img
img

وقفات حول الاستعداد لشهررمضان الكريم

img
منَصَّة المَرْأَة المُسْلِمَة

وقفات حول الاستعداد لشهررمضان الكريم

تمضي الأيام وتتسارع الأوقات، وها نحن نقترب من شهر الخيرات وموسم البركات، شهر القرأن والصيام والرحمة والغفران.

ولا شك أن رمضان هو ذرة الشهور، خصه الله بفريضة الصيام وهي عبادة تهذب النفوس وتسمو بالأرواح وتعالج القلوب.

وهو شهر الاحتفاء والاحتفال بكتاب الله تعالى، شهر القرأن تلاوة وتدبرا، عملا وسلوكا، قال الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ) البقرة من الآية 185

ولأنه درة الشهور وفيه خير الأيام وأعظم الليالي، خصه الله بالميزات والبركات، ووهبنا فيه جزيل الخيرات، شهر تجاب فيه الدعوات وترفع فيه الدرجات، تفتح فيه الجنات وتضاعف فيه الحسنات.

لذا كان لزاما علينا الاستعداد لاستقباله وحسن رفادته فما هو إلا ضيف كريم يأتي في أيام معدودات ليرحل بعدها، ونحن حياله إما فائز بالمغفرة ورفع الدرجات أو مضيع للأوقات لا ينال عند رحيل رمضان إلا الحسرات.

فلنحذر أن نكون من المضيعين الذين لا يعدون العدة لاستقبال خير الشهور، ثم لا يأبهون بحسن التعامل في أيامه ولياليه، فإن الأمر جلل والمصيبة عظيمة عندئذ.

فقد نقل لنا رواة الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( آتاني جبريل عليه وسلم فقال: رغم أنف من ذكرت عنده فلم يصل عليك: فقلت آمين , ثم قال: رغم أنف امرئ أدرك أحد أبويه أو كليهما فلم يدخل الجنة , فقلت: آمين، ثم قال: رغم أنف من أدرك رمضان فلم يغفر له , فقلت آمين )،،، فدعوات يا أحباب دعاها جبريل عليه السلام وأمن عليه الحبيب صلى الله عليه وسلم ما ظنكم بها,,,؟

 

لأنه بعد كل هذه الفرص الثمينة في الشهر الكريم وكل البركات والمنح هناك للأسف من يزهد فيها ويضيعها فلا ينال إلا الخسران ونعوذ بالله من الخذلان.

ولعلي في هذا المقال أتحدث عن خطوات تعين على الاستعداد لشهر رمضان الكريم، فأقول وبالله التوفيق:

1-    معرفة مميزات شهر رمضان وتذكر عظيم ميزاته، ولعل التأمل في الآيات القرأنية التي تتحدث عن شهر رمضان في سورة البقرة والوقوف على تفسيرها وتدبر معانيها يعين على هذا الأمر، كما أن الاطلاع على الأحاديث النبوية التي تتحدث عن فضائل شهر رمضان وتحث على زيادة الصالحات فيه يزيد من همتنا في الإقبال على الطاعات في هذا الشهر الكريم، ولعلي أذكركم بحديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه: ( إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين ) رواه البخاري ومسلم ،، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه )، وفي الحديث القدسي الذي رواه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ( يقول الله عز وجل : كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزى به، ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريج المسك ).

2-      دراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تقربنا منه وتعرفنا عن حاله مع رمضان، فقد كان كما وصفته السيدة عائشة - رضي الله عنها- أنه كان يتعبد في رمضان ما لا يتعبد في سواه، وها هو عبدالله بن العباس رضي الله عنهما يصف كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، فيقول: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة ).

3-    الوقوف عن أحوال الصحابة والصالحين في الاستعداد لرمضان والقيام بحق ضيافته، فقد كان يستشعرون عظمة هذا الشهر الفضيل فكان يدعون الله عز وجل أن يبلغهم شهر رمضان قبل رمضان بستة أشهر ثم منذ شهر رجب يحضرون أنفسهم لاستقبال رمضان بكثرة الصيام وقراءة القرآن والتوبة والإقبال على الطاعات، وعندما يأتي شهر رمضان يجتهدون في العبادة أعظم ما يكون الاجتهاد بالصلاة وقيام الليل وتقديم الصدقات وبذل المعروف، فإذ انقضى رمضان كانوا يكثرون من الدعوات أن يتقبل الله منهم أعمالهم في هذا الشهر الكريم ويكثرون من الدعاء بالقبول لمدة تقارب الستة أشهر، وهكذا نجدهم يقدرون هذا الشهر حق قدره ويجعلونه محط اهتمامهم طول العام لأنهم عرفوا عظيم منزلته وتفطنوا للمنحن الربانية فيه فاغترفوا منها واستثمروا أوقاتهم لينالوا كنوزها الثمينة ويحصلوا على جوائزها الكريمة.

