إن البيت المسلم هو مشروع رباني غايته توريث الدين وإقامة منهج الله في الأرض.
هذه الحقيقة تتجلى بأبهى صورها في سورة مريم، تلك السورة التي حملت اسم امرأة اصطفاها الله وجعلها آية للعالمين، في إشارة واضحة لدور المرأة الأساسي في التربية.
هذه التربية تقوم بالأساس على الرحمة فتنتج الذرية الصالحة التي تحمل همَّ الدعوة من بعد آبائها.
وهنا تبرز رحمة الله التي تجلت في هذه السورة بشكل لم يرد في غيرها، فقد ورد اسم الله "الرحمن" في سورة مريم ستة عشرة مرة، أي ثلث ما ورد في القرآن كله تقريباً.
وهذا التكرار ليس عبثاً، بل لنفهم أن كل شيء في الوجود إنما هو برحمة الله، وأن البيوت إنما تقوم على رحمته أولاً ثم على تراحم أهلها فيما بينهم.
والرحمة التي يضمرها الله لعباده أوسع وأعظم مما يتخيلون، فمن رحمته إرسال الرسل، وإنزال الكتب، ومن رحمته جعل في قلوب الآباء حناناً على الأبناء، وفي قلوب الأبناء براً بوالديهم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه."
والمتأمل في سورة مريم يجد أن قصص الأنبياء فيها ليست مجرد حكايات، بل هي نماذج للبيوت التي قامت على الرحمة.
لقد ضربت السورة المثل الأعلى في غاية الأبوة المسلمة من خلال دعاء نبي الله زكريا عليه السلام،
فلم يكن همه أن يرزقه الله ولداً ليقضي وطراً أو يشبع رغبة، بل كانت همته أعلى وأجلّ:
أن يرثه الولد في النبوة والدعوة، ويحمل الأمانة من بعده.
إن هذا الدعاء يضع الأسرة المسلمة أمام مسؤوليتها الكبرى: أن الأولاد ليسوا للتفاخر، بل هم أمانة مستودعة، والغاية فيهم تحصيل مرضاة الله، هم حملة رسالة، يرثون الدين ويحفظونه من التحريف والضياع.
وهذه مريم عليها السلام، ابتلاها الله بأعظم اختبار، حملت بولد من غير أب، وواجهت وحدها اتهامات قومها، فانتبذت مكاناً قصياً وتمنت الموت لشدة ما أصابها.
لكن الرحمة الإلهية كانت أسرع إليها، فناداها من تحتها الملك أو ابنها عيسى عليه السلام: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 24-25]
إنها رحمة من الله التي تخترق قوانين الأسباب لتجعل الرطب يتساقط بهزة جذع النخلة من امرأة نفساء أشد ما تكون ضعفاً، وتجعل الماء يجري من تحت قدميها.
وهذا درس لكل أسرة مسلمة: أن الرحمة الإلهية لا تتخلى عن أهلها مهما اشتدت المحن، وأن المرأة الصالحة حين توكل أمرها لله، يجعل لها من كل ضيق مخرجاً.
ثم تأتي رحمة الله بذلك الولد الذي جعله الله نبياً ورحمة للناس، فجعله براً بوالدته، وجعله متواضعاً غير جبار ولا شقي.
يقول تعالى على لسان عيسى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: 32]
وهي نفس الصفة التي أثنى الله بها على يحيى ابن زكريا: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: 14]
إن هذا الربط بين النبوة والبر بالوالدين يؤكد أن بناء البيت المسلم على الرحمة لا يكتمل إلا ببر الأبناء بآبائهم، وحينئذٍ يكون البيت جنّة مصغرة، يعمه الحب والخضوع لله، ويسوده الأمن والطمأنينة.
وفي قصة إبراهيم عليه السلام نرى رحمته بأبيه حتى مع شدة كفره، يقول تعالى: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: 47]
ومن صور الرحمة التي يحبها الله الحرص على الصلاة، فهذا إسماعيل عليه السلام أثنى عليه الله قائلاً: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: 54-55]
ومن صور الرحمة السعي للنفع بين الإخوة، فلا أنفع من موسى لأخيه هارون، حيث دعا له بأن يكون نبياً ومعيناً له،
وقد استجاب الله لدعائه، وأخبره بأن سؤاله قد أعطيه، فكان هارون نبياً يشاركه الحمل الثقيل للرسالة، وهذه رحمة عظيمة أن يجعل الله للأخ في أخيه عوناً وسنداً.
كل هذه النماذج تؤكد أن البيوت المسلمة إنما تُبنى بالرحمة، وتنمو بالرحمة، وتستمر بالرحمة.
ورحمة الآباء بالأبناء التي لا تقتصر على إطعام الجسد وكسوته، بل تمتد إلى غرس الإيمان في القلب، وتعليم القرآن، وحمل هم الدعوة.
ورحمة الأبناء بالآباء التي لا تقف عند طاعتهما، بل تصل إلى سؤال الرحمة لهما بعد الموت، والدعاء لهما بالمغفرة.
إن السورة التي سميت باسم مريم، تلك المرأة التي جمعت بين أقصى درجات البلاء وأعلى مراتب الاصطفاء، تخبر كل أسرة مسلمة أن الرحمة ليست ضعفاً ولا ليناً مذموماً، بل هي قوة عظيمة بها تُفتح القلوب، وتُحل العقد، وتُقام المجتمعات.
وهي من أعظم أسباب استمطار الرحمات في البيوت، فالبيت الذي يقام على الرحمة بيت مرحوم،
قال صلى الله عليه وسلم: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" [رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني].
تختم السورة ببشرى عظيمة في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96]
يقول السعدي: "أي: محبة وودادا في قلوب أوليائه، وأهل السماء والأرض،
وإذا كان لهم في القلوب ود تيسر لهم كثير من أمورهم وحصل لهم من الخيرات والدعوات والإرشاد والقبول والإمامة ما حصل،
ولهذا ورد في الحديث الصحيح: "إن الله إذا أحب عبدا، نادى جبريل: إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض"
وإنما جعل الله لهم ودا، لأنهم ودوه، فوددهم إلى أوليائه وأحبابه".
فبيت الرحمة هو بيت المحبة، وهو بيت مرحوم تسعد فيه الأسرة في الدنيا والآخرة.
اكتب مراجعة عامة