دور
الإدارة الحكومية في تحقيق العدالة الانتقالية في سورية
(
دراسة تحليلية )
The Role of Government Administration in Achieving
Transitional Justice in Syria
(An Analytical Study)
إعداد
المهندس
السياسي
خالد
سليمان
تاريخ
البحث
2025-2026
ملخص
البحث :
يتناول هذا البحث دور الإدارة الحكومية في تحقيق العدالة
الانتقالية في سورية بوصفها إحدى القضايا المحورية في مسار التحول السياسي بعد
النزاعات ينطلق البحث من فرضية أساسية مفادها أن نجاح العدالة الانتقالية لا يرتبط
فقط بوجود آليات قانونية وقضائية، بل يتطلب وجود إدارة حكومية فعّالة قادرة على
تنفيذ السياسات العامة وإعادة بناء المؤسسات ويعتمد البحث على المنهج الوصفي
التحليلي لدراسة الإطار النظري للعدالة الانتقالية، وتحليل واقع الإدارة الحكومية
السورية منذ عام 2011، مع التركيز على التحديات السياسية والإدارية والقانونية
التي تواجهها. كما يستعرض البحث آليات العدالة الانتقالية، مثل المحاسبة القضائية،
ولجان الحقيقة، والإصلاح المؤسسي، ودورها في تعزيز السلم المجتمعي وتبرز النتائج
أن ضعف البنية المؤسسية، وتعدد مراكز السلطة، وغياب الإرادة السياسية تشكل عوائق
رئيسية أمام تحقيق العدالة الانتقالية في سورية. ويخلص البحث إلى أهمية تبني
إصلاحات إدارية شاملة، وتعزيز الكفاءة المؤسسية، وتطوير الأطر القانونية، بما يسهم
في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ويهيئ بيئة مناسبة لتحقيق مصالحة وطنية
مستدامة.
الكلمات
المفتاحية:
العدالة
الانتقالية، الإدارة الحكومية، سورية، الإصلاح المؤسسي، التحول السياسي
Abstract :
This research examines the role of
government administration in achieving transitional justice in Syria as a
central issue within the broader process of post-conflict political
transformation. The study is grounded in the assumption that the success of
transitional justice depends not only on the existence of legal and judicial
mechanisms, but also on the presence of an effective governmental administration
capable of implementing public policies and rebuilding state institutions.
Adopting a descriptive-analytical approach, the research explores the
theoretical framework of transitional justice and analyzes the reality of
Syrian public administration since 2011, with particular emphasis on the
political, administrative, and legal challenges it faces. The study further
reviews key transitional justice mechanisms, including criminal accountability,
truth commissions, and institutional reform, highlighting their role in
promoting social peace and stability. The findings indicate that weak
institutional structures, fragmented authority, and the lack of political will
represent major obstacles to the implementation of transitional justice in
Syria. The research concludes by emphasizing the necessity of comprehensive
administrative reforms, strengthening institutional capacity, and developing
appropriate legal frameworks to rebuild trust between the state and society,
thereby creating a conducive environment for sustainable national
reconciliation.
Keywords:
Transitional Justice, Government
Administration, Syria, Institutional Reform, Political Transformation
جدول
المحتويات
|
الرقم |
الموضوع |
رقم
الصفحة |
|
1 |
المقدمة |
1 |
|
|
إشكالية
البحث |
2 |
|
|
فرضيات
البحث |
2 |
|
|
أهداف
البحث |
3 |
|
|
أهمية
البحث |
3 |
|
|
حدود
البحث |
4 |
|
|
منهجية
البحث |
4 |
|
2 |
الفصل
الأول: الإطار النظري والمفاهيمي للعدالة الانتقالية ودور الإدارة الحكومية |
5 |
|
|
المبحث
الأول: مفهوم العدالة الانتقالية ونشأتها |
5 |
|
|
المطلب
الأول: تعريف العدالة الانتقالية ومضامينها الأساسية |
5 |
|
|
المطلب
الثاني: تطور العدالة الانتقالية وأهدافها |
6 |
|
|
المطلب الثالث: أهمية العدالة الانتقالية في
الدول الخارجة من الحروب |
8 |
|
|
المبحث
الثاني: آليات العدالة الانتقالية |
9 |
|
|
المطلب
الأول: المحاسبة القضائية وملاحقة الانتهاكات |
9 |
|
|
المطلب
الثاني: لجان الحقيقة وجبر الضرر |
10 |
|
|
المطلب
الثالث: الإصلاح المؤسسي وضمان عدم التكرار والمصالحة الوطنية ودور دولة فيها |
11 |
|
|
المبحث
الثالث :دور الإدارة الحكومية ودورها في مسار العدالة الانتقالية |
13 |
|
|
المطلب
الأول: مفهوم الإدارة الحكومية ووظائفها في سياق العدالة الانتقالية |
13 |
|
|
المطلب
الثاني: أدوار الإدارة الحكومية في مراحل العدالة الانتقالية المطلب
الثالث: العلاقة بين الإدارة الحكومية وبقية مؤسسات الدولة |
14 15 |
|
3 |
الفصل
الثاني: العدالة الانتقالية في السياق السوري ودور الإدارة الحكومية |
18 |
|
|
المبحث
الأول: السياق السياسي والإداري في سورية بعد عام 2011 |
18 |
|
|
المطلب
الأول: التحولات السياسية وأثرها على بنية الدولة |
18 |
|
|
المطلب
الثاني: تأثير النزاع على الإدارة العامة والمؤسسات الحكومية |
19 |
|
|
المطلب
الثالث: التحديات الإدارية والمؤسساتية في المرحلة الانتقالية |
19 |
|
|
المبحث
الثاني: واقع الإدارة الحكومية السورية وقدرتها على تحقيق العدالة الانتقالية |
21 |
|
|
المطلب
الأول: واقع الهياكل الإدارية والتنظيمية |
21 |
|
|
المطلب
الثاني: كفاءة الإدارة الحكومية والموارد المتاحة |
22 |
|
|
المطلب
الثالث: الإطار القانوني والمؤسسي الناظم لعمل الإدارة |
23 |
|
|
المبحث
الثالث: التحديات التي تواجه الإدارة الحكومية في تطبيق العدالة الانتقالية |
25 |
|
|
المطلب
الأول: التحديات السياسية والأمنية |
25 |
|
|
المطلب
الثاني: التحديات الإدارية والمؤسساتية |
26 |
|
|
المطلب
الثالث: التحديات القانونية والمجتمعية |
28 |
|
4 |
الفصل
الثالث: آفاق العدالة الانتقالية في سورية والرؤية المستقبلية لدور الإدارة
الحكومية |
31 |
|
|
المبحث
الأول: متطلبات تفعيل دور الإدارة الحكومية في العدالة الانتقالية |
31 |
|
|
المطلب
الأول: الإرادة السياسية وأهميتها |
31 |
|
|
المطلب
الثاني: الإصلاح الإداري وبناء القدرات المؤسسية |
32 |
|
|
المطلب
الثالث: تطوير الأطر القانونية والتنظيمية |
34 |
|
|
المبحث
الثاني: دور الإدارة الحكومية في إعادة بناء الثقة والسلم المجتمعي |
37 |
|
|
المطلب
الأول: تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع |
37 |
|
|
المطلب
الثاني: دور الإدارة الحكومية في المصالحة الوطنية |
39 41 |
|
المطلب
الثالث: ضمان عدم تكرار الانتهاكات |
||
|
|
المبحث
الثالث: رؤية مستقبلية لتعزيز دور الإدارة الحكومية في تحقيق العدالة الانتقالية |
44 |
|
|
المطلب
الأول: المقترحات الإصلاحية العملية |
44 |
|
|
المطلب
الثاني: آليات التنفيذ والمتابعة |
47 |
|
|
المطلب
الثالث: آفاق العدالة الانتقالية في سورية مستقبلاً |
49 |
|
5 |
الخاتمة |
54 |
|
6 |
النتائج
|
55 |
|
7 |
المقترحات
والتوصيات |
56 |
|
8 |
قائمة
المراجع |
57 |
تُعد
العدالة الانتقالية واحدة من أبرز المفاهيم القانونية والسياسية التي برزت في سياق
التحولات التي شهدتها العديد من الدول الخارجة من الثورات الشعبية أو الأنظمة
الاستبدادية، إذ تهدف إلى معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتحقيق
المصالحة الوطنية، وترسيخ السلم الأهلي والاستقرار السياسي و لا تقتصر العدالة الانتقالية على البعد القضائي فحسب،
بل تشمل أبعاداً سياسية واجتماعية واقتصادية، وتستوجب تفعيل أدوار متكاملة لمؤسسات الدولة وفي مقدمتها
الإدارة الحكومية (Skaar, 2011, p. 5).
تُواجه
الدول الخارجة من النزاعات
تحديات جسيمة في إعادة بناء الدولة وترميم النسيج الاجتماعي، ويبرز في هذا السياق
الدور المحوري للإدارة الحكومية، بوصفها
الجهاز التنفيذي المسؤول عن تنفيذ السياسات العامة وإدارة الموارد ، وتقديم
الخدمات العامة (Teitel, 2002, p. 87).
إذ إن نجاح مسار العدالة الانتقالية
يرتبط بوجود جهاز إداري فعّال قادر على تطبيق البرامج والسياسات الانتقالية بكفاءة،
وهو يتطلب توفر إرادة سياسية، وكفاءات مؤسسية، وأطر قانونية تنظيمية ملائمة.
في الحالة السورية، تزداد أهمية دراسة العدالة
الانتقالية في ظل التحولات السياسية التي شهدتها البلاد منذ عام 2011 وما نتج عنها من تحديات على مستوى بنية الدولة
ومؤسساتها الإدارية للدولة، الى جانب الانقسام المؤسساتي، واستمرار الانتهاكات
الحقوقية، ويثير تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة الإدارة الحكومية السورية – في
صورتها الراهنة أوفي اطار إعادة بنائها – على أداء دور فعّال في مسار العدالة
الانتقالية، و الشروط اللازمة لتأهيلها للقيام بهذا الدور (International Center for Transitional Justice, 2019, p.
11).
ومن هذا
المنطلق فان هذا البحث يسعى الى تحليل الإطار النظري للعدالة الانتقالية، وبيان دور الإدارة الحكومية في هذا المسار ، مع التركيز على الحالة السورية بهدف استكشاف واقع الإدارة
الحكومية ، و تحديد التحديات التي تواجهها وصولا الى تقديم تصور تحليلي لإمكانية
تفعيل دورها في تحقيق العدالة الانتقالية.
إشكالية البحث
وفي ضوء ما سبق تبرز إشكالية البحث في محاولة
تفسير العلاقة بين كفاءة الإدارة الحكومية وقدرتها على تنفيذ آليات العدالة
الانتقالية في السياق السوري ولاسيما في ظل التحديات السياسية والإدارية التي
أفرزتها مرحلة ما بعد عام 2011م
الى أي
مدى تؤثر كفاءة وبنية الإدارة الحكومية في سورية في قدرتها على تنفيذ آليات
العدالة الانتقالية في سياق الثورة السورية والتحولات السياسية التي أعقبت عام
2024 ؟
ويتفرع
من هذا السؤال الرئيسي الاسئلة الفرعية
التالية :
1- ما
واقع البنية الإدارية والمؤسسات الحكومية في سورية بعد التحولات السياسية التي
أعقبت عام 2024 ومدى جاهزيتها لتطبيق آليات العدالة الانتقالية؟
2- ما
أبرز التحديات السياسية والإدارية والقانونية التي تواجه الإدارة الحكومية السورية
في تنفيذ مسار العدالة الانتقالية؟
3- كيف
يمكن للإصلاح الإداري وتعزيز الكفاءة المؤسسية أن يسهما في دعم العدالة الانتقالية
وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع في سورية؟
فرضيات البحث
ينطلق
البحث من الفرضيات الآتية:
1. تؤثر كفاءة الإدارة
الحكومية تأثيرا إيجابيا في نجاح مسار تحقيق العدالة الانتقالية .
2. يؤدي ضعف البنية
الإدارية وتعدد مراكز السلطة في تطبيق آليات العدالة الانتقالية في سورية.
3. يُعد توفر الإرادة السياسية والإصلاح الإداري شرطاً أساسياً
لتعزيز دور الإدارة الحكومية في تحقيق العدالة الانتقالية.
4. يسهم مستوى التنسيق المؤسسي بين أجهزة الدولة في تعزيز
فاعلية برامج العدالة الانتقالية وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
أهداف البحث
يهدف هذا البحث
إلى تحقيق ما يأتي:
1-
توضيح الإطار المفاهيمي للعدالة الانتقالية.
2- دراسة واقع الإدارة الحكومية في سورية .
3- تحليل دور الإدارة الحكومية في سورية.
4- تحديد التحديات
التي تواجه الإدارة الحكومية في تطبيق آليات العدالة الانتقالية في السياق السوري.
5- تقديم تصور لتعزيز
دور الإدارة الحكومية في تحقيق العدالة الانتقالية في سورية.
أهمية البحث
تنبع أهمية هذا
البحث من تناوله دور الإدارة الحكومية في تحقيق العدالة الانتقالية في سياق التحول
السياسي في سورية، في ظل التحولات السياسية والإدارية التي شهدتها سورية منذ عام
2011 م .
أولًا: الأهمية
العلمية
يسهم
البحث في إثراء الأدبيات المتعلقة بالعدالة الانتقالية من منظور إداري–سياسي، من
خلال ابراز دور الإدارة الحكومية بوصفها فاعلًا مؤسسياً رئيسياً في إنجاح هذا المسار .
في هذا
السياق لا تقتصر أهمية البحث على البعد
النظري بل تمتد لتشمل أبعاده التطبيقية الذي
ما يزال يعاني نقصاً في الدراسات الأكاديمية المتخصصة في هذا المجال.
ثانياً:
الأهمية العملية
تتجلى
الأهمية العملية في إمكانية الاستفادة من البحث في تقييم واقع الإدارة الحكومية
السورية، وتقديم تصورات ومقترحات تسهم في
دعم جهود الإصلاح الإداري وتعزيز دور المؤسسات الحكومية في تحقيق العدالة
الانتقالية.
حدود البحث
الحدود الزمانية: تقتصر الدراسة على الفترة الممتدة من عام 2011
وحتى عام الان
نظرا لارتباطها بالتحولات السياسية والإدارية في
سورية فضلا عن كونها تمثل الاطار الزمني الذي أنجزت فيه هذه الدراسة .
الحدود المكانية: تقتصر
الدراسة على الجمهورية العربية السورية .
الحدود الموضوعية:
تركز الدراسة على دور الإدارة الحكومية في تحقيق العدالة الإنتقالية
منهجية البحث
يعتمد
البحث على المنهج الوصفي التحليلي، وذلك من خلال وصف وتحليل دور الإدارة الحكومية
في تحقيق العدالة الانتقالية مع التركيز على الحالة السورية بوصفها نموذجا لدولة
خارجة من نزاع كما يستند البحث الى تحليل الأدبيات
العلمية، والدراسات السابقة، والتقارير ذات الصلة بهدف تفسير العلاقة بين كفاءة
الإدارة الحكومية وفاعلية تطبيق آليات العدالة الانتقالية .
الفصل
الأول
الإطار
النظري والمفاهيمي والمؤسسي للعدالة الانتقالية ودور الإدارة الحكومية
يُعدّ الإطار
النظري والمفاهيمي للعدالة الانتقالية أساسًا لفهم طبيعة الأدوار التي تؤديها
مؤسسات الدولة، ولا سيما الإدارة الحكومية، في المجتمعات الخارجة من النزاعات. ومن
هذا المنطلق، يتناول هذا الفصل مفهوم العدالة الانتقالية وآلياتها المختلفة، إضافة
إلى تحليل دور الإدارة الحكومية في دعم مسارات العدالة وبناء الاستقرار المؤسسي.
المبحث الأول:
مفهوم العدالة الانتقالية ونشأتها
تُعدّ العدالة الانتقالية من المفاهيم الحديثة
نسبياً في الفكرين القانوني والسياسي، وقد ارتبط ظهورها بالسياقات التي تمرّ بها
الدول الخارجة من فترات الثورات الشعبية أو من أنظمة استبدادية، حيث تواجه هذه
الدول إرثاً ثقيلاً من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والانقسامات المجتمعية،
وضعف الثقة بين الدولة والمجتمع. ومن هنا برزت الحاجة إلى آليات تهدف إلى معالجة
الماضي، وتحقيق المساءلة، وجبر الضرر، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، بما يسهم في
بناء مستقبل أكثر استقراراً وعدالة.
ولا
تقتصر العدالة الانتقالية على كونها مجموعة من الإجراءات القضائية فحسب، بل تمثل
إطاراً شاملاً يجمع بين الأبعاد القانونية والسياسية والاجتماعية والإدارية،
ويستوجب مشاركة فاعلة لمؤسسات الدولة والمجتمع على حد سواء وفي هذا السياق، تبرز
الإدارة الحكومية بوصفها أحد الفاعلين الرئيسيين في تصميم وتنفيذ سياسات العدالة
الانتقالية، لما لها من دور محوري في تفعيل القوانين، وتنفيذ البرامج، وإدارة
الموارد، وضمان استمرارية المؤسسات خلال المرحلة الانتقالية.
المطلب الأول:
تعريف العدالة الانتقالية ومضامينها الأساسية
تُعدّ العدالة الانتقالية مفهوماً قانونياً–سياسياً
يُستخدم للإشارة إلى مجموعة من التدابير والآليات التي تعتمدها الدول الخارجة من
فترات نزاع مسلح أو حكم استبدادي، بهدف معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق
الإنسان، وتحقيق المساءلة، وبناء أسس السلم والاستقرار وقد ارتبط هذا المفهوم
بمرحلة "الانتقال" من وضع غير طبيعي، يتسم بالعنف أو القمع، إلى وضع
جديد يسعى إلى ترسيخ سيادة القانون واحترام الحقوق والحريات (Teitel,
2002, p. 4).