4-    ومن الأمور التي تعين على ترقية أحوالنا في شهر رمضان إعداد العدة قبل مجيئه فهو ضيف يأتي في موعد معلوم فمن الأدب أن نتهيأ لاستقباله، وعلى قدر الاستعداد يأتي الإمداد الإلهي من منح وجوائز وأجور مضاعفة، فلا ننتظر ونقول لما يأتي رمضان سنتغير ونبذل جهدنا في الطاعات بل علينا ترتيب أمورنا ووضع خططنا للعبادة والطاعة قبل أن نبشر بظهور هلاله الجميل.

5-    وشهر شعبان يعد تربة خصبة علينا أن نسقي فيه بذور الخير في نفوسنا ونزكيها ونرقيها بالتقرب إلى الله بالطاعات والمسارعة في الخيرات من صيام وقيام وقراءة للقران وتقديم الصدقات، ولشهر شعبان فضله وقد كان من الشهور التي يكثر فيها النبي صلى الله عليه وسلم من الصيام، فقد أخرج النسائي في سننه عن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما - قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان فأحببت أن يرفع عملي فيه وأنا صائم )، وكان الصحابة والصالحون يكثرون من النوافل والطاعات في شهر شعبان وذلك تدريبا لأنفسهم وتهيئة لها حتى يدخلوا شهر رمضان وهم أزكى نفوسا وأرق قلوبا وأسمى أرواحا، ولأن هذا الشهر هو شهر ترفع فيه الأعمال لذا يريدون أن يرتقوا بأعمالهم في هذا الشهر لتكون في أروع صورة، فلا غرو أن نجد بين الصالحين تسابقا وتنافسا في النوافل والطاعات خاصة قراءة الكريم حتى عرف بشهر القراء، ولعلهم ينشدون هدفا جليلا بكثرة قراءة القرآن وتدبره وذلك للرفع من مستوى حفظهم من كتاب الله وتجديد علاقتهم معه ليكونوا في أحسن وأروع حال مع القرآن في شهر القرآن.

6-    إخلاص النية، من أهم الأمور التي تعين على التوفيق في الإقبال على الطاعات وهو ولا شك أساس القبول للأعمال والله تعالى يقول في كتابه: ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا )الكهف من الآية 110، والمفسرون قالوا أن من شروط قبول العمل الصالح أن يكون وفقا لشرع الله وأن يكون خالصا لله، والإخلاص يثمر العمل وينميه ويجعل التوفيق والسداد رفيقا له، قال تعالى: ( فعلم الله مافي قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا) من الآية 18سورة الفتح، فعلى المسلم استحضار النية بحسن استقبال شهر رمضان وعقد العزم على صيامه وقيامه والإكثار من الطاعات فيه، وهو بهذا يشحذ همته ويوطد نفسه ليكون من أهل الخيرات في الشهر الكريم وهو بحسن نيته يكتب له ما عزم عليه حتى لو حالت الظروف من مرض أو غيرها فحدث منه تقصير في الطاعات في الشهر الكريم، بل حتى لو أدركته المنية فإنه بنيته سيكون في قوائم الصائمين القائمين لإخلاصه وصدق نيته.

7-    ومما يعين على استقبال يليق بالشهر الكريم التخطيط ووضع البرامج لاستثمار أوقاته والقيام بالأعمال الصالحة فيه فيضع الإنسان جدول لختم القرآن ويخصص أمولا للنفقات وأزمنة للنوافل ويدخل مع مجموعات تطوعية أو يبحث عن طرق لمساعدة الآخرين، ويتفاعل مع الصفحات التي تحض على المسارعة في الخيرات، ويتفقد جيرانه وأقاربه ويخصص لهم جانبا من أمواله يدعمهم به في شهر رمضان، ويساهم من الآن في التذكير بفضائل وفقه الشهر الفضيل.

8-    وعلى المسلم أن يبدأ قبل شهر رمضان في البعد عن الملهيات ومضيعات الأوقات من مسلسلات تافهة وبرامج سئية تهدم القيم وتفسد الأخلاق وتقتل الأوقات، فلا بد من مجاهدة النفس للابتعاد عنها حتى لا نستمرعليها في شهر رمضان فتسرق منا أثمن الأزمان وتبعدنا عن رضا الرحمان في شهر القرآن. 

أسال الله أن يبلغنا وإياكم رمضان ونحن بأحسن حال ويجعلنا فيه من المقبولين الفائزين.

زهرة سليمان أوشن

 

تعليقات

الكلمات الدلالية