سلسلة التحليلات الاستراتيجية التحليل السابع: انهيار الهدنة والعودة إلى الحرب الشاملة 7 إلى 13 يوليو 2026 حين يتحول الاتفاق إلى مجرد استراحة محارب
إعداد: الأستاذ الدكتور عصام اشويدر، رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان الفترة الزمنية: 7 إلى 13 يوليو 2026 النوع: تحليل استراتيجي وجيوسياسي، الحلقة السابعة من سلسلة التحليلات الاستراتيجية حول الصراع الأمريكي الإيراني
بسم الله الرحمن الرحيم تذكير سريع بما سبق بين التحليل السادس في الحادي والعشرين من أبريل واليوم، جرت في الخفاء المرحلة التي كانت السلسلة قد توقّعتها بوضوح. تم توقيع مذكرة تفاهم بين ترمب وبزشكيان عن بُعد في الثامن عشر من يونيو في فرساي بفرنسا، ورفعت واشنطن الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية في اليوم نفسه، وبدأت مهلة تفاوض مدتها ستون يوماً. بدت اللحظة وكأنها الخاتمة التي تنبّأت بها المسرحية الكبرى، اتفاق يُعلَن وكل طرف يصوّر نفسه منتصراً أمام جمهوره. غير أن الهدنة لم تصمد شهراً كاملاً. فما بين أواخر يونيو ومطلع يوليو انهار الاتفاق، ليعود الطرفان إلى حرب مفتوحة أوسع من كل الجولات السابقة، تدفع بها الآن دول الخليج والسعودية واليمن معاً إلى قلب المواجهة.
الوقائع الجوهرية للحلقة الجديدة • السابع من يوليو: إعلان ترمب رسمياً، عبر رسالة إلى الكونغرس بموجب قانون صلاحيات الحرب، استئناف الضربات داخل إيران، بعد اتهام طهران بخرق مذكرة التفاهم عبر مهاجمة سفن تجارية عابرة لمضيق هرمز. • الثامن والتاسع من يوليو: موجات متتالية من الضربات الأمريكية طالت نحو تسعين هدفاً عسكرياً إيرانياً، من بينها أكثر من ستين زورقاً تابعاً للحرس الثوري، ومنشآت في بوشهر وجزر جنوبية، ومحيط منشأة الطاقة النووية في بوشهر تحديداً. • التاسع إلى الثاني عشر من يوليو: الحرس الثوري يرد بضرب قواعد أمريكية ومواقع في الكويت والبحرين، ويوسّع الاستهداف الصاروخي والمسيّر ليشمل قطر والإمارات والأردن وسلطنة عُمان. • الثاني عشر من يوليو: جولة ثالثة من الضربات الأمريكية باستخدام نحو مئة وأربعين صاروخاً، في أوسع تصعيد منذ توقيع مذكرة التفاهم. • الثالث عشر من يوليو: إعلان أمريكي بفرض حصار بحري جديد على كامل السواحل الإيرانية، يشمل كل السفن أياً كان علمها، تزامناً مع تلويح إيراني بالانسحاب من مذكرة التفاهم نفسها. الحصيلة البشرية المُعلنة حتى الآن سبعة عشر قتيلاً وثلاثة وتسعون جريحاً داخل إيران وفق وزارة الصحة الإيرانية منذ استئناف الأعمال العدائية، إضافة إلى إصابات متفرقة في الكويت وقطر جراء الشظايا الساقطة، دون خسائر بشرية جسيمة في بقية دول الخليج بفضل نجاح الاعتراضات. الكاشف الأكبر ما جرى بين الثامن عشر من يونيو والسابع من يوليو لم يكن سلاماً بل كمين توقيت. مذكرة تفاهم لم تُمنح فرصة شهر كامل قبل أن تنهار، وحصار بحري رُفع في الصباح ليُفرض من جديد بعد أقل من ثلاثة أسابيع بصيغة أوسع وأشمل ممّا كانت عليه في أبريل. من يوقّع اتفاقاً لا يصمد ثلاثين يوماً لا يوقّع سلاماً، بل يشتري وقتاً لإعادة التموضع. اللافت أن الدورة تكررت بنفس الآلية التي وثّقتها الحلقة الخامسة من السلسلة. إعلان اتفاق يمنح كل طرف صورة النصر أمام جمهوره الداخلي، ثم انهيار تدريجي يُلقي كل طرف مسؤوليته على الآخر. والفارق الوحيد هذه المرة أن رقعة الاستهداف اتسعت لتشمل، لأول مرة منذ اندلاع الحرب في فبراير، جبهات خليجية ويمنية متعددة في وقت واحد.
