img
img

بيان تعزية ونَعْي في رحيل الداعية المعتقل الشيخ

img
الشبكة

بيان تعزية ونَعْي في رحيل الداعية المعتقل الشيخ

بسم الله الرحمن الرحيم

 

شبكة الرواد الإلكترونية

 

بيان تعزية ونَعْي

في رحيل الداعية المعتقل الشيخ

سعيد منصور رحمه الله

المتوفَّى داخل سجن تيفلت 2 بالمغرب ظُلمًا ومظلومًا

 

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ابۡتِغَاۤءَ مَرۡضَاتِ اللَّهِۚ وَاللَّهُ رَءُوفٌۢ بِالۡعِبَادِ ﴾

[البقرة: 207]

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيِّد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد:

بقلوبٍ مُثقَلةٍ بالحزن، مُسلِّمةٍ لقضاء الله وقدره، تتقدَّم شبكة الرواد الإلكترونية إلى أسرة الفقيد الغالي، وإلى اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين، وإلى الأمة الإسلامية جمعاء، بأحرِّ التعازي وأصدق المواساة في فقدان رجلٍ كان جبلًا من جبال الدعوة والصمود؛ الشيخ سعيد منصور رحمه الله، الذي فارق الدنيا داخل أسوار سجن تيفلت 2 بالمغرب، في الثالث عشر من يونيو عام ستةٍ وعشرين وألفين، عن عمرٍ ناهز ستةً وستِّين عامًا.

مَن هو الشيخ سعيد منصور؟

هو المغربيُّ الأصيل الذي وُلد بمدينة الدار البيضاء في الحادي عشر من يناير عام ألفٍ وتسعمئة وستِّين، وحمل جنسيةً دنماركية منذ عام ثمانيةٍ وثمانين وتسعمئة وألف. رجلٌ نذر حياته للدعوة إلى الله، فأسَّس مركز النور للإعلام في الدنمارك، مُتيحًا بيتَه ومركزَه لكل داعيةٍ وطالب علم، يُصدر الكتب والمطويات والأشرطة، يُنيرُ بها دُروب الشباب المسلم في الغرب. كان علانيةً في عمله، جهريًّا في دعوته، لا سِرِّيَّة في نشاطه ولا خفاءَ في مسلكه، وشاهدٌ على ذلك أن صحيفة واشنطن بوست أجرت معه حوارًا مطوَّلًا في الثامن والعشرين من أغسطس عام خمسةٍ وألفين.

شهد له العارفون بأنه كان متمسِّكًا بدينه وسنَّة نبيِّه، حريصًا على هدايةِ الناس، باذلًا ماله ووقته وجهده في سبيل الدعوة إلى الله، فكان نِعمَ السَّند والمعين لكثيرٍ من الدعاة والعاملين لدين الله بالكلمة الطيبة. وقد أشهد ربَّهم الكثيرُ من الدعاة أنهم أحبّوه في الله لدينه وصبره، قائلين في كلمة موحدة: «له فضلٌ على كثيرٍ من الدعاة بنشر ما يصدرون، وبمساعدتهم دنيا ودينًا».

مسيرةٌ من المظلومية والصمود

لم يكن طريق هذا الداعية مفروشًا بالورد؛ فبعد عقودٍ من العطاء الدعوي في الدنمارك، اعتُقل عام أربعةَ عشر وألفين، وقضى أربع سنواتٍ في سجون الدنمارك، وجُرِّد من جنسيَّته الدنماركية، ثم سُلِّم قسرًا إلى المغرب عام تسعةَ عشر وألفين رغم أنه كان قد غادر ترابَه منذ عام تسعةٍ وثمانين وتسعمئة وألف دون أن يعود إليه يومًا واحدًا.

وفي المغرب، كانت التُّهم جاهزةً والمحاكمة مُعَدَّةٌ للظلم؛ وُجِّهت إليه تهمٌ واهية لا أساس لها من الصحة، من بينها: تكوين عصابة إجرامية والمشاركة في تجريب أدوات تخريبية  وكيف يُتَّهَم بذلك رجلٌ لم يطأ أرض المغرب منذ عشرات السنين؟! وزِيدَ في الظلم حين صدر بحقِّه حكمٌ ابتدائي بالإعدام في محاكمةٍ غريبة، كُلِّف فيها محامٍ للمساعدة القضائية لم يعرف ملفَّه ولم يترافع عنه إلا دقائقَ معدودة، مما جعل الفقيد يرفض التوقيع على الاستئناف احتجاجًا على غياب أدنى شروط العدالة.

