بيان استنكار
وقاحةٌ بلا حدود... وصمتٌ بلا مبرر
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾
أيها المسلمون في كل بقعة من بقاع الأرض،
لم يكتفِ دونالد ترامب بما اقترفته يداه من ظلم وعدوان، ولم يشبع جبروته بما سفكه مع معشوقه النت ياهو من دماء المستضعفين في غزة وفي سائر أرجاء العالم الإسلامي، بل تجرّأ اليوم -بوقاحة الطاغية المدلَّل الذي لم يجد من يردعه- على أن يستخدم اسم مكة المكرمة، قِبلة المليارين وشعار الكرامة الإسلامية وأقدس بقعة على وجه الأرض، ليجعل منها أداةً للسخرية والاستهزاء في منشور رخيص على منصة إلكترونية.
فيا لَلمصيبة... ويا لَلعار.
أيها الصامتون، سؤالٌ واحد:
حين أُريقت دماء إخوانكم في فلسطين صمتُّم.
حين اعتُقل العلماء والدعاة والأبرياء في زنازين الاستبداد صمتُّم.
حين احترقت المساجد وهُدمت البيوت صمتُّم.
فهل ستصمتون اليوم وقد استُخدم اسم مكة -الاسم الذي يهتز له قلب كل مؤمن- لتلويث مشهد من القمامة والنفايات؟
إن كانت هذه الإهانة لا توقظكم، فاعلموا أن المشكلة ليست في ترامب -فالطغاة طغاة- بل المشكلة فيكم أنتم، في الهوان الذي اخترتموه، في الراحة التي آثرتموها، في الصمت الذي توشّحتموه وكأنه فضيلة.
الصمت صار رمزا لكم وقد صمتم عن الأعظم من حرمة الكعبة المشرفة .
أما أنت يا ترامب:
فلا تظنَّ أن انتقامك من الأسماء والرموز يُعبِّر عن قوة، بل يُعبِّر عن خواء نفسي عميق يعرفه علم النفس جيدًا. فما تفعله اليوم ليس سياسةً ولا حكمةً، بل هو ما يُسمّيه علماء النفس "العدوان التعويضي" ، ذلك السلوك الذي يلجأ إليه من يشعر في قرارة نفسه بالضآلة أمام شيء أكبر منه، فيُحاول تصغيره بلسانه لأنه عاجزٌ عن مجاراته بفعله.
الضعيف وحده هو من يحتاج إلى استفزاز المليارين ليشعر بأنه موجود. وما استخدامك لاسم مكة المكرمة في سياق الإهانة إلا دليلٌ صارخ على أن هذا الاسم يسكن في عقلك الباطن بثقل يُؤرِّقك، ويكشف ما يُعرف في التحليل النفسي بـ"الهيمنة الرمزية للآخر" — أي أن الرمز الذي تُهاجمه هو ذاته الرمز الذي يسكن وعيك ويُقلقك، لأن ما لا يُزعزعك لا تتكلف عناء مهاجمته.
ثمة أيضًا في سلوكك ما يشي بـ"اضطراب النرجسية المُزمن" في أشد صوره وضوحًا: الحاجة القهرية لاستئثار الأضواء، وعدم تحمُّل وجود قيمة أو مرجعية تتخطى سُلطته في وجدان الناس. فمكة المكرمة -بما تمثله من ولاء روحي لمليارين لا تملك سلطةً عليهم- تُمثّل له تحديًا نفسيًا وجوديًا لا يستطيع هضمه.
واعيدها وأقول ، وما استخدامك لاسم مكة المكرمة في سياق الإهانة إلا دليلٌ على أن هذا الاسم يسكن في عقلك الباطن بثقل يفوق ما تتخيله، وأنك تعلم -في أعماقك- أن الأمة التي تنتسب إليه أعظم من أن تُقارَن بأي شيء تملكه أو تبنيه.
جَسَستَ النبضَ بغرور يا من يرى نفسه في المرايا ملكًا، لكن المرايا تكذب على الحمقى و النرجسيين. والتاريخ -لا المرايا- هو الحَكَم، وقد أثبت مرارًا أن الطغاة الذين يمسّون المقدسات يصنعون بأيديهم بداية نهايتهم، لأن الله يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته ، وهذه سنة الله في أمثالك .
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾
أما نحن، فنُعلن بصوت واضح:
إننا لن نُلقي هذه الإهانة في خانة النسيان. ولن نُغلِّفها بلغة الدبلوماسية المُذلّة. ولن نطلب من أحد أن يعتذر لنا بخطاب ورقي يُقرأ في مجالس اللامبالاة.
نقول فحسب: إن الله لا يغفل، وإن الحق لا يُهزم، وإن الانتقام الإلهي آتٍ ،لا يُستعجل لأنه لا يُفوت.
﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾
صادرٌ عن أبناء هذه الأمة الذين لا يخشون إلا الله بإذن من الله
شبكة الرواد الإلكترونية
والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون
الأستاذ الدكتور عصام اشويدر رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان
اكتب مراجعة عامة