img
img

معادلة البقاء: استحقاقات الأمة في زمن التحولات الكبرى

img
منصة مفكر

معادلة البقاء: استحقاقات الأمة في زمن التحولات الكبرى

    • ومن هنا، فإن استعادة الإنسان ليست بندًا اجتماعيًا هامشيًا ضمن برامج الإصلاح، بل هي قلب "معادلة البقاء" نفسها.
    • رابعًا: النخب بين التهميش والمسؤولية
    • إذا كان الإنسان هو محور النهضة، فإن النخب تمثل العقل الذي يقرأ الواقع، ويستشرف المستقبل، ويقترح البدائل.
    • غير أن واحدة من الإشكاليات التي عانت منها مجتمعاتنا خلال العقود الماضية، تمثلت في العلاقة المرتبكة بين مراكز القرار وبين النخب الفكرية والعلمية والخبرات الوطنية.
    • ففي أوقات كثيرة، جرى التعامل مع النخبة بوصفها مصدر إزعاج أكثر من كونها مصدر إثراء، ومع النقد بوصفه تهديدًا أكثر من كونه أداة تصحيح، ومع الرأي المختلف بوصفه خصومة لا اجتهادًا.
    • وكانت النتيجة الطبيعية لذلك أن انكمشت مساحات الحوار الجاد، وضعفت القدرة على إنتاج الأفكار الخلاقة، وتراجع دور المؤسسات الفكرية التي يفترض أن تقوم بوظيفة الإنذار المبكر وتقديم البدائل.
    • إن الأمم التي لا تستمع إلى عقولها، تضطر في كثير من الأحيان إلى التعلم من صدمات الواقع.
    • والنخب، في المقابل، ليست معفاة من المسؤولية. فبعضها انسحب إلى الأبراج العاجية، واكتفى بالتشخيص المجرد، أو انشغل بخلافات جانبية استنزفت طاقته، بدل أن ينخرط في معركة الوعي وصناعة البدائل.
    • ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار للنخب لا تعني منحها امتيازات رمزية، وإنما استدعاء دورها الطبيعي في التفكير الاستراتيجي، وبناء الجسور بين المعرفة والقرار، وبين الرؤية والتنفيذ.
    • فالأمم لا تحتاج فقط إلى أصحاب القرار، بل تحتاج أيضًا إلى من يوسعون أفق القرار، وينبهون إلى مخاطره، ويقترحون مسارات أكثر حكمة ورشدًا.
    • إن استدعاء الكفاءات الوطنية، وفتح المجال أمام الخبرات الصادقة، وبناء بيئة تسمح بالنقاش المسؤول، لم يعد ترفًا يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة من ضرورات البقاء في عالم تتسارع فيه التحولات بوتيرة غير مسبوقة.
    • ذلك أن القرارات الكبرى التي ستحدد مصير الأجيال القادمة، لا ينبغي أن تكون رهينة الحسابات الآنية وحدها، بل ثمرة تفاعل صحي بين القيادة، والمجتمع، والنخب التي تحمل همّ الأمة وتدرك تعقيدات لحظتها التاريخية.
    • خامسًا: الشراكة الوطنية... منطق النجاة لا منطق المجاملة
    • من الدروس التي تفرضها التحولات الكبرى على الأمم، أن الأوطان لا تُدار في اللحظات المفصلية بعقلية الاحتكار، ولا يمكن حمايتها بمنطق الإقصاء أو الارتياب المتبادل. فكلما اتسعت دائرة التحديات، اتسعت الحاجة إلى دوائر أوسع من الثقة والشراكة والمسؤولية المشتركة.
    • ولعل أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في هذه المرحلة هو: كيف يمكن تحويل الشعوب من موضوع للسياسات إلى شريك في صناعة المصير؟
    • لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تشعر بأنها جزء من القرار، وأكثر وعيًا بتحدياته، تكون أكثر قدرة على الصبر، وأكثر استعدادًا لتحمل أعباء الإصلاح، وأكثر حرصًا على حماية الاستقرار الوطني من محاولات العبث والاختراق.
    • أما حين تتسع الفجوة بين الدولة ومجتمعها، وتتآكل الثقة تدريجيًا، فإن أي أزمة خارجية تصبح أكثر خطورة، لأن الجبهة الداخلية نفسها تكون قد فقدت كثيرًا من مناعتها.
    • إن الشراكة الوطنية التي تحتاجها الأمة اليوم ليست شعارًا سياسيًا عابرًا، وليست تنازلًا من طرف لآخر، وإنما إدراك عميق بأن النجاة لم تعد ممكنة إلا بتكامل الأدوار.
    • فالدولة تحتاج إلى شعبها.
    • والشعب يحتاج إلى مؤسسات يثق بها.
    • والنخب تحتاج إلى مساحات حقيقية للتأثير.
    • والقيادات تحتاج إلى عقول صادقة تضيء لها زوايا المشهد التي قد لا تراها الحسابات اليومية.
    • إن بناء هذه الشراكة يبدأ من الاعتراف بأن الخوف لم يعد حكرًا على طرف دون آخر.
    • فالشعوب تخشى على مستقبلها.
    • والنخب تخشى على أوطانها.
    • والقيادات السياسية تدرك أن حجم التحولات المقبلة أكبر من أن يواجهه طرف واحد منفردًا.
    • بل إن ما كشفته هذه المرحلة أن الحاجة إلى التآلف الجاد لم تعد ترفًا أخلاقيًا، بل تحولت إلى ضرورة استراتيجية.
    • إن الأوطان التي تتعلم كيف تدير اختلافاتها ضمن إطار من الثقة والمسؤولية، تكون أكثر قدرة على الصمود أمام الضغوط الخارجية.
    • أما المجتمعات التي تستنزف نفسها في الشكوك المتبادلة، فإنها تدخل أي مواجهة مستقبلية وهي منهكة من الداخل.

تعليقات