إعداد: الدكتور عصام اشويدر الحسني رئيس شبكة الرواد الإلكترونية رئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الفهرس مقدمة: لماذا اسم الرحمن بعد الاسم الأعظم؟ أولاً: في التعريف العلمي باسم «الرحمن» 1. الاسم ومعناه في لسان العرب وعلم اللغة 2. اسم الرحمن في ميزان علماء العقيدة وأهل السنة 3. هل «الرحمن» اسمٌ أم صفة؟ تحقيق المسألة ثانياً: في التأمل والتدبر — الرحمن: الدلالات العميقة وسعة المعنى 1. الرحمن على العرش: لماذا اقترن هذا الاسم بالاستواء دون سواه؟ 2. رحمة الواحد من مائة: وقفة مع الحديث النبوي العظيم 3. سبقت رحمتي غضبي: الأصل في تعامل الله مع خلقه ثالثاً: في الثمرة — انعكاس الاسم على الفرد والمجتمع والأمة 1. انعكاسه على الفرد: من الخوف المجرد إلى المحبة الراسخة 2. انعكاسه على المجتمع: من القسوة إلى التراحم 3. انعكاسه على الأمة في زمن المحن والظلم رابعاً: في الاستحضار العملي — كيف تعيش مع الرحمن؟ 1. في العبادات: تحويل الطقوس إلى حضور 2. في الابتلاء: اسم الرحمن ملاذاً لا هروباً 3. في الحياة اليومية: كل لحظة في حضرة الاسم خاتمة الحضرة الثانية قائمة المراجع
مقدمة: لماذا اسم الرحمن بعد الاسم الأعظم؟ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛ حين وقفتَ في الحضرة الأولى أمام اسم الجلالة «الله»، كان السؤال الكبير الذي تفتّحت له روحك: من تعبد؟ وحين أجبتَ على هذا السؤال معرفةً وتدبراً واستحضاراً، لم يكن ذلك نهاية الطريق، بل كان بداية سؤال أعمق وأدق: وكيف يراك من تعبد؟ فليس كافياً أن تعرف من تعبد إذا ظللتَ تتصوره تصوراً ناقصاً أو خاطئاً، تعبده خوفاً من جبّار أو طمعاً في منفعة، دون أن تعرف الحقيقة العظمى التي تقلب هذه المعادلة رأساً على عقب: أن ربك الذي تعبده رحمن، وأن رحمته سبقت كل شيء وأحاطت بكل شيء ووسعت كل شيء. وقد جاء اسم الرحمن في القرآن الكريم ملاصقاً لاسم الجلالة في أكثر من موضع، بل إن البسملة التي هي مفتاح كل سورة قرنت بين الاسمين الجليلين: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾، وكأن القرآن الكريم يُعلّمنا ألّا نعرف «الله» معرفةً مجردة منفصلة عن رحمته، وألا نفصل بين عظمة الاسم وسعة الرحمة. فمن عرف «الله» ولم يعرف رحمته ظلّ علمه ناقصاً وعبادته مختلّة، كمن يعرف ملكاً بسلطانه دون أن يعرف عطفه ورحمته بمن تحت يده. وفي هذه الحضرة الثانية نقف أمام هذا الاسم العظيم، نستجلي دلالاته ونتدبر مراميه ونسأل: كيف ينعكس استحضاره على حياتنا فردًا ومجتمعًا وأمة؟
أولاً: في التعريف العلمي باسم «الرحمن» 1. الاسم ومعناه في لسان العرب وعلم اللغة الرحمن مشتقٌّ من مادة ر-ح-م، وهي في لسان العرب تدور على معنى الرقة والعطف واللين، وأصلها الرَّحِم وهو الموضع الذي يحمل الجنين ويصونه في أتم العناية وأكملها. ومن هذا الأصل تفرّعت معاني الرحمة كلها، وفيه إشارة عميقة إلى أن الرحمة في أساسها ليست مجرد عاطفة عابرة بل هي حمايةٌ وكنفٌ وصون. وجاء الرحمن على وزن فَعْلان، وهو الوزن الدال على الامتلاء والسعة والغلبة، كغضبان الذي ملأه الغضب وعطشان الذي استولى عليه العطش. فمعنى فَعْلان إذن أن هذا الوصف قد بلغ منتهاه وملأ صاحبه من كل وجه. وعليه فـ«الرحمن» يعني أن الرحمة قد ملأت ذاته سبحانه واستولت عليها وفاضت حتى وسعت كل ما سواه. وقد اختلف العلماء في الرحمن والرحيم: هل هما بمعنى واحد أم بينهما فرق؟ والراجح الذي عليه جمهور المحققين من أهل اللغة والتفسير أن بينهما فرقاً دقيقاً عميقاً: فـالرحمن يدلّ على سعة الرحمة وشمولها وعمومها لكل المخلوقات في الدنيا مؤمنهم وكافرهم، برّهم وفاجرهم، إنسهم وحيوانهم، فلا يخرج عن رحمته الواسعة شيء. أما الرحيم فيدلّ على تكرار الرحمة وتجددها وتخصصها بالمؤمنين في الآخرة، وسيأتي تفصيله في الحضرة الثالثة. وقد أفاد ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد أن الفرق بين الرحمن والرحيم من جهة الصيغة اللغوية أن الرحمن أبلغ وأشد مبالغةً في الرحمة من جهة الكمية والسعة، لأن فَعْلان يدل على الامتلاء، في حين يدل فَعِيل على الثبوت والدوام والتكرار. فالرحمن سعةٌ لا حدّ لها، والرحيم ثبوتٌ لا انقطاع له.