وتُعرّف
العدالة الانتقالية وفق المركز الدولي للعدالة الانتقالية بأنها «مجموعة من
الإجراءات القضائية وغير القضائية التي تعتمدها المجتمعات لمعالجة انتهاكات حقوق
الإنسان في الماضي، بما يشمل المحاكمات، ولجان الحقيقة، وجبر الضرر، وإصلاح
المؤسسات» (International Center for Transitional Justice, 2019, p. 3).
ويُظهر هذا التعريف الطابع الشمولي للعدالة الانتقالية، إذ لا تقتصر على البعد
القضائي، بل تشمل أبعاداً سياسية وإدارية واجتماعية.
ويرى
" Teitel " أن
العدالة الانتقالية تمثل استجابة استثنائية لظروف استثنائية، حيث تختلف عن العدالة
التقليدية من حيث الأهداف والوسائل، إذ تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلبات
العدالة من جهة، وضرورات الاستقرار السياسي والسلم الأهلي من جهة أخرى (Teitel,
2002, p. 6). ،كما يؤكد " Skaar " أن العدالة
الانتقالية لا يمكن اختزالها في محاسبة الجناة فقط، بل يجب فهمها ضمن إطار أوسع
يهدف إلى إعادة بناء الثقة بالمؤسسات العامة وضمان عدم تكرار الانتهاكات (Skaar,
2011, p. 9).
وتتمثل
المضامين الأساسية للعدالة الانتقالية في مجموعة من المبادئ المترابطة، يأتي في
مقدمتها مبدأ المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، باعتباره شرطاً أساسياً لتحقيق
العدالة وإنصاف الضحايا وكما تشمل حق الضحايا في معرفة الحقيقة حول ما جرى من
انتهاكات، والحصول على جبر ضرر شامل، سواء كان مادياً أو معنوياً أو رمزياً (De
Greiff, 2011, p. 23).
ويُضاف
إلى ذلك مبدأ الإصلاح المؤسسي، الذي يُعدّ ركيزة محورية في العدالة الانتقالية،
لاسيما فيما يتعلق بإصلاح المؤسسات الإدارية والأمنية والقضائية التي ارتبطت
بالانتهاكات السابقة. فنجاح العدالة الانتقالية لا يتحقق بمعزل عن وجود مؤسسات
دولة مهنية وفعّالة، قادرة على تنفيذ السياسات الانتقالية وضمان استمراريتها (OECD,
2015, p. 18).
ومن
خلال ما سبق يتضح أن العدالة الانتقالية تمثل إطاراً متكاملاً لمعالجة الماضي
وبناء المستقبل، وأن مضامينها الأساسية تتجاوز البعد القانوني لتشمل أبعاداً
إدارية ومؤسساتية، ما يجعلها وثيقة الصلة بدور الإدارة الحكومية في مراحل
الانتقال، وهو ما سيتم تناوله في المباحث اللاحقة.
المطلب الثاني:
تطور العدالة الانتقالية وأهدافها
شهد مفهوم العدالة الانتقالية تطوراً تاريخياً
متدرجاً ارتبط بالسياقات السياسية والقانونية التي أعقبت النزاعات الكبرى
والتحولات السياسية العميقة ويمكن تتبع البدايات الأولى لهذا المفهوم إلى ما بعد
الحرب العالمية الثانية، ولا سيما محاكمات نورمبرغ وطوكيو، التي شكّلت سابقة دولية
في مساءلة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة، وأسست لفكرة عدم الإفلات من العقاب على
المستوى الدولي (Teitel, 2002, p. 28).
غير أن
العدالة الانتقالية، بصيغتها المفاهيمية الحديثة لم تتبلور إلا خلال سبعينيات
وثمانينيات القرن العشرين، مع موجة الانتقال من الأنظمة العسكرية والاستبدادية إلى
أنظمة أكثر انفتاحاً في أمريكا اللاتينية، مثل الأرجنتين وتشيلي، حيث برزت الحاجة
إلى آليات غير تقليدية للتعامل مع إرث الانتهاكات، في ظل هشاشة المؤسسات وضعف
القدرة على تطبيق العدالة الجنائية الشاملة (Skaar, 2011, p.
14).
وفي
تسعينيات القرن العشرين توسّع نطاق تطبيق العدالة الانتقالية ليشمل دول أوروبا
الشرقية وجنوب أفريقيا، حيث ساهمت تجارب مثل لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب
أفريقيا في إعادة تعريف أهداف العدالة الانتقالية والانتقال بها من التركيز الحصري
على المحاسبة إلى تبني مقاربة أكثر شمولاً تراعي المصالحة الوطنية وإعادة بناء
النسيج الاجتماعي (Hayner, 2011, p. 26).
ومع
مطلع القرن الحادي والعشرين، شهد مفهوم العدالة الانتقالية مزيداً من التطور، حيث
بات يُنظر إليه كإطار متكامل للسياسات العامة في مراحل ما بعد النزاع، يشمل إلى
جانب المحاكمات ولجان الحقيقة، برامج جبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، وتعزيز سيادة
القانون، وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع (De Greiff, 2011,
p. 31). كما أكدت الأمم المتحدة في تقاريرها أن العدالة الانتقالية تشكل
عنصراً أساسياً في دعم السلم المستدام ومنع عودة النزاع (United Nations,
2010, p. 5).
وتتمثل
الأهداف الرئيسة للعدالة الانتقالية في تحقيق جملة من الغايات المتداخلة، أبرزها
إنصاف الضحايا ورد الاعتبار لهم وضمان المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة، وكشف
الحقيقة بشأن ما وقع في الماضي. كما تهدف العدالة الانتقالية إلى إصلاح المؤسسات
التي تورطت في الانتهاكات وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد، بما يسهم في منع تكرار
الجرائم وتعزيز الاستقرار السياسي على المدى الطويل (OECD, 2015, p. 21).
ومن
منظور سياسي- إداري، تسعى العدالة الانتقالية إلى مرافقة عملية التحول السياسي
وبناء الدولة، من خلال تحقيق توازن بين متطلبات العدالة وضرورات الاستقرار، ويعد
هذا التوازن من التحديات الأساسية التي تتطلب إدارة حكومية قادرة على صياغة وتنفيذ سياسات
انتقالية فعّالة، تستجيب لتطلعات المجتمع دون الانزلاق إلى الفوضى أو الانتقام (Teitel,
2002, p. 35).
في
سياق التحولات السياسية التي شهدتها سورية منذ عام 2011م تعد العدالة الانتقالية استحقاقاً وطنياً لا يمكن
تأجيله أو التعامل معه بوصفه خياراً ثانوياً. اذ أن نجاح عملية التحول السياسي لا يكتمل بمجرد إسقاط النظام، بل يتطلب معالجة
إرث الانتهاكات التي تعرض لها السوريون، وبناء دولة تقوم على سيادة القانون
والمواطنة المتساوية ومن هذا المنطلق فإن تبنّي مقاربة شاملة للعدالة الانتقالية،
تقودها مؤسسات حكومية جديدة وفعالة، يُعد شرطاً أساسياً لترسيخ الاستقرار السياسي
والاجتماعي .
المطلب الثالث:
أهمية العدالة الانتقالية في الدول الخارجة من الحروب
تُعدّ العدالة الانتقالية ركيزة أساسية في
الدول الخارجة من الحروب المسلحة، نظراً لما تخلّفه هذه من انتهاكات واسعة لحقوق
الإنسان، وانهيار جزئي أو كلي للمؤسسات العامة، وتفكك في النسيج الاجتماعي. وفي ظل
هذه الظروف، تبرز الحاجة إلى مقاربة شاملة لمعالجة الماضي، بما يضمن عدم إعادة
إنتاج العنف ويُمهّد لمرحلة من الاستقرار السياسي والسلم المجتمعي (United
Nations, 2010, p. 2).
وتكمن
أهمية العدالة الانتقالية، أولاً في دورها في إنصاف الضحايا وردّ الاعتبار لهم، من
خلال الاعتراف الرسمي بما تعرّضوا له من انتهاكات، وضمان حقهم في الحقيقة والعدالة
وجبر الضرر. ويعد هذا الاعتراف خطوة أساسية في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، (Hayner, 2011, p. 34).
كما
تسهم العدالة الانتقالية في منع الإفلات من العقاب، وهو ما يُعد شرطاً جوهرياً
لتحقيق سيادة القانون في مرحلة ما بعد الحرب. اذ أن غياب المساءلة عن الجرائم السابقة يُضعف شرعية الدولة
، ويُهدد فرص الاستقرار السياسي (Teitel,
2002, p. 69).
وتبرز
أهمية العدالة الانتقالية كذلك في مجال الإصلاح المؤسسي، ولا سيما إصلاح المؤسسات
الأمنية والقضائية والإدارية بما يسهم في
تحويلها إلى مؤسسات خاضعة للمساءلة وتعمل وفق سيادة القانون (De Greiff, 2011, p. 38).
وعلى المستوى
المجتمعي، تؤدي العدالة الانتقالية دوراً محورياً في دعم المصالحة الوطنية وإعادة
بناء السلم الأهلي، من خلال معالجة جذور الصراع، وتعزيز الثقة بين مكونات المجتمع
المختلفة (OECD, 2015, p. 27).
وفي السياق السوري أصدر الرئيس السوري أحمد
الشرع المرسوم رقم (20) لعام 2025 القاضي بتشكيل “الهيئة الوطنية للعدالة
الانتقالية”، بهدف التحقيق في الانتهاكات الجسيمة ومحاسبة مرتكبي الجرائم خلال
سنوات الحرب في سوريا. وتعمل الهيئة على جمع الأدلة والتنسيق مع الجهات القضائية
المختصة لتحقيق مبدأ العدالة وعدم الإفلات من العقاب. كما صدر لاحقًا المرسوم رقم
(149) لعام 2025 لتشكيل لجنة وتندرج هذه الخطوات ضمن مفهوم “العدالة الانتقالية”،
الذي يهدف إلى كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم وتعويض الضحايا. ومن أبرز
الأمثلة على الجرائم التي يمكن أن تخضع للمساءلة قضية مجزرة التضامن، المرتبطة
بالضابط السابق أمجد يوسف، والتي تضمنت عمليات إعدام جماعية بحق مدنيين في دمشق
عام 2013، ما يجعلها نموذجًا لجرائم قد تُحال إلى المحاكم المختصة ضمن مسار
العدالة الانتقالية.
المبحث الثاني:
آليات العدالة الانتقالية
تُعدّ
آليات العدالة الانتقالية من أهم الأدوات التي تلجأ إليها الدول الخارجة من الثورات
الشعبية أو بسبب الأنظمة الاستبدادية لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق
الإنسان، وبناء أسس سلام مستدام قائم على العدالة والمساءلة وتنبع أهمية هذه
الآليات من سعيها إلى تحقيق التوازن بين متطلبات العدالة من جهة، والحفاظ على
الاستقرار المجتمعي من جهة أخرى، في مراحل انتقالية غالباً ما تكون حساسة ومعقّدة.
وسنتكلم في هذا السياق عن أهم هذه الركائز وهي
المحاسبة القضائية ولجان التحقيق وجبر الضرر والاصلاح المؤسسي والمصالحة الوطنية .
المطلب الأول:
المحاسبة القضائية وملاحقة الانتهاكات
تُعدّ المحاسبة القضائية إحدى الركائز
الأساسية للعدالة الانتقالية، إذ تهدف إلى مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة
لحقوق الإنسان، وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة
في الدول الخارجة من النزاع، حيث يعد غياب المساءلة أحد أبرز أسباب إعادة إنتاج
العنف وتقويض الثقة في مؤسسات الدولة (Teitel, 2002, p. 51).
وتتخذ
المحاسبة القضائية أشكالاً متعددة، تشمل المحاكمات الوطنية، أو اللجوء إلى القضاء
الدولي أو المختلط، بحسب قدرة النظام القضائي الوطني واستقلاليته. ولاتقاس فعالية هذه الآلية بعدد القضايا فقط، بل بمدى التزامها معايير العدالة، واحترام حقوق الضحايا والمتهمين
على حد سواء (De Greiff, 2011,
p. 44).
وفي
السياقات الانتقالية، تواجه المحاسبة القضائية تحديات عملية، من أبرزها ضعف
المؤسسات القضائية، وتسييس العدالة، ونقص الأدلة، ما يدفع بعض الدول إلى اعتماد
مقاربات تدريجية أو تكاملية تجمع بين المحاسبة القضائية وآليات أخرى غير قضائية (Hayner,
2011, p. 89). كما يتطلب نجاح هذه
الآلية وجود إرادة سياسية واضحة، الى جانب
إصلاح قضائي يضمن استقلال القضاء ونزاهته (United Nations, 2010, p. 7).
وفي
هذا الاطار يمكن القول أن المحاسبة القضائية تمثل أحد الشروط الأساسية لتحقيق العدالة الانتقالية ، إذ لا يمكن بناء دولة
القانون دون مساءلة حقيقية عن الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت بحق السوريين.
الا أن
فعاليتها تبقى مرتبطة بقدرة الدولة على توفير بيئة قانونية ومؤسساتية داعمة
لتنفيذها .
المطلب الثاني:
لجان الحقيقة وجبر الضرر
تُعدّ لجان الحقيقة إحدى الآليات غير القضائية
الرئيسة في العدالة الانتقالية، وتهدف إلى كشف حقيقة الانتهاكات الجسيمة التي وقعت
خلال فترات النزاع، من خلال توثيق الوقائع، والاستماع إلى شهادات الضحايا، وتقديم
رواية شاملة لما حدث وتكمن أهمية هذه
اللجان في دورها في الاعتراف بمعاناة الضحايا، وتعزيز الحق في المعرفة، بما يسهم
في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع (Hayner, 2011, p. 12). واجهت قضية النساء
ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بكل ثقلها وتحدياتها
المعيارية
نخبة وعمل هيئة الإنصاف والمصالحة (شوقي ، 2008، ص 167).
وتتميّز
لجان الحقيقة بمرونتها مقارنة بالمسار القضائي، إذ يمكنها العمل في ظل ضعف
المؤسسات أو تعقيد الأوضاع السياسية، كما تُسهم في تقديم توصيات إصلاحية تتعلق
بالإصلاح المؤسسي وضمان عدم التكرار وترتبط فعالية هذه اللجان بمدى استقلاليتها، وشمول ولايتها، وقدرتها على الوصول
إلى المعلومات (United Nations, 2010, p. 10).
ويرتبط
بجانب كشف الحقيقة مفهوم جبر الضرر، الذي يُقصد به مجموعة التدابير المادية
والمعنوية والرمزية الرامية إلى تعويض الضحايا وردّ الاعتبار لهم ويؤكد دي غريف أن
جبر الضرر لا يقتصر على التعويض المالي، بل يشمل الاعتراف الرسمي، وإحياء الذاكرة، وضمانات عدم التكرار،
بوصفها عناصر أساسية لتحقيق عدالة شاملة (De Greiff, 2011, p. 52).
وفي
هذا السياق تعد هذه الآليات من الأدوات المهمة في معالجة آثار النزاعات ولاسيما في
الحالات التي يصعب فيها الاعتماد على المسار القضائي وحده الأمر الذي يعزز من
دورها في دعم الاستقرار السياسي والاجتماعي .
المطلب الثالث:
الإصلاح المؤسسي وضمان عدم التكرار والمصالحة الوطنية ودور دولة فيها
يُعدّ الإصلاح المؤسسي من أهم آليات العدالة
الانتقالية، إذ يهدف إلى معالجة الخلل البنيوي في مؤسسات الدولة التي تورطت في
الانتهاكات أو فشلت في منعها، ولا سيما المؤسسات الأمنية والقضائية والإدارية.
وتكمن أهمية هذه الآلية في تحويل مؤسسات الدولة من أدوات قمع أو تسييس إلى مؤسسات
مهنية خاضعة للمساءلة وتعمل وفق سيادة القانون (De Greiff, 2011,
p. 61).
ويشمل
الإصلاح المؤسسي مجموعة من التدابير، من
أبرزها إعادة هيكلة المؤسسات، ومراجعة القوانين الناظمة لعملها، واعتماد معايير الكفاءة
والجدارة ، إضافة إلى آليات المساءلة الوظيفية بحق المتورطين في الانتهاكات و
يرتبط بمدى جدية نجاح هذه الإصلاحات بمدى
جديتها واستدامتها (United Nations,
2010, p. 18).
كما يتطلب
الإصلاح المؤسسي دورا فاعلا للإدارة الحكومية في قيادة التغيير، وبناء
القدرات، وتعزيز الشفافية والرقابة، بما يسهم في استعادة ثقة المواطنين بمؤسسات
الدولة ومنع تكرار الانتهاكات (OECD,
2015, p. 33).
وفي
هذا الاطار يعد الإصلاح المؤسسي أحد
الشروط الأساسية لضمان عدم تكرار الانتهاكات
، إذ لا يمكن تحقيق عدالة انتقالية مستدامة دون وجود مؤسسات دولة قادرة على العمل وفق معايير مهنية
وقانونية واضحة .
وتُعدّ
المصالحة الوطنية إحدى الغايات الأساسية للعدالة الانتقالية، اذ تهدف إلى معالجة
الانقسامات المجتمعية التي خلّفتها الحروب
الداخلية وتعزيز التعايش بين مكونات المجتمع المختلفة ولا تقتصر المصالحة على التسويات السياسية بل تشمل أبعادا
اجتماعية وثقافية تسعى الى إعادة الثقة بين الافراد والجماعات Hayner,
2011, p. 171)).
وترتبط
المصالحة الوطنية ارتباطا وثيقا بكشف الحقيقة وتحقيق العدالة اذ أن تجاهل
الانتهاكات أو القفز فوقها قد يؤدي الى إعادة انتاج الصراع في حين يسهم الاعتراف
بها و معالجتها الى ترسيخ السلم الأهلي
Teitel, 2002, p. 92)).
و في
هذا السياق تؤدي الدولة دوراً محورياً في دعم
مسار المصالحة الوطنية، من خلال تبني
سياسات شاملة تقوم على العدالة والانصاف وتعزيز المشاركة المجتمعية وضمان احترام
حقوق الانسان كما تسهم الإدارة الحكومية في تنفيذ برامج المصالحة وإدارة الحوار
بين مختلف الأطراف بما يعزز الاستقرار السياسي والاجتماعي ( United Nations,
2010, p. 22).
