img
img

بـيـان حـقـوقـي في جريمة اعتراض أسطول الصمود وإذلال ناشطيه

img
الشبكة

بـيـان حـقـوقـي في جريمة اعتراض أسطول الصمود وإذلال ناشطيه


"لماذا تحرّك الغرب لمواطنيه ولم تتحرك حكومة عربية واحدة لأبنائها؟"

19 مايو 2026


بسم الله الرحمن الرحيم


المقدمة ؛ حين يصمت الحق أمام القوة

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (إبراهيم: 42)

وقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأنعام: 129)

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته) (متفق عليه)



من المقرر في الفقه الإسلامي والسياسة الشرعية أن النصرة واجبة على كل مسلم قادر؛ فقد قرّر الأئمة أن الأمة الإسلامية جسد واحