الشبكة
الخوف الوجودي وصناعة الأسطورة
نظرية إدارة الإرهاب الوجودي وتطبيقاتها على المشروع الصهيوني الاستيطاني
تحليل نفسي وشرعي وتاريخي مقارن
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمْ ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ﴾
(سورة المائدة، الآية 18)كتبه : الاستاذ الدكتور عصام اشويدر
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية
ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
الملخصتنطلق هذه الدراسة من مقاربة تحليلية مزدوجة: تستدعي نظرية إدارة الإرهاب الوجودي (Terror Management Theory) التي وضعها سولومون وغرينبرغ وبيسزتشينسكي، وتُطبّقها أداةً تفسيرية على المشروع الصهيوني الاستيطاني ، لا من باب التبسيط أو الاختزال، بل من باب الكشف: إذ يُتيح هذا الإطار النفسي تفسيراً عميقاً للآليات التي يُوظّفها هذا المشروع في بناء هويته وتبرير وجوده وحشد أتباعه.
تتناول الدراسة ثلاثة محاور متكاملة: التحليل النفسي لآليات توظيف الخوف الوجودي في الأيديولوجيا الصهيونية، والتحليل الشرعي والتاريخي لحقيقة الادعاءات الدينية التي يستند إليها هذا المشروع، ثم الموقف الذي يُمليه الشرع والعقل معاً ، موقفاً ليس نابعاً من العاطفة بل مستخلصاً بالضرورة من التحليل.
«تجدر الإشارة إلى أن نظرية TMT وُظِّفت في سياقات ما بعد الحادي عشر من سبتمبر توظيفاً انتقائياً ركّز على ما أسموه الظاهرة الإسلامية دون سواها، مما حوّل بعض تطبيقاتها من أداة علمية محايدة إلى خطاب ثقافي حاقد يُغذّي الإسلاموفوبيا ، وهو نقد وجّهه باحثون غربيون أنفسهم. ونحن هنا نستعيد هذا الإطار بأمانة منهجية، مُطبِّقينه على الأيديولوجيا الصهيونية الاستيطانية بالمعايير ذاتها التي طُبِّق بها على غيرها ، لا استثناءً ولا محاباةً.»
الكلمات المفتاحية: نظرية إدارة الإرهاب الوجودي، الصهيونية، الاستيطان، الخوف الوجودي، التوظيف الديني، الأيديولوجيا، التحليل النفسي.
المحور الأول: نظرية إدارة الإرهاب الوجودي ؛ العرض والتأسيس
أولاً ؛ النظرية في سياقها العلمي
طوّر كلٌّ من جيف سولومون وشيلدون غرينبرغ وتوم بيسزتشينسكي عام 1986م نظريةً نفسية اجتماعية تُعدّ من أكثر النظريات المعاصرة قدرةً على تفسير الظواهر الدينية والأيديولوجية والسياسية. انطلقت النظرية من فيلسوف وعالم النفس الأمريكي إرنست بيكر (Ernest Becker) وكتابه الشهير «إنكار الموت» (The Denial of Death, 1973) الذي يرى فيه أن الخوف من الموت والفناء هو المحرّك الخفي للجزء الأكبر من السلوك البشري الفردي والجماعي.
تقوم النظرية على فرضية جوهرية: الإنسان الكائن الوحيد الذي يُدرك حتمية موته، وهذا الإدراك يُولّد رعباً وجودياً عميقاً لو بقي مكشوفاً لشلّ الفاعلية الإنسانية كلياً. ولذلك يلجأ البشر إلى آليتين دفاعيتين:
• الدرع الثقافي (Cultural Anxiety Buffer): المنظومة الفكرية والدينية والأيديولوجية التي تمنح الإنسان الشعور بأنه جزء من كيان أكبر يتجاوز وجوده الفاني ، أمة، دين، قومية، حضارة.
• تقدير الذات (Self-Esteem): الشعور بأن للإنسان قيمةً ومكانةً في هذا الكيان الأكبر، مما يُخفّف من حدة الخوف الوجودي.