غير أن
نجاح المصالحة الوطنية يظل مرهونا بمدى جدية الدولة في معالجة أسباب الصراع وتوفير
بيئة سياسية وقانونية تضمن تحقيق العدالة ومنع تكرار الانتهاكات .
وبناء
على ما سبق يمكن القول بأن المصالحة
الوطنية لاتعد بديلا عن العدالة بل تمثل امتدادا لها ولا يمكن تحقيقها بصورة مستدامة دون وجود مؤسسات
دولة فاعلة وفي مقدمتها الإدارة الحكومية .
المبحث الثالث:
دور الإدارة الحكومية ودورها في مسار
العدالة الانتقالية
تعد الإدارة الحكومية أحد الفاعلين الرئيسيين في مسار العدالة الانتقالية، نظراً لما تضطلع به
من دور في تنفيذ السياسات العامة، وإدارة
الموارد، وتطبيق القوانين اذ ان نجاح العدالة الانتقالية ولا يرتبط فقط بوجود
آليات قانونية بل يتطلب جهازاً إدارياً قادرا على تحويل هذه الآليات الى سياسات
قابلة للتنفيذ في سياق العدالة الانتقالية .
وفي هذا السياق تؤدي الإدارة الحكومية دوراً
محورياً في إدارة مرحلة الانتقال من خلال الاشراف على تنفيذ برامج العدالة
الانتقالية والتنسيق بين مختلف المؤسسات وضمان استمرارية عمل الدولة وهو ما يرتبط
بمدى كفاءة هذه الإدارة وقدرتها على التكيف مع التحديات السياسية والمؤسساتية .
المطلب الأول:
مفهوم الإدارة الحكومية ووظائفها
تُعرَّف الإدارة الحكومية بأنها الجهاز
التنفيذي للدولة المسؤول عن تنفيذ السياسات العامة، وتطبيق القوانين، وتقديم
الخدمات العامة للمواطنين عبر مؤسسات وهيئات
تنظيمية وبشرية ومالية متكاملة. وتؤدي الإدارة الحكومية دور حلقة الوصل بين السلطة
السياسية والمجتمع، الأمر الذي يجعلها عنصراً حاسماً في استقرار الدولة وفاعلية
سياساتها، ولا سيما في مراحل التحول السياسي (OECD, 2015, p. 11).
وتتمثل
الوظائف الأساسية للإدارة الحكومية في الوظيفة التنظيمية المتمثلة بوضع اللوائح
والإجراءات، والوظيفة التنفيذية الخاصة بتطبيق السياسات والبرامج، إضافة إلى
الوظيفة الرقابية التي تهدف إلى ضمان الالتزام بالقانون وحسن استخدام الموارد
العامة.
وفي
سياقات ما بعد النزاع، تبرز كذلك وظيفة إعادة بناء المؤسسات وإدارة التحول، بوصفها
مهمة مركزية تقع على عاتق الجهاز الإداري (United Nations, 2010, p. 25).
ويشير Skaar إلى أن ضعف الإدارة الحكومية أو تسييسها خلال المراحل الانتقالية قد
يؤدي إلى إعاقة مسارات العدالة الانتقالية، سواء عبر تعطيل تنفيذ القرارات
القضائية أو عبر فقدان الثقة المجتمعية بالمؤسسات العامة، وهو ما ينعكس سلباً على
الاستقرار السياسي (Skaar, 2011, p. 47).
أن
نجاح العدالة الانتقالية في سورية بعد الثورة يرتبط ارتباطاً مباشراً بوجود إدارة
حكومية وطنية ومهنية، قادرة على تنفيذ السياسات الانتقالية بعيداً عن إرث
الاستبداد فالإدارة ليست أداة تقنية محايدة فحسب، بل فاعل سياسي–مؤسساتي يتحمّل
مسؤولية ترجمة أهداف الثورة في الحرية والعدالة إلى ممارسات يومية ملموسة داخل
مؤسسات الدولة.
كما أن الإدارة الحكومية في سورية وما بعد الثورة
تمثل حجر الزاوية في ترجمة شعارات العدالة والحرية إلى سياسات واقعية، إذ لا يكفي
إقرار القوانين أو تبنّي الخطاب الحقوقي دون وجود جهاز إداري وطني كفوء قادر على
التنفيذ ومن هذا المنطلق، فإن إعادة بناء الإدارة الحكومية على أسس مهنية ونزيهة تُعد
شرطاً أساسياً لضمان نجاح العدالة الانتقالية وعدم انحرافها عن أهدافها .
المطلب الثاني:
أدوار الإدارة الحكومية في مراحل العدالة الانتقالية
تضطلع الإدارة الحكومية بأدوار متعددة ومتكاملة
في مختلف مراحل العدالة الانتقالية، بحكم
كونها الجهاز التنفيذي المسؤول عن تحويل الأطر القانونية والسياسية إلى سياسات
عامة وبرامج عملية وتبدأ هذه الأدوار منذ المرحلة التأسيسية للانتقال، مروراً
بمرحلة التنفيذ، وصولاً إلى مرحلة التثبيت والاستدامة (OECD, 2015, p. 19).
وفي هذا الاطار تتوزع أدوار الإدارة الحكومية عبر مجموعة من الوظائف المتكاملة
التي تغطي مختلف مراحل العدالة الانتقالية وذلك على النحو التالي :
أولاً : الدور
التشريعي–التنفيذي
1.
إعداد مشاريع
القوانين واللوائح الناظمة لآليات العدالة الانتقالية، ولا سيما ما يتعلق
بالمحاسبة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي.
2.
تهيئة البنية
الإدارية اللازمة لتطبيق هذه القوانين وضمان اتساقها مع المعايير الدولية (United
Nations, 2010, p. 27).
ثانياً: الدور
التنفيذي والإداري
تنفيذ برامج
العدالة الانتقالية عملياً، مثل دعم عمل لجان الحقيقة، وإدارة برامج التعويض وجبر
الضرر.
تنسيق الجهود بين
الوزارات والمؤسسات المعنية، وضمان تكامل السياسات وعدم تضاربها (De
Greiff, 2011, p. 66).
ثالثاً : الدور
المؤسسي وبناء القدرات
1.
إعادة هيكلة
المؤسسات المتأثرة بالنزاع، وبناء قدرات الموارد البشرية الإدارية.
2.
ترسيخ معايير
النزاهة والشفافية والمساءلة داخل الجهاز الإداري، بما يمنع إعادة إنتاج ممارسات
الماضي (Skaar, 2011, p. 53).
رابعاً : الدور
المجتمعي والتواصلي
1.
تعزيز التواصل مع
المواطنين والضحايا، وتوفير المعلومات المتعلقة بمسارات العدالة الانتقالية.
2.
دعم المشاركة
المجتمعية في صياغة السياسات، بما يعزز الثقة بين الدولة والمجتمع.
ويشير
عبد الفتاح إلى أن نجاح الإدارة الحكومية في المرحلة الانتقالية يتوقف على قدرتها
على الانتقال من منطق السيطرة إلى منطق الخدمة العامة، وعلى تبنّي ثقافة إدارية
جديدة قوامها احترام الحقوق وسيادة القانون (عبد الفتاح، 2014، ص 112). كما يؤكد
الكيالي أن الإدارة في الدول الخارجة من النزاعات تُعد فاعلاً سياسياً بامتياز،
وأن حيادها المهني شرط أساسي لإنجاح مسارات العدالة الانتقالية وبناء الدولة
(الكيالي، 2016، ص 89).
ان أدوار الإدارة الحكومية في سورية و ما بعد
الثورة لا ينبغي أن تقتصر على التنفيذ التقني، بل يجب أن تمتد لتشمل قيادة التحول
المؤسسي وترسيخ قيم الثورة داخل أجهزة الدولة. فالإدارة العاجزة و الموروثة من
النظام السابق قد تُفرغ العدالة الانتقالية من مضمونها، في حين أن إدارة وطنية
مهنية قادرة على تحويل هذا المسار إلى أداة حقيقية لبناء دولة المواطنة والعدالة.
المطلب الثالث:
العلاقة بين الإدارة الحكومية وبقية مؤسسات الدولة
تُشكّل العلاقة بين الإدارة الحكومية وبقية
مؤسسات الدولة أحد العوامل الحاسمة في نجاح أو تعثّر مسار العدالة الانتقالية، إذ
تتطلب هذه المرحلة مستوى عالياً من التنسيق والتكامل بين السلطات التنفيذية
والتشريعية والقضائية، إضافة إلى مؤسسات الرقابة والمجتمع المدني فغياب التناغم
المؤسسي قد يؤدي إلى تضارب الصلاحيات، أو تعطيل السياسات الانتقالية، أو إفراغها
من مضمونها وهو ماينعكس سلبا على فعالية العدالة الانتقالية (Teitel,
2002, p. 41).
و تظهر
أهمية الإدارة الحكومية في تنفيذ القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية، وتنفيذ
القرارات المتعلقة بآليات العدالة
الانتقالية، ولا سيما ما يتعلق بجبر الضرر والإصلاح المؤسسي.
ويظهر أي
ضعف في التنسيق بين الوزارات أو السلطة القضائية في إعاقة تنفيذ هذه السياسات
مما يؤثر سلبا على مسار العدالة الانتقالية (De Greiff, 2011, p. 74).
كما
تتطلب العدالة الانتقالية علاقة تكاملية بين الإدارة الحكومية والمؤسسات الرقابية ،
تقوم على إعادة توزيع الأدوار داخل هذه المؤسسات وتنظيمها ضمن إطار قانوني خاضع للمساءلة. وتؤكد الأمم
المتحدة أن اصلاح الأجهزة الرقابية يُعد
شرطاً أساسياً لضمان عدم تكرار الانتهاكات وبناء دولة مستقرة (United
Nations, 2010, p. 29).
وعلى
مستوى آخر تبرز أهمية العلاقة بين الإدارة الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني، التي
تلعب دوراً مهما في الرقابة، والتوعية،
وتمثيل الضحايا، والمشاركة في صياغة السياسات الانتقالية. ويرى الكيالي أن دور المجتمع المدني في مسار العدالة الانتقالية يسهم
في تعزيز الشفافية والحد من تسييس الإدارة الحكومية (الكيالي، 2016، ص 104).
ان نجاح العدالة الانتقالية في سورية وبعد الثورة يرتبط
ببناء علاقة تكاملية صحية بين الإدارة الحكومية وبقية مؤسسات الدولة، بعيداً عن
منطق الهيمنة أو التبعية الذي ساد في عهد النظام السابق. فالإدارة الحكومية مطالبة
اليوم بالعمل ضمن منظومة مؤسساتية متوازنة، تحترم استقلال القضاء، وتخضع للرقابة
التشريعية والمجتمعية، بما يضمن عدم عودة الاستبداد تحت أي مسمى.
وقد
توصل الباحث مما سبق الى النتائج
والتوصيات التالية :
1. العدالة
الانتقالية ضرورة أساسية بعد الثورات وسقوط الأنظمة الاستبدادية لتحقيق الإنصاف
ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات بما ينسجم مع قيم العدل في الإسلام.
2. تمثل
العدالة الانتقالية منظومة متكاملة تشمل المحاسبة القضائية وكشف الحقيقة وجبر
الضرر والإصلاح المؤسسي والمصالحة ولا تقتصر على القضاء فقط.
3. لا
يمكن تحقيق مصالحة وطنية حقيقية دون تحقيق العدالة أولا. إذ إن تجاهل حقوق الضحايا
يؤدي إلى إعادة إنتاج الظلم وعدم الاستقرار.
4. تلعب
الإدارة الحكومية دوراً محورياً في تنفيذ مسار العدالة الانتقالية من خلال تطبيق
السياسات وإدارة الإصلاحات وتعزيز الاستقرار المجتمعي.
5. نجاح
العدالة الانتقالية مرتبط بوجود إدارة حكومية كفؤة ونزيهة وقادرة على العمل
بالتكامل مع مؤسسات الدولة و لضمان عدم تكرار الانتهاكات وبناء دولة عادلة.
الفصل
الثاني
العدالة
الانتقالية في السياق السوري ودور الإدارة الحكومية
شهدت سوريا منذ عام 2011 تحولات سياسية وإدارية عميقة
أثّرت بصورة مباشرة في بنية الدولة ومؤسساتها الحكومية، الأمر الذي انعكس على
إمكانية تطبيق آليات العدالة الانتقالية لذلك يسعى هذا الفصل إلى تحليل واقع
الإدارة الحكومية السورية، وبيان مدى قدرتها على الإسهام في تحقيق العدالة الانتقالية
في ظل التحديات السياسية والإدارية والقانونية القائمة.
المبحث الأول: السياق السياسي والإداري في سورية
بعد عام 2011
واجهت
المؤسسات الرسمية تحديات غير مسبوقة تمثلت في ضعف القدرة على تقديم الخدمات
العامة، وانهيار بعض البنى الإدارية إلى جانب تصاعد دور الفاعلين غير الحكوميين في
إدارة الشأن المحلي. كما تأثرت العملية السياسية بشكل كبير بالتدخلات
الإقليمية والدولية، مما أضفى على الأوضاع أبعاداً تتجاوز الإطار الداخلي، وأدى إلى تعقيد
مسارات الحل السياسي.
المطلب الأول: التحولات السياسية وأثرها على بنية الدولة
شهدت
سورية منذ عام 2011 تحولات سياسية عميقة إثر الثورة الشعبية التي نجحت في إنهاء
نظام حكم استبدادي دام أكثر من أربعة عقود وهذه التحولات أثرت بشكل مباشر على بنية
الدولة، حيث واجهت المؤسسات الحكومية انهياراً جزئياً وفقداناً للكفاءات نتيجة
الهجرة الجماعية للعاملين المؤهلين، إضافة إلى تدمير البنية التحتية الإدارية في
العديد من المناطق (International Crisis
Group, 2014, p. 15).
ومع ظهور سلطات محلية ومراكز غير رسمية متعددة،
أصبح الواقع الإداري متعدد المستويات، مما أثر على التنسيق بين المؤسسات وأضعف
سلطة الحكومة المركزية، وخلق فجوات كبيرة في تنفيذ السياسات العامة (Lesch, 2012, p. 102). وبالموازاة، أصبح من الضروري إعادة النظر في الإطار التشريعي
الحالي، حيث لم تعد القوانين السابقة قابلة للتطبيق بشكل كامل في ظل الوضع الجديد،
مما استلزم إصلاح التشريعات لتتلاءم مع التحولات السياسية والاجتماعية (Teitel, 2002, p. 47).
لقد أظهرت هذه التحولات أن الإدارة الحكومية لم
تعد مجرد جهاز تنفيذي تقني، بل أصبحت لاعباً رئيسياً ومؤثراً في مسار الدولة،
قادرة على توجيه السياسات وإعادة بناء المؤسسات بما يضمن الاستقرار ويهيئ الأرضية
لتحقيق العدالة الانتقالية.
ان الثورة السورية لم تكن مجرد إسقاط للنظام،
بل أوجدت مرحلة انتقالية حرجة تتطلب إدارة حكومية نموذجية، قادرة على توظيف
التحولات السياسية في إعادة بناء الدولة على أسس وطنية ومهنية وشفافة، وضمان تطبيق
العدالة الانتقالية وتحقيق تطلعات المواطنين في الحرية والكرامة .
المطلب الثاني:
تأثير النظام الاستبدادي على الإدارة العامة والمؤسسات الحكومية
أدى النظام الاستبدادي ورده المسلح على الثورة
الشعبية في سورية منذ عام 2011 إلى تفاقم حالة الهشاشة في الإدارة العامة، مؤثراً
على قدرة المؤسسات الحكومية على تقديم الخدمات وضمان استقرار الدولة. فقد فقدت
العديد من الوزارات والإدارات القدرة على ممارسة وظائفها التقليدية نتيجة الهجمات
المستمرة، وفقدان الموارد البشرية الماهرة، وهجرة الكوادر الإدارية إلى خارج
البلاد (UNDP, 2017, p. 33). إضافة إلى
ذلك، أدى تعدد الفاعلين، إلى خلق واقع إداري معقد يتسم بتداخل السلطات وتباين
السياسات، مما زاد من صعوبة إدارة الشؤون العامة بكفاءة (Lesch, 2012, p.
109).
تأثر
أيضاً الإطار القانوني والتنظيمي بشكل مباشر، حيث أصبحت التشريعات السابقة غير
فعالة في مواجهة تحديات الواقع الجديد، ما استدعى ضرورة تحديث القوانين وإعادة
هيكلة الأطر التنظيمية للمؤسسات الحكومية لتتلاءم مع التحولات السياسية والأمنية
والاجتماعية (Teitel, 2002, p. 53). وفي هذا
السياق، لا يقتصر دور الإدارة الحكومية على ادارة الموارد والخدمات، بل يمتد إلى
قيادة عمليات الإصلاح المؤسسي وتنفيذ برامج العدالة الانتقالية، بما يضمن استعادة
الثقة بين الدولة والمواطنين.
كما أنه
أثر على الأطر المؤسسية للحوكمة والرقابة، إذ غابت الآليات التقليدية للرقابة
والتقييم، وبرزت الحاجة إلى أدوات مؤسسية جديدة لمتابعة الأداء وضمان الشفافية
والمساءلة (Skaar, 2011, p. 56). هذا التغيير
فرض على الإدارة الحكومية أن تتبنى نهجاً أكثر ديناميكية ومرونة، قادراً على
التفاعل مع متطلبات المرحلة الانتقالية والتحديات المستمرة.
ان النظام
الاستبدادي قد أضعف الأداء الإداري بشكل كبير، لكنه في الوقت نفسه أتاح فرصة
لإعادة التفكير في دور الإدارة الحكومية. فالمرحلة الانتقالية تتطلب إدارة قادرة
على إعادة بناء المؤسسات، وضمان تكامل الوظائف التنفيذية مع أهداف العدالة
الانتقالية، وتعزيز الشفافية والمساءلة، بما يجعل الدولة قادرة على مواجهة
التحديات المستقبلية وتحقيق الاستقرار الاجتماعي والسياسي .
