img
img

الأمة الإسلامية في مهبّ العاصفة: قراءة جيوسياسية واستراتيجية شاملة في أحداث الثامن والعشرين من فبراير 2026

img
الشبكة

الأمة الإسلامية في مهبّ العاصفة: قراءة جيوسياسية واستراتيجية شاملة في أحداث الثامن والعشرين من فبراير 2026

الأمة الإسلامية في مهبّ العاصفة: قراءة جيوسياسية واستراتيجية شاملة في أحداث الثامن والعشرين من فبراير 2026 " إيران "

إعداد : الأستاذ الدكتور عصام اشويدر رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان 


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:


 مقدمة: يوم مفصلي في تاريخ المنطقة


قبل أن يخلد العالم إلى نومه في هذا اليوم، كانت سماوات الخليج تشهد مشهداً لم يألفه العقل العربي في سلمه الهش: صواريخ باليستية ومسيّرات تخترق الأجواء السيادية لست دول إسلامية في وقت واحد، من ضفاف الأردن الشمالي إلى مياه الخليج، في حين يتفرج العالم على شاشاته يصنّف الضحايا والجناة.


مَن يُديم النظرَ في المشهد العسكري المتشكّل بأُفق المنطقة، ويُصغي إلى التصريحات السياسية المرافقة له، لن يعوزه التأمّلُ طويلاً ليدركَ ما تختزنه هذه اللوحة من نيّاتٍ مضمَرة، ومقاصدَ محكمة، وأهدافٍ مرسومة بعناية فائقة.


لقد طُوِيت اليومَ صفحةُ المرحلة التي كانت تُستعارُ فيها العبارات المجازية، فيُقال: "المنطقة تغلي" أو "تقفُ على صفيحٍ ساخن"، إذ لم تعد الصورةُ بحاجةٍ إلى استعارة ولا تشبيه. فها هي الجيوش تزحف، والحشودُ العسكرية الهائلة تملأُ الآفاق، وها هي التصريحات السياسية تنزعُ عن نفسها أقنعةَ الغموض، وتُلقي على الملأ ما كان مطوياً تحت الطاولات من أوراق اللعبة المحكمة.


وما كان بالأمس يُوصَف بـ"خطاب المؤامرة" ويُرمى به في سلّة الأوهام، بات اليومَ حقيقةً راسخةً تتجلّى على شاشات العالم، وتتصدّرُ نشرات الأخبار في كل مكان، حتى غدا المنكِرُ له أمسِ في حَرَجٍ من نفسه اليوم.


وما وقع اليوم ليس مجرد "تبادل ضربات" بين أطراف إقليمية متنازعة، بل هو لحظة كشف فارقة تُعرّي البنية الكاملة للضعف الاستراتيجي للأمة الإسلامية، وتضع أمامنا مرآة لا يُريح النظر فيها.


● أولاً: المشروع الصهيوني التوسعي — من الشعار إلى الميدان


 ▪︎ حين يتحول "خطاب المؤامرة" إلى وثيقة رسمية


(ما كان يُرمى بالسخرية والاستهزاء، ويُوصَف بـ"نظرية المؤامرة" كلّما جرى التلفّظ به، بات اليوم يُجاهَر به على أرفع المنابر وأكثرها رسميةً وحضوراً.


فتصريحات نتنياهو المتتالية على مدار أشهر باتت تُشكّل في مجموعها خريطةً لا تحتمل التأويل: الحديثُ عن "صناعة شرق أوسط جديد" مِن رحِم الدمار، والسعيُ المُعلَن لإحياء مشروع "إسرائيل الكبرى" الذي طالما قيل إنه وهمٌ لا يعدو الحبرَ على الورق، وتشييدُ تحالفٍ إسرائيلي-دولي يُعيد رسم موازين المنطقة، فضلاً عن رفع راية محاربة ما يُسمّيه "الإسلام المتطرف" ذريعةً مُعلنةً وغطاءً أيديولوجياً فضفاضاً.


