img
img

قراءة في حدث 9-10 يونيو 2026

img
الشبكة

قراءة في حدث 9-10 يونيو 2026

قراءة في حدث 9-10 يونيو 2026

 المروحية، والذريعة، والمخطّط الأعمق

 تحليل إسلامي استراتيجي



 أولاً: ما الذي جرى بالضبط.. وما الذي لم يُقَل؟


في ليلة الثامن من يونيو، سقطت مروحية أباتشي أمريكية فوق مضيق هرمز إثر اصطدامها بمسيّرة إيرانية من طراز "شاهد". أُنقذ الطيّاران بعملية بحرية مسيّرة . وفي التاسع من يونيو، خرج ترامب معلناً أن إيران "أسقطت" المروحية، ومُعلِناً أن الولايات المتحدة "مضطرة للرد بالضرورة". وفي الساعة الخامسة مساءً بتوقيت الشرق الأمريكي، أعلنت القيادة المركزية بدء ضربات "دفاع عن النفس" ضد أهداف إيرانية. فردّ الحرس الثوري الإيراني بالإعلان عن استهداف قاعدة الأزرق في الأردن وقواعد في الكويت، فدوّت صفارات الإنذار في البحرين، وتأهّبت المنطقة لليلة جديدة من الجمر.


غير أن نقطةً جوهرية بقيت معلّقة في تقارير التحقيق الأمريكية ذاتها: هل كان الاصطدام متعمّداً أم عرضياً؟ يعني (في ممرٍّ مائيٍّ يختنق أصلاً بالتوتر، أنتج روايتين: روايةٌ تقول "حادث عرضي"، وروايةٌ تقول "إسقاط متعمَّد").

 التحقيق لم يُحسم، لكن ترامب أصدر حكمه قبل نتائج المحققين. وهنا، في هذه الفجوة بين الحقيقة والقرار، وُلدت الذريعة.

 وهذا وحده يكفي للتأمّل.


 ثانياً: سياق لا يحتمل الصدفة


قبل يومين فقط، أطلق الحرس الثوري ما يقارب ثلاثين صاروخاً باليستياً على إسرائيل، في أكبر ضربة مباشرة منذ وقف إطلاق النار في أبريل، رداً على غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية في بيروت. المنطقة كانت تغلي. وفي هذا التوقيت بالذات، فوق أحد أكثر الممرات المائية حساسيةً في العالم، تقع "حادثة" المروحية.


العقلية الإسلامية التي ننتمي إليها لا تؤمن بالصدف العمياء في لحظات الحسم التاريخي. عندما تجتمع المؤشرات بهذا الشكل، يصبح السؤال عن المستفيد واجباً عقلياً قبل أن يكون سياسياً.


وتنبيه مهم فالمنهج الإسلامي أصيل يرفض استهلاك الروايات الجاهزة دون تمحيص. فقد علّمنا الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]. والتبيّن واجب في زمن تتسابق فيه الروايات أمام الحقائق.


 ثالثاً: المشهد الحقيقي خلف الأدخنة

الأبعاد الثلاثة للمعركة الخفية


الأرض الإسلامية : ساحة لا طرفاً


الكويت والبحرين والأردن هي أراضٍ إسلامية. تتعرض هذه الدول اليوم للقصف من إيران بدعوى أنها تستضيف قواعد أمريكية، وتستهدف هذه الهجمات في الغالب مناطق مدنية، في حين تتجول البوارج الأمريكية بحرية. إن الشعوب العربية المسلمة في هذه الدول لم تختر هذه الحرب، ولم تدعُ إليها، وقاومت اندلاعها بكل ما تملك من نفوذ دبلوماسي. ومع ذلك، فإنها تدفع ثمنها أمنًا ونفطًا وأعصابًا وأرواحًا.



هذا هو الوجه الأكثر إيلاماً في هذا المشهد، والأقل حضوراً في التحليلات: أن العرب المسلمين لم يعودوا مجرد غائبين عن طاولة القرار، بل صاروا وقوداً لحروب يقررها آخرون فوق أراضيهم ومن خلال مجالهم الحيوي،و لقد حذرت هذه الدول العربية سابقًا من القواعد الأمريكية وأهدافها الخفية، الأمر الذي يُعد حيويًا.



إيران: المشروع المتصدّع


المشروع الإيراني بُني على ثلاثة أعمدة: الردع النووي الذي لم يكتمل، وشبكة الوكلاء الممتدة من غزة إلى بيروت إلى صنعاء إلى بغداد، والشرعية الأيديولوجية القائمة على خطاب "المستضعفين". هذه الأعمدة الثلاثة تتصدّع معاً. وإيران اليوم محشورة بين مطرقتَين: إن ردّت بقوة أعطت واشنطن ذريعة لعملية أشمل، وإن صمتت دفنت هيبة الردع التي بنتها عقوداً. وكلا الخيارَين مُكلف.