أثبتت عشرات الدراسات التجريبية أنه حين يواجه الناس تذكيراً بموتهم (Mortality Salience)، يُظهرون ردود فعل قابلة للقياس: يزيد تمسّكهم بمجموعتهم الهوياتية، ويشتدّ عدائهم تجاه «الآخر» المختلف، ويتصاعد استعدادهم لدعم العنف دفاعاً عن منظومتهم الثقافية والدينية.
ثانياً ؛ الأيديولوجيا بوصفها درعاً وجودياً
تُطوّر نظرية TMT فكرة أن الأيديولوجيات — الدينية والقومية والسياسية — لا تُستمدّ قوّتها الحقيقية من إقناعها المنطقي بل من وظيفتها الوجودية. وهذا يُفسّر ظواهر عديدة يعجز التحليل العقلاني وحده عن تفسيرها:
• لماذا يُقاوم الناس الأدلة الدامغة التي تُفنّد قناعاتهم ، لأن تلك القناعات درعهم الوجودية لا مجرد آراء فكرية.
• لماذا يشتدّ التعصب في أوقات الأزمات والتهديدات ، لأن الخوف الوجودي يتصاعد فيُحكم الناس قبضتهم على دروعهم الثقافية.
• لماذا يُبدي المتعصبون دينياً وقومياً انزعاجاً شديداً من وجود
« الإسلام» حتى حين لا يُمثّل تهديداً مادياً ، لأن مجرد وجوده يُشكّك في صحة درعهم الوجودي.
المحور الثاني: التحليل النفسي ؛ توظيف الخوف الوجودي في المشروع الصهيوني
أولاً ؛ الصهيونية بوصفها درعاً وجودياً جماعياً
إذا أردنا تطبيق إطار TMT على الأيديولوجيا الصهيونية، فإننا نجد توافقاً نادراً بين مقتضيات النظرية وآليات عمل هذا المشروع. فالصهيونية لم تنشأ أساساً بوصفها حركةً دينية بل سياسية قومية علمانية ، غير أنها وجدت في التوظيف الديني أعمق درع وجودي يُمكن استدعاؤه لحشد الأتباع ودرء الاعتراضات.
يقول مؤسس الصهيونية السياسية تيودور هرتزل صراحةً في يومياته: «سنستخدم رجال الدين في الطليعة دون أن نجعلهم يقودون» وهو توظيف براغماتي واضح للمرجعية الدينية لأداء وظيفة نفسية اجتماعية: إضفاء الشرعية الإلهية على مشروع استيطاني وتحويله من مشروع سياسي إلى ضرورة وجودية مقدسة.
«الدولة اليهودية ستكون ظاهرة عالمية معجزة... سنُعطي الحاخامين شرفاً أكبر مما ينالونه اليوم لكننا لن نسمح لهم بالتدخل في شؤون الدولة.»تيودور هرتزل — يوميات هرتزل، 1895
ثانياً ؛ المكونات النفسية الخمسة في الأيديولوجيا الصهيونية
المكوّن الأول: الصدمة التاريخية بوصفها محرّكاً للدرع الوجودي
يُقرّ علم النفس الاجتماعي بأن الجماعات التي تعرضت لصدمات تاريخية حقيقية تميل إلى توظيف تلك الصدمات دفاعاً وجودياً دائماً. والمحرقة النازية ، والتي وثقت على أنها جريمة بشرية -التاريخ يكتبه المنتصرون- وُظِّفت في الخطاب الصهيوني توظيفاً مزدوجاً: كسرد وجودي يُبرّر كل ما يأتي بعده، وكدرع مناعية تُشلّ كل نقد بوصفه بذرةً للعنصرية.
يُسمّي عالم النفس الأمريكي نورمان فينكلشتاين (Norman Finkelstein) — وهو نفسه من أبناء ناجين من المحرقة — هذه الآلية «صناعة المحرقة» (The Holocaust Industry)، ويُثبت في كتابه الصادر عام 2000م كيف يُحوَّل الألم التاريخي إلى أداة سياسية وابتزازية ، وهو توظيف يسيء إلى ذاكرة الضحايا الحقيقيين قبل أن يُسيء إلى غيرهم.
