img
img

خاطرة: الرحمن الرحيم: رحمة الله في المنع والعطاء

img
الشبكة

خاطرة: الرحمن الرحيم: رحمة الله في المنع والعطاء

سلسلة: حتى تعرف من تعبد
في حضرة أسماء الله الحسنى وانعكاسها على الفرد والأمة






الحمدُ للهِ الذي ربَّانا برحمتِهِ،

وعلَّمنا أنْ لا نرجوَ غيرَهُ،

ولا نطلبَ العطاءَ إلا منْ جنابه.

نحمَدُهُ حمداً كثيراً عدد خلقه وزنة عرشه ومداد كلماته،

ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ،

له الأسماءُ الحسنى، وما من شيء في الأرضِ ولا في السماءِ إلا ويدلُّ على جلالِهِ.

وإنَّ من أسمائه اسمينِ جليلينِ،

كثرَ ورودُهُما في كتابِهِ المبينِ،

هما الرحمنُ والرحيمُ،

افتتحَ بهما أمَّ الكتابِ،

وجعلَهُما عنوانَ ما أنزلَ منَ الهدى والبيانِ.

قالَ تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (الفاتحة: 1)،

فالرحمنُ: صفةٌ ذاتيةٌ،

والرحيمُ: صفةٌ فعليةٌ.

والأولُ  على وزن فعلانِ

يقول ابن القيم: "فبناء فعلان  للسعة والشمول.

ولهذا يقرن استواؤه على العرش بهذا الإسم كثيرا كقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (طه: 5)،

وقالَ: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ} (الفرقان: 59).

الرَّحْمنُ فاستوى على عرشه باسم الرحمن،

لأن العرش محيط بالمخلوقات، قد وسعها.

والرحمة محيطة بالخلق واسعة لهم،

كما قالَ تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} (الأعراف: 156).

فاستوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات.

فلذلك وسعت رحمته كل شيء.

وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لما قضى الله الخلق كتب في كتاب، فهو عنده موضوع على العرش: إن رحمتي تغلب غضبي»

وفي لفظ «فهو وضع عنده على العرش».

فتأمل اختصاص هذا الكتاب بذكر الرحمة.."

فالرحمنُ اسمٌ جاءَ مطلقاً غيرَ مُقيَّدٍ،

يدلُّ على صفةٍ ذاتيةٍ ثابتةٍ لازمةٍ كاملةٍ،

فهوَ -سبحانَهُ- ذو الرحمةِ الواسعةِ التي وسِعَتْ كلَّ شيءٍ.

واسم الرحيم يدلُّ على فعل الرحمة

ولهذا لا يُقالُ: "رحمنٌ بعبادِهِ"، وإنما يُقالُ: "رحيمٌ بعبادِهِ"؛

لأنَّ الرحمةَ الواصلةَ هيَ التي تتعلَّقُ بالخلقِ.

فجاءَ مُقيَّداً في أكثرِ مواضعِهِ،

يدلُّ على تعدِّي الرحمةِ إلى المرحومِ،

فهوَ صفةٌ فعليةٌ، واللهُ -تعالى- يُوصلُ رحمَتَهُ إلى مَنْ يشاءُ منْ عبادِهِ.

قالَ تعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} (الأحزاب: 43)،

وقالَ: {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (التوبة: 128).

فانظرْ كيفَ اقترنَ اسمُ الرحيمِ بالمؤمنينَ،

وكيفَ جاءَ مقروناً بأسماءَ أخرَ كالعزيزِ والغفورِ والتوابِ والبرِّ.


ربَّاكَ اللهُ برحمتِهِ:

هوَ الرحمنُ الذي رحمَتَهُ صفةٌ لازمةٌ لهُ،

وهوَ الرحيمُ الذي يرحمُكَ في كلِّ لحظةٍ،

ويربيكَ بلطيف أقداره

أليسَ هوَ القائلُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (الفاتحة: 2-3)؟

فتربيتُهُ لكَ برحمتِهِ، فكلُّ نعمةٍ تجدُها، وكلُّ نقمةٍ تُدفَعُ عنكَ، فمنْ رحمتِهِ.

وكلُّ ما في العالمِ العلويِّ والسفليِّ منْ حصولِ المنافعِ والمسارِّ، ودفعِ المكارهِ والأخطارِ، فمنْ آثارِ رحمتِهِ.

وهوَ الذي لا يأتي بالحسناتِ إلا هوَ، ولا يدفعُ السيئاتِ إلا هوَ، وهوَ أرحمُ الراحمينَ.

فكيفَ ترجو الرحمةَ منْ سواه؟

وكيفَ يتعلِّقُ قلبَكَ بغيرِهِ؟

أتطلبُ الرحمةَ منْ عبدٍ مثلكَ،

وهوَ محتاجٌ إلى رحمةِ ربِّهِ؟

أترجو العافيةَ منْ مخلوقٍ لا يملكُ لنفسِهِ نفعاً ولا ضرّاً؟


ثم تأمَّلْ كيفَ جاءَ اسمُ الرحمنِ في سياقِ العذابِ!