وفي الاستئناف عام عشرين وألفين وواحد، كرَّر القضاء نفسَ الخطأ الجسيم؛ إذ اعتمد كليًّا على اعترافات معتقلٍ أُفرج عنه بعفوٍ ملكي، ولم تُجِب المحكمةُ على مطلب الفقيد المشروع بمواجهة ذلك الشاهد المزعوم الذي لا تربطه به أيُّ صلة أو معرفة. فصدر بحقِّه حكمٌ جائر بخمسةٍ وعشرين سنة سجنًا نافذًا ، وهو بريءٌ بريئًا لا يشكُّ فيه عارفوه.

رحيلٌ مريب وتساؤلاتٌ مشروعة

أمَّا الوفاة فجاءت صاعقةً مُفزِعة؛ فلم يكن الشيخ سعيد منصور يعاني من أيِّ مرض أو وَهَنٍ صحي قبيل رحيله، بل كانت عائلتُه تطمئنُّ إلى صحَّته. غير أن الخبر المُفجِع وصل في الثالث عشر من يونيو ستةٍ وعشرين وألفين: فارق الروح جسدَ هذا الداعية داخل معتقله، في ظروفٍ غامضة وحيثياتٍ مريبة تستدعي وقفةً جادةً ومحاسبةً صارمة.

وعليه، تُحمِّل شبكة الرواد الإلكترونية، حذوًا بما تفضَّلت به اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين، المندوبيةَ العامة لإدارة السجون والسلطاتِ المعنيةَ كافةً، المسؤوليةَ الكاملةَ عمَّا جرى لهذا الشيخ الكبير في معتقله؛ وتطالب بفتح تحقيقٍ عاجل ونزيه، وإجراء الإجراءات اللازمة، لإماطة اللثام عن هذه الوفاة التي لا تُعقَل في حقِّ رجلٍ معافى.

موقف شبكة الرواد الإلكترونية

يُؤلمنا في شبكة الرواد الإلكترونية أن يموت مِثل سعيد منصور سجينًا غريبًا، بعيدًا عن أهله وأحبَّته، في بلدٍ أُعيد إليها قسرًا بعد عقودٍ من الغياب. غير أن في ذلك لعلَّه رفعةً لدرجاته عند ربِّ العالمين، وشاهدًا على دنيا تُضيِّق على أوليائها كما ضيَّقت على الأنبياء قبلهم.

إن الظلم لا يدوم، والحقيقة لا تُخفى إلى الأبد، ﴿وَسَيَعۡلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ﴾. ونُوصي الأمة الإسلامية بإحياء ذكرى هذا الداعية الثابت، والتعريف بقضيته العادلة في كل منبرٍ ومحفل، حتى لا تُنسى المظالم ولا يُطمأنَّ إلى الصمت.

بشرى وصدقة جارية

وتُعلن شبكة الرواد الإلكترونية عن مبادرةٍ ميمونة في هذه المناسبة الأليمة؛ إذ ستقوم بإذن الله بـحفر بئرٍ بإسم الشيخ سعيد منصور رحمه الله، صدقةً جاريةً تُروي ظمأ المحتاجين في المناطق المحرومة، وتجري في صحيفة حسناته إلى يوم يقوم الناس لربِّ العالمين. قال صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عملُه إلا من ثلاثة: إلا من صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتَفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له» [رواه مسلم].

ونُوجِّه دعوةً صادقةً من القلب إلى كل مُحسنٍ ومحسنة أن يحذوا هذا الحذو، فيُشاركوا في حفر بئرٍ أو أيِّ صدقةٍ جاريةٍ أخرى، خدمةً لروح هذا الداعية المظلوم، وتذكيرًا بأن الخير لا يموت وإن مات أصحابه.

اللهمَّ ارحم عبدك سعيد منصور رحمةً واسعة، وتقبَّله في زمرة الصالحين والشهداء الصادقين، واجمعه مع النبيِّين والصدِّيقين وحسُن أولئك رفيقًا. اللهمَّ اكشف الغمَّة عن أهله وذويه، وألهمهم جميلَ الصبر والرِّضا، واخلفهم خيرًا في دنياهم وأُخراهم.

 

وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بالله العلي العظيم.

صادرٌ عن: شبكة الرواد الإلكترونية

الأستاذ الدكتور عصام اشويدر

رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

بتاريخ: 29 ذي الحجة 1447هـ الموافق: 15 يونيو 2026م

تعليقات