المطلب الثالث:
التحديات الإدارية والمؤسساتية في المرحلة الانتقالية
تواجه الإدارة الحكومية في سورية تحديات معقدة
ومتداخلة في المرحلة الانتقالية، حيث تتشابك العوامل السياسية، الأمنية،
الاقتصادية والاجتماعية مع القيود المؤسسية، ما يجعل من الضروري دراسة هذه
التحديات بعناية لضمان نجاح العدالة الانتقالية .
وفي
هذا الاطار يمكن تصنيف ابرز التحديات التي تواجه الإدارة الحكومية في المرحلة
الانتقالية الى مجموعة من المحاور الرئيسية وذلك على النحو الآتي :
أولاً
: القدرات البشرية : تعد القدرات البشرية المحدودة عقبة
رئيسية حيث أدى النزاع الى هجرة الكوادر
المؤهلة والخبراء وتدمير البنية التحتية الإدارية مما نجم عنه فجوة كبيرة في الكفاءات وأثر بشكل مباشر على
الأداء الإداري و هذا النقص في الكفاءات يعيق التخطيط الاستراتيجي وتنفيذ البرامج
الوطنية، ويؤثر على فعالية السياسات الحكومية (OECD, 2015, p. 41).
ثانياً
: ضعف الأطر القانونية والتنظيمية : فقدت العديد من التشريعات
القديمة فعاليتها، وأصبح من الضروري تحديثها بما يتوافق مع التحديات الراهنة ويضمن
استقلالية المؤسسات ومرونتها في التكيف مع المتغيرات (United Nations,
2010, p. 31). يشمل ذلك إعادة صياغة القوانين الإدارية، وتحديد صلاحيات
المؤسسات، وتطوير آليات المساءلة والرقابة.
ثالثاً
: أدى انتشار السلطات المحلية : أدى إلى تضارب الصلاحيات،
وصعوبة توحيد السياسات العامة، وتعقيد إدارة الموارد و هذه الفجوة تؤدي إلى عدم
الاتساق في تنفيذ برامج العدالة الانتقالية، ما يهدد استقرار الدولة ومستقبل
الإصلاح (De Greiff, 2011, p. 79).
رابعاً
: التهديدات الأمنية المستمرة : إن استمرار الحرب المسلحة
يعرقل تقديم الخدمات العامة، ويعرض الموظفين للمخاطر، ويؤثر على قدرة الإدارة على
التخطيط بعيد المدى وهذه البيئة الأمنية غير المستقرة تتطلب قدرة عالية على
المرونة والتكيف من جانب الإدارة (Hayner, 2011, p. 185).
خامساً
: ضعف الثقة المجتمعية : أدى تأثيره على السكان أدى إلى تراجع ثقة المواطنين
بالإدارة الحكومية، وهو ما يشكل تحديًا رئيسيًا أمام برامج العدالة الانتقالية و إن
إعادة بناء الثقة تتطلب سياسات شفافة،
مشاركة فعالة للمجتمع المدني، وتواصل مستمر مع المواطنين لإشراكهم في صنع القرار.
سادساً
: تحديات التمويل والموارد : إن محدودية الموارد المالية والبنية التحتية
تضعف قدرة المؤسسات على الأداء، وتزيد من اعتمادها على الدعم الخارجي أحياناً، مما
يضع الإدارة أمام صعوبة في التخطيط طويل المدى وتنفيذ البرامج بكفاءة.
سابعاً : الإرث
المؤسسي للنظام السابق : إن استمرار بعض
الممارسات البيروقراطية القديمة، والعقلية السلطوية، يعرقل الإصلاح ويؤثر على
مصداقية العدالة الانتقالية، ويستلزم جهوداً مكثفة لإعادة هيكلة المؤسسات وتغيير
ثقافة العمل الإداري.
ان المرحلة الانتقالية في سورية تمثل اختباراً
حقيقياً للإدارة الحكومية، إذ تتطلب مواجهة هذه التحديات بشكل متكامل. فا الادارة الفعّالة
يجب أن تطور القدرات البشرية، و تعزز الأطر القانونية، وتضمن التنسيق بين
المؤسسات، و توفر الموارد الكافية، وتبني الثقة المجتمعية وهذا النهج الشامل هو الشرط الأساسي لضمان نجاح
العدالة الانتقالية وبناء دولة مؤسسات قادرة على تحقيق الاستقرار السياسي
والاجتماعي.
المبحث الثاني:
واقع الإدارة الحكومية في سورية وقدرتها على تحقيق العدالة الانتقالية
المطلب الأول:
واقع الهياكل الإدارية والتنظيمية في سورية
تمر الإدارة الحكومية السورية بمرحلة حرجة بعد
نجاح الثورة، حيث يعكس واقع الهياكل الإدارية مزيجاً من الإرث المؤسسي للنظام
السابق الاستبدادي والضغوط التي فرضها الحروب المستمر منذ عام 2011. يمكن تلخيص
أبرز خصائص هذا الواقع كما يلي :
1.
تعدد المستويات
المؤسسية : وجود سلطات مركزية وهياكل محلية غير رسمية، إلى جانب إدارة محلية، أدى
إلى تعقيد إدارة الدولة وضعف التنسيق بين الوزارات والهيئات المختلفة
2.
ضعف الهيكل
التنظيمي: بعض الوزارات تواجه مشاكل هيكلية داخلية، تشمل نقص الموظفين المؤهلين،
عدم وضوح الصلاحيات، وتداخل الاختصاصات، ما يقلل من فعالية القرارات (OECD,
2015, p. 44).
3.
الركود المؤسسي:
المؤسسات التي نجت من التدمير الجزئي لم تستطع التكيف بسرعة مع المتطلبات الجديدة
للمرحلة الانتقالية، وهو ما يتطلب إعادة هيكلة شاملة وإعادة توزيع المسؤوليات (United
Nations, 2010, p. 36).
4.
غياب السياسات
المتكاملة: عدم وجود رؤية استراتيجية واضحة للإدارة الحكومية في مسار العدالة
الانتقالية يحد من إمكانية تحقيق أهداف العدالة وإعادة بناء الثقة بين الدولة
والمجتمع (De Greiff, 2011, p. 82).
في
الوقت ذاته، لا يمكن إغفال بعض الجهود الإيجابية التي بذلتها الإدارة، مثل محاولة
تطوير نظم المعلومات الإدارية، وتحسين قدرات بعض الوزارات على تقديم الخدمات،
وإنشاء آليات جديدة لتنسيق بعض البرامج مع المجتمع المدني (Skaar, 2011, p.
61). هذا يعكس قدرة الإدارة على التكيف رغم التحديات الكبيرة، لكنه
يظل غير كافٍ لمواجهة التعقيدات المؤسسية القائمة.
ان الواقع الإداري السوري الحالي يشكل تحدياً
مزدوجاً: من جهة، ضعف المؤسسات وهشاشتها يعرقل تنفيذ العدالة الانتقالية؛ ومن جهة
أخرى، أي إصلاح أو تطوير مؤسسي ناجح يجب أن يستند إلى تقييم دقيق للهياكل القائمة،
والاستفادة من النجاحات الجزئية، مع إعادة بناء المؤسسات على أسس وطنية، مهنية،
وشفافة تضمن كفاءة الأداء واستدامة البرامج الانتقالية .
المطلب الثاني:
كفاءة الإدارة الحكومية والموارد المتاحة
تشكل كفاءة الإدارة الحكومية والموارد المتاحة
ركيزة أساسية لتحديد قدرة الدولة السورية على تحقيق العدالة الانتقالية، إذ إن أي
عملية انتقالية تحتاج إلى إدارة مؤهلة وموارد كافية لتطبيق السياسات وتنفيذ
البرامج. وفي السياق السوري، يعكس واقع الإدارة الحكومية مزيجاً من القدرات
المحدودة، والإرث المؤسسي للنظام السابق، والضغوط الناتجة عن الحرب الطويلة.
أولاً:
كفاءة الموظفين والكوادر الإدارية: فقد غادر العديد من الخبراء
والإداريين المؤهلين البلاد نتيجة الحرب واستبداد نظام سابق، ما أدى إلى نقص حاد
في الكفاءات الضرورية لتسيير شؤون الدولة، وخلق فجوة كبيرة في التخطيط والتنفيذ (UNDP,
2017, p. 40). بعض المؤسسات التي احتفظت بموظفيها حاولت تطوير قدراتهم، لكن
التدريب والتطوير المهني ظل محدوداً بسبب ضعف التمويل وانقطاع التدريب المستمر.
ثانياً:
إدارة الموارد المالية والبشرية: الموارد المالية الحكومية محدودة
بشكل كبير نتيجة انهيار الاقتصاد الوطني وتدمير البنية التحتية، إضافة إلى ضعف
قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات وهذا الوضع يعقد عملية تخطيط السياسات وتوفير
الخدمات الأساسية للمدنيين (OECD, 2015, p. 48).
الإدارة
الحكومية تحتاج إلى استراتيجيات فعالة لإعادة توزيع الموارد وتحسين استخدامها
لتحقيق أعلى مستويات الكفاءة.
ثالثاً:
الإمكانات التقنية والبنية التحتية: تتسم بعض المؤسسات الحكومية بتقادم
الأنظمة الإدارية ونقص تكنولوجيا المعلومات، ما يقلل من القدرة على جمع البيانات
وتحليلها، ويسبب بطء في اتخاذ القرار، ويحد من فعالية الرقابة والتقييم (Skaar,
2011, p. 64). إعادة تأهيل البنية التحتية الإدارية واستخدام التكنولوجيا
الحديثة يمكن أن يحسن الأداء ويزيد من شفافية العمليات.
رابعاً:
القدرة على التخطيط الاستراتيجي وإدارة المشاريع: ضعف الخبرة في
التخطيط بعيد المدى يؤثر على إمكانية تنفيذ برامج العدالة الانتقالية بشكل متكامل
ومستدام. الإدارة الحكومية تحتاج إلى وضع خطط استراتيجية واضحة تشمل جميع مؤسسات
الدولة، وتحدد الأولويات والموارد المطلوبة (United Nations,
2010, p. 39).
خامساً:
التنسيق بين الوكالات والمؤسسات المختلفة: من أبرز
التحديات التي تواجه الإدارة الحكومية التنسيق بين الوزارات والهيئات، إضافة إلى
وجود سلطات محلية غير رسمية ، ما يؤدي إلى تضارب الصلاحيات وتأخير تنفيذ السياسات
(De Greiff, 2011, p. 85). إنشاء آليات مؤسسية للتنسيق والمتابعة يعد
شرطاً أساسياً لتعزيز الكفاءة وتحقيق الأهداف المرجوة.
سادساً:
المرونة والاستجابة للأزمات: نظراً لاستمرار النزاعات والأزمات، فإن
الإدارة تحتاج إلى القدرة على التكيف بسرعة مع الظروف المتغيرة، وإعادة تخصيص
الموارد، واتخاذ قرارات عاجلة ضمن إطار منظم يضمن استمرارية الخدمات وتحقيق
العدالة الانتقالية (Hayner, 2011, p. 192).
ان
كفاءة الإدارة الحكومية السورية ليست مسألة نظرية فقط، بل عنصر حاسم في نجاح
العدالة الانتقالية. الإدارة بحاجة إلى تعزيز الكفاءات البشرية، تطوير الأنظمة
المالية والإدارية، تحسين البنية التحتية والتقنية، وإرساء آليات تخطيط استراتيجي
وتنسيق مؤسسي فعال. فقط من خلال هذه الإصلاحات يمكن للإدارة الحكومية أن تتحول من
جهاز ضعيف وغير مستقر إلى عامل تمكين رئيسي في بناء الدولة الجديدة وتحقيق العدالة
والمصالحة الوطنية .
المطلب
الثالث: الإطار القانوني والمؤسسي الناظم لعمل الإدارة
يُعد الإطار القانوني والمؤسسي أحد العناصر
الأساسية التي تحدد قدرة الإدارة الحكومية السورية على ممارسة مهامها في مسار
العدالة الانتقالية ويشمل هذا الإطار مجموعة القوانين واللوائح، والهياكل
التنظيمية للمؤسسات، وآليات الرقابة، بما يضمن استقلالية الأجهزة الحكومية وفعالية
تطبيق السياسات.
في
السياق السوري، تواجه الإدارة الحكومية تحديات كبيرة نتيجة ضعف بعض القوانين
القديمة وعدم توافقها مع متطلبات المرحلة الانتقالية. إذ يشير (عبد الفتاح 2014، ص
120) إلى أن ضرورة تحديث التشريعات وإنشاء أطر تنظيمية واضحة أصبح أمراً حيوياً
لتمكين المؤسسات من العمل بكفاءة، وضمان حماية حقوق الضحايا. كما يؤكد (الكيالي
2016، ص 112) أن استقلال المؤسسات الناظمة والرقابية يشكل شرطاً أساسياً لتعزيز
مصداقية الإدارة وضمان تنفيذ العدالة بطريقة عادلة وفعالة.
وعلى
المستوى الدولي، فإن الالتزام بالمعايير العالمية لحقوق الإنسان والعدالة
الانتقالية يشكل مكوناً إضافيًا يدعم مصداقية الدولة ويعزز الثقة بين المواطنين
والمؤسسات.
ويشير De Greiff 2011, p. 88) ( إلى أن الالتزام بالمعايير الدولية يساعد في
توفير إطار مرجعي موحد للسياسات والإجراءات، ويحد من التجاوزات ويضمن تكامل برامج
العدالة.
أما من
الناحية المؤسسية، فإن الحاجة ملحة لإصلاح الهياكل الإدارية لضمان تنسيق أفضل بين
الوزارات، ووضوح المسؤوليات، وتحسين آليات الرقابة الداخلية والخارجية، بما يرفع
كفاءة الأداء. كما تؤكد منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD, 2015, p. 48)
أن تطوير نظم المعلومات الإدارية وتوحيد الإجراءات يساعد على تعزيز الشفافية
ومتابعة تنفيذ السياسات بشكل مستمر.
تؤثر
هذه العوامل مجتمعة على قدرة الإدارة الحكومية على تطبيق العدالة الانتقالية بشكل
متكامل، حيث يشكل ضعف الإطار القانوني أو المؤسساتي أي خلل في هذه العملية ومن هنا
يظهر الدور المحوري للإصلاح الشامل للقوانين والمؤسسات في بناء جهاز إداري قادر
على التعامل مع التعقيدات السياسية والاجتماعية والأمنية.
ان
تعزيز الإطار القانوني والمؤسسي في سورية بعد الثورة هو شرطاً أساسياً لنجاح
العدالة الانتقالية. الإدارة الحكومية تحتاج إلى تحديث التشريعات، ضمان استقلالية
المؤسسات، تطوير الهياكل الإدارية، ومواءمة السياسات مع المعايير الدولية
والمحلية. هذا النهج المتكامل يمكن أن يحول الإدارة الحكومية إلى أداة فعالة
لتحقيق العدالة، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتأمين الاستقرار السياسي
والاجتماعي.
المبحث
الثالث: التحديات التي تواجه الإدارة الحكومية في تطبيق العدالة الانتقالية
يمثل هذا المبحث محوراً مركزياً ، نظرا لكونه
يشرح بصورة تحليلية معمقة العقبات الواقعية التي تعترض الإدارة الحكومية السورية
في مسار العدالة الانتقالية. فنجاح هذا المسار لا يرتبط فقط بتبني سياسات وتشريعات
مناسبة، بل يتأثر بشكل مباشر بقدرة الإدارة على العمل ضمن بيئة سياسية وأمنية
واقتصادية واجتماعية معقدة، نتجت عن سنوات طويلة من الاستبداد.
المطلب
الأول: التحديات السياسية والأمنية
تُعد التحديات السياسية والأمنية من أكثر
العوامل تأثيراً في قدرة الإدارة الحكومية السورية على تطبيق العدالة الانتقالية،
نظراً لكونها تشكل الإطار العام الذي تعمل ضمنه المؤسسات الإدارية. فالعدالة
الانتقالية، بطبيعتها، عملية سياسية – قانونية – إدارية معقدة، تتطلب حداً أدنى من
الاستقرار السياسي والأمني، وإرادة واضحة لإدارة التحول من مرحلة الصراع إلى مرحلة
بناء الدولة.
في
السياق السوري، أفرزت الثورة وما تلاها من صراع طويل مع نظام استبدادي حالة من
التشظي السياسي وتعدد الفاعلين، ما انعكس بشكل مباشر على عمل الإدارة الحكومية.
فقد أصبحت عملية صنع القرار محكومة بتوازنات دقيقة بين قوى سياسية مختلفة، ورؤى
متباينة حول أولويات المرحلة الانتقالية، وهو ما يحد من قدرة الإدارة على تبني
سياسات واضحة ومستقرة في مجال العدالة الانتقالية (Lesch, 2012, p.
118). هذا الواقع يؤدي في كثير من الأحيان إلى تأجيل القرارات أو
تنفيذها بشكل جزئي، خشية الاصطدام بخلافات سياسية أو مجتمعية.
كما أن
غياب التوافق السياسي الوطني الشامل حول مفهوم العدالة الانتقالية وأدواتها يمثل تحدياً
إضافياً. فبينما يطالب جزء من المجتمع بمحاسبة شاملة وسريعة لرموز النظام السابق،
تميل بعض القوى إلى إعطاء الأولوية للاستقرار السياسي والأمني، ما يضع الإدارة
الحكومية أمام خيارات صعبة قد تؤثر على مصداقية برامج العدالة (Teitel,
2002, p. 72).
أما
على الصعيد الأمني، فإن استمرار التهديدات المسلحة وعدم استقرار بعض المناطق يفرض
قيوداً عملية على قدرة الإدارة الحكومية على العمل. فتنفيذ برامج مثل لجان تقصي
الحقائق، أو جمع الأدلة، أو تعويض الضحايا، يتطلب بيئة آمنة نسبيًا تتيح الوصول
إلى المواطنين وحماية الموظفين العموميين. وتشير Hayner (2011, p.