2. اسم الرحمن في ميزان علماء العقيدة وأهل السنة أجمع أهل السنة والجماعة على أن الرحمن اسمٌ خاصٌّ بالله تعالى لا يجوز إطلاقه على غيره إطلاقاً حقيقياً كاملاً، وإن كان قد يُطلق مجازاً على المخلوق بالقدر الذي يليق بضعفه ومحدوديته. وقد دلّ على هذه الخصوصية أن القرآن الكريم حين وصف النبي ﷺ بالرحمة وصفه بـ«الرحيم» لا بـ«الرحمن»، قال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].
وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى أن الرحمن والرحيم اسمان دالّان على الرحمة التي هي من أجلّ الصفات وأعمها نفعاً للخلق، وأن الله تعالى يجب إثباتهما له على الوجه اللائق بجلاله من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل. ويرى العثيمين رحمه الله في القواعد المثلى أن اسم الرحمن من الأسماء التي يصحّ الاشتقاق منها للدعاء به مباشرةً، فيقال: يا رحمن ارحمني. والاسم مما ورد سبعاً وخمسين مرة في القرآن الكريم، ودخول ال التعريف عليه في أكثر المواضع دلالةٌ على أنه علمٌ على الله تعالى أو قريبٌ من العلمية في خصوصيته.
3. هل «الرحمن» اسمٌ أم صفة؟ تحقيق المسألة اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه اسمٌ علم لله تعالى كاسم الجلالة «الله»، يدلّ على ذاته سبحانه بمعنى الرحمة المطلقة الشاملة. وهذا ما رجّحه كثيرٌ من المحققين مستدلّين بأنه لا يُطلق على غيره وأن الفعل يُبنى منه، إذ يُقال: تسمّى بالرحمن. القول الثاني: أنه صفةٌ مشبّهة على وزن فَعْلان كغضبان ، وأنه يدلّ على الصفة لا على الذات. وعلى هذا القول يكون الرحمن والرحيم صفتين لاسم الجلالة. القول الثالث: أنه اسمٌ في حكم الصفة، جامعٌ بين الأمرين: علميةٌ من حيث اختصاصه بالله، وصفةٌ من حيث دلالته على معنى الرحمة. وهذا ما رجّحه ابن القيم رحمه الله حين قال في بدائع الفوائد: إن الرحمن هو العلم الثاني بعد الله تعالى وإن كان بلفظ الصفة. والراجح عند المحققين من أهل السنة أنه اسمٌ علم مع تضمّنه دلالة الصفة، جامعٌ بين الأمرين، وأنه لا تنافي بين كونه علماً وكونه دالاً على معنى وصفي، وهذا من خصائص أسماء الله الحسنى التي تجمع كلها بين العلمية والوصفية.
