قراءة في مسار خمسة أيام غيّرت معادلة المنطقة
بسم الله الرحمن الرحيم
أولاً: كيف بدأت هذه الأيام الخمسة
في ليلة التاسع من يونيو، سقطت مروحية أباتشي أمريكية فوق مضيق هرمز بعد اصطدامها بمسيّرة إيرانية. الطياران نجيا. التحقيق العسكري الأمريكي لم يحسم إن كان الاصطدام متعمداً أم عرضياً. لكن ترامب أصدر حكمه قبل المحققين وأعلن أن إيران "أسقطت" المروحية، وأن الرد آتٍ لا محالة.
في الساعة الخامسة مساءً بتوقيت واشنطن، أعلنت القيادة المركزية بدء ضربات على مواقع رادار وسيطرة إيرانية قرب هرمز. الحرس الثوري ردّ بصواريخ على قاعدة الأزرق في الأردن ومواقع في الكويت. البحرين أطلقت صفارات الإنذار. المنطقة دخلت ليلة كانت فيها كل الخيوط مشتعلة في آنٍ واحد.
ثم حدث ما لا يحدث في الحروب الحقيقية: في اليوم التالي مباشرة، ألغى ترامب قائمة ضربات موسّعة كان قد أعلنها، وقال إن محادثاته مع القيادة الإيرانية وصلت إلى "أعلى المستويات".
هذا التسلسل بالذات هو مفتاح فهم كل ما جاء بعده.
ثانياً: ما الذي كشفه الإلغاء المفاجئ
حين يُعلن رئيس أمريكي ضربات موسّعة ثم يُلغيها في أقل من أربع وعشرين ساعة، فهو لا يتراجع. هو يرسل رسالة لطاولة التفاوض. الضربات لم تكن مقررة فعلاً بهذا الحجم، بل أُعلنت لتخدم الضغط التفاوضي، ثم أُلغيت حين أعطى الطرف الآخر الإشارة المطلوبة.
إيران بدورها أطلقت صواريخها على قواعد أمريكية في الأردن والكويت ثم صمتت فجأة وانتظرت. الحرس الثوري قال كلمته الميدانية ثم فتح المجال للدبلوماسيين. هذا تنسيق داخلي دقيق بين المؤسسة العسكرية والمؤسسة السياسية في طهران، وليس فوضى.
المشهد بكامله، من سقوط المروحية إلى الإلغاء، كان فصلاً في مسرحية الضغط المتبادل لا فاتحة حرب شاملة.
ثالثاً: معركة التسريبات، من يُديرها ولماذا
في الحادي عشر والثاني عشر من يونيو انفجر المشهد الإعلامي بتسريبات متناقضة من الجانبين.
وكالة مهر الإيرانية نشرت بنوداً تُظهر إيران وقد انتزعت كل شيء: انسحاب أمريكي من المنطقة، و300 مليار دولار إعادة إعمار، وبقاء أذرعها دون مساس، ورفع حصار فوري. ترامب ثار وقال إن الإيرانيين "لا يمكن التفاوض معهم بحسن نية". ثم خرج عراقجي وزير خارجية إيران لينفي تسريبات بلاده علناً على قناة إيرانية رسمية. ثم شارك ترامب تغريدة عراقجي على حسابه الشخصي.
وفي الوقت نفسه، سرّب مسؤولون أمريكيون بنوداً مضادة تُظهر إيران وقد قبلت تفكيك برنامجها النووي كاملاً، وتسليم اليورانيوم المخصب، ووقف تمويل الجماعات المسلحة.
الروايتان لا تجتمعان. إحداهما كذب أو كلتاهما ناقصتان. والتفسير الوحيد المنطقي لهذا التناقض هو أن كل طرف يُدير جمهوره الداخلي بتغذيته رواية الانتصار قبل أن يُوقّع على الاتفاق. الحرس الثوري الإيراني يحتاج إلى قاعدته أن تسمع "انتزعنا كل شيء". ترامب يحتاج إلى ناخبه أن يسمع "أخضعنا إيران".
الاتفاق الحقيقي في المنتصف بين الروايتين، وهو الذي لن يُعلَن كاملاً يوم التوقيع.
رابعاً: مجتبى خامنئي والسؤال الذي يتجنبه الجميع
المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي وافق على الاتفاق. المسؤولون الأمريكيون أكدوا ذلك بشكل غير مباشر إذ قالوا إنهم يأخذون تأكيدات القيادتين المدنية والعسكرية الإيرانيتين بأن المرشد "راضٍ تماماً".
هذا الرضا وحده يخبرك بحجم الضغط الذي تعيشه إيران. خامنئي الابن يرث نظاماً فقد خامنئي الأب بضربة إسرائيلية، ونظاماً استهلك أكثر من ثلاثة أرباع مخزونه الصاروخي، ونظاماً يعاني خسائر اقتصادية جراء الحصار البحري وصلت إلى مليارات الدولارات الأسبوع. القبول بالتفاوض في هذه اللحظة قرار بقاء لا قرار قوة.