205) إلى أن غياب الأمن يؤدي غالباً إلى تعطيل آليات العدالة
الانتقالية أو تحويلها إلى إجراءات شكلية تفتقر إلى العمق والفعالية.
ويؤثر
الوضع الأمني أيضاً على البنية الإدارية نفسها، حيث تتعرض بعض المؤسسات للتفكك أو
الشلل نتيجة الخوف، أو نقص الموارد، أو فقدان السيطرة على بعض المناطق وهذا الواقع
يضعف قدرة الإدارة على التنسيق بين الجهات المختلفة، ويحد من إمكانية تنفيذ سياسات
وطنية موحدة.
إلى
جانب ذلك، تلعب العوامل الإقليمية والدولية دوراً مؤثراً في المشهد السياسي
والأمني السوري. فالتدخلات الخارجية، وتباين المواقف الدولية من مسار العدالة
الانتقالية، تفرض ضغوطاً إضافية على الإدارة الحكومية، وقد تؤدي إلى تقييد
استقلالية القرار الإداري أو توجيهه بما يخدم مصالح غير وطنية (UNDP,
2017, p. 47). وفي هذا السياق، تصبح الإدارة الحكومية مطالبة بالموازنة بين
الالتزامات الدولية والمصلحة الوطنية، وهو تحدٍ بالغ التعقيد.
كما أن
الإرث الأمني للنظام السابق، القائم على تغليب منطق السيطرة والقمع، ما يزال يلقي
بظلاله على بعض المؤسسات، ويؤثر على ثقافة العمل الإداري، ويخلق حالة من التردد أو
المقاومة الداخلية تجاه برامج العدالة الانتقالية، خاصة تلك المتعلقة بالمحاسبة
وكشف الحقيقة (عبد الفتاح، 2014، ص 138).
أرى أن
التحديات السياسية والأمنية في سورية تشكل العقبة الأكبر أمام تطبيق العدالة
الانتقالية، لكنها في الوقت ذاته تكشف أهمية الدور المحوري للإدارة الحكومية.
فإدارة المرحلة الانتقالية تتطلب جهازاً إدارياً يمتلك شجاعة سياسية، وكفاءة
مهنية، والتزاماً أخلاقياً بأهداف الثورة السورية. ومن دون معالجة هذه التحديات
ضمن رؤية وطنية شاملة، ستبقى العدالة الانتقالية عرضة للتعطيل أو التشويه، بما
يهدد فرص بناء دولة القانون والمؤسسات .
ان
التحدي السياسي والأمني في سورية لا يمكن فصله عن نجاح العدالة الانتقالية.
فالإدارة الحكومية تحتاج إلى بيئة سياسية داعمة وأمن مستقر نسبياً، إضافة إلى
إرادة سياسية واضحة نابعة من أهداف الثورة السورية، تضع مصلحة الضحايا وبناء
الدولة فوق أي اعتبارات آنية أو خارجية.
المطلب
الثاني: التحديات الإدارية والمؤسساتية
تُعد التحديات الإدارية والمؤسساتية من أكثر
العقبات تعقيداً في مسار تطبيق العدالة الانتقالية في سورية، نظراً لارتباطها
المباشر ببنية الدولة ووظائفها اليومية. فالإدارة الحكومية ليست مجرد أداة تنفيذية
محايدة، بل هي نتاج تراكم تاريخي طويل من الممارسات، والثقافة المؤسسية، وأساليب
الحكم التي سادت في ظل النظام السابق، ثم تأثرت لاحقاً بظروف الثورة والنزاع.
تعاني
الإدارة الحكومية السورية من ضعف هيكلي واضح ناتج عن تفكك جزئي في المؤسسات،
وتراجع كفاءتها الوظيفية، وفقدان عدد كبير من الكوادر الإدارية المؤهلة نتيجة
القتل أو الاعتقال أو الهجرة القسرية. هذا النزيف البشري أفرغ العديد من المؤسسات
من خبراتها التراكمية، وأدى إلى فجوة معرفية ومهنية أثرت سلباً على القدرة
التخطيطية والتنفيذية للإدارة (OECD, 2015, p. 54).
إلى
جانب ذلك، ما تزال الهياكل التنظيمية للعديد من الوزارات والمؤسسات تتسم بعدم
الوضوح وتداخل الصلاحيات، وهو ما ينعكس في بطء الإجراءات، وتضارب القرارات، وضعف
التنسيق بين الجهات المعنية. ويشير (الكيالي 2016، ص 124) إلى أن غياب الإصلاح
الإداري الشامل يجعل المؤسسات عاجزة عن إدارة ملفات حساسة ومعقدة كالعدالة
الانتقالية، التي تتطلب وضوحاً مؤسسياً وتكاملاً وظيفياً عالي المستوى.
كما
يشكل الإرث البيروقراطي للنظام السابق تحدياً جوهرياً، حيث ترسخت ثقافة إدارية
تقوم على المركزية الشديدة، والخضوع للأوامر، وتجنب المساءلة، ما يتعارض مع
متطلبات العدالة الانتقالية القائمة على الشفافية، والمحاسبة، والمشاركة
المجتمعية. هذا الإرث لا يزال حاضراً في سلوك بعض الموظفين والمؤسسات، ويؤدي إلى
مقاومة صامتة أو علنية لبرامج الإصلاح (عبد الفتاح، 2014، ص 141).
وتبرز
كذلك مشكلة ضعف نظم المعلومات الإدارية وغياب قواعد بيانات دقيقة حول الضحايا
والانتهاكات والموارد المتاحة. فالعدالة الانتقالية تعتمد بشكل أساسي على توفر
معلومات موثوقة تُمكّن الإدارة من تصميم سياسات جبر الضرر، وتحديد المسؤوليات،
وتقييم النتائج. ويؤكد De Greiff 2011, p. 94) (أن غياب البيانات الدقيقة يقوض
فعالية أي برنامج انتقالي، ويحول دون تحقيق العدالة بصورة منصفة.
كما أن
محدودية الموارد المالية والتقنية تمثل عائقاً إضافياً أمام تطوير القدرات
المؤسسية. فضعف التمويل، وتضرر البنية التحتية الإدارية، وعدم كفاية الدعم التقني،
كلها عوامل تحد من قدرة المؤسسات على تحديث أنظمتها وتطوير أدائها (UNDP,
2017, p. 49). وفي ظل هذه الظروف، تصبح الإدارة الحكومية مثقلة بالأعباء اليومية،
وغير قادرة على تخصيص موارد كافية لمسار العدالة الانتقالية.
يضاف
إلى ما سبق ضعف آليات التنسيق بين الإدارة الحكومية وبقية الفاعلين، مثل القضاء،
والمجتمع المدني، والمنظمات الحقوقية وهذا الضعف يؤدي إلى تجزئة الجهود، وتكرار
العمل، وتضارب الأولويات، ما يقلل من الأثر الفعلي للبرامج الانتقالية ويضعف ثقة
المواطنين بها.
وأرى
أن التحديات الإدارية والمؤسساتية في سورية تمثل اختباراً حاسماً لنجاح العدالة
الانتقالية فبدون إعادة بناء الإدارة الحكومية على أسس مهنية، وتفكيك الإرث
البيروقراطي السلطوي، وتعزيز الكفاءة والشفافية، ستبقى العدالة الانتقالية حبيسة
النصوص والشعارات والإدارة القادرة على قيادة المرحلة الانتقالية يجب أن تكون
إدارة ثورية في قيمها، ومؤسسية في أدائها، ووطنية في توجهاتها، بما ينسجم مع
تضحيات الشعب السوري وتطلعاته لدولة العدالة والقانون. ويرى الباحث أن التحدي
الإداري في سورية لا يقل خطورة عن التحديات السياسية والأمنية، إذ إن العدالة
الانتقالية لا يمكن أن تُدار بعقلية بيروقراطية قديمة والمطلوب هو إعادة بناء
الإدارة الحكومية على أسس مهنية وثورية في آن واحد، تجمع بين الكفاءة والالتزام
بقيم الحرية والعدالة.
المطلب
الثالث: التحديات القانونية والحقوقية
تشكل التحديات القانونية والحقوقية أحد أكثر
العوائق حساسية وتعقيداً أمام تطبيق العدالة الانتقالية في سورية، لما لها من
ارتباط مباشر بمسألة المحاسبة، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار.
فالإطار القانوني لا يمثل مجرد أدوات تقنية، بل يعكس فلسفة الحكم وطبيعة العلاقة
بين الدولة والمجتمع، وهو ما يجعل إصلاحه في المرحلة الانتقالية مسألة جوهرية لا
يمكن تجاوزها.
يعاني
النظام القانوني السوري من إرث تشريعي ثقيل تراكم خلال عقود من الحكم الاستبدادي،
حيث صُممت القوانين في كثير من الأحيان لخدمة السلطة التنفيذية وتكريس منطق
الإفلات من العقاب، بدلًا من حماية الحقوق والحريات وهذا الإرث ما يزال حاضراً في
العديد من النصوص القانونية، ويشكل عائقاً أمام تبني تشريعات عادلة تواكب متطلبات
العدالة الانتقالية (الكيالي، 2016، ص 128).
كما أن
غياب إطار قانوني واضح ومتكامل للعدالة الانتقالية يمثل تحدياً أساسياً للإدارة
الحكومية. فعدم وجود قوانين خاصة تنظم آليات المساءلة، أو لجان الحقيقة، أو برامج
جبر الضرر، يترك فراغاً تشريعياً يدفع المؤسسات إلى الاجتهاد أو التردد في اتخاذ
القرارات، خوفًا من الطعن القانوني أو فقدان الشرعية (Teitel, 2002, p.
76).
وتبرز
مسألة استقلال القضاء كأحد التحديات الحقوقية المحورية، إذ إن أي عملية عدالة
انتقالية تفقد مصداقيتها في حال غياب قضاء مستقل ونزيه وتشير دراسات عديدة إلى أن
ضعف استقلال السلطة القضائية في سورية، وتداخلها السابق مع السلطة التنفيذية
والأمنية، ما يزال يؤثر على ثقة المواطنين بقدرتها على تحقيق العدالة (عبد الفتاح،
2014، ص 147). هذا الواقع يضع الإدارة الحكومية أمام معضلة حقيقية في تنفيذ برامج
المحاسبة ضمن إطار قانوني موثوق.
إلى
جانب ذلك، تواجه الإدارة الحكومية تحديات متعلقة بحماية حقوق الضحايا والشهود.
فغياب تشريعات واضحة تضمن الحماية القانونية، والدعم النفسي والاجتماعي، والتعويض
العادل، يؤدي إلى عزوف كثير من الضحايا عن المشاركة في آليات العدالة الانتقالية،
ويحد من فعالية هذه الآليات (De Greiff, 2011, p. 97).
كما أن ضعف الثقافة الحقوقية داخل بعض المؤسسات الإدارية يسهم في استمرار ممارسات
تتعارض مع مبادئ العدالة والإنصاف.
وتزداد
هذه التحديات تعقيداً في ظل التزامات سورية بالمعايير والمواثيق الدولية لحقوق
الإنسان. فمواءمة التشريعات الوطنية مع هذه المعايير تتطلب جهداً تشريعياً ومؤسسياً
كبيراً، إضافة إلى إرادة سياسية حقيقية وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن غياب
هذا التوافق يضعف الثقة الدولية، ويحد من فرص الدعم الفني والمالي لمسار العدالة
الانتقالية (UNDP, 2017, p. 52).
كما أن
التحدي الحقوقي لا يقتصر على النصوص القانونية، بل يمتد إلى آليات التطبيق
والتنفيذ. فضعف الرقابة القانونية، وبطء الإجراءات، وعدم وضوح المسؤوليات، كلها
عوامل تقلل من فعالية القوانين حتى في حال تعديلها أو تحديثها وتؤكد منظمة التعاون
والتنمية الاقتصادية (OECD, 2015, p. 57) أن الإصلاح
القانوني الحقيقي لا يكتمل دون إصلاح إداري ومؤسسي يضمن حسن التطبيق.
ان
التحديات القانونية والحقوقية تمثل جوهر معركة العدالة الانتقالية في سورية. فبدون
تفكيك الإرث التشريعي الاستبدادي، وبناء منظومة قانونية تحمي الحقوق وتضمن
المحاسبة، ستبقى العدالة الانتقالية منقوصة فالإدارة الحكومية مطالبة بلعب دور
ريادي في اقتراح التشريعات، وضمان تطبيقها بعدالة، وحماية حقوق الضحايا، بما ينسجم
مع تطلعات السوريين الذين ثاروا من أجل الحرية والكرامة وبناء دولة القانون.
وقد
توصل الباحث بعد دراسة هذا الفصل الى النتائج والتوصيات التالية :
1. تعاني
الإدارة الحكومية السورية من ضعف الكفاءة ونقص الموارد البشرية والمادية نتيجة
الحرب والهجرة وتدمير البنى التحتية و الأمر الذي يحدّ من قدرتها على تنفيذ آليات
العدالة الانتقالية.
2. تواجه
الإدارة الحكومية تحديات سياسية وأمنية معقدة و أبرزها استمرار الصراع وضعف
الاستقرار وتأثير القوى الخارجية مما يعيق تطبيق برامج المحاسبة والإصلاح.
3. رغم
التحديات لا يمكن تحقيق العدالة الانتقالية في سورية دون إعادة بناء الإدارة
الحكومية على أسس الكفاءة والنزاهة والاستقلالية بما يمكّنها من قيادة مرحلة
التعافي وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
الفصل
الثالث
آفاق
العدالة الانتقالية في سورية والرؤية لدور الإدارة الحكومية
يشكّل
الحديث عن العدالة الانتقالية في السياق السوري انتقالاً من مرحلة التشخيص
والتحليل إلى مرحلة استشراف المستقبل وبناء التصورات العملية القابلة للتطبيق.
وفي
الحالة السورية، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة تعريف دور الإدارة الحكومية ضمن
مشروع وطني شامل لإعادة بناء الدولة على أسس سيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان،
والشفافية، والمساءلة. فمرحلة ما بعد نجاح الثورة لا يقتصر على إعادة إعمار البنية
التحتية، بل تتطلب إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ومعالجة الانقسامات
المجتمعية، وضمان عدم تكرار الانتهاكات وكل ذلك يضع الإدارة الحكومية في قلب عملية
التحول، بوصفها حلقة الوصل بين الإرادة السياسية والإجراءات العملية.
ومن
هنا، تبدأ متطلبات تفعيل دور الإدارة الحكومية في العدالة الانتقالية، وبيان
إسهامها في إعادة بناء الثقة والسلم المجتمعي، وصولاً إلى تقديم رؤية مستقبلية
تتضمن مقترحات إصلاحية وآليات تنفيذ واضحة، بما ينسجم مع خصوصية الواقع السوري
وتعقيداته السياسية والإدارية والمؤسساتية.
المبحث
الأول : متطلبات تفعيل دور الإدارة الحكومية في العدالة الانتقالية
المطلب
الأول: الإرادة السياسية وأهميتها
تُعدّ الإرادة السياسية الركيزة الأساسية التي
يقوم عليها أي مسار للعدالة الانتقالية، إذ ترتبط هذه العدالة بطبيعة التحول
السياسي وبالقرار الذي تتخذه السلطة الجديدة في كيفية التعامل مع إرث الماضي من
انتهاكات وصراعات. فالعدالة الانتقالية، كما تشير الأدبيات المتخصصة، ليست مجرد
مجموعة من الآليات القانونية، بل هي خيار سياسي يعكس توجه النظام الحاكم نحو إعادة
تأسيس الشرعية وبناء نظام قانوني جديد في مرحلة التحول (Teitel, 2002, p.
6).
وتبرز
أهمية الإرادة السياسية في كونها الإطار الذي يمنح الشرعية لعمليات المساءلة
والمحاسبة، ويحدد مدى استعداد الدولة لمواجهة الانتهاكات السابقة بصورة علنية
ومنظمة. فالتحول نحو العدالة الانتقالية يتطلب قراراً سيادياً بإعادة صياغة
العلاقة بين الدولة والمجتمع، والانتقال من منطق السلطة المطلقة إلى منطق سيادة
القانون، وهو ما تؤكد عليه Teitel عند حديثها عن
ارتباط العدالة الانتقالية بلحظات التحول السياسي وإعادة بناء النظام القانوني (Teitel,
2002, pp. 11–12).
كما أن
تمكين الإدارة الحكومية من أداء دورها في هذا المسار – سواء من خلال تنفيذ برامج
الإصلاح المؤسسي أو دعم آليات المحاسبة أو إدارة عمليات جبر الضرر – يظل مرهوناً
بوجود إرادة سياسية واضحة توفر الغطاء القانوني والمؤسسي لهذه الإجراءات. فغياب
الالتزام السياسي الجاد قد يؤدي إلى تحويل العدالة الانتقالية إلى إجراءات شكلية
تفتقر إلى الفاعلية، بينما يشكّل الدعم السياسي القوي شرطاً أساسياً لنجاح عملية
التحول وإعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة (Teitel, 2002, p.
213).
وفي
الحالة السورية، فإن أي تصور مستقبلي لتفعيل دور الإدارة الحكومية في العدالة
الانتقالية يجب أن ينطلق من تعزيز الإرادة السياسية بوصفها الأساس الذي تستند إليه
بقية المتطلبات، سواء كانت إصلاحاً إدارياً أو تطويراً تشريعياً أو إنشاء مؤسسات
متخصصة. فالإرادة السياسية تمثل الإطار الناظم الذي يحدد اتجاه العملية الانتقالية
وحدودها وأدواتها، ويمنح الإدارة الحكومية القدرة على التحرك الفعلي نحو تحقيق
العدالة وترسيخ الاستقرار.
المطلب
الثاني: الإصلاح الإداري وبناء القدرات المؤسسية
يمثل الإصلاح الإداري وبناء القدرات المؤسسية
أحد المرتكزات الجوهرية لتفعيل دور الإدارة الحكومية في مسار العدالة الانتقالية،
إذ تؤكد الأدبيات المتخصصة أن أحد الأبعاد الأساسية للعدالة الانتقالية يتمثل في
الإصلاح المؤسسي، بما يضمن إعادة هيكلة مؤسسات الدولة التي ارتبطت بانتهاكات
سابقة، وتعزيز خضوعها لسيادة القانون والمساءلة (United Nations,
2010, p. 23).