ثانياً: في التأمل والتدبر — الرحمن: الدلالات العميقة وسعة المعنى 1. الرحمن على العرش: لماذا اقترن هذا الاسم بالاستواء دون سواه؟ يقف المتدبّر مشدوهاً أمام قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]، ويسأل: لماذا اختار الله من بين أسمائه كلها أن يقرن بالاستواء على العرش اسمَ الرحمن تحديداً؟ لماذا لم يقل: الجبار على العرش استوى، أو القهار على العرش استوى، أو العزيز على العرش استوى؟ والجواب الذي يجيب به المحققون هو أن في هذا الاختيار إشارةً بالغة إلى أن السلطة العليا في هذا الكون والتدبير الأعظم لأمور الخلق ليس بيد ربٍّ متسلّط يتربّص بعباده، بل بيد ربٍّ رحمانيٍّ يدير شؤونهم من منطلق الرحمة. قال السعدي رحمه الله في تيسير الكريم الرحمن: كان ذكر الرحمن مع العرش في غاية المناسبة، لأن العرش أعظم المخلوقات وقد أحاطت رحمته بكل ما دونه. ففي هذه الآية جمعٌ بين أعظم مظاهر السلطة الكونية، وهو العرش والاستواء، وبين أشمل صفات العطاء الإلهي، وهو الرحمن. وكأن المعنى يقرّر لك يا عبد الله: إن كنت تنظر إلى هذا الكون الواسع وتسأل من يُدبّره وكيف يُدبّره، فاعلم أنه رحمانٌ يُدبّره، وأن تدبيره له تدبيرُ رحمةٍ لا تدبير قهر.
2. رحمة الواحد من مائة: وقفة مع الحديث النبوي العظيم قال ﷺ: "إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمةً واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تَعطف الوحشية على ولدها، وأخّر تسعاً وتسعين رحمةً يرحم بها عباده يوم القيامة" [متفق عليه]. تأمّل في هذا الحديث مليّاً: كل ما تراه في هذا الكون من تراحم وعطف وتكاتف، من عطف الأم على وليدها إلى تراحم الناس فيما بينهم إلى عطف البهيمة على صغيرها في برّ قاحل، كل ذلك كله من رحمةٍ واحدة من مائة. ثم تسأل نفسك: كيف تكون التسع والتسعون التي ادّخرها لعباده يوم القيامة؟ وهنا تعجز اللغة وتنحني العقول وتذوب القلوب في محبة ربٍّ هذا وصفه. وفي هذا الحديث ردٌّ بليغ على كل من يتصور الله تصوراً جافاً بارداً لا رحمة فيه ولا عطف. فالذي خلق هذه الرحمة الكونية الواسعة التي تحكم علاقات المخلوقات كلها، ادّخر لعباده المؤمنين تسعاً وتسعين من مثلها. 3. سبقت رحمتي غضبي: الأصل في تعامل الله مع خلقه في الحديث القدسي الذي رواه البخاري ومسلم قال الله تعالى: "إن رحمتي سبقت غضبي" . وفي رواية أخرى: "غلبت رحمتي غضبي" . وفي هذه الكلمة النبوية القدسية الموجزة كنزٌ عظيم لمن تدبّره وأحسن استحضاره. فالله تعالى يُخبرنا أن الأصل في تعامله مع خلقه هو الرحمة، وأن الغضب إنما يطرأ بسبب ما يجترحه العبد من معصية وإعراض. أما الرحمة فهي السابقة الأصيلة التي لا تحتاج إلى سبب لتنهمر، بل تحتاج أحياناً إلى أسباب تردّها. وهذا يعني أن العبد حين يُقبل على الله يُقبل على ربٍّ رحمتُه إليه أسبق من خطواته إليه. وما أجمل أن تعيش بهذا الإدراك: أنك حين تتوجّه إلى الله تتوجّه إلى رحمةٍ قد سبقتك وفتحت لك الباب قبل أن تطرقه.
ثالثاً: في الثمرة — انعكاس الاسم على الفرد والمجتمع والأمة 1. انعكاسه على الفرد: من الخوف المجرد إلى المحبة الراسخة إن أعمق أثرٍ يُحدثه استحضار اسم الرحمن في نفس العبد هو تحويل طبيعة علاقته بربه من علاقة الخائف المرتعب إلى علاقة المحبّ الراجي. ليس معنى ذلك أن الخوف من الله مذمومٌ، فالخوف عبادةٌ عظيمة ومقامٌ جليل، لكن الخوف وحده دون الرجاء المنبثق من معرفة الرحمن يُفضي إلى علاقة مشوّهة بالله لا تُنتج عبوديةً حقيقية. فالذي يعبد الله خوفاً محضاً دون أن يستحضر رحمته يشبه عبد السوء الذي يخدم سيده خشيةً من العقوبة لا حبّاً وانتماءً. أما الذي يجمع الخوف مع الرجاء المنبثق من استحضار الرحمن، فيعبد الله عبادة المحبّ الذي يخشى الفراق ويرجو الوصال. وقد قال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين إن القلب في سيره إلى الله كالطائر جناحاه المحبة والخوف ورأسه الرجاء. وحين يُذنب العبد ويُسرف على نفسه، فإن أول ما يُعينه على العودة والنهوض هو أن يستحضر هذا الاسم العظيم. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53]. والمعنى عميقٌ دقيق: من استحضر الرحمن لم ييأس، ومن يئس لم يستحضر. فاليأس من رحمة الله دليلٌ على الجهل باسم الرحمن، وليس مجرد ضعف في الإرادة. وأما المبتلى الذي تضيق به الأسباب وتستغلق في وجهه الأبواب، فإن استحضار الرحمن يُعلّمه أن بلاءه ذاته لا يخرج عن عين الرحمة، لأن الله لا يُدير أمر عبده المؤمن إلا بعين الرحمة والعناية حتى حين يُؤلمه، كما أن الطبيب الرحيم لا يُقدم على إيلام المريض بالجرح والدواء المرّ إلا رحمةً به وإرادةً لشفائه.
