والسمعة، لكنه يضمرُ بخلاً، وأنانيةً، ومصلحيةً ضيقة، لا يرى فيها إلا ذاته! إنسانٌ وصوليٌّ لا يقيمُ للآخرين وزناً ولا منزلة؛ مما يحكمُ على أي علاقةٍ يدخلُها بالفشلِ والانحرافِ عند أولِ محكٍّ عملي، أو تحدٍّ حقيقي، أو بمجردِ انتهاءِ المنفعة.
التجانسُ المفقود في بيوتِ السُّمعة
يتجلى هذا التفكيكُ بوضوحٍ في مؤسسةِ الزواج؛ فكم من علاقةِ زواجٍ أُسِّسَتْ على "أهلِ السمعةِ والدِّين" لكنها لم تكتمل، على الرّغمِ من أنَّ أطرافَها جاؤوا من أصولٍ شريفةٍ ونسبٍ رفيع. والعلةُ هنا أنَّ الزواجَ لا يكتملُ بجمالِ البدايات، بل بشرطِ التجانسِ في الطباعِ والقبولِ بها، وهذا شرطٌ يرتكزُ كلياً على الثقةِ الثانية (السلوكية) لا الأولى.
وهذا الفهمُ الدقيق هو عينه ما رمى إليه البيانُ النبويُّ المعجز، حين قال الرسولُ عليه الصلاة والسلام:
«إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ»
إنَّ فَصْلَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بين "الدين" و"الخلق" في النص لم يكن لأنَّ الأخلاقَ خارجةٌ عن سياقِ الدِّين، بل جاء من بابِ التنصيصِ والتفصيل؛ فالأولى (الدين والسمعة) هي التوثيقُ الشخصي الظاهر، ثم جاءت لفظةُ (خُلُقُه) لتضيفَ شرطاً حاسماً وهو: طريقةُ تعامُلِه في الحياةِ والواقع.
الفراسةُ العُمرية والممارسةُ العملية
وفي مدرسةِ الخلافةِ الراشدة، نجدُ هذا التأصيلَ النظريَّ يتحولُ إلى منهجٍ تطبيقيٍّ حاسم. فقد دَخَلَ رَجُلٌ المَسْجِدَ يَسْأَلُ عَنْ أَحَدِ الأَشْخَاصِ، وَأَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ جَالِسٌ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الحُضُورِ وَقَالَ: أَنَا أَعْرِفُهُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ.
فأرادَ الفاروقُ أن يختبرَ عمقَ هذه المعرفة، وسألهُ أسئلةَ العارفِ بَمواطنِ الرجال:
«هَلْ تَعَامَلْتَ مَعَهُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ؟» فَقَالَ: لَا.
«هَلْ حَاوَرْتَهُ؟» فَقَالَ: لَا.
«هَلْ سَافَرْتَ مَعَهُ؟» فَقَالَ: لَا.
هُنَا نَطَقَ عُمَرُ بِحِكْمَتِهِ البَالِغَةِ قَائِلاً: «اذْهَبْ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْرِفْهُ، لَعَلَّكَ رَأَيْتَهُ يُصَلِّي رُكَيْعَاتٍ فِي المَسْجِدِ!».
لقد نبَّهَ أميرُ المؤمنينَ في هذا الموقفِ الخالد إلى أنَّ معيارَ التوثيقِ الحقيقيِّ لا بدَّ أن يَمُرَّ عبرَ الممارسةِ العملية؛ لأنها الوحيدةُ القادرةُ على كشفِ البُعدِ الثاني للثقة (البُعد العملي السلوكي)، ولا يمكنُ الركونُ إلى البُعدِ الأولِ فقط؛ لأنه بُعدٌ ظاهريٌّ مشاعٌ يراهُ الجميعُ ولا يختبرُ حقيقةَ النَّفْس.
المقاييسُ الحقيقية في ميدانِ الأعمال
إنَّ هذه الفلسفةَ تفرضُ نفسَها بقوةٍ أكبر في ميادينِ العملِ والتجارة. فالمقاييسُ الحقيقيةُ للثقةِ في هذا الباب هي الثقةُ العمليةُ الصرفة. ورغم أنَّ الثقةَ الشخصيةَ والسمعةَ مطلوبةٌ كأصل، إلا أنَّ الضروراتِ التجاريةَ في كثيرٍ من الأحيان لا تلتفتُ إلى السمعةِ الشخصيةِ بقدرِ ما تؤكدُ وتُشددُ على الثقةِ العمليةِ من حيثُ: المصداقية، والنزاهة، واحترامِ الوعودِ والمواثيق، حتى وإن كانت هذه المعاملةُ مع طرفٍ من غيرِ مِلَّةِ الإسلام. فالالتزامُ بالعهدِ في الميدانِ العملي هو العُملةُ النقديةُ الحقيقيةُ التي يُعتدُّ بها.
خاتمة: قبلَ أنْ تَسْقُطَ الأَقْنِعَة
إنَّ الوعيَ بهذينِ المسارينِ للثقةِ يحمي الإنسانيةَ من صدماتِ الخُذلان. ولذلك، أصبحَ لزاماً علينا أن ننتبهَ مَلِيّاً في توثيقنا للناسِ وتقييمنا لِمَنْ حَوْلَنَا قبلَ فواتِ الأوان، و«لَاتَ حِينَ مَنْدَمٍ»؛ فالحياةُ أقصرُ من أن نُبدِّدَها في علاقاتٍ واهية، والأقنعةُ الزائفةُ مآلُها إلى السقوطِ الحتميِّ أمامَ رياحِ التجربةِ العمليةِ والامتحانِ الحقيقي.
اكتب مراجعة عامة