فالعدالة
الانتقالية لا تقتصر على المحاكمات أو لجان الحقيقة، بل تشمل أيضاً إعادة بناء
مؤسسات الدولة على أسس قانونية ومهنية تمنع تكرار الانتهاكات ويشير تقرير الأمين
العام للأمم المتحدة إلى أن الإصلاح المؤسسي يُعد عنصرًا ضروريًا لضمان عدم
التكرار، من خلال مراجعة الهياكل الإدارية، وتطوير الأطر القانونية، وبناء قدرات
العاملين في القطاع العام بما يتوافق مع معايير حقوق الإنسان (United
Nations, 2010, pp. 22–24).
أولاً:
أهمية الإصلاح الإداري في سياق العدالة الانتقالية
تتجلى
أهمية الإصلاح الإداري في كونه وسيلة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، إذ
إن المؤسسات التي فشلت في حماية الحقوق أو تورطت في انتهاكات لا يمكن أن تستعيد
شرعيتها دون إصلاحات حقيقية. ولذلك، فإن إعادة هيكلة الجهاز الإداري، وتعزيز
الشفافية، وتفعيل آليات المساءلة، تُعد خطوات أساسية في مسار الانتقال نحو حكم
رشيد (United Nations, 2010, p. 23).
وفي
الحالة السورية، حيث تعرضت البنية الإدارية لتحديات كبيرة خلال سنوات النزاع، فإن
أي عملية عدالة انتقالية تتطلب برنامجاً وطنياً متكاملاً للإصلاح الإداري يهدف إلى
تحديث الهياكل التنظيمية، ومعالجة أوجه القصور، وضمان حياد المؤسسات العامة.
ثانياً:
بناء القدرات المؤسسية كشرط لنجاح العدالة الانتقالية
يرتبط
بناء القدرات المؤسسية بتأهيل الموارد البشرية، وتحسين نظم العمل، وتعزيز الكفاءة
المهنية، وهي عناصر ضرورية لضمان تنفيذ سياسات العدالة الانتقالية بصورة فعالة.
فالمؤسسات الضعيفة أو غير المؤهلة قد تعيق تنفيذ قرارات المحاسبة أو برامج جبر
الضرر أو خطط الإصلاح، مما يؤدي إلى إضعاف العملية الانتقالية برمتها.
ومن
هنا، فإن تطوير برامج تدريبية متخصصة في مجالات حقوق الإنسان، والإدارة الرشيدة،
وإدارة التحول المؤسسي، يُعد من الأولويات في مرحلة ما بعد نجاح الثورة، بما ينسجم
مع ما تؤكد عليه الأمم المتحدة بشأن ضرورة مواءمة المؤسسات الوطنية مع المعايير
الدولية لحقوق الإنسان (United Nations, 2010, p. 24).
ثالثاً:
الإصلاح الإداري وضمان عدم التكرار
إن أحد
الأهداف الجوهرية للعدالة الانتقالية هو ضمان عدم تكرار الانتهاكات، ولا يمكن
تحقيق ذلك دون إصلاح المؤسسات التي كانت أداة في تلك الانتهاكات أو فشلت في منعها.
ولهذا، يُنظر إلى الإصلاح المؤسسي بوصفه آلية وقائية طويلة الأمد، تتجاوز المعالجة
الآنية للانتهاكات إلى إعادة بناء الدولة على أسس مستدامة (United Nations,
2010, p. 23)
ويرى
الباحث إن تمثيل الإصلاح الإداري في الحالة السورية حجر الزاوية في أي مشروع جاد
للعدالة الانتقالية فالمشكلة لا تكمن فقط في مساءلة الماضي، بل في إعادة تشكيل
بنية الدولة ذاتها بما يمنع إعادة إنتاج أنماط الحكم السابقة وأعتقد أن نجاح هذه
العملية يتطلب مقاربة متوازنة تجمع بين الاستمرارية المؤسسية – لتجنب الفراغ
الإداري – وبين التجديد الهيكلي الذي يعزز النزاهة والكفاءة.
كما
أرى أن إشراك الكفاءات الوطنية ذات الخلفية الثورية وهي التي تبني نهج تدريجي
مدروس في إعادة الهيكلة، يمكن أن يسهم في تحقيق تحول مستدام دون إحداث صدمات
مؤسسية فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق بمجرد تغيير القوانين، بل بتغيير الثقافة
الإدارية وترسيخ قيم الخدمة العامة وسيادة القانون.
وعليه،
فإن الإصلاح الإداري وبناء القدرات المؤسسية ليسا مسألة تقنية فحسب، بل يمثلان
أساساً استراتيجياً لضمان نجاح العدالة الانتقالية وترسيخ الاستقرار في سورية.
المطلب
الثالث: تطوير الأطر القانونية والتنظيمية
يمثل تطوير الأطر القانونية والتنظيمية أحد
المرتكزات الأساسية في تفعيل دور الإدارة الحكومية في مسار العدالة الانتقالية، إذ
لا يمكن لأي عملية انتقالية أن تحقق أهدافها في ظل منظومة قانونية تعاني من القصور
أو الغموض أو التناقض. فالعدالة الانتقالية، في جوهرها، ترتبط بلحظات التحول
السياسي التي يُعاد فيها تشكيل النظام القانوني بما يعكس قيمًا جديدة قائمة على
المساءلة وسيادة القانون (Teitel, 2002, p. 6).
وتشير
الأدبيات المتخصصة إلى أن فترات الانتقال لا تقتصر على معالجة انتهاكات الماضي، بل
تتسم بإعادة صياغة القواعد القانونية التي تنظّم العلاقة بين الدولة والمجتمع.
فالتحول القانوني في هذه المرحلة يُعد جزءاً من عملية إعادة بناء الشرعية
السياسية، حيث يُعاد تعريف مفهوم العدالة بما يتلاءم مع السياق الانتقالي (Teitel,
2002, pp. 11–12).
أولاً:
الإطار القانوني كأساس لشرعية العدالة الانتقالية
إن
وجود إطار قانوني واضح ينظم آليات العدالة الانتقالية – سواء كانت محاكمات، أو
لجان حقيقة، أو برامج تعويض، أو إصلاحات مؤسسية – يمثل ضمانة أساسية لمشروعية
الإجراءات المتخذة. فالقوانين الانتقالية تحدد الاختصاصات، وتضبط الصلاحيات، وتمنع
التعسف أو التسييس، كما تكفل حماية الحقوق الإجرائية للأفراد.
وتؤكد Teitel
أن لحظات العدالة الانتقالية تتميز بظهور "قانون انتقالي" يعكس توازناً
بين متطلبات الاستقرار السياسي ومقتضيات العدالة (Teitel, 2002, p.
6). ومن هنا، فإن الإدارة الحكومية لا يمكنها أداء دورها بفعالية ما
لم تستند إلى نصوص قانونية دقيقة تحدد نطاق عملها وآليات تنفيذ سياساتها.
ثانياً:
مراجعة التشريعات القائمة ومواءمتها مع معايير حقوق الإنسان
تتطلب
مرحلة العدالة الانتقالية مراجعة شاملة للتشريعات النافذة، ولا سيما تلك التي قد
تكون أسهمت في تكريس الانتهاكات أو منحت حصانات تعيق المساءلة. ويشمل ذلك:
·
تعديل القوانين
الجزائية بما يجرّم الانتهاكات الجسيمة.
·
تعزيز استقلال
السلطة القضائية.
·
إلغاء النصوص التي
تعيق مبدأ المحاسبة.
·
إدماج المعايير
الدولية لحقوق الإنسان في التشريع الوطني.
وتشير
الأدبيات إلى أن التحولات الدستورية والقانونية في الفترات الانتقالية تُعد أداة
لإعادة بناء النظام السياسي على أسس جديدة، تعكس انتقال الدولة من منطق السلطة إلى
منطق القانون (Teitel, 2002, pp. 191–192).
ثالثاً:
البعد التنظيمي ودور الإدارة في تفعيل التشريعات
لا
يكتمل الإصلاح القانوني بمجرد إصدار القوانين، بل يتطلب تطوير لوائح تنظيمية
وتعليمات تنفيذية تترجم النصوص إلى إجراءات عملية. وهنا يبرز الدور المحوري
للإدارة الحكومية، إذ تتولى صياغة الأنظمة التنفيذية، وتنسيق العمل بين المؤسسات،
وضمان التطبيق الفعلي للتشريعات.
فالإطار
القانوني المتقدم قد يفقد فعاليته إذا لم يُدعّم ببنية تنظيمية واضحة تحدد
المسؤوليات وآليات اتخاذ القرار، وهو ما يجعل التطوير التنظيمي مكملاً ضرورياً
للإصلاح التشريعي.
رابعاً:
الإطار الدستوري كأساس للمرحلة الانتقالية
تمثل
اللحظات الانتقالية في كثير من الحالات مدخلاً لإعادة النظر في الإطار الدستوري
ذاته، سواء من خلال تعديلات جوهرية أو صياغة دستور جديد ووضح Teitel
أن العدالة الانتقالية ترتبط بتحولات دستورية تعيد تعريف أسس الشرعية السياسية
والنظام القانوني (Teitel, 2002, pp. 191–192).
وفي
الحالة السورية، فإن أي مسار جاد للعدالة الانتقالية يتطلب بيئة دستورية تكفل
الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وضمان الحقوق والحريات، بحيث تصبح العدالة
الانتقالية جزءاً من بنية الدولة الجديدة، لا مجرد مرحلة مؤقتة وذلك عن طريق مجلس
الشعب.
يرى
الباحث أن تطوير الأطر القانونية والتنظيمية في سورية يجب أن يُنظر إليه بوصفه
مشروعاً وطنياً شاملاً لإعادة بناء الدولة القانونية، وليس مجرد عملية تعديل نصوص
فنجاح العدالة الانتقالية يتوقف بدرجة كبيرة على مدى وضوح القواعد القانونية التي
تحكمها، وعلى قدرة الإدارة الحكومية على ترجمتها إلى سياسات وإجراءات عملية.
كما أن الإصلاح القانوني ينبغي أن يتم بصورة
تدريجية ومدروسة، مع إشراك خبراء قانونيين مستقلين، والاستفادة من التجارب
المقارنة، وتوسيع المشاركة المجتمعية في صياغة التشريعات، لما لذلك من أثر في
تعزيز الشرعية والقبول العام.
المبحث
الثاني : دور الإدارة الحكومية في إعادة بناء الثقة والسلم المجتمعي
المطلب
الأول: تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع
تُعدّ الثقة بين الدولة والمجتمع حجر الأساس
في أي مسار عدالة انتقالية، إذ لا يمكن الحديث عن استقرار سياسي أو سلم مجتمعي
مستدام في ظل فجوة عميقة من عدم الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم الرسمية وتؤكد أن
العدالة الانتقالية لا تقتصر على مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، بل تهدف كذلك
إلى إعادة بناء الشرعية السياسية وتعزيز العلاقة التعاقدية بين الدولة والمجتمع
وقد
أشارت الباحثة Ruti Teitel في كتابها Transitional
Justice إلى أن العدالة الانتقالية تمثل لحظة إعادة تأسيس للنظام السياسي
على قواعد جديدة تستند إلى سيادة القانون واحترام الحقوق، وهو ما يجعل بناء الثقة
هدفاً مركزياً في المرحلة الانتقالية. كما يؤكد International
Center for Transitional Justice أن غياب الثقة بالمؤسسات الرسمية يُعد من
أبرز العوائق أمام نجاح برامج العدالة الانتقالية، لا سيما في الدول الخارجة من
النزاعات المسلحة (ICTJ, 2019, p. 11).
أولاً:
مفهوم الثقة المؤسسية وأهميتها في المرحلة الانتقالية
الثقة
المؤسسية تعني اقتناع المواطنين بأن مؤسسات الدولة تعمل وفق القانون، وتتعامل مع
الأفراد على أساس المساواة، وتسعى لتحقيق الصالح العام بعيداً عن التحيز أو الفساد
وفي سياقات السوري ، تعرضت هذه الثقة لاهتزاز عميق نتيجة الانتهاكات الجسيمة، أو
تسييس المؤسسات، أو عجز الإدارة عن تقديم الخدمات الأساسية في عهد نظام الاستبداد
الساقط.
ويرى (Skaar,
2011, p. 5) أن استقلال المؤسسات العامة ونزاهتها يمثلان شرطاً ضرورياً
لاستعادة ثقة المواطنين، لأن الشعور بوجود مؤسسات عادلة وغير خاضعة للمصالح الضيقة
يعزز الامتثال الطوعي للقانون ويحدّ من النزعات الانتقامية. ومن هنا، فإن الإدارة
الحكومية لا تُعد مجرد جهاز تنفيذي، بل أداة لإعادة إنتاج الشرعية السياسية.
في
الحالة السورية، أدت سنوات الحرب التي شنها نظام الاستبداد على الشعب منذ عام 2011
إلى تراجع مستويات الثقة بالمؤسسات العامة نتيجة الانقسام السياسي، وتضرر البنية
الإدارية، وتفاوت القدرة على تقديم الخدمات. وهذا الواقع يجعل من إعادة بناء الثقة
مهمة معقدة تتطلب إصلاحاً مؤسسياً عميقاً، وليس مجرد إجراءات شكلية.
ثانياً:
آليات الإدارة الحكومية في تعزيز الثقة
مع
نهاية الحرب الباردة حل مناخ دولي جديد يدعم الديمقراطية (مارينا ، 2006 ، ص 3 ) . يمكن للإدارة الحكومية
أن تضطلع بدور فعال في تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع من خلال مجموعة من الآليات
العملية، أبرزها:
1.
تعزيز الشفافية
والمساءلة
نشر
المعلومات المتعلقة بالسياسات العامة والقرارات الإدارية، وتمكين المواطنين من
الوصول إلى البيانات الرسمية، وتفعيل أجهزة الرقابة الداخلية والخارجية. فكلما
زادت شفافية العمل الحكومي، تراجعت الشكوك بشأن نزاهته
2.
تحسين جودة
الخدمات العامة
تُعد
الخدمات العامة – كالتعليم والصحة والإدارة المحلية – الواجهة اليومية للدولة أمام
المواطن. وعندما تُقدم هذه الخدمات بكفاءة وعدالة، فإنها تعزز الإحساس بالانتماء
والثقة بالمؤسسات.
3.
مكافحة الفساد
الإداري
يشكل
الفساد أحد أبرز أسباب فقدان الثقة ولذلك فإن تبني سياسات واضحة لمكافحة الفساد،
وتطبيق مبدأ المحاسبة دون تمييز، يُعد خطوة أساسية في مسار استعادة الشرعية
المؤسسية.
4.
إشراك المجتمع في
صنع القرار
تؤكد
تقارير International Center for Transitional Justice
أن إشراك الضحايا ومنظمات المجتمع المدني في تصميم وتنفيذ برامج العدالة الانتقالية
يعزز الشعور بالملكية المشتركة للعملية الانتقالية (ICTJ, 2019, p. 18).
ثالثاً:
متطلبات تعزيز الثقة في السياق السوري
إن
خصوصية الحالة السورية تفرض جملة من المتطلبات الضرورية لتعزيز الثقة، من أهمها:
·
إعادة هيكلة
المؤسسات المتضررة من بعد سقوط نظام الاسد.
·
ضمان حيادية
الإدارة وعدم خضوعها للاعتبارات السياسية الضيقة.
·
توحيد الهياكل
الإدارية في مختلف المناطق.
·
تدريب الكوادر
الإدارية على مبادئ الحوكمة الرشيدة وحقوق الإنسان.
·
كما أن نجاح هذه
الخطوات يرتبط بوجود إرادة سياسية حقيقية تدعم الإصلاح الإداري وتوفر البيئة
القانونية اللازمة لذلك.
يمكن القول بناء على ما سبق أن تعزيز الثقة في سورية لن يتحقق من خلال الخطاب
السياسي أو المبادرات الرمزية، بل عبر إصلاح إداري تدريجي وعميق يلمسه
المواطن في حياته اليومية. فالمواطن لا يقيس شرعية الدولة بالشعارات، بل بمدى
عدالة الإجراءات وسرعة الخدمات وتساوي الجميع أمام القانون.
وبذلك
يمكن القول إن تعزيز الثقة يمثل المدخل الأساسي لبناء السلم المجتمعي، وأن الإدارة
الحكومية تُعد الفاعل التنفيذي الأهم في تحقيق هذا الهدف ضمن مسار العدالة
الانتقالية.
المطلب
الثاني: دور الإدارة الحكومية في المصالحة الوطنية
تُعدّ
المصالحة الوطنية من الركائز الجوهرية في مسار العدالة الانتقالية، إذ تهدف إلى
معالجة الانقسامات المجتمعية التي خلّفتها نظام الاستبداد، وإعادة بناء الروابط
الاجتماعية على أساس الاعتراف بالحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر. ولا يمكن تحقيق
مصالحة مستدامة دون دور فاعل للإدارة الحكومية، بوصفها الجهة التنفيذية المسؤولة
عن تحويل المبادئ العامة للعدالة الانتقالية إلى سياسات وبرامج عملية.
وقد أكدت الباحثة Ruti Teitel في
كتابها Transitional Justice أن العدالة الانتقالية تسعى إلى إعادة تأسيس
الشرعية السياسية من خلال أدوات قانونية ومؤسسية تعالج إرث الماضي، وهو ما يجعل
المصالحة نتيجة مترتبة على تفعيل آليات العدالة بصورة متوازنة (Teitel, 2002, p. 69). كما أشار International
Center for Transitional Justice
إلى أن المصالحة لا تتحقق عبر التسويات السياسية فحسب، بل تتطلب مؤسسات حكومية
قادرة على تنفيذ برامج جبر الضرر، ودعم لجان الحقيقة، وضمان مشاركة الضحايا في
العملية الانتقالية (ICTJ, 2019, p. 15).