الخليج تحت النار المباشرة التحليل الثالث كان قد وصف موقف دول الخليج بأنها تدفع ضريبة حرب لم تُعلنها ولم تختَرها. اليوم لم تعد الضريبة اقتصادية غير مباشرة فحسب، بل صارت صواريخ ومسيّرات تخترق أجواء أربع دول خليجية في يوم واحد. في الكويت استهدف الحرس الثوري قاعدتي عريفجان وعلي السالم بصواريخ باليستية وصاروخ جوال وطائرات مسيّرة، وأعلنت وزارة الدفاع الكويتية اعتراضاً ناجحاً مع تسجيل إصابة بشرية واحدة وأضرار مادية طفيفة. وفي البحرين طالت الضربات قاعدتي الجفير والشيخ عيسى، ودوّت الانفجارات في العاصمة المنامة قبل أن تُعلن السلطات انتهاء حالة الإنذار. وفي قطر رُصدت عمليات اعتراض فوق الدوحة أدت إلى إصابة ثلاثة أشخاص بينهم طفل بشظايا هجوم صاروخي. أما الإمارات فتعاملت دفاعاتها الجوية مع صواريخ باليستية وجوالة ومسيّرات دون تسجيل أضرار تُذكر. وفي الأردن اعترض الجيش ثمانية صواريخ في جولة، وثلاثة إضافية في جولة لاحقة، دون إصابات بشرية. هذا التوسّع لا يخدم أي طرف من أطراف الخليج المحايد الذي كانت السلسلة تدعو إلى حمايته. فكل دولة خليجية باتت اليوم طرفاً فعلياً في الصراع بحكم موقعها الجغرافي، لا بحكم قرارها السيادي، وهو بالضبط السيناريو الذي حذّر منه التحليل الثالث حين تحدّث عن دول تحمل تبعات حرب دون مقعد على طاولة التفاوض.
السعودية: مواجهة على جبهتين في آن واحد لم تسلم السعودية من التصعيد رغم عدم انخراطها المباشر في القتال. فقد استهدفت إيران الناقلة السعودية وديان أثناء عبورها مضيق هرمز، وأصدرت الخارجية السعودية بياناً شديد اللهجة اعتبرت فيه هذا الاستهداف انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي ولقرار مجلس الأمن رقم 2817. وتكررت بيانات الإدانة السعودية يوماً بعد يوم، مع تأكيد صريح على أن المملكة تحتفظ بحقها الكامل في ردع العدوان. لكن الأخطر أن الرياض وجدت نفسها في الوقت ذاته منخرطة في جبهة موازية جنوبية. فقد أعلنت الحكومة اليمنية استهداف مدرج مطار صنعاء الدولي لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، فيما رجّح محللون غربيون أن تكون القوة الجوية السعودية هي من نفذ الضربة فعلياً نظراً لمحدودية القدرات الجوية المتاحة للحكومة اليمنية الشرعية. ورداً على ذلك أطلق الحوثيون، وفق مصادر ميدانية، صواريخ فرط صوتية باتجاه المنطقة الجنوبية للسعودية، أعلنت وزارة الدفاع اعتراضها بنجاح. بهذا المعنى فإن السعودية تخوض اليوم مواجهة مزدوجة: إدانة الاعتداءات الإيرانية المباشرة على سفنها وأجوائها من جهة، وإدارة جبهة يمنية متجددة بدأت تنفلت من قبضة الهدنة غير المعلنة التي صمدت منذ عام 2022 من جهة أخرى.