المكوّن الثاني: الهوية المحاصرة ، «شعب يسكن وحده»
من أشد الآليات النفسية توافقاً مع نظرية TMT في الخطاب الصهيوني: ترسيخ صورة الهوية المحاصرة والمهددة باستمرار. فالعالم كله يُصوَّر بوصفه معادياً في جوهره، والسلام الدائم وهمٌ، والتهديد الوجودي حاضر دائماً خلف كل تسوية.
هذه الصورة ذاتها تُنتج نفسياً ما يُسمّيه الباحثون «التحصين الهوياتي» (Identity Fortification): كلما اشتدّ الشعور بالتهديد الخارجي، ازداد الناس تمسّكاً بهويتهم الجماعية، وتضاءل نقدهم الداخلي، وانعدمت مراجعتهم الذاتية. وهو ضبط نفسي اجتماعي بالغ الدقة يُقيّد العقل الفردي ويُذيبه في الهوية الجماعية.
المكوّن الثالث: التقدّس ، تحويل المشروع السياسي إلى ضرورة إلهية
الأشد خطورةً في توظيف الدرع الوجودي الصهيوني: ما يُسمّيه المحللون «التقديس السياسي» (Political Sacralization) أي تحويل القرارات السياسية والممارسات العسكرية إلى مقتضيات دينية مقدسة لا تقبل المراجعة.
حين يُصبح الاستيطان «وعداً إلهياً»، وحين يُصبح التوسع «إرادة السماء»، وحين يُصبح الاعتراض على ذلك «تجديفاً» أو «عداءً للسامية» ، فإن الأيديولوجيا قد أتمّت عملها النفسي الأشد حصانةً: جعلت الدرع الوجودي مُقدَّساً فأصبح فوق النقد.
المكوّن الرابع: نرجسية الاختيار ، «الشعب المختار»
استدعت الأيديولوجيا الصهيونية مفهوم «الشعب المختار» لتُضخّ فيه معنىً يتجاوز التفسير الديني إلى منح أتباعها شعوراً بتقدير الذات الجمعي الذي تُثبت نظرية TMT أنه الركيزة الثانية للدرع الوجودي. فحين يشعر الفرد بأنه جزء من شعب مُختار لمهمة كونية، يُرسَم الفناء الفردي في سياق مشروع إلهي لا ينتهي — وهو بالضبط ما تصفه النظرية بالرمزية الخلودية (Symbolic Immortality).
ومن المفارقات الجوهرية أن هذا المفهوم الديني استُخدم من قِبل زعماء الصهيونية العلمانيين الذين لم يؤمنوا بالتوراة أصلاً ، كهرتزل وبن غوريون وبيغن ، توظيفاً انتقائياً براغماتياً يُعرّيه من كل جوهره الديني الحقيقي (ببطلانه طبعا) ويُبقي منه الوظيفة النفسية الاجتماعية فحسب.
المكوّن الخامس: إلغاء الآخر ، شرط الدرع الوجوديتُثبت نظرية TMT أن أشد لحظات الدرع الوجودي هشاشةً هي اللحظة التي يُدرك فيها أصحابها حضور «آخر» ينفي روايتهم ويُكذّبها بمجرد وجوده. وهنا تصبح إقامة «الآخر» في أرضه، بتاريخه، بهويته ،تهديداً وجودياً مباشراً لا يُحتمل.
يُفسّر هذا الإطار ما عجز كثيرون عن تفسيره: لماذا يُصرّ المشروع الصهيوني على إلغاء الرواية الفلسطينية ومحو الهوية والذاكرة وليس الاكتفاء بإدارة الأرض سياسياً؟ لأن الرواية الفلسطينية الحية نقيضٌ وجودي لا يُطاق ، إذ يعني بقاؤها أن الرواية الصهيونية غير مُكتملة، وأن الدرع الوجودي مُثقَّب.