غير أن العالم و المفكر الإسلامي الصادق لا يُفوّته أن إيران التي رفعت شعار الدفاع عن المسلمين أطلقت صواريخها على الكويت والبحرين والاردن متناسية البوارج الأمريكية ، وزرعت ألغامها في مضيق يمرّ منه نفط المسلمين ورزقهم. فأيّ دفاع عن الإسلام هذا الذي يصطاد المسلمين أنفسهم في شباكه؟


أمريكا: إدارة الهيمنة لا إحقاق الحق


واشنطن لا تخوض حرباً من أجل حرية الملاحة ولا من أجل إسرائيل وحدها وحسب. هي تُعيد رسم موازين القوى في المنطقة لعقود قادمة، وتستثمر ضعف إيران البنيوي لتكريس هيمنتها على الممرات الحيوية التي يمرّ منها خُمس نفط العالم. الضربات المتتالية على منظومات الرادار والدفاع الجوي ليست رسائل تفاوضية، بل هي نزع ممنهج لأسنان الردع الإيراني، وتأسيس لواقع ميداني يصعب عكسه حين يجلس الطرفان للتفاوض.


 رابعاً: ثلاثة مستويات لقراءة الحدث


المستوى الأول ، السطح: مروحية سقطت وجرى الرد، حادثة في سياق حرب قائمة منذ أشهر.


المستوى الثاني ، اللعبة التفاوضية: كلا الطرفَين يوظّف التصعيد ورقةَ ضغط نحو اتفاق يريد كلٌّ منهما أن يخرج منه بشروطه. كل ضربة "محدودة" تحمل رسالتَين: للخصم "نحن جاهزون للأسوأ"، وللداخل "لم نُهزَم". لكن هذه اللعبة صارت أسرع من قدرة السياسة على احتوائها، وهذا بالضبط هو تعريف الانزلاق نحو المجهول.


المستوى الثالث ، البُعد الحضاري: هذه الحرب بكاملها تمثّل إعادة رسم جذرية لخريطة الشرق الأوسط. والأمة الإسلامية لا مقعد لها على طاولة قرار واحدة في هذا الرسم. وهذا هو الجرح الحقيقي الذي لا يُداوى بمتابعة نشرات الأخبار.


 خامساً: ما الذي يجب أن تفعله الأمة؟


أولاً: التحرر من الانتماء العاطفي لأيٍّ من الطرفَين. لا أمريكا حاملة إسلام، ولا إيران حاملة إسلام. كلاهما مشروع قوة دنيوي يُوظّف الشعارات لخدمة المصالح. والمسلم الذي يُشجّع على الطرفَين من وراء شاشته الإلكترونية يشارك في تمويل الوهم.


ثانياً: قراءة ما لا يُقال. عشرون ألف بحّار من مختلف جنسيات العالم - من بينهم مسلمون - محتجزون على ألفَي سفينة في مضيق هرمز في وضع إنساني كارثي لا تُغطّيه الكاميرات. هؤلاء ضحايا حقيقيون يموتون في صمت بينما ننشغل بتحليل إعلانات القيادة المركزية.


ثالثاً: ادّخار الطاقة للبناء. كل دقيقة تُضيّعها الأمة في استهلاك مشاهد الانفجارات الإلكترونية هي دقيقة مسروقة من الإستعداد و تعليم أبنائها وبناء مؤسساتها. المدافعة و الحضارة لا تُبنى بالتعليقات، والنهوض لا يبدأ من شاشة.


رابعاً: استحضار السنن لا العواطف. ما نراه ليس استثناءً في التاريخ، بل هو نتاج طبيعي لعقود من غياب الإرادة الإسلامية المستقلة وتفكّك البنية الحضارية للأمة. قال الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: 129]. هي سنّة كونية لا تتوقف ولا تحابي.


سادساً: كلمة النهاية.. لا للنواح، نعم للنهوض

 كلمة صادقة للنخب الإسلامية 


ما يجري اليوم فوق مضيق هرمز ليس نصراً لأحد من المسلمين. إيران تنزف عسكرياً. والأراضي العربية الإسلامية تُستباح. وعزة تقصف ليلا ونهارا وتنسى . والمسجد الأقصى يغلق .والشعوب تدفع الثمن نفطاً وأمناً واستقراراً ودماً. والمنتفع الوحيد هو من يُعيد رسم خريطة المنطقة جالساً بعيداً عن ميادين الحريق.


لا تستثمروا هذا الجرح في بناء جمهور. لا تُحوّلوا دماء الضحايا إلى محتوى. اجعلوا الصدمة دافعاً للبناء لا مادةً للنواح. وتذكّروا دائماً أن هذه الأمة خرجت من تحت ركام المغول، ومن ظلام الحروب الصليبية، ومن استعمار امتدّ قرنَين كاملَين ، وخرجت دائماً بالعلم والإيمان والجهاد والتنظيم، لا بالتحلّق حول مشاهد المذابح.


﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]



الأستاذ الدكتور عصام اشويدر

 رئيس شبكة الرواد الإلكترونية 

ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

تعليقات