أولاً: مفهوم المصالحة الوطنية في إطار العدالة
الانتقالية
المصالحة الوطنية لا تعني تجاهل الانتهاكات أو
الدعوة إلى النسيان، بل تقوم على ثلاثة عناصر رئيسية:
·
الاعتراف بالانتهاكات وكشف الحقيقة.
·
مساءلة المسؤولين وفق إجراءات قانونية عادلة.
·
إعادة دمج الضحايا والمتضررين في الحياة العامة.
ويرى (Skaar,
2011, p. 102) أن المصالحة
المستدامة ترتبط بمدى استقلال المؤسسات وقدرتها على إنفاذ القانون دون تمييز، لأن
العدالة غير المتوازنة قد تؤدي إلى تعميق الانقسامات بدل معالجتها.
ثانياً: أدوار الإدارة الحكومية في تحقيق
المصالحة الوطنية
تضطلع الإدارة الحكومية بعدد من الوظائف
المحورية في هذا المجال، أبرزها:
1. تنفيذ برامج جبر الضرر
تشمل هذه البرامج التعويضات المادية، وإعادة
الاعتبار المعنوي، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا ويتطلب ذلك جهازاً
إدارياً منظماً، وقواعد بيانات دقيقة، وإجراءات شفافة لتحديد المستفيدين، بما يضمن
العدالة وعدم التمييز.
2. دعم لجان الحقيقة
تلعب لجان الحقيقة دوراً مهماً في توثيق
الانتهاكات وبناء سردية وطنية جامعة. وتتمثل مهمة الإدارة الحكومية في توفير
الموارد البشرية والمالية واللوجستية لهذه اللجان، وضمان تنفيذ توصياتها ضمن
السياسات العامة للدولة (ICTJ,
2019, p. 18).
3. إعادة دمج النازحين واللاجئين
في السياق السوري، تُعد مسألة عودة النازحين
واللاجئين إحدى القضايا الأكثر حساسية في مسار المصالحة. وهنا يبرز دور الإدارة
في:
·
تسهيل الإجراءات الإدارية للعودة.
·
إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية.
·
ضمان الحماية القانونية للعائدين.
4. إدارة الحوار المجتمعي
ما يفكر فيه الشاهد وهو يبوح بمعاناته: معاقبة
ومحاكمة المسؤولين في اللاشعور، ولكن طبيعة الالتزام والإلزام يقول بصوت خفي:
"عفى الله عما سلف" ( عبد اللطيف ، ص 57) . يمكن للإدارة الحكومية تنظيم
منصات حوار تضم ممثلين عن مختلف المكونات الاجتماعية، بهدف معالجة المخاوف المتبادلة
وتعزيز التفاهم. فالمصالحة ليست قرارًا إداريًا، بل عملية اجتماعية تحتاج إلى
إدارة رشيدة ومستدامة.
ثالثاً: تحديات المصالحة في الحالة السورية
تواجه الإدارة الحكومية السورية في حال الدخول في مرحلة انتقالية شاملة –عدة
تحديات، من أبرزها:
1.
استمرار الانقسام السياسي والمؤسساتي.
2. ضعف الموارد الاقتصادية.
3. هشاشة الثقة بين الأطراف
المجتمعية.
4. تداخل العوامل الإقليمية
والدولية في الشأن الداخلي.
وتشير إلى أن غياب التنسيق المؤسسي قد يؤدي إلى
ازدواجية في تنفيذ برامج المصالحة، مما يضعف فعاليتها (Teitel, 2002, p. 83).
يتضح من التحليل أن المصالحة الوطنية في سورية لا يمكن أن تختزل
في اتفاق سياسي بين النخب، بل يجب أن تكون عملية تدريجية تتجسد في سياسات عامة
عادلة تنفذها إدارة حكومية مهنية ومحايدة. كما أن أي مصالحة لا تقوم على اعتراف
صريح بالمعاناة، ولا تضمن جبر ضرر حقيقي للضحايا، ستظل مصالحة هشة قابلة للانهيار.
فإن الإدارة
الحكومية تمثل الأداة التنفيذية الأساسية التي يمكن من خلالها تحويل مبادئ العدالة
الانتقالية إلى واقع اجتماعي ملموس يعزز السلم المجتمعي ويؤسس لمرحلة جديدة من
الاستقرار.
المطلب الثالث: ضمان عدم تكرار الانتهاكات
يُعدّ ضمان عدم تكرار الانتهاكات أحد الأعمدة
الأساسية للعدالة الانتقالية، إذ لا يكتمل مسارها بمجرد كشف الحقيقة أو محاسبة
المسؤولين، بل يتطلب إحداث إصلاحات هيكلية تحول دون عودة ممارسات القمع أو الإفلات
من العقاب. فالغرض النهائي للعدالة الانتقالية ليس معالجة الماضي فحسب، وإنما
تأسيس نظام سياسي وإداري يمنع إعادة إنتاجه مستقبلاً (Teitel, 2002, p. 51).
وقد أوضحت الباحثة Ruti Teitel في
كتابها Transitional Justice أن التحول الديمقراطي الحقيقي يتطلب إعادة
بناء المؤسسات على أسس سيادة القانون، لأن بقاء البنية المؤسسية القديمة دون إصلاح
قد يؤدي إلى استمرار أنماط الانتهاك السابقة ولو بصيغ مختلفة. كما يؤكد International Center for Transitional Justice أن إصلاح المؤسسات العامة، وخاصة الأجهزة
الأمنية والقضائية، يُعد من أهم ضمانات عدم التكرار في الدول الخارجة من النزاعات
(ICTJ, 2019, p. 22).
أولاً: الإصلاح المؤسسي كضمان أساسي لعدم
التكرار
يُقصد بالإصلاح المؤسسي إعادة هيكلة مؤسسات
الدولة بما يضمن خضوعها للقانون وخدمتها للصالح العام، ويشمل ذلك:
1.
إصلاح القطاع الأمني
يقصد بإخضاع الأجهزة الأمنية للرقابة المدنية، وتحديد
صلاحياتها بشكل واضح، واعتماد معايير مهنية في التعيين والترقية. فالمؤسسات
الأمنية غير الخاضعة للمساءلة تمثل أحد أبرز مصادر الانتهاكات في فترات النزاع (Skaar, 2011, p. 134).
2. تعزيز استقلال القضاء
إن استقلال السلطة القضائية شرط أساسي لضمان المحاسبة
العادلة ومنع الإفلات من العقاب. إذ إن وجود قضاء تابع أو ضعيف يُفقد المواطنين
الثقة في العدالة، ويشجع على تكرار الانتهاكات.
3. إصلاح الإدارة العامة
اعتماد معايير الكفاءة والحياد في التوظيف
العام، وتطوير نظم الرقابة الإدارية، وتحديث الهياكل التنظيمية بما ينسجم مع مبادئ
الحوكمة الرشيدة.
ثانياً: الإصلاح القانوني وترسيخ سيادة القانون
إلى جانب الإصلاح المؤسسي، يعزز الإصلاح
القانوني ضمان عدم التكرار مراجعة الإطار التشريعي، من خلال:
·
تعديل القوانين المقيدة للحريات العامة.
·
إدماج المعايير الدولية لحقوق الإنسان في التشريعات
الوطنية.
·
إقرار قوانين تجرّم الانتهاكات الجسيمة بشكل صريح.
وتشير إلى أن وجود إطار قانوني واضح ومتوافق مع
المعايير الدولية يعزز استقرار المرحلة الانتقالية ويمنع استخدام النصوص القانونية
كأداة للقمع (Teitel, 2002, p. 89).
ثالثاً: دور الإدارة الحكومية في ترسيخ ثقافة
حقوق الإنسان
لا يقتصر ضمان عدم التكرار على الإصلاحات
الهيكلية، بل يتطلب تغيير الثقافة المؤسسية داخل أجهزة الدولة. وهنا يبرز دور
الإدارة الحكومية في:
1.
إدماج مبادئ حقوق الإنسان في برامج تدريب الموظفين
العموميين.
2. إنشاء وحدات مختصة بمتابعة
الشكاوى والانتهاكات داخل الوزارات.
3. تعزيز مبدأ الشفافية في
اتخاذ القرار.
4. التعاون مع منظمات المجتمع
المدني في مجال التوعية الحقوقية.
ويؤكد International
Center for Transitional Justice أن
بناء ثقافة مؤسسية قائمة على احترام الحقوق يمثل ضمانة بعيدة المدى ضد عودة
الانتهاكات (ICTJ, 2019, p. 24).
رابعاً: ضمان عدم التكرار في السياق السوري
في الحالة السورية، يتطلب ضمان عدم التكرار
جملة من الإجراءات الجوهرية، من أبرزها:
1.
إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية بما يضمن مهنيتها وخضوعها
للقانون.
2. تفعيل الرقابة القضائية والإدارية
على أعمال السلطة التنفيذية.
3. معالجة ظاهرة الإفلات من
العقاب من خلال محاكمات عادلة وشفافة.
4. توحيد المؤسسات الإدارية
في مختلف المناطق ضمن إطار قانوني موحد.
إن خصوصية السياق السوري، وما نتج عنه من
انقسام مؤسساتي وتراجع في هيبة القانون، تجعل من الإصلاح المؤسسي شرطاً لا غنى عنه
لبناء دولة قائمة على المواطنة وسيادة القانون.
مما سبق يرى الباحث أن عدم تكرار الانتهاكات هو المعيار الحقيقي لنجاح
العدالة الانتقالية في سورية فالمحاسبة دون إصلاح مؤسسي قد تتحول إلى إجراء رمزي
محدود الأثر، بينما الإصلاح العميق للإدارة الحكومية يمكن أن يخلق بيئة قانونية
وإدارية تحول دون إعادة إنتاج أنماط القمع السابقة فإن التحول الحقيقي يبدأ من
داخل مؤسسات الدولة نفسها، عبر تغيير بنيتها وثقافتها التنظيمية، وليس فقط عبر
إصدار قوانين جديدة.
وعليه يمكن القول إن الإدارة الحكومية إذا أُعيد
بناؤها على أسس الكفاءة والحياد والمساءلة، يمكن أن تتحول من جزء من المشكلة إلى
ركيزة أساسية في ضمان عدم تكرار الانتهاكات وترسيخ السلم المجتمعي.
المبحث الثالث : رؤية مستقبلية لتعزيز دور
الإدارة الحكومية في تحقيق العدالة الانتقالية
المطلب الأول: المقترحات الإصلاحية العملية
إن
الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة الاستقرار السياسي يتطلب رؤية إصلاحية واضحة
تستند إلى أسس علمية وتجارب مقارنة، بحيث لا تقتصر العدالة الانتقالية على معالجة
الماضي، بل تؤسس لبنية مؤسسية قادرة على منع تكرار الانتهاكات وضمان استدامة السلم
المجتمعي. كما يشير International Center
for Transitional Justice
إلى أن الإصلاح المؤسسي يُعد شرطًا أساسياً لنجاح العدالة الانتقالية في الدول
الخارجة من النزاعات (ICTJ, 2019, p. 22).
وفي ضوء ذلك يمكن طرح جملة من المقترحات
الإصلاحية العملية التي تعزز دور الإدارة الحكومية في تحقيق العدالة الانتقالية في
سورية.
أولاً: إصلاح الهيكل الإداري وتعزيز الحياد
المؤسسي
يتطلب الإصلاح الإداري إعادة هيكلة المؤسسات
الحكومية بما يضمن وضوح الاختصاصات ومنع التداخل بين السلطات، واعتماد معايير
الكفاءة والنزاهة في التوظيف العام كما ينبغي تحييد الإدارة عن التجاذبات
السياسية، بحيث تصبح أداة لتنفيذ القانون لا وسيلة لخدمة مصالح فئوية.
ويرى (Skaar,
2011, p. 134) أن استقلال
المؤسسات العامة وحيادها يسهمان في تعزيز الثقة المجتمعية ويحدان من احتمالات
تكرار الانتهاكات، لأن الإدارة المحايدة تمثل ركيزة أساسية في بناء دولة القانون.
ويرى الباحث مجموعة من النقاط في الهيكل
الإداري يجب العمل عليه :
·
إنشاء هيئة مستقلة للإصلاح الإداري تتولى مراجعة الهياكل
التنظيمية.
·
اعتماد نظام توظيف قائم على المسابقات والاختبارات الشفافة.
·
تطوير مدونات سلوك وظيفي ملزمة لجميع الموظفين العموميين.
ثانياً: إصلاح القطاع الأمني والقضائي
لا يمكن الحديث عن عدالة انتقالية فعّالة دون
إصلاح عميق في القطاعين الأمني والقضائي، باعتبارهما الأكثر ارتباطاً بملف
الانتهاكات. ويؤكد International Center
for Transitional Justice أن
إصلاح الأجهزة الأمنية وإخضاعها للرقابة المدنية يمثل ضمانة أساسية لعدم تكرار
الانتهاكات (ICTJ, 2019, p. 24).
ويشمل ذلك:
1.
إعادة تحديد صلاحيات الأجهزة الأمنية.
2. إخضاعها لرقابة برلمانية
وقضائية.
3. تعزيز استقلال السلطة
القضائية إدارياً ومالياً.
ويرى الباحث مجموعة من النقاط في القطاع الأمني
والقضائي يجب العمل عليه :
·
إنشاء لجان تقييم مهني
لمراجعة سجل العاملين في المؤسسات الأمنية والقضائية.
·
تطوير برامج تدريبية حول حقوق الإنسان وسيادة القانون.
ثالثاً: تعزيز الإدارية والمشاركة المجتمعية
في ظل الانقسام الذي شهدته سورية خلال سنوات
النزاع، يمكن للادارية أن تسهم في تقريب من المواطنين وتعزيز الشعور بالمشاركة.
فالعدالة الانتقالية لا تُبنى من المركز فقط، بل تحتاج إلى إشراك المجتمعات
المحلية في صنع القرار.
وقد أشارت الأدبيات إلى أن إشراك الفاعلين
المحليين في إدارة المرحلة الانتقالية يعزز شرعية المؤسسات ويُسهم في ترسيخ
الاستقرار (Teitel, 2002, p. 83).
ويرى الباحث مجموعة من النقاط في تعزيز
الإدارية والمشاركة المجتمعية يجب العمل عليه :
·
توسيع صلاحيات المجالس المحلية المنتخبة.
·
إنشاء آليات تشاور دوري بين الإدارة والمجتمع المدني.
·
إدماج ممثلي الضحايا في صياغة سياسات جبر الضرر.
رابعاً: تحديث التشريعات وتعزيز الحوكمة
الرشيدة
يتطلب الإصلاح العملي مراجعة الإطار القانوني
الناظم لعمل الإدارة الحكومية، بما ينسجم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. كما
ينبغي تبني مبادئ الحوكمة الرشيدة، مثل الشفافية والمساءلة والمشاركة.
ويرى الباحث مجموعة من النقاط في تحديث
التشريعات وتعزيز الحوكمة الرشيدة يجب العمل عليه :
·
إصدار قانون لحق الحصول على المعلومات.
·
تعزيز دور الأجهزة الرقابية المستقلة.
·
رقمنة الخدمات الحكومية للحد من الفساد وتحسين الكفاءة.
خامساً: بناء القدرات المؤسسية
إن نجاح أي إصلاح إداري يرتبط بوجود كوادر
مؤهلة قادرة على تنفيذ السياسات بكفاءة. ولذلك يجب الاستثمار في التدريب المستمر
للموظفين العموميين، وإعادة تأهيل الكوادر المتضررة من النزاع.
ويرى الباحث مجموعة من النقاط في بناء القدرات
المؤسسية يجب العمل عليه :
·
إنشاء معهد وطني للتدريب الإداري في مرحلة ما بعد النزاع.
·
التعاون مع منظمات دولية لتطوير برامج بناء القدرات.
يتضح
من التحليل أن الإصلاح الإداري في سورية
يجب أن يكون تدريجياً وواقعياً، يأخذ بعين الاعتبار خصوصية السياق السياسي
والاجتماعي فالإصلاحات الشاملة والسريعة قد تصطدم بضعف الإمكانات أو بغياب التوافق
السياسي فإن تبني استراتيجية مرحلية، تبدأ بإصلاحات مؤسسية أساسية ثم تتوسع
تدريجياً، قد يكون الخيار الأكثر قابلية للتطبيق.
كما أن نجاح هذه المقترحات مرهون بتوافر إرادة
سياسية حقيقية تدعم استقلال المؤسسات، لأن الإدارة الحكومية لا تستطيع أن تؤدي
دورها في تحقيق العدالة الانتقالية ما لم تحظَ ببيئة سياسية داعمة للإصلاح.
المطلب الثاني: آليات التنفيذ والمتابعة
إن
طرح المقترحات الإصلاحية، مهما بلغت دقتها النظرية، لا يكفي بحد ذاته لضمان نجاح
مسار العدالة الانتقالية، ما لم يُقترن بآليات واضحة للتنفيذ والمتابعة والتقييم.
فالخبرة المقارنة تشير إلى أن العديد من برامج الإصلاح المؤسسي تعثرت بسبب غياب
التخطيط المرحلي أو ضعف الرقابة المؤسسية (Teitel,
2002, p. 89). ومن ثمّ، فإن
الإدارة الحكومية في المرحلة الانتقالية مطالبة بوضع إطار تنفيذي منظم يحدد
الأولويات، ويوزع الأدوار، ويضمن استمرارية الإصلاح.
وقد أشار International Center for Transitional Justice إلى أن نجاح العدالة الانتقالية يرتبط بوجود
مؤسسات قادرة على تنسيق الجهود بين الجهات المختلفة، وتوفير الموارد، ومراقبة
تنفيذ التوصيات الصادرة عن لجان الحقيقة وبرامج الإصلاح (ICTJ, 2019, p. 26).
أولاً: وضع خطة وطنية شاملة للعدالة الانتقالية
من أبرز آليات التنفيذ إعداد خطة وطنية متكاملة
تحدد:
1.
الأهداف الاستراتيجية للمرحلة الانتقالية.
2. الجدول الزمني للتنفيذ.
3. الجهات المسؤولة عن كل
محور.
4. مؤشرات قياس الأداء.