المحور الثالث: التحليل الشرعي والتاريخي ︎نقد الادعاءات الدينية
أولاً ؛ حقيقة «الأرض الموعودة» في ميزان العلم الشرعي
يستند المشروع الاستيطاني إلى ادعاء ديني باطل جوهري: أن الله وعد بني إسرائيل بأرض كنعان وعداً أبدياً غير مشروط. والناظر في هذا الادعاء من منظور شرعي إسلامي يجد أن القرآن الكريم أبطله من عدة وجوه:
الوجه الأول: الوعد مشروط لا مطلق
دلّت نصوص القرآن الكريم أن ما أعطي لبني إسرائيل من تمكين في الأرض كان مشروطاً بالإيمان والطاعة، وليس حقاً مطلقاً أبدياً. قال الله تعالى:
﴿
وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾(سورة الإسراء، الآية 4-5)
يُبيّن السعدي في تفسير هذه الآيات أن التمكين في الأرض كان مقيّداً بالصلاح، فلما أفسدوا سُلّط عليهم، ولما أصلحوا أُعيدت لهم الكرّة، وهذا نظام سببي إلهي لا وعد عرقي مطلق.
الوجه الثاني: القرآن يكشف الادعاء الباطل صريحاً
ردّ القرآن الكريم صريحاً ادعاء التخصيص العرقي الإلهي: ﴿
وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمْ ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ﴾(سورة المائدة، الآية 18)
قال ابن كثير في تفسيره: «يُخبر تعالى عن افتراء اليهود والنصارى... ردّ الله عليهم بقوله: ﴿
بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ﴾ أي: لستم بذلك، بل أنتم عبيد مِن جملة العبيد، يُعاملكم بما تستحقون». والآية تُفكّك الادعاء من الداخل: إذا كنتم أبناء الله حقاً أفيُعذّب الأب أبناءه بذنوبهم؟
الوجه الثالث: الأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين
قرّر القرآن الكريم مبدأً كونياً يُفنّد دعوى التخصيص العرقي:
﴿
وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾(سورة الأنبياء، الآية 105)
المعيار: الصلاح ، لا العرق ولا النسب ولا الادعاء. وهو مبدأ عادل يسري على الجميع بمن فيهم المسلمون أنفسهم ، فلا أمة تمتلك الأرض بالوراثة الدموية بل بالأهلية الأخلاقية والحضارية.
ثانياً ؛ التحريف والانقطاع: ردّ الادعاء التاريخي
فضلاً عن البطلان الشرعي، يواجه الادعاء الصهيوني بطلاناً تاريخياً مزدوجاً:
البطلان الأول: التحريف
أثبت القرآن الكريم أن التوراة طالها التحريف والتبديل:
﴿
فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾(سورة المائدة، الآية 13)
ومن ثمّ فإن الاستناد إلى نصوص التوراة الحالية لاستخراج حقوق سياسية على أرض بعينها استنادٌ إلى وثيقة غير موثوقة نقدياً من منظور الشريعة الإسلامية ، وهذا قبل النقاش التاريخي.
البطلان الثاني: الانقطاع التاريخي وسؤال الهوية
يطرح المؤرخون ، ومنهم مؤرخون إسرائيليون كشلومو ساند في كتابه «اختراع الشعب اليهودي» ، تساؤلات جوهرية حول العلاقة الجينية والهوياتية بين يهود أوروبا الأشكناز الذين أسسوا الدولة وبين العبرانيين القدامى. والدراسات الجينية الحديثة تُثبت أن نسبة كبيرة من يهود اليوم يعودون في أصولهم إلى شعوب تهوّدت في مناطق الخزر وجنوب أوروبا والشمال الأفريقي مما يُعيد فتح سؤال: من هو «الشعب» الذي يُطالب بـ«وطنه»؟
وفي المقابل: الفلسطينيون أبناء الأرض الذين لم تنقطع إقامتهم فيها وعدد كبير منهم من نسل من اعتنق الإسلام من السكان الأصليين ، يُمثّلون استمرارية حضارية وبشرية أعمق وأوثق من الاستمرارية التي يدّعيها المشروع الاستيطاني.
ثالثاً ؛ الموقف الشرعي من الاحتلال والاستيطان
لا خلاف بين أهل العلم في أن الأرض المحتلة بالقوة لا تُملَك بالاحتلال، وأن إزالة الظلم عن أصحاب الحق واجب شرعي نقول لهذا الكلام للسذج من أبناء هذه الأمة . وقد قرّر الفقهاء قاعدةً راسخة:
«الأرض لا تُملَك بالقهر والغلبة في الشريعة الإسلامية، والاستيلاء بالقوة لا يُنشئ حقاً مشروعاً.»ابن القيم الجوزية الطرق الحكمية في السياسة الشرعية.
