سلسلة: ﴿وذكرهم بأيام الله﴾
كيف يصنع القرآن الكريم من إنسان يرتجف خشيةً من زلزلة الساعة، رجلاً يُمكَّن في الأرض ويُقيم فيها دين الله؟
هذا هو السؤال الذي تجيب عنه سورة الحج في رحلة متكاملة المراحل، تبدأ باليقين، وتمرّ بالتعظيم والاستسلام، ولا تتوقف إلا عند التمكين.
أولاً: رحلة بناء اليقين ؛ زلزلة الساعة ودلائل القدرة على البعث
يبدأ بناء المسلم من يقين بحتمية لقاء الله، وأن في ذلك اليوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وأن ذلك اليوم فيه من الأهوال ما يجعل الكيِّس لا يغفل عنه.
قال الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج: 1-2].
قال السعدي: "{ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ } لا يقدر قدره، ولا يبلغ كنهه، ذلك بأنها إذا وقعت الساعة، رجفت الأرض وارتجت، وزلزلت زلزالها، وتصدعت الجبال، واندكت، وكانت كثيبًا مهيلًا، ثم كانت هباءً منبثًا. فهناك تنفطر السماء، وتكور الشمس والقمر، وتنتثر النجوم، ويكون من القلاقل والبلابل ما تنصدع له القلوب، وتجل منه الأفئدة، وتشيب منه الولدان، وتذوب له الصم الصلاب."
ولمّا كان المنكرون يجادلون في البعث بغير علم، أقام الله عليهم الحجة من أنفسهم ومن الآفاق:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5].
آية تأخذك في رحلة متكاملة؛ تبدأ من خلقك من تراب، ثم تنقلك في مراحل متتالية في الرحم لتبيّن لك كمال قدرة الله وإبداع خلقه، ثم تخرج إلى هذه الدنيا طفلًا، فتنمو وتترعرع حتى تبلغ أشدَّك.
فهل يعقل أن أمدَّك الله بهذا الخلق التام، وأمرك ونهاك، ثم قبض روحك، لتُوارى التراب دون رجعة؟! كما قال الدهريون منكرو البعث: "إن الدنيا أرحام تدفع وأرض تبلع وليس وراء ذلك شيء."
انظر إلى الأرض الميتة الهامدة، فإذا أنزل الله عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج. فهذا تشبيه يثبت أن الذي يحيي الأرض الميتة قادر على بعث العظام وهي رميم؛ فكما أخرج النطفة من قرار الرحم طفلًا، سيُخرج الجثة من قرار التراب خلقًا جديدًا يوم الحشر.
فكيف يتسرب الشك في حتمية لقاء الله إلى قلب عاقل، وقد رأى أدلة قدرته في النفس وفي الآفاق؟
ثانياً: من التعظيم إلى الاستسلام إلى الإخبات ؛ مدرسة الحج والشعائر
حين يتفكر المؤمن في آيات الله الكونية، فيرى الشمس والقمر والنجوم والجبال والأرض وما فيها من مخلوقات عظيمة خاضعة لخالقها تسير على نظام بديع، يكون قلبه خاشعًا لله، مدركًا أن الذي خلق هذه المخلوقات العظيمة هو الخالق القوي العزيز.
وما أبلغَ دلالة هذه الآية في هذا السياق:
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18].
قال ابن الجوزي متأملًا هذه الآية: "رأيتُ الجماداتِ كُلَّها قد وُصِفَت بالسجودِ، واستثنى مِن العقلاءِ. فقلتُ: إنَّ هذه لقدرةٌ عظيمةٌ؛ يوهَبُ عَقلٌ للشَّخصِ، ثمَّ تُسلَبُ فائدتُه! وإنَّ هذا لأقوى دليلٍ على قادرٍ قاهرٍ، وإلَّا فكيف يَحسُنُ من عاقلٍ ألَّا يعرِفَ بوجودِه وجودَ مَن أوجدَه؟!"
وقال الله تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الحج: 62].
فالله هو الحق الثابت، وما سوى الله فهو باطل زائل، وهو العلي الذي لا شيء فوقه، الكبير الذي لا أعظم منه. ومهما بلغ بنا التعظيم، فإن الله أعظم وأجلّ مما نتصور:
قال الله تعالى: {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 74].
هذا التعظيم حين يَستقِرُّ في القلب، يتحوّل إلى استسلام عملي. فالحاج حين يسمع دعوة إبراهيم عليه السلام التي أُذَّنَ فيها بالحج ولا وجود يومئذٍ للبشر، يمتثل قلبا وجوارحا:
قال تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 27-28].
يستسلم لأمر ربه فينزع عنه ثياب المخيط، ويترك أهله وماله، ويطوف بالحجر ويرمي بالحجر، ويلبّي قائلًا: "لبيك اللهم لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك."
قال تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29].
قال السعدي: "{ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } أي: القديم، أفضل المساجد على الإطلاق، المعتق من تسلط الجبابرة عليه."
وهكذا تقوم الشعائر لتُعلن بصوت مسموع: التعظيم لله وحده.
قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج: 30].
وقال: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32].
فتعظيم الشعائر والحرمات ليست طقوسًا خارجية، بل هي عنوان ما في القلب. وهكذا تبني مدرسة الحج في القلب الإخبات، وهو الخضوع والطمأنينة والانكسار لله.