وجود خطة مكتوبة ومعلنة يعزز الشفافية، ويمنح
العملية الانتقالية طابعًا مؤسسياً بدل أن تبقى رهينة الاجتهادات الفردية أو
التوازنات السياسية المؤقتة.
ويرى الباحث أنه يجب العمل على :
·
إنشاء لجنة وطنية عليا للعدالة الانتقالية تضم ممثلين عن
السلطات العامة والمجتمع المدني، تتولى إعداد ومتابعة تنفيذ الخطة.
ثانياً: التنسيق المؤسسي بين الجهات المعنية
تتسم العدالة الانتقالية بتعدد الفاعلين، بما
في ذلك:
1.
السلطة التنفيذية.
2. السلطة القضائية.
3. الأجهزة الرقابية.
4. المجالس المحلية.
5. منظمات المجتمع المدني.
غياب التنسيق بين هذه الجهات قد يؤدي إلى
ازدواجية في القرارات أو تضارب في الاختصاصات. لذلك ينبغي اعتماد آليات واضحة
لتبادل المعلومات، وعقد اجتماعات دورية بين المؤسسات المعنية.
ويؤكد (Skaar,
2011, p. 140) أن ضعف
التنسيق المؤسسي كان من أبرز أسباب تعثر بعض تجارب العدالة الانتقالية في أمريكا
اللاتينية، حيث أدت التداخلات السياسية إلى إضعاف فعالية الإصلاحات.
ويرى الباحث أنه يجب العمل على :
·
إنشاء نظام معلومات مركزي يربط بين الجهات المعنية بملفات
العدالة الانتقالية، بما يضمن توحيد البيانات وسرعة الوصول إليها.
ثالثاً: آليات الرقابة والتقييم المستمر
لا يمكن ضمان استدامة الإصلاح دون وجود نظام
رقابي فعال يقيس مدى الالتزام بالأهداف المعلنة. ويشمل ذلك:
1.
تقارير دورية حول التقدم المحرز.
2. مراجعات مستقلة للأداء
المؤسسي.
3. إتاحة المعلومات للرأي
العام.
فالرقابة لا تهدف إلى التعطيل، بل إلى تصحيح
المسار وتعزيز الثقة العامة في العملية الانتقالية.
ويرى الباحث أنه يجب العمل على :
·
تكليف هيئة رقابية مستقلة بإعداد تقرير سنوي عن تنفيذ برامج
العدالة الانتقالية، يُعرض على مجلس الشعب وينشر للرأي العام.
رابعاً: ضمان التمويل المستدام
تتطلب برامج الإصلاح المؤسسي وجبر الضرر موارد
مالية كبيرة، وهو ما يشكل تحديًا في الدول الخارجة من النزاع. لذا ينبغي:
1.
إدراج مخصصات واضحة في الموازنة العامة.
2. البحث عن دعم دولي منظم
وغير مشروط سياسياً.
3. اعتماد سياسات مالية شفافة
تمنع سوء استخدام الموارد.
وقد أشار International Center for Transitional Justice إلى أن غياب التمويل المستقر يمثل عائقاً
رئيسياً أمام تنفيذ توصيات العدالة الانتقالية (ICTJ, 2019, p. 28).
خامساً: إشراك المجتمع في المتابعة
تعزيز الشفافية يقتضي إشراك المواطنين في
مراقبة تنفيذ الإصلاحات، من خلال:
1.
جلسات استماع عامة.
2. نشر تقارير الأداء على
مواقع رسمية.
3. تمكين وسائل الإعلام من
الوصول إلى المعلومات.
فالمشاركة المجتمعية تسهم في خلق رقابة شعبية
تكمّل الرقابة الرسمية، وتعزز شعور المواطنين بملكية العملية الانتقالية.
وقد لخص الباحث الى أن التحدي الأكبر في الحالة السورية لا يكمن في
غياب المقترحات الإصلاحية، بل في ضعف آليات التنفيذ والمتابعة فالتجارب المقارنة
تُظهر أن الفجوة بين النص والتطبيق هي السبب الرئيسي في تعثر مسارات العدالة
الانتقالية فإن بناء منظومة تنفيذية واضحة، قائمة على التخطيط المرحلي والرقابة
المستقلة والتنسيق المؤسسي، يمثل شرطاً حاسمًا لنجاح أي رؤية مستقبلية.
كما يعتقد الباحث أن إشراك المجتمع في المتابعة
سيعزز الثقة ويحدّ من مخاطر تسييس العدالة الانتقالية، لأن الشفافية تُعد الضمانة
الأقوى لاستمرار الإصلاح واستدامته.
المطلب الثالث: آفاق العدالة الانتقالية في سورية
مستقبلاً
تُعد
دراسة آفاق العدالة الانتقالية في سورية مستقبلاً مسألة جوهرية ترتبط بطبيعة
التحول السياسي المحتمل، وبمدى قدرة الدولة على إعادة بناء مؤسساتها على أسس
قانونية وإدارية رشيدة. فالعدالة الانتقالية لا تتحقق بمجرد انتهاء النزاع، وإنما
ترتبط بوجود رؤية استراتيجية طويلة الأمد تتكامل فيها الإرادة السياسية مع الإصلاح
المؤسسي والإداري، في إطار مشروع وطني جامع (Teitel, 2002, p. 213).
وفي السياق السورية، فإن آفاق العدالة
الانتقالية ستتحدد بناءً على مجموعة من العوامل البنيوية والسياسية والمؤسساتية
يمكن تناولها على النحو الآتي:
أولاً: الارتباط بين التحول السياسي وإمكانية
تطبيق العدالة الانتقالية
تشير الدراسات إلى أن العدالة الانتقالية ترتبط
ارتباطاً وثيقاً بطبيعة الانتقال السياسي، سواء كان انتقالاً تفاوضياً، أو تغييراً
جذرياً في بنية السلطة، أو تسوية سياسية شاملة. فكلما كان التحول السياسي قائماً
على توافق وطني واسع، ازدادت فرص تطبيق آليات العدالة الانتقالية بصورة متوازنة
وشاملة (Skaar, 2011, p. 44).
وفي سورية، فإن استمرار الانقسام السياسي وتعدد
مراكز النفوذ يُعد من أبرز المعوقات التي قد تحدّ من انطلاق مسار عدالة انتقالية
فعّال. إلا أن أي تسوية سياسية مستقبلية تقوم على إعادة بناء مؤسسات الدولة،
وتوحيد الهياكل الإدارية، يمكن أن تمثل نقطة انطلاق حقيقية نحو تبني سياسات عدالة
انتقالية تدريجية، تراعي الواقع الاجتماعي والسياسي المعقد.
ثانياً: إعادة بناء الإدارة الحكومية كمدخل
أساسي للعدالة الانتقالية
لا يمكن تصور نجاح العدالة الانتقالية في سورية
دون إعادة تأهيل الإدارة الحكومية على أسس مهنية وقانونية حديثة. فالإدارة هي
الجهة المسؤولة عن تنفيذ برامج جبر الضرر، وإعادة الإعمار، وإصلاح المؤسسات
الأمنية والقضائية، وضمان تقديم الخدمات العامة بعدالة وشفافية.
وفي هذا السياق، تؤكد تقارير International Center for Transitional Justice أن نجاح العدالة الانتقالية في الدول
الخارجة من النزاع يتطلب وجود جهاز إداري قادر على التنسيق بين مختلف المؤسسات،
وعلى إدارة الموارد بكفاءة، وعلى ضمان مشاركة الضحايا في صياغة السياسات العامة (International Center for Transitional
Justice, 2019, p. 18).
وعليه، فإن آفاق العدالة الانتقالية في سورية
مستقبلاً ستظل مرهونة بمدى نجاح عملية الإصلاح الإداري، وخاصة في مجالات:
1.
إعادة هيكلة المؤسسات المتورطة في الانتهاكات.
2. تعزيز الشفافية والمساءلة
داخل الجهاز الإداري.
3. تدريب الكوادر الحكومية
على مفاهيم حقوق الإنسان.
4. تطوير أنظمة أرشفة وتوثيق الانتهاكات.
ثالثاً: دور المجتمع المدني في دعم الإدارة
الحكومية
تشير التجارب المقارنة إلى أن العدالة
الانتقالية تنجح عندما تتكامل أدوار الدولة مع المجتمع المدني. ففي دول مثل South Africa بعد انتهاء نظام الفصل العنصري، أسهمت لجان الحقيقة في إشراك
الضحايا والمجتمع في مسار المصالحة، مما عزز شرعية العملية الانتقالية.
وفي السياق السوري، يمكن أن يشكل المجتمع
المدني رافعة أساسية لدعم الإدارة الحكومية، من خلال:
1.
توثيق الانتهاكات.
2. مراقبة تنفيذ سياسات
العدالة الانتقالية.
3. تقديم الدعم النفسي
والاجتماعي للضحايا.
4. تعزيز ثقافة السلم الأهلي.
غير أن نجاح هذا التكامل يتطلب بيئة قانونية
تضمن حرية العمل المدني، وتحمي النشطاء من التضييق أو الإقصاء.
رابعاً: السيناريوهات المستقبلية للعدالة
الانتقالية في سورية
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لآفاق
العدالة الانتقالية في سورية في منظوري وتحليلاتي:
1-
سيناريو التعطيل والاستمرار في الجمود
يبقى فيه الانقسام السياسي قائماً، مما يؤدي
إلى غياب إطار وطني جامع للعدالة الانتقالية، وتستمر المبادرات في إطار محدود أو
خارجي دون تأثير فعلي داخلي .
2- سيناريو العدالة الجزئية التدريجية
يتم فيه تبني بعض الآليات مثل جبر الضرر أو
إصلاح بعض المؤسسات، دون تطبيق شامل للمساءلة، وهو سيناريو مرجح في المدى المتوسط
برأيي.
3- سيناريو العدالة الشاملة المرتبطة بانتقال سياسي
حقيقي
يقوم على إصلاح دستوري ومؤسسي عميق، وإعادة
بناء الإدارة الحكومية، وتفعيل آليات المحاسبة والمصالحة بصورة متكاملة. وهو
السيناريو الأكثر تحقيقاً لمبادئ العدالة الانتقالية كما صاغتها الأدبيات المعاصرة
(Teitel, 2002, p. 220).
وقد توصل الباحث الى النتائج والتوصيات التالية
:
1.
يتطلب تفعيل دور الإدارة الحكومية في العدالة الانتقالية
توفر إرادة سياسية حقيقية تتبنى مسار العدالة وتعمل على تفكيك إرث الاستبداد وبناء
نظام قائم على العدل والمساءلة.
2. يُعد الإصلاح الإداري
وبناء القدرات المؤسسية شرطاً أساسياً لنجاح المرحلة الانتقالية من خلال إعادة
هيكلة المؤسسات وتأهيل الكوادر وتعزيز مبادئ النزاهة والشفافية.
3. يسهم تطوير الأطر
القانونية والتنظيمية في تعزيز فعالية العدالة الانتقالية عبر وضع تشريعات واضحة
تضمن المحاسبة وتحمي الحقوق وتمنع تكرار الانتهاكات.
4. تلعب الإدارة الحكومية
دوراً محورياً في إعادة بناء الثقة والسلم المجتمعي من خلال تحسين الخدمات ودعم
المصالحة الوطنية والإنصاف بين المواطنين.
5. إن مستقبل العدالة
الانتقالية في سورية مرتبط بقدرة الإدارة الحكومية على تنفيذ إصلاحات عملية
ومستدامة وتقوم على التخطيط السليم والمتابعة الفعالة والتكامل مع بقية مؤسسات
الدولة والمجتمع.
الخاتمة
تُعد العدالة الانتقالية حجر الأساس في بناء
الدول إذ انها تهدف إلى إنصاف الضحايا
ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وترسيخ الاستقرار وقد أظهر البحث أن هذه العدالة
عملية شاملة تتجاوز البعد القضائي لتشمل إصلاح المؤسسات وتعزيز الثقة المجتمعية
كما أن تبيّن أن الإدارة الحكومية تمثل الأداة المحورية في تنفيذ مسارات العدالة
الانتقالية، غير أن فعاليتها ترتبط بكفاءتها ونزاهتها.
وفي الحالة السورية كشفت الدراسة على أن تحديات كبيرة نتيجة تفكك المؤسسات والانقسام
السياسي ومع ذلك فإن إعادة بناء الإدارة على أسس سليمة تظل شرطاً أساسياً لنجاح
المرحلة الانتقالية ويؤكد ذلك أن تحقيق العدالة لا ينفصل عن بناء دولة قائمة على
سيادة القانون والكرامة الإنسانية ومن ثم إن مستقبل سورية يرتبط بقدرتها على ترسيخ
العدالة ومنع تكرار الانتهاكات .
النتائج النهائية
1.
تؤكد الدراسة أن
العدالة الانتقالية تمثل أساساً ضرورياً لتحقيق الاستقرار في المجتمعات الخارجة من
النزاعات ومن خلال معالجة الانتهاكات وتحقيق الإنصاف.
2.
تبيّن أن العدالة
الانتقالية منظومة متكاملة تشمل أدوات قضائية وغير قضائية ولا يمكن اختزالها في
المحاسبة فقط.
3.
أظهرت الدراسة أن
الإدارة الحكومية تُعد الفاعل الرئيسي في تنفيذ مسارات العدالة الانتقالية لما
تمتلكه من صلاحيات تنفيذية ومؤسسية.
4.
كشفت الدراسة عن
ضعف البنية الإدارية في سورية نتيجة النزاع مما يحدّ من قدرتها على تطبيق آليات
العدالة الانتقالية بفعالية.
5.
بيّنت النتائج أن
التحديات السياسية والأمنية والانقسام المؤسسي تمثل عائقاً كبيراً أمام تحقيق
العدالة الانتقالية.
6.
أن نجاح العدالة الانتقالية يرتبط بتوفر الإرادة
السياسية والإصلاح الإداري وتعزيز سيادة القانون.
7.
أن تفعيل دور الإدارة الحكومية يسهم في إعادة
بناء الثقة وتحقيق المصالحة الوطنية وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
وقت
توصل الباحث لمجموعة من المقترحات والتوصيات
المقترحات
والتوصيات
1.
تبني مشروع وطني
شامل للعدالة الانتقالية يقوم على مبادئ المحاسبة والإنصاف ويعكس تطلعات الشعب في
بناء دولة عادلة.
2.
إعادة هيكلة
الإدارة الحكومية وفق أسس مهنية قائمة على الكفاءة والنزاهة مع إبعاد العناصر
المرتبطة بالفساد والانتهاكات.
3.
إصدار تشريعات
واضحة تنظم مسار العدالة الانتقالية بما يشمل آليات المحاسبة وجبر الضرر والإصلاح
المؤسسي.
4.
تعزيز استقلال
القضاء لضمان محاسبة عادلة وشفافة لمرتكبي الانتهاكات بعيداً عن أي ضغوط سياسية.
5.
إنشاء لجان حقيقة
ومصالحة وطنية تعمل على كشف الانتهاكات وتوثيقها وإنصاف الضحايا وردّ الاعتبار
لهم.
6.
تأهيل وبناء قدرات
الكوادر الإدارية من خلال برامج تدريبية متخصصة لدعم إدارة المرحلة الانتقالية
بكفاءة.
7.
تعزيز دور المجتمع
المدني في دعم مسار العدالة الانتقالية والمساهمة في الرقابة وبناء الثقة بين
الدولة والمجتمع.
8.
الاستفادة من
التجارب الدولية الناجحة مع مراعاة خصوصية الواقع السوري لضمان تطبيق نموذج فعّال
ومستدام.
قائمة المراجع
المراجع العربية
1. الكيالي، عبد الله.
(2016).بناء الدولة بعد النزاعات: إشكاليات الحكم والعدالة الانتقالية. بيروت:
مركز دراسات الشرق العربي.
2. أحمد شوقي بنيوب، الأسس
النظرية لمذهب جبر الضرر: التجربة المغربية للعدالة الانتقالية مطبعة البضاوي،
الطبعة الأولى، المغرب 2008، ص:167 .
3. عبد اللطيف (كمال)،
العدالة الانتقالية والتحولات السياسية في المغرب تجربة هيأة الإنصاف والمصالحة،
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ص. 57.
4. عبد الفتاح، أحمد.
(2014).الإدارة العامة والتحول الديمقراطي في الدول العربية.القاهرة: مركز دراسات
الوحدة العربية.
5. مارينا أوتاواي و ميريديث
رايلي، المغرب: من الإصلاح الهرمي إلى الانتقال الديمقراطي، سلسلة الشرق الأوسط،
العدد 71، 2006، ص 9-93 .
المراجع الأجنبية
1.De Greiff, P. (2011).Justice
and Reparations.New York: Oxford University Press.
2.Hayner, P. B. (2011).Unspeakable
Truths: Transitional Justice and the Challenge of Truth Commissions (2nd ed.).New
York: Routledge.
3.Lesch, D. W. (2012). Syria: The Fall of the House
of Assad. New Haven: Yale University Press
4.Skaar, E. (2011). Judicial independence and human
rights in Latin America: Violations, politics, and prosecution. Palgrave
Macmillan.
5.Teitel, R. (2002). Transitional justice. Oxford
University Press
التقارير
والمنشورات الدولية
1. International Center for Transitional Justice. (2019).
Navigating justice in Syria. ICTJ
https://www.ui.se/globalassets/ui.se-eng/publications/ui-publications/2021/ui-paper-no.-2-2021.pdf
2.International
Crisis Group. (2014). Syria’s Metastasising Conflicts. Brussels: ICG.
3.OECD. (2015).Public
Governance and Fragile States.Paris: Organisation for Economic Co-operation and
Development Publishing
https://www.econstor.eu/handle/10419/290384
4.United Nations. (2010).Guidance
Note of the Secretary-General: United Nations Approach to Transitional Justice.New
York: United Nations.
5.International Center
for Transitional Justice (ICTJ).
(2019).Navigating Justice in Syria.New
York: ICT.
6.UNDP. (2017). Governance and Peacebuilding in
Post-Conflict Societies. New York: United Nations Development Programme
7.United
Nations. (2010). Guidance Note of the Secretary-General: United Nations
Approach to Transitional Justice. United Nations
اكتب مراجعة عامة