ومما تقرر وجوب دفع الصائل (جهاد الدفع) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين واجب إجماعاً، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط -كالزاد والراحلة- بل يدفع بحسب الإمكان". مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية.
ومن نصوص المذاهب الأربعة
١. الحنفية:
يقول الإمام ابن عابدين رحمه الله: "وفرض عين إن هجم العدو على ثغر من ثغور الإسلام فيصير فرض عين على من قرب منه... وثم وثم إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقاً وغرباً". المرجع: حاشية ابن عابدين (رد المحتار على الدر المختار).
٢. المالكية:
يقول الإمام الدسوقي رحمه الله: "ويتعين الجهاد بفجء العدو.. ويخرجون ولو منعهم الولي والزوج ورب الدَّين"المرجع: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير.
٣. الشافعية:
يقول الإمام الرملي رحمه الله: "فإن دخلوا بلدة لنا... فيلزم أهلها الدفع حتى من لا جهاد عليهم، من فقير وولد وعبد ومدين وامرأة".المرجع: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج.
٤. الحنابلة:
يقول الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله: "إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم" المرجع: المغني، لابن قدامة المقدسي.
تقرير الإجماع القطعي
يقول الإمام الجصاص رحمه الله: "معلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو... فإن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين، وهذا لا خلاف فيه بين الأمة، إذ ليس من قول أحد من المسلمين إباحة القعود عنهم حتى يستبيحوا دماء المسلمين وسبي ذراريهم". المرجع: أحكام القرآن، للإمام الجصاص.
بهذا التوثيق، يتأكد أن ما ذكرته ليس مجرد كلام عابر، بل هو من صميم أقوال الأئمة المعتبرين، ومنقول من كتبهم بألفاظهم، وعليها مدار الفتوى والعمل عند أهل العلم.
المحور الرابع: التركيب — ماذا تقول النظرية والشريعة معاً؟
أولاً ؛ ما يكشفه التحليل النفسي
يُقدّم إطار TMT قيمةً تفسيريةً عالية لفهم المشروع الصهيوني ، غير أنه لا يُقدّم حكماً أخلاقياً عليه. ما يكشفه هو:
• أن القوة الأساسية التي تحرّك الأتباع ليست الإقناع العقلاني بل الحاجة الوجودية إلى الانتماء والمعنى والخلود الرمزي.
• أن الدين وُظِّف فيه توظيفاً انتقائياً براغماتياً لا ينبع من إيمان حقيقي بمقتضياته وان كان باطلا ، وهو توظيف يُفسّر لماذا يُدافع عنه المؤمنون والعلمانيون بنفس الحدة.
• أن إلغاء «الآخر» ونفي روايته ليس ترفاً سياسياً بل ضرورة وجودية للحفاظ على سلامة الدرع النفسي الجمعي.
• أن التفكيك الحقيقي لهذا المشروع لا يبدأ بمعركة عسكرية وحسب، بل يبدأ أيضاً بتفكيك بنيته النفسية والرمزية وتعرية وظيفتها الوجودية.
ثانياً ؛ ما يُضيفه الإطار الشرعي
يرتفع الإطار الشرعي فوق التحليل النفسي في ثلاثة أوجه:
• الحكم القاطع: ما يُحلّله علم النفس ظاهرةً قابلة للفهم يُصدر عليه الشرع حكماً واضحاً ، الاستيطان في أرض الغير ظلمٌ، والظلم محرّم بلا اجتهاد حتى في حق المسلم ، فما بالك بعدو محتل صائلٍ على بلاد المسلمين قبحهم الله
• نقد الأساس: الشريعة لا تكتفي بتحليل الوظيفة النفسية للرواية الدينية الصهيونية بل تُفنّد هذه الرواية من داخلها ، نصاً ومنهجاً وتاريخاً.
• الأفق البديل: في مقابل «الدرع الوجودي» الصهيوني القائم على الخوف والإقصاء، يُقدّم القرآن نموذجاً وجودياً مختلفاً: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ ، التنوع سنةٌ للتعارف لا حرب للإلغاء.