هذه التصريحات لم تعد في دائرة التحليل الأكاديمي، ولا في متناول المشككين والمجادلين — بل تحوّلت إلى وثائق سياسية موقّعة بأسماء أصحابها، تُذاع على الملأ، وتُسجَّل في سجلات التاريخ، ولن يستطيع أحدٌ غداً أن يقول: "لم نكن نعلم.")

-الفكرة مقتبسة بتصرف من الشيخ أحمد السيد-

الخطة الصهيونية التوسعية لها ثلاثة محاور رئيسية تتضح اليوم بجلاء:


المحور الأول — الإجهاز على المحيط الاستراتيجي الإيراني: تدمير المنظومة العسكرية الإيرانية أو إنهاكها قبل أي تسوية إقليمية، لأن إيران المسلحة — مهما بلغت عداوتها للعرب — تمثل ثقلاً موازناً يُعقّد التمدد الصهيوني.


المحور الثاني — زرع الخوف كأداة جيوسياسية: هذا هو قلب ما جرى اليوم. حين تضرب الصواريخ الإيرانية — في سياق ردّ دبّرت له الاستخبارات الغربية-الإسرائيلية شروط الاستفزاز — أجواءَ السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر والأردن، فإن الرسالة الحقيقية ليست إيرانية الموجّه، بل إسرائيلية-أمريكية المستفيد: "أنتم لا تستطيعون حماية أنفسكم، وتحتاجون إلينا."


هذا الخوف المُصنَّع هو الجسر الذي يُعبَر عليه من استقلالية نسبية إلى تبعية أمنية كاملة. كل دولة خليجية تنتهي إلى طلب مزيد من القواعد الأمريكية ومزيد من صفقات السلاح ومزيد من التطبيع مع "إسرائيل" باعتبارها "الشريك الأمني الموثوق" — هي في الحقيقة تُرمي بنفسها في مشروع الهيمنة الإقليمية التي تقودها تل أبيب وتضمنها واشنطن.


المحور الثالث — التطبيع بالقوة لا بالإقناع: التطبيع الذي فشلت الدبلوماسية في تحقيقه كاملاً قد تُنجزه الحروب. دولة مرعوبة من الصواريخ الإيرانية، منهكة اقتصادياً، تجد نفسها أمام معادلة "الحماية مقابل التطبيع الكامل والشراكة الاستراتيجية مع تل أبيب"، وهي معادلة أسهل قبولاً بعد الصدمة منها قبلها.


▪︎ الفخ الكبير: إيران كمطرقة وإسرائيل كسندان


المعادلة الاستراتيجية الأكثر خطورة هي أن الكيان الصهيوني نجح في جعل إيران تؤدي دوراً وظيفياً لصالح مشروعه دون أن تدري، أو ربما وهي تدري لكنها عاجزة عن التحرك خارج منطق الردّ. إيران حين تضرب دول الخليج، لا تُضعف المشروع الصهيوني، بل تُعجّل به. إنها المطرقة التي تدفع الدول العربية نحو سندان التحالف الأمريكي-الإسرائيلي. هذا ليس تبرئة لإيران، بل هو وصف دقيق لكيفية توظيف كل طرف لعداء الطرف الآخر خدمةً لأجنداته.


▪︎ رضا بهلوي — الوجه السياسي للعملية العسكرية


ولعل أبلغ دليل على أن ما يجري اليوم ليس مجرد تبادل عسكري عابر، بل مشروع متكامل الأوجه، هو ما صدر في الساعات ذاتها التي كانت فيها الصواريخ تشقّ سماء الخليج: خرج رضا بهلوي، نجل شاه إيران الراحل المقيم في منفاه الواشنطني منذ عقود، ليُعلن استعداد "المعارضة" لتسلّم السلطة في إيران في حال سقوط النظام، مُقدّماً ثلاثة عروض دفعةً واحدة: الاعتراف بـ"إسرائيل"، ووقف البرنامج النووي الإيراني، والانفتاح الكامل على الغرب.