قال الله تعالى: {فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [الحج: 34].
وقال: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} [الحج: 54].
غير أن الناس لا يستوون أمام هذا الحق. فالقلوب تتفاوت تفاوتًا عظيمًا في الاستجابة له.
ثالثاً: القلوب بين البصيرة والعمى؛ أصناف الناس في مواجهة الحق
قال ابن القيم: "قد جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ القَلْبَ يُبْصِرُ ويَعْمى، كَما تُبْصِرُ العَيْنُ وكَما تَعْمى. فالقَلْبُ يَرى ويَسْمَعُ، ويَعْمى ويَصِمُّ، وعَماهُ وصَمَمُهُ أبْلَغُ مِن عَمى البَصَرِ وصَمَمِهِ."
فمن الناس التابع الجاهل الذي يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد.
قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [الحج: 3-4].
ومنهم المتبوع المتكبر الذي يعلم الحق ويُعرض عنه، يُثني عطفه كبرًا وغرورًا، ضالٌّ ومُضِلٌّ للخلق.
قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [الحج: 8-10].
ومنهم ضعيف الإيمان الذي يعبد الله على حرف؛ إن وجد مصلحته في الدين كان مع أهله، وإن وجد مصلحته في غيره انقلب على وجهه.
قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11].
أما المؤمن فقد أبصر بقلبه، فعظَّم الله واستسلم له، فامتثلت جوارحه من تلقاء نفسها: فأقام الصلاة وآتى الزكاة وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فاستحق بذلك وعد الله بالنصر والتمكين في الدنيا والجنة في الآخرة.
رابعاً: الإذن بالجهاد ؛ من التمكين القلبي إلى التمكين في الأرض
حين اكتمل التعظيم في القلب وتجلّى في الشعائر وميّز أصحابه من غيرهم، جاء الإذن بالجهاد ثمرةً طبيعية لا انفصالًا عمّا قبله.
قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39].
وقال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40].
قال ابن كثير: "لولا أنه يدفع عن قوم بقوم، ويكشف شر أناس عن غيرهم، بما يخلقه ويقدره من الأسباب، لفسدت الأرض، وأهلك القوي الضعيف."
وقال السعدي: "{ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ } أي: يقوم بنصر دينه مخلصًا له في ذلك، يقاتل في سبيله لتكون كلمة الله هي العليا. فأبشروا يا معشر المسلمين، فإن ركنكم القوي العزيز، فاعملوا بالأسباب ثم اطلبوا منه نصركم."
ثم تكشف السورة عن صفات أصحاب هذا التمكين الذين وعدهم الله به:
قال تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41].
قال السعدي: "فمن سلّطه الله على العباد من الملوك، وقام بأمر الله، كانت له العاقبة الحميدة، ومن تسلّط عليهم بالجبروت وأقام فيهم هوى نفسه، فإن عاقبته غير حميدة، فولايته مشئومة وعاقبته مذمومة."
خامساً: الوصية الختامية ؛ استيعاب الرحلة كلها في آيتين
وجاءت خاتمة السورة لتجمع المراحل الأربعة كلها في وصية واحدة شاملة:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج: 77-78].
قال السعدي: "{ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ } هو القيام التام بأمر الله، ودعوة الخلق إلى سبيله بكل طريق موصل إلى ذلك، من نصيحة وتعليم وقتال وأدب وزجر ووعظ وغير ذلك. { هُوَ اجْتَبَاكُمْ } أي: اختاركم يا معشر المسلمين من بين الناس، فقابلوا هذه المنحة العظيمة بالقيام بالجهاد فيه حق القيام."
خلاصة: مراحل الرحلة من التعظيم إلى التمكين
فمن اليقين بحتمية لقاء الله والاستعداد ليوم الزلزلة وأهواله، ومن التفكر في دلائل قدرة الله في الأنفس والآفاق: في أطوار خلق الإنسان، وفي قدرته على إحياء الأرض بعد موتها، وفي خضوع المخلوقات كلها لخالقها؛ تُبنى عقيدة المؤمن الذي يُؤله ربه محبةً وتعظيمًا.
ثم تأتي مدرسة الحج لتحوّل هذا التعظيم إلى استسلام عملي: لسان يلهج بالتلبية، وجوارح تطوف وترمي الجمرات وتذبح الأضاحي. فيوافق القلبُ الجوارحَ، ويُورث ذلك الإخباتَ والخشوع والانكسار لله.
ثم يُبصر هذا المؤمن بقلبه الحقَّ فينقاد له، ويُدرك الفرق بينه وبين من عمي قلبه عن رؤيته، فلا يُخدع بالتابع الجاهل ولا بالمتبوع المتكبر ولا يُغريه متاع ضعيف الإيمان.
فإذا وجب عليه الجهاد، لبّى ممتثلًا أمر ربه، يشدّ أزره يقين أن ربه ما يأمر ولا ينهى إلا بمقتضى حكمته، وأن الجهاد حياة للأمة ونصرة للدين، وبه تُحفظ الصوامع والمساجد وتُصان الأنفس والأعراض.
وهو في ذلك موعود بإحدى الحسنيين: إما الشهادة في سبيل الله، أو النصر والتمكين من فضل رب العالمين.
{فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ}
اكتب مراجعة عامة