2. انعكاسه على المجتمع: من القسوة إلى التراحم إن المجتمع الذي يعرف ربه رحماناً تتغير فيه طبيعة العلاقات الاجتماعية من أساسها. فالأب الذي يستحضر أن ربه رحمانٌ يَسَع عبادَه، يتعلّم أن يسع أبناءه في أخطائهم وعثراتهم. والمعلم الذي يستحضر رحمة الله الواسعة لا يضيق بطالبٍ متعثّر ولا يُقنطه من التقدم. والزوج الذي يعرف ربه رحماناً يُدرك أن التراحم في العلاقة الزوجية ليس ضعفاً بل هو عبادةٌ وانعكاسٌ لمعرفة الاسم. قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]. والمجتمع الذي يغيب عنه استحضار هذا الاسم يتحوّل تدريجياً إلى مجتمع القسوة والأنانية المطلقة، حيث لا يرحم فيه قويٌّ ضعيفاً ولا غنيٌّ فقيراً ولا عالمٌ جاهلاً. ولذلك حين أراد النبي ﷺ أن يُرسي قاعدة التراحم الاجتماعي ربطها بمصدرها الأعلى مباشرةً: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" [أبو داود والترمذي]. فالرحمة في المجتمع ليست مبادئ إنسانوية مجرّدة بل هي انعكاسٌ لمعرفة ربٍّ رحمان.
3. انعكاسه على الأمة في زمن المحن والظلم إن أمةً تستحضر أن ربها رحمانٌ لا تُدير صراعاتها الداخلية بمنطق الإبادة والإقصاء، بل بمنطق الإصلاح والتراحم. وحين تواجه الأمة أعداءها لا تنطلق من منطق الكره المجرد، بل من منطق الحرص على إخراج الناس من الظلمات إلى النور، لأنها تعلم أن ربها رحمانٌ يريد للناس الرحمة لا العذاب. وحين تمرّ الأمة بمحنها وتضيق بها الأرض بما رحبت وتتكالب عليها الأمم، فإن استحضار الرحمن هو أعظم سلاح في وجه اليأس الجماعي القاتل. فالأمة التي تعرف أن ربها رحمانٌ لم يتخلّ عنها ولم ينسَها ولم تنقطع رحمته عنها حتى في أحلك محنها، هي أمةٌ تملك من طاقة النهوض والصمود ما لا تملكه الأمة التي تعيش يُتماً روحياً. قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ۖ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ [الكهف: 58].
رابعاً: في الاستحضار العملي — كيف تعيش مع الرحمن؟ 1. في العبادات: تحويل الطقوس إلى حضور إن أعظم ما يُحوّل العبادات من طقوس آليّة إلى حضورٍ حيّ هو أن تستحضر في كل افتتاحٍ لصلاتك حين تقول بسم الله الرحمن الرحيم أنك لا تقرأ عبارةً مكررةً بل تُعلن وقوفك في حضرة ربٍّ رحمانيّ يعلم عجزك ويرى انكسارك ويرحم ضعفك قبل أن تُتمّ وقوفك. فإذا استحضرتَ ذلك تحوّلت صلاتك من أداء واجبٍ إلى مناجاة محبوب. وفي القرآن الكريم حين تتلو سورة الفاتحة وتقرأ ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ فاجعل قلبك يُدرك أنك تصف ربك الذي تقف بين يديه، ثم تقرأ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وقد امتلأ قلبك بالرحمة وارتوى من الرجاء، فيكون إقبالك على الاستعانة إقبال المطمئن لا المرتعب.