هذا التوقيت ليس مصادفة، ولا هو اجتهاد شخصي من رجل يعيش بعيداً عن وطنه. في علم الاستراتيجية السياسية، البديل لا يُعلَن عنه إلا حين يكون المشهد العسكري قد هيّأ البيئة النفسية لقبوله. الصواريخ تُضعف النظام، والعقوبات تُنهك الشعب، والإعلام يُضخّم أزمة الشرعية، وبهلوي يقف على الباب حاملاً مفاتيح "الحل". هذا هو التكامل بين الشق العسكري والشق السياسي في المشروع ذاته.


وحين تُفكّك عروضه الثلاثة تتضح الصورة كاملة: الاعتراف بـ"إسرائيل" يُسقط آخر ذريعة لمحور المقاومة ويُجرّد القضية الفلسطينية من آخر من يزعم حملها بثقل إقليمي. ووقف البرنامج النووي يُزيل التوازن الاستراتيجي الوحيد الذي أربك الحسابات الصهيونية ويفتح الباب أمام هيمنة نووية إسرائيلية مطلقة في المنطقة بلا منافس. أما الانفتاح على الغرب فيعني تحويل إيران إلى سوق مفتوحة ورقة جديدة في المنظومة الغربية بعد عقود من الخسارة.


والأخطر من التصريح ذاته هو ظهور هتافات باسم بهلوي في الشارع الإيراني في هذا التوقيت بالذات، وهو ما يكشف أن ثمة توجيهاً إعلامياً ممنهجاً يسعى إلى تحويل يأس الشعب الإيراني المُنهَك من سياسات نظامه إلى قبول بأي بديل، حتى لو كان ذلك البديل مصاغاً في غرف القرار الغربية والإسرائيلية قبل أن يُعلَن في الشارع الإيراني.


الأمة الإسلامية معنية بهذا المشهد لسبب محوري واحد: إيران جديدة معترفة بـ"إسرائيل" ومنزوعة النووي ومندمجة في المنظومة الغربية تعني اكتمال دائرة الهيمنة الصهيونية على المنطقة، وإغلاق آخر الأبواب أمام أي توازن استراتيجي يحمي مصالح الأمة. من يريد حكم إيران لمصلحة شعبها لا يبدأ خطابه بعرض الاعتراف بالكيان الصهيوني وتفكيك قدراته الدفاعية. هذا التسلسل في العرض يكشف وحده من صاغ شروط هذا البديل، ولمصلحة من.


● ثانياً: قراءة المشهد بعيون جيوسياسية واقعية


 ▪︎ ما الذي جرى فعلاً؟


الرواية الظاهرة بسيطة: إيران ردّت على ضربات أمريكية-إسرائيلية مشتركة استهدفت عمقها الاستراتيجي، فأطلقت صواريخ ومسيّرات باتجاه دول الخليج والأردن، بحجة أن هذه الدول تستضيف منظومات عسكرية أمريكية تُستخدم كمنصات للعمليات ضدها.


لكن القراءة العميقة تكشف بنية أكثر تعقيداً بكثير. إيران في هذا اليوم لم تكن تختار أهدافها بحرية كاملة، بل كانت تستجيب لمنطق رُسم له الإطار في غرف قرار واشنطن وتل أبيب. الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على العمق الإيراني لم تكن عشوائية ولا فجائية، إنها حلقة في مسلسل تصعيد مدروس يهدف إلى إجبار طهران على الردّ بطريقة تُوحّد العالم ضدها وتُضفي شرعية على مرحلة ما بعد الردّ.


▪︎ دول الخليج: ضحية بلا ذنب؟


هنا تكمن المفارقة الموجعة: دول الخليج دفعت ثمن معادلة لم تُحكم صياغتها. فهي من جهة ربطت أمنها بالمنظومة العسكرية الأمريكية فأصبحت في عين إيران "حواجز أمريكية" لا دولاً ذات سيادة مستقلة، ومن جهة أخرى لم تُقرر الحرب ولم تملك زمامها. الكويت التي تمسّكت بالحياد وجدت نفسها مستهدفة، والأردن الذي يرفع راية النأي بالنفس اضطر جيشه لاعتراض ثلاثة عشر صاروخاً باليستياً.