غير أن الخطير في هذا القبول أن أصواتاً داخل الحرس الثوري نفسه انتقدت عراقجي بحدة على قبول تخفيف التخصيب. هذه الأصوات لن تصمت بعد التوقيع، وهي المتغير الأكثر خطورة في مسار تطبيق أي اتفاق.
خامساً: اليورانيوم، القراءة التي غابت
العقوبات على إيران فُرضت عام 1979. البرنامج النووي الإيراني لم يبدأ إلا بعد ذلك بسنوات طويلة. بمعنى أن السبب الأصلي للعقوبات لم يكن النووي قط. اليورانيوم صار ورقة ضغط إيرانية أضافتها طهران في مرحلة لاحقة لتحسين موقفها التفاوضي، واستخدمته لعقود كرافعة.
التخلي عنه اليوم مقابل رفع عقوبات فُرضت لأسباب أخرى هو صفقة ذكية للمفاوض الإيراني، لا هزيمة. إيران دفعت عقوداً من الحصار في سبيل برنامج حوّلته إلى ورقة لا سلاح، والآن تُسيّله قدرة اقتصادية. من فهم هذا التسلسل التاريخي لم يُدهشه قبول طهران بتخفيف التخصيب.
سادساً: اليوم الثالث عشر، ماذا يعني التوقيع غداً؟
وزير خارجية باكستان أبلغ نظيره السعودي بأن التوقيع الإلكتروني على مذكرة التفاهم سيتم غداً الرابع عشر من يونيو. باكستان وقطر كانتا الوسيطتين الفاعلتين طوال هذه المرحلة.
التوقيع إن تمّ يُنهي رسمياً مرحلة الضربات المتبادلة ويُفتح هرمز. لكن ما لن ينتهي هو مسار التطبيق الذي سيمتد شهرين على الأقل وفق ما تسرّب. وكل يوم في هذا المسار سيحمل اختبارات حقيقية لمدى جدية الطرفين.
التفاصيل التقنية للبرنامج النووي ستُفاوَض خلال ستين يوماً. الصواريخ الإيرانية لا تزال على الطاولة. أذرع إيران الإقليمية لم يُتفَق على مصيرها في أي من التسريبين. هذا يعني أن ما يُوقَّع غداً هو وقف نار ومدخل للمفاوضات لا اتفاق نهائي.
سابعاً: دول الخليج، الثمن بلا القرار
الكويت والبحرين والأردن استقبلت الصواريخ الإيرانية. ودفعت تكاليف الاستنفار والتدمير وشلل الملاحة. وتضرّرت اقتصاداتها من إغلاق هرمز. ثم لم تُستشَر في بند واحد من بنود مذكرة التفاهم التي تُعيد رسم مستقبل المنطقة التي تعيش فيها.
قطر التي تحركت كوسيط دبلوماسي فعّال واجهت اتهامات أمريكية بالتواطؤ مع إيران لتعطيل تصدير الغاز. الدوحة نفت. لكن الرسالة وصلت: من يتحرك باستقلالية في هذا الملف يجد نفسه تحت ضغط فوري من واشنطن.
هذا النمط لا يتكرر بالمصادفة. واشنطن تحتاج إلى إيران "البعبع الإقليمي" الذي يُبقي دول الخليج محتاجة للحماية الأمريكية. إيران المُعادة إلى النظام الدولي بعقوبات مخففة وبرنامج نووي مُجمَّد أكثر نفعاً لواشنطن من إيران منهارة تماماً. لأن الانهيار الكامل يُزيل الذريعة، والتهديد المضبوط يُديمها.
ثامناً: ما الذي لن يقوله لك المحللون
الاتفاق المرتقب لا يعني أن الأمة الإسلامية كسبت شيئاً. إيران التي تخرج بمكاسب اقتصادية مشروطة بنزع سلاحها النووي تخرج أضعف عسكرياً مما دخلت. وأمريكا التي تُغلق الملف النووي الإيراني تُحقق هدفها الاستراتيجي الأول منذ عقود. ودول الخليج التي دفعت الثمن تبقى في المعادلة ذاتها: تدفع مقابل حماية تُقرر شروطها واشنطن وحدها.
الأمة الإسلامية لم يكن لها صوت في أي لحظة من لحظات هذه الأيام الخمسة. لم تُطرح مبادرة إسلامية جامعة. لم يصدر موقف موحد من مجلس التعاون أو منظمة التعاون الإسلامي بحجم يُوازي حجم الأزمة. ما صدر بيانات إدانة متفرقة واستنكارات دبلوماسية تقليدية.
هذا الغياب هو الحدث الأهم في كل ما جرى، وهو الذي سيحدد كيف ستواجه الأمة الأزمة القادمة حين تأتي، وهي آتية.
قال الله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: 141].
هذه الآية وعد إلهي مشروط بشرط واحد هو الإيمان العملي الذي يُترجم إلى قرار مستقل وإرادة موحدة وبناء حقيقي. الأمة التي تنتظر أن يتفاوض الآخرون عن مستقبلها ثم تُعلّق على النتائج لن تجد في السنن الكونية ما يُنجيها من الدفع بلا تأثير.
اكتب مراجعة عامة