ثالثاً ؛ الموقف الذي يقتضيه العقل والشرع
خلصت هذه الدراسة إلى أن الموقف الصحيح من المشروع الصهيوني الاستيطاني ليس موقفاً عاطفياً تُمليه الحمية، بل موقفٌ تُمليه الضرورة المنطقية للتحليل والشرع معاً:
أولاً: المشروع الصهيوني الاستيطاني مشروع ظلم تاريخي موثّق بصرف النظر عن أي تحليل نفسي أو شرعي لأنه يقوم على إحلال شعب محل شعب آخر بالقوة وتهجير السكان الأصليين من أرضهم.
ثانياً: الادعاءات الدينية التي يستند إليها «الأرض الموعودة»، «الشعب المختار» ، ادعاءات يُفنّدها القرآن صريحاً، ويُضعفها التاريخ، ويُثبت علم النفس أنها تؤدي وظيفةً نفسية انتقائية أكثر مما تُعبّر عن إيمان حقيقي.
ثالثاً: دعم الحق الفلسطيني في أرضه وهويته ومقاومته المشروعة للاحتلال موقفٌ تقتضيه العدالة الإنسانية والشريعة الإسلامية وجوبا على حدٍّ سواء، والتحرك لدفع الصائل على أراضي المسلمين من الفرائض العينية لا تسقط إلا بعدم الاستطاعة ، لكن ما لايدرك كله لا يترك جلّة بمعنى أنصر القضية بما استطعت...
رابعاً: الفهم النفسي لآليات المشروع لا يُبرّره ولا يُلطّفه بل يبين خبثه وخطورته في زاوية أخرى ، كما أن فهم أسباب أي ظلم تاريخياً لا يُسقط الحكم على الظلم أو العداوة. لكنه يُتيح تفكيكه بعمق أكبر وأداء أجدى.
الخاتمة وختاماً، ثمة مفارقة جديرة بالتأمل: النظرية التي استدعيناها في هذه الدراسة أداةً للفهم والكشف، وُظِّفت في سياقات أخرى بصورة انتقائية ركّزت على الإسلام دون سواه، متجاهلةً أن الآليات النفسية التي تصفها آلياتٌ كونية لا تختص بدين أو شعب. وقد أسهم هذا التوظيف المنحاز في تغذية خطاب الإسلاموفوبيا الذي شهده العالم في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، وهو خطاب لم يكن بريئاً من الأهداف السياسية التي رسمت حدوده واختارت موضوعاته وتناست وغطت على الإجرام والإرهاب الصهيوني والأمريكي معا والأنظمة الوظيفية التي تدور في فلكهم .
وفي هذا دلالةٌ لا ينبغي إغفالها: العلوم الإنسانية في ذاتها أدواتٌ، وكل أداة تكتسب طابعها من يد من يحملها ومن النية التي توجّهها. فليس الإشكال في هذه العلوم بل في غياب من يحملها بأمانة ويردّها إلى ميزان أعدل وأشمل.
ولهذا تبقى الحاجة ماسّة — بل ملحّة — إلى جيل من الباحثين يجمعون بين إتقان هذه العلوم واستيعاب مناهجها، وبين الرسوخ في الكتاب والسنة بوصفهما المرجعية التي تُضيء ما أعتم وتُصحّح ما انحرف. لا رفضاً للعلوم الإنسانية ولا استسلاماً لمسلّماتها، بل تحريراً لها من أسر التوظيف المنحاز، واخذها بإسم ربك الذي خلق ، واستثماراً لطاقتها التفسيرية في خدمة قضايا الأمة وكشف الزيف الذي يتلبّس الحق.
وما هذا المقال في حقيقته إلا خطوة متواضعة في هذا الاتجاه، محاولة أن نقرأ الواقع بأدواته، ونحكم عليه بميزانه الأصيل.
فإنطلق هذا المقال من اعتقاد منهجي راسخ: أن أعمق النقد لأي ظاهرة بشرية هو الذي يفهمها قبل أن يحكم عليها ، لا لأن الفهم يُسقط الحكم، بل لأنه يجعله أشد إصابةً وأدوم أثراً.