قالَ تعالى: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ} (مريم: 45)،

قال الطاهر بن عاشور: "..للإشارة إلى أن أصل حلول العذاب بمن يحل به هو الحرمان من الرحمة في تلك الحالة -

عبر عن الجلالة بوصف الرحمن للإشارة إلى أن حلول العذاب ممن شأنه أن يرحم إنما يكون لفظاعة جرمه إلى حد أن يحرمه من رحمته من شأنه سعة الرحمة"

ليسَ لأنَّ الرحمنَ ليسَ رحيماً،

بل ليعلمَ العبدُ أنَّ رحمةَ اللهِ لا تمنعُ عدلَهُ،

وأنَّ العذابَ أيضاً منْ مقتضى رحمتِهِ بعبادِهِ،

ليَرُدَّهُمْ إليهِ، وليُطهِّرَهُمْ منْ تعلُّقِ قلوبِهمْ بغيرِهِ.

واحذرْ -أخي- أنْ تكونَ عبداً لرحمةِ الناسِ،

فترتهنَ قلْبَكَ لهمْ،

فتذوقَ مرارةَ التعلق،

فما الرحمةُ إلا منْ عندِ اللهِ،

وما الناسُ إلا أسبابٌ، والسببُ لا يُرجى،

إنما يُرجى مسبِّبُ الأسبابِ:

كمْ منْ مريضٍ تعلَّقَ بالطبيبِ،

والطبيبُ لا يملكُ شفاءً إلا بإذنِ اللهِ.

وكمْ منْ فقيرٍ تعلَّقَ بالغنيِّ،

والغنيُّ لا يملكُ درهماً إلا منْ فضلِ اللهِ.

وكمْ منْ والدٍ ووالدةٍ تعلَّقَ قلبُهما بالأبناءِ،

والأبناءُ قد يكونونَ سببَ العذابِ لا الرحمةِ.

قالَ تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} (التغابن: 15).
فاتركِ التعلُّقَ بغيرِ اللهِ، ولا تجعلْ راحةَ قلبِكَ مرهونةً برحمةِ الناسِ،

فإنَّهمْ إنْ رحموكَ فبمشيئتِهِ،

وإنْ أعرضوا فبإذنِهِ، وهوَ الذي يقلِّبُ القلوبَ كيفَ يشاءُ.

بلِ اجمعْ جروحَكَ، وآلامَكَ، وفقرَكَ، وضعفَكَ، وقفْ بها على بابِ الرحمنِ الرحيمِ،

وسلْهُ أنْ يسببَ لكَ أسبابَ الرحمةِ منْ حيثُ لا تحتسبُ.

فربَّما كانتِ الرحمةُ في فقرٍ لا غنىً،

وفي مرضٍ لا صحةٍ،

وفي حرمانٍ لا عطاءٍ،

لأنَّ اللهَ أعلمُ بما يصلحُ قلبَكَ،

وهوَ أرحمُ بكَ منْ نفسِكَ.

واذكرْ قصةَ إبراهيمَ الخليلِ،

حينَ أمرَ بذبحِ ابنِهِ إسماعيلَ،

ليطردَ من قلبِهِ كلَّ خُلَّةٍ سوى اللهِ،

فيكونَ قلبُهُ خالياً للرحمنِ.

فكذلكَ أنتَ، كلما تعلَّقَ قلبُكَ بغيرِ اللهِ،

أذاقَكَ اللهُ مرارةَ التعلقِ،

لتتعلَّقَ بهِ وحدهُ.

ولهذا ترى بعضَ الناسِ ابتلوا بالعقوقَ منْ أبنائِهِمْ،

والجفاءَ منْ أحبَّتِهِمْ، لِيَرُدَّهُمُ اللهُ إليهِ،

ويُريَهُمْ أنَّ لا سعادة ترجى عند الناس، بلْ في القربِ منَ الرحمنِ.

فلا تكنْ ممنْ ينتظرُ الرحمةَ منَ الناسِ،

فتذلَّ على أعتابهم،

بلِ انتظرْها منَ الذي بيدِهِ خزائنُ الرحمةِ،

وهوَ الذي قالَ: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}.

واعلمْ أنَّ اللهَ يربيكَ برحمتِهِ،

حتى في شدةِ المنعِ ترى عينَ العطاءِ،

وفي مرارةِ الحرمانِ ترى حلاوةَ الوصالِ.

فثقْ بربِّكَ، وتوكَّلْ على الرحمنِ الرحيمِ،

يَكْفِكَ الناسَ جميعاً، ويرحمْكَ برحمتِهِ الواسعةِ التي وسِعَتْ كلَّ شيءٍ وشملت كل حي

وخص عباده المؤمنين بالرحمة الخاصة

فيغدق عليهم من فيض رحمته ما يزيدهم علما به وإجلالا له

ويعاجلهم بالتربية رحمة بهم أن تزل أقدامهم عن الصراط المستقيم.

يربيهم بالمنع والعطاء

فلا تَحْزَنْ على حرمانٍ،

ولا تَفْرَحَنَّ بعطاءٍ يُنسيكَ بابَهُ،

واسألْه أن يجعلكَ من عبادِهِ الذين رَضُوا باللهِ ربّاً،

وبالإسلام ديناً،

وبمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نبيّاً،

وأيقنوا أنَّ رحمتَهُ هي الغالبةُ،

وأنَّ تربيَتَهُ لحكمة،

وأنَّ مرضاته هي الغايةُ.

والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

تعليقات