2. في الابتلاء: اسم الرحمن ملاذاً لا هروباً ثمة فرقٌ جوهريٌّ بين من يلجأ إلى اسم الرحمن في ابتلائه هروباً من الألم طالباً رفعه فحسب، وبين من يلجأ إليه ملاذاً يجد فيه الطمأنينة في وسط الألم قبل رفعه. الأول يتعامل مع الرحمن تعامل من يريد الإفلات، والثاني يتعامل معه تعامل من يريد الوصول. فإذا اشتدّت البلوى وضاقت الأسباب، فلا تدعُ الرحمن دعاءَ المطالب المُلحّ فحسب، بل ادعُه أولاً دعاءَ العارف المُقرّ: يا رحمن أنت أعلم بحالي وأعلم بما يصلحني وأرحم بي من نفسي، فإن كان رفع هذا البلاء رحمةً بي فارفعه، وإن كان إبقاؤه رحمةً بي فأعنّي على تحمّله. فحين تدعو الرحمن بهذا الإدراك لا يعود الابتلاء سجناً ويصبح مدرسةً. 3. في الحياة اليومية: كل لحظة في حضرة الاسم اجعل من تأمّل النعم المجانية — تلك التي لم تسعَ إليها ولم تطلبها — مدخلاً يومياً لاستحضار الرحمن. فكل نفسٍ تنفّستَه دون أن تُقرّره، وكل ضربة قلب لم تأمر بها، وكل ضوء صبحٍ رُزقتَه دون أن تشتريه، هي آثارٌ مباشرة من آثار الرحمن. فإذا استيقظتَ فابدأ يومك بلحظة تأمّل قصيرة: ما الذي أعطانيه الرحمن اليوم دون أن أسأل؟ وستجد أن القائمة لا تنتهي. وأكثر من الدعاء باسم الرحمن مباشرةً: "يا رحمن ارحمني" . فهذا الدعاء القصير العميق جمعٌ بين التوسّل بالاسم وطلب أثره. وقد روى الإمام مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ كان يعلّم من أسلم أن يقول: "اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني". ويُسنّ للمسلم قوله في الجلسة بين السجدتين والرحمة هنا ليست مجرد طلب الغفران، بل طلب أن يكون المرء في دائرة الرحمن وكنفه في كل أحواله.
خاتمة الحضرة الثانية ﴿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 163] جمع الله في هذه الآية بين أصلين عظيمين لا يكتمل الإيمان إلا بهما معاً: التوحيد والرحمة. فكأن القرآن الكريم يُقرّر لك أن معرفة إلهك الواحد لا تصحّ إلا مقرونةً بمعرفة رحمته الواسعة، وأن من عرف التوحيد ولم يعرف الرحمن عرف نصف الحقيقة ووقف دون كمالها. ما أجمل أن تعيش وأنت تعلم أنك في حضرة ربٍّ رحمان يراك رؤيةً لا يُشاركه فيها أحد، ويعلم حالك علماً لا يخفى عليه منه شيء، وقد أحاطت رحمته بك من قبل أن تُولد وستظل تُحيط بك ما دمتَ تسير إليه. فإذا سألك أحدٌ يوماً: ما الذي يجعلك تمضي ولا تيأس وتصمد ولا تنكسر؟ فأجبه: أنا في حضرة الرحمن. قال ابن القيم رحمه الله: "من عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبّه لا محالة، وكلما كان العلم بالله أعظم كانت المحبة له أعظم". فاستحضار الرحمن ليس مجرد معلومة عقدية تُسجَّل في الذهن، بل هو تحوّلٌ في القلب يُفضي إلى محبةٍ أعمق وتوكّلٍ أوثق وعبوديةٍ أرسخ. فاللهم يا رحمن ارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء، وأدخلنا في كنف رحمتك التسع والتسعين التي ادّخرتَها لعبادك المؤمنين، واجعلنا ممن عرفوك بهذا الاسم معرفةً تُحوّل حياتهم وترفع هممهم وتُقيم قلوبهم على الصراط المستقيم.
قائمة المراجع 1. القرآن الكريم 2. ابن القيم — بدائع الفوائد، مدارج السالكين، الوابل الصيّب 3. ابن تيمية — مجموع الفتاوى 4. السعدي — تيسير الكريم الرحمن، القواعد الحسان 5. العثيمين — القواعد المثلى في أسماء الله الحسنى وصفاته العلى 6. الحمد — معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى 7. ابن منظور — لسان العرب 8. ابن كثير — تفسير القرآن العظيم 9. الطبري — جامع البيان في تأويل القرآن 10. Frankl — Man's Search for Meaning 11. Seligman — Learned Optimism 12. Reivich & Shatte — The Resilience Factor
بإذن الله تعالى الحضرة القادمة: الرحيم — كيف يعاملك في خصوصية العلاقة؟
اكتب مراجعة عامة