اليمن والحوثيون: الجبهة الثالثة التي أعيد فتحها يمثل ملف اليمن التطور الأخطر في هذه الحلقة، لأنه يعيد فتح جبهة كانت شبه مجمدة منذ سنوات. فبعد ضربة مطار صنعاء وصفت الخارجية التابعة للحوثيين ما جرى بأنه خطوة غير مسبوقة، وأعلنت أن السعودية بذلك أنهت مرحلة خفض التصعيد بأكملها. وتزامن ذلك مع إعلان الحكومة اليمنية إغلاق جميع المطارات أمام حركة الطيران حتى إشعار آخر، وعقد مجلس الوزراء اجتماعاً استثنائياً أعلن خلاله حالة الانعقاد الدائم لمواجهة التصعيد الحوثي، محمّلاً الجماعة المسؤولية الكاملة عما وصفه بالتصعيد الخطير. الجوهر هنا لا يتعلق بصراع يمني داخلي بحت، بل بمحاولة إيرانية لاستخدام الأجواء اليمنية كممر آمن لطائراتها في وقت تُحاصر فيه سواحلها وتُغلق طرقها البحرية. فحين رفضت الحكومة اليمنية والتحالف هذا الاختراق، تحول اليمن فوراً إلى ساحة مواجهة مباشرة جديدة، تُضاف إلى مضيق هرمز والخليج. وبذلك يتأكد ما خلصت إليه الحلقة السادسة من أن العراق ليس الورقة العربية الوحيدة التي تستخدمها طهران لكسر الحصار، بل إن اليمن يؤدي الدور نفسه من الجهة الجنوبية، عبر جماعة مسلحة لا تخضع لسيادة الدولة ولا لقرار حكومتها المعترف بها دولياً.
غزة: الإبادة التي لا تتوقف حتى في زحمة الحرب الكبرى بينما تتصدر عناوين الأخبار مضيق هرمز والخليج واليمن، يواصل الاحتلال الإسرائيلي عدوانه على قطاع غزة بلا هوادة، رغم أن اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في الحادي عشر من أكتوبر ما زال قائماً نظرياً. فقد ارتفعت حصيلة الشهداء الإجمالية منذ بدء العدوان في السابع من أكتوبر 2023 إلى أكثر من ثلاثة وسبعين ألف شهيد ومئة وثلاثة وسبعين ألف مصاب. والأخطر أن أكثر من ألف ومئة فلسطيني استُشهدوا منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار وحده، أي في فترة يُفترض أنها فترة هدوء، ما يكشف حجم الخروقات اليومية المنظمة. خلال الأسبوع نفسه الذي شهد استئناف الحرب مع إيران، سجلت غزة مجازر متكررة طالت أحياء سكنية وخياماً للنازحين، واستمرت عمليات النسف والتهجير في إطار ما يُعرف بتوسعة الخط الأصفر، التي التهمت وفق تقديرات ميدانية نحو سبعين بالمئة من مساحة القطاع. كما أقدم الاحتلال على إبعاد مفتي فلسطين عن المسجد الأقصى عقب اعتقاله، في خطوة تعكس استمرار سياسة فرض الأمر الواقع في القدس بالتوازي مع الحرب الإقليمية الكبرى. الثابت الوحيد عبر سبع حلقات من هذه السلسلة أن فلسطين تبقى خارج كل حسابات المسرحية الكبرى، مهما اتسعت رقعة الحرب أو ضاقت. فلا مذكرة التفاهم في يونيو تضمنت بنداً عن غزة، ولا جولات التصعيد الحالية استحضرتها كشرط أو كورقة ضغط، بل إن الدم الفلسطيني يستمر بمعدل يومي ثابت وكأنه جدول أعمال منفصل تماماً عن باقي أحداث المنطقة. عقدة البند الخامس: من يملك هرمز فعلياً؟ الخلاف الذي أسقط مذكرة التفاهم هذه المرة ليس نووياً بالدرجة الأولى، بل بحري بامتياز. فقد أعلن عراقجي أن إيران كانت دائماً حارسة لمضيق هرمز وستظل كذلك إلى الأبد، فيما تمسك المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بالبند الخامس من مذكرة التفاهم الذي يمنح طهران دوراً في إدارة حركة الملاحة عبر المضيق، وهو ما ترفضه واشنطن جملة وتفصيلاً، إذ يقول ترمب صراحة إن بلاده هي من تفرض إرادتها على إيران وليس العكس، وإنها تفرض سيطرتها الكاملة على المضيق. هذا التصريح وحده يفكك الرواية التي تقدّمها طهران عن حراسة تاريخية للمضيق. فالمعركة الحقيقية اليوم ليست حول حق إيران في الدفاع عن سواحلها، بل حول من يملك مفتاح ممر يمر عبره خُمس تجارة الطاقة العالمية. ومن يراقب أين تتحرك الأساطيل لا أين تُقال الخطب، كما أوصت خلاصة السلسلة، يرى أن الأسطول الأمريكي هو من يفرض الحصار فعلياً، لا الحرس الثوري. قراءة استراتيجية: لماذا انهارت المذكرة بهذه السرعة؟ ثمة ثلاثة تفسيرات محتملة، لا تنفي إحداها الأخرى بالضرورة، بل تتكامل لتشكل صورة أوضح لما جرى. التفسير الأول هو المماطلة الإيرانية. وهو ما يتبناه الجانب الأمريكي رسمياً، إذ يرى أن طهران استخدمت مهلة الستين يوماً لإعادة ترميم قدراتها العسكرية والملاحية بدل التفاوض الجاد، وأن نفاد صبر ترمب جاء تحديداً من عدم فتح هرمز بالكامل رغم رفع الحصار. التفسير الثاني هو الانقسام الداخلي الإيراني المتجدد. فقد استمرت الفجوة بين الدائرة السياسية المدنية التي مثّلها بزشكيان وعراقجي، والتي وقّعت المذكرة وروّجت لها، وبين الحرس الثوري الذي واصل عملياً التعامل مع هرمز كورقة سيادية غير قابلة للتفاوض، وهو الصدع نفسه الذي وثّقه التحليل الخامس في أبريل.
التفسير الثالث هو اللعبة الكبرى المتصلة بالصين. فكل جولة تصعيد جديدة تُبقي هرمز مقفلاً جزئياً أو مهدداً، وهو ما يخدم الهدف الأمريكي البنيوي في رفع كلفة الطاقة على الاقتصاد الصيني دون مواجهة مباشرة معه، وهي الفرضية التي طرحها التحليل الرابع ولم يُبطلها شيء حتى الآن. والمرجّح أن الحقيقة مزيج من هذه التفسيرات الثلاثة معاً. فلا إيران موحدة القرار كفاية لتلتزم باتفاق طويل الأمد، ولا واشنطن راغبة فعلياً في إغلاق الملف طالما بقي هرمز أداة ضغط مزدوجة على طهران وبكين معاً. خلاصة الحلقة السابعة • التهدئة التي أُعلنت في الثامن عشر من يونيو لم تكن نهاية الصراع بل استراحة محارب لم تتجاوز الثلاثة أسابيع. • الخليج انتقل من موقع المتضرر الاقتصادي الصامت إلى موقع الهدف العسكري المباشر في مساحة أيام معدودة. • السعودية دخلت مرحلة جديدة من المواجهة المزدوجة، بين إدانة الاعتداءات الإيرانية المباشرة وإدارة جبهة يمنية حوثية متجددة. • اليمن تحول من ملف مجمد إلى جبهة فعلية ثالثة، بعد أن حاولت إيران استخدام أجوائه ممراً لكسر عزلتها. • البند الخامس من مذكرة التفاهم، أي إدارة إيران لمضيق هرمز، هو جوهر الانهيار الحالي، لا الملف النووي كما كان الحال في أبريل. • غزة تبقى، للمرة السابعة على التوالي، غائبة تماماً عن أي بند من بنود التفاوض أو التصعيد، رغم استمرار سقوط الشهداء يومياً. • لا مؤشر حتى الآن على أن أياً من الطرفين يسعى لحسم عسكري نهائي، بل لإدارة صراع طويل الأمد بوتيرة متغيرة الشدة. المنهج يبقى كما هو لا تثق بمذكرة تفاهم لم تُختبر بعد، وراقب هل صمدت شهراً واحداً. لا تثق بإعلان رفع الحصار، وراقب متى يُعاد فرضه ولماذا. لا تثق بمن يتحدث باسم حراسة المضيق، وراقب من يملك فعلياً حرية الملاحة فيه. ولا تثق بأي تهدئة لا يُذكر فيها اسم غزة، فغيابها هو الخبر لا الهامش. ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ يوليو 2026، الحلقة من سلسلة التحليلات الاستراتيجية حول الصراع الأمريكي الإيراني
اكتب مراجعة عامة