هذا المشهد يقول بصوت عالٍ ما لا يريد أحد سماعه: في الحروب الكبرى، لا مكان للحياد الجغرافي في منطقة تُحكمها القواعد الأجنبية.


● ثالثاً: صراع على أشلاء الأمة — الشرّان في الميزان


▪︎ التهديد المزدوج


يجب أن يُقال بوضوح وبلا مجاملة: الصراع الإيراني-الصهيوني ليس صراعاً بين خير وشر، بل هو صراع بين شرّين، كل منهما يسعى إلى تفكيك الأمة الإسلامية وإضعافها، وإن اختلفت الأدوات والمبررات.


الكيان الصهيوني يمارس احتلالاً استيطانياً إحلالياً لأرض فلسطين منذ عقود، ويسعى اليوم بصورة مُعلنة إلى توسيع نفوذه ليشمل "الشرق الأوسط الجديد" المُعاد تشكيله وفق رؤيته، في حين يستخدم الخطر الإيراني ذريعةً لتطبيع وجوده وتكريس هيمنته على المنطقة العربية والإسلامية.


إيران من جانبها تعمل على تصدير مشروعها المذهبي الطائفي وتفكيك النسيج الاجتماعي للمجتمعات السنية، من اليمن إلى العراق إلى لبنان إلى سوريا، مستخدمةً شعارات "المقاومة" و"الممانعة" غطاءً لمشروع هيمنة فارسية-مذهبية لا علاقة له بالدفاع عن القدس ولا بتحرير فلسطين، وهو ما أثبتته عقود من التجربة.


▪︎ الانقسام المذهبي كأداة استراتيجية في يد الخصم


المأساة الاستراتيجية الأكبر أن الأمة الإسلامية تُحوَّل إلى نظام مقسَّم مذهبياً: إيران كـ"حارسة" الطائفة الشيعية مقابل دول الخليج كـ"حامٍ" للسنة، بينما كل طرف يُدخل أرضه وما يملكه من رصيد عسكري واقتصادي في صراع تُحدد أطرافه الكبرى أغلب معالمه. الاستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية في المنطقة منذ عقود تقوم على ركيزة راسخة واحدة: إبقاء الأمة الإسلامية مقسّمة على أسس مذهبية وقُطرية، حتى لا تتشكّل قوة إسلامية جامعة قادرة على رسم مصيرها.


●  رابعاً: التداعيات الشاملة على الأمة


▪︎ على الصعيد الأمني والإنساني


صواريخ أُطلقت فوق مدن مليونية وطائرات مسيّرة حلّقت فوق موانئ وأسواق ومطارات. المدني في الرياض أو أبوظبي أو المنامة لم يشارك في صنع هذا الصراع لكنه يدفع ثمنه بالخوف وتعطّل الحياة اليومية. وهذا التصعيد بحجمه الراهن يفتح باباً لاحتمالات موجات ثانية وثالثة من الهجمات، ويجعل من أُمَّة الإسلام مسرحاً دائماً للاشتباك لا طرفاً رئيسياً في رسم خريطة هذا الصراع.


▪︎ على الصعيد الاقتصادي


إغلاق المجال الجوي وتعطيل الرحلات يُدخل الاقتصادات الخليجية في صدمة مفاجئة ويزيد اعتمادها على القوى الغربية التي تُنظّم "الحماية الجوية" مقابل مزيد من التبعية. هذه الأزمة تُذكّر الأمة بضعف بنيتها المستقلة: لا صناعة دفاعية عربية متكاملة، ولا شبكة تكتّل دفاعي إسلامي حقيقي.