نظرية إدارة الإرهاب الوجودي أضاءت لنا آليةً نفسية عميقة تُفسّر كيف تتحوّل الأيديولوجيات إلى دروع وجودية يُدافع عنها أصحابها دفاعاً غريزياً لا عقلياً. وتطبيق هذا الإطار على المشروع الصهيوني كشف عن بنيته الداخلية: استثمار الخوف الوجودي، توظيف الدين براغماتياً، ردّ كل نقد بوصفه تهديداً وجودياً.
غير أن علم النفس لا يُصدر أحكاماً أخلاقية ، والشريعة تُصدرها في الأقوم والأعدل . وحكمها واضح: الأرض لله يورثها عباده الصالحين، والاستيطان بالقوة ظلمٌ مردود، والحق لا تسقطه الأوهام التاريخية ولا تُلغيه قوة الاحتلال ، ودفع الصائل فريضة لازمة .
وتنتهي الدراسة بما قرّره القرآن في أبلغ ردٍّ على ادعاءات التخصيص الإلهي لأيٍّ كان:
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(سورة البقرة، الآية 141)
المراجع والمصادر
أولاً ؛ المصادر الإسلامية التراثية
• ابن كثير، إسماعيل بن عمر — تفسير القرآن العظيم. تحقيق: سامي بن محمد السلامة، دار طيبة.
• السعدي، عبد الرحمن بن ناصر — تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان. مؤسسة الرسالة.
• الطبري، محمد بن جرير — جامع البيان في تأويل آي القرآن. مؤسسة الرسالة.
• القرطبي، محمد بن أحمد — الجامع لأحكام القرآن. دار الكتب المصرية.
• ابن القيم الجوزية — الطرق الحكمية في السياسة الشرعية. تحقيق: نايف بن أحمد الحمد، دار عالم الفوائد.
• ابن تيمية، أحمد — السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية. دار المعرفة.
• ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم — مجموع الفتاوى. تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
• ابن عابدين، محمد أمين بن عمر — رد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين). تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار عالم الكتب.
• الدسوقي، محمد بن أحمد بن عرفة — حاشية الدسوقي على الشرح الكبير. دار إحياء الكتب العربية.
• الرملي، محمد بن أحمد — نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج. دار الكتب العلمية.
• ابن قدامة المقدسي، عبد الله بن أحمد — المغني. تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي وعبد الفتاح محمد الحلو، دار عالم الكتب.
• الجصاص، أحمد بن علي — أحكام القرآن. تحقيق: محمد صادق قمحاوي، دار إحياء التراث العربي.
ثانياً ؛ مصادر علم النفس والفلسفة
• Becker, E. (1973). The Denial of Death. New York: Free Press.
• Solomon, S., Greenberg, J., & Pyszczynski, T. (1986). A terror management theory of social behavior. Advances in Experimental Social Psychology, 24, 93–159.
• Greenberg, J., Pyszczynski, T., & Solomon, S. (2004). A perilous leap from Becker's animality and death denial to assimilation of evolution and social psychology. Psychological Inquiry, 15(1), 21–24.
• Pyszczynski, T., et al. (2006). Mortality salience, martyrdom, and military might. Psychological Science, 17(6), 525–532.
• Burke, B. L., Martens, A., & Faucher, E. H. (2010). Two decades of terror management theory: A meta-analysis. Personality and Social Psychology Review, 14(2), 155–195.
• Rokeach, M. (1960). The Open and Closed Mind. New York: Basic Books.
ثالثاً ؛ المصادر التاريخية والسياسية
• Sand, S. (2009). The Invention of the Jewish People. London: Verso Books. (شلومو ساند — اختراع الشعب اليهودي)
[5/5/2026 1:25 PM] أ.د. عصام: • Finkelstein, N. G. (2000). The Holocaust Industry: Reflections on the Exploitation of Jewish Suffering. London: Verso. (نورمان فينكلشتاين — صناعة المحرقة)
• Herzl, T. (1960). The Complete Diaries of Theodor Herzl. Ed. Raphael Patai, New York: Herzl Press.
• Pappe, I. (2006). The Ethnic Cleansing of Palestine. Oxford: Oneworld Publications. (إيلان بابي — التطهير العرقي لفلسطين)
• Said, E. W. (1979). The Question of Palestine. New York: Times Books. (إدوارد سعيد — قضية فلسطين)
اكتب مراجعة عامة