● خامساً:  الزاوية الإيمانية — البُعد الذي لا يُختزَل


(ومهما تكاثرت زوايا النظر وتشعّبت مسالك التحليل، فإن المسلم الواعي لن يُفرِّط في تلك الجهة الإيمانية التي هي بوصلته الثابتة في قراءة الأحداث؛ إذ لا يملكُ أن يعزلَ ما يراه عن إيمانه الراسخ بأن وراء هذا كلّه تدبيرَ الله وقدرته وحكمته البالغة، وسننَه الجارية في خلقه جيلاً بعد جيل.


فمن تأمّل في مسيرة التاريخ الحديث، ورأى حجمَ الظلم الفادح والبغي الممنهج والعدوان المتواصل الذي استُهدفت به إرادةُ هذه الأمة في مجموعها ورموزها في خصوصها، ثم استحضر ما تزخر به الآيات القرآنية من سنن الله في الظالمين والمجرمين، وما جاء في دفع الناس بعضهم ببعض — وتذكّر أن هذه السنن لا تتبدّل ولا تتحوّل، ولا تخصّ زماناً دون زمان — ثم استرجع صور الطغيان الذي بلغ ذروته في ما جرى على غزة من فظائع لا يحتملها عقلٌ ولا ضمير؛ فإنه سيجد في نفسه تفاؤلاً هادئاً ويقيناً مطمئناً بأننا نقفُ على أعتاب صفحات قدرية قادمة، قد يرى فيها العالم من عجائب تدبير الله ما لم يخطر لأحدٍ على بال.


وهذه الحرب المرتقبة — إن وقعت — قد تُخلّف من الفوضى والزلازل السياسية والتحولات الجذرية ما يستوجب استعداداً استثنائياً: نفسياً وإيمانياً واجتماعياً وإصلاحياً. غير أنها في الوقت ذاته قد لا تُثقِل كاهلَ أحد ثقلها على الظالمين المجرمين أنفسهم، وفي مقدّمتهم ذلك الكيان المحتل الذي ربما كانت هذه انتفاشتَه الأخيرة، قبل أن تعود عليه بالانكماش والزوال بإذن الله وعونه.


وهذا الإيمان ليس مخدِّراً يُقعِد صاحبه في انتظار المعجزات، بل هو وقودٌ يزيده عزماً وبذلاً واجتهاداً واستعداداً. والأعمق من ذلك كله أنه يُرسّخ في صاحبه حالةً لا تتزعزع من الصبر والثبات واليقين، في السرّاء والضرّاء، وفي جميع تقلّبات الأحوال والظروف.


 "وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ")

-الفكرة مقتبسة بتصرف من الشيخ أحمد السيد-


● سادساً: الموقف الاستراتيجي الصحيح — الحياد الإيجابي الفاعل


▪︎ تجاوز ثنائية الاصطفاف


الصراع الإيراني-الصهيوني ليس مجرد أزمة إقليمية عابرة، بل هو اختبار حقيقي لوعي الأمة الإسلامية ونضجها السياسي. فهل ستنجح الأمة في قراءة المشهد بعين البصيرة وتتخذ الموقف الاستراتيجي الصحيح؟ أم ستنساق وراء الشعارات الرنانة والانفعالات اللحظية؟


الموقف الصحيح الذي يُمليه العقل والشرع معاً هو الحياد الإيجابي: الرفض القاطع للاصطفاف مع أيٍّ من المحورين، مع التركيز على استنزاف كليهما بدل أن تكون الأمة وقوداً لاستنزاف بعضهما بعضاً، مع البناء الذاتي المتواصل بعيداً عن رهانات الوكالة والتبعية. هذا الموقف يعكس حكمة سياسية عميقة ووعياً استراتيجياً متقدماً ونظرة بعيدة المدى تتجاوز الانفعالات الآنية إلى المصالح العليا والثوابت الجوهرية.


▪︎ إعادة تشكيل التحالفات


لا يمكن للأمة أن تنتظر حتى تمرّ العاصفة ثم تعود لنمط السياسة ذاته الذي أوصلها إلى هنا. الاستراتيجية المطلوبة هي بناء منظومة دفاعية إسلامية تجمع إمكانات تركيا والسعودية والكويت وسوريا على الأقل في هيئة تنسيق دفاعي حقيقي، لا تتبع أجندة واشنطن ولا طهران، بل تُعبّر عن مصلحة الأمة الجامعة في الأمن والاستقرار.


 ▪︎ تحريم توظيف الدين لأجندة إستضعاف — واجب العلماء في زمن الفتنة


يجب أن يصدر عن المجامع الفقهية الكبرى ومؤسسات العلماء المعتبرة تأطير شرعي واضح وصريح يُحرّم شرعنة الهجوم على الشعوب المسلمة بأي ذريعة كانت، ويُحرّم استخدام الفقه غطاءً لتحالفات تستنزف دماء المسلمين ومقدراتهم. وهذا ليس موقفاً سياسياً بقدر ما هو واجب ديني لا تحتمل الظروف تأجيله.


فقد بلغ توظيف الخطاب الديني لخدمة أجندات الاستنزاف والإستضعاف حداً خطيراً لا يجوز السكوت عنه. حين يُستحضر الفقه ليُبرّر ضرب  باسم "المقاومة"، وحين يُستدعى الشرع ليُشرعن الاستعانة بقوى أجنبية تُهدد المسلمين وتنهب ثرواتهم، فإن الفقه يُختطف من مقاصده الكبرى ويُحوَّل إلى أداة في يد من لا يُريد للأمة إلا مزيداً من التمزق والاستنزاف.


والناظر في المشهد اليوم يرى كيف يتسابق أطراف متعددة — كل منها يدّعي الدفاع عن الإسلام أو المقدسات — على توظيف المنابر والفتاوى لصناعة رأي عام يُلوّن الصراع بلون شرعي، في حين أن الصراع في جوهره سياسي وجيوستراتيجي لا علاقة له بمقاصد الشريعة ولا بمصالح الأمة. فالمشروع الإيراني يُعبّئ أتباعه باسم "الولاية" و"المستضعفين" بينما يُنفّذ مشروعاً فارسياً توسعياً على حساب المسلمين، وبعض القنوات المحسوبة على الفضاء السلفي تُعبّئ شارعها بخطاب مضاد يدفعه نحو أحضان الغرب والكيان الصهيوني باسم "التصدي للمد الصفوي". والمسلم البسيط في الحالتين لا يجد أمامه إلا خطاباً يدفعه نحو خندق أو آخر، دون أن يُسأل أحد: من المستفيد الحقيقي من هذا الخندق؟


وقد أرسى الفقه الإسلامي قواعد راسخة في هذا الباب لا تقبل التلاعب. فدرء الفساد عن الأمة وصون دينها ودمائها وأموالها مقدَّم على كل اعتبار سياسي. ولا تجوز الاستعانة بعدو الأمة .


ولهذا فإن الصمت العلمي في هذه اللحظة بالذات — حين تُضرب مدن مسلمة وتُشنّ حروب على أراضٍ إسلامية وتُوظَّف المنابر لتبرير ذلك كله — هو في حد ذاته موقف، بل هو من أخطر المواقف وأشدها وطأةً على الأمة. العلماء الذين يصمتون حين يُختطف الفقه لخدمة أجندات الإستنزاف يتحملون جزءاً من المسؤولية التاريخية عما تؤول إليه أحوال الأمة، لأن غيابهم عن الساحة لا يُفرغها بل يملؤها من هو أقل منهم ورعاً وأكثر منهم انحيازاً لهذا الطرف أو ذاك.


إن الأمة الإسلامية اليوم في أمسّ الحاجة إلى صوت علمي مستقل يقول بوضوح وبلا مجاملة لأي طرف: "إن أرض الإسلام ليست ساحة مباحة لمن يدّعي الدفاع عنها وهو يُحرقها، وإن الفقه الشرعي بريء من كل توظيف يجعله غطاءً للتحالف مع أعداء الأمة أو لضرب أبنائها باسم حمايتهم، وإن العالم الذي يصمت على هذا الاختطاف شريك فيه سواء أراد أم أبى."


▪︎ بناء القدرة الذاتية


الأمة التي لا تصنع سلاحها ولا تملك تقنيتها ستظل دائماً عُرضة لأن تُقاتَل بأسلحة تشتريها من خصمها وعلى أرضها. آن الأوان للأمة الإسلامية أن تتخلص من عقدة الضحية وأن تتحول من دور المتفرج إلى دور البطل. فالتاريخ لا يرحم الضعفاء والجغرافيا لا تحمي العاجزين والمستقبل لا ينتمي إلا للأقوياء الذين يملكون رؤية وإرادة وأدوات.


● خاتمة: الرسالة من بين الركام


ما ينبغي أن يحمله العقلُ الإسلامي الواعي من وطأة هذا اليوم ليس اليأسَ المُقعِد، ولا الاستسلامَ المُذِل — بل يقظةٌ مؤلمة، حارقة، ضرورية كحرق الجرح قبل أن يتقيّح ويَعفَن.


نحن أمةٌ تملك من الأرض والإنسان والعقيدة والتاريخ ما يجعلها قادرةً على أن تكون فاعلاً حضارياً لا تابعاً ذليلاً — غير أنها تُبدِّد هذا الإرث الهائل في صراعاتٍ لم تُولَد من رحِم إرادتها، بل رُسِمت ملامحُها الكبرى في غرفٍ مغلقة على أيدي من لا يريد لها أن تنهض ولا أن تُفيق.


المشروعُ الصهيوني التوسعي يزرع الخوفَ عمداً — لأن الأمة الخائفة أمةٌ مستعبَدة بلا قيود. وإيران تضرب حيث تضرب لتُبرّر وجودها الإقليمي وتُجدّد عقدَ نفوذها. وواشنطن تُدير المعادلةَ بيدٍ باردة، تضمن بها هيمنتَها، وتضخّ بها الفوضى حيث يناسبها أن تكون الفوضى. أما المسلمُ — في الخليج والأردن وفلسطين وسواها — فهو الذي يدفع ثمنَ هذه المعادلة الثلاثية المُحكَمة: بدمه الذي يُراق، واقتصاده الذي يُستنزَف، وأمنه الذي يُباع في أسواق الجيوسياسة مرةً بعد مرة.


الضرباتُ الصاروخية ستخمد، والمجالُ الجوي سيُفتَح من جديد، والشاشاتُ ستنتقل إلى أزمةٍ أخرى في مكانٍ آخر. لكن السؤالَ الذي ينبغي أن يُؤرّق كلَّ مسلمٍ واعٍ — ويُنغّص عليه نومَه حتى يجد له جواباً — هو:


متى ستُقرّر هذه الأمة أن تكون فاعلاً في مصيرها بإتباع قرآنها، لا مفعولاً به في مصائر غيرها بإتباع عدوها؟



هذا اليوم لن يُنسى — وكلُّ يومٍ كهذا لا تتعلّم منه الأمةُ شيئاً هو حُكمٌ عليها بأن تعيشه من جديد، في صورةٍ أشدّ وأمرّ، حتى تستفيق .


أما من يحمل في صدره إيماناً راسخاً باليقين القرآني، فإنه لا يرى في هذا الغليان المتصاعد مجردَ فوضى عمياء وحقدٍ أعمى — بل يرى بذورَ تحولاتٍ تاريخية كبرى، تنضجُ في الخفاء، ولا يعلم تفاصيلَ ما ستُثمره إلا من بيده مقاليد الأمر كلّه سبحانه وتعالى.


"وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ"

وكفى بها يقيناً لمن وعاها، وكفى بها حُجّةً على من أعرض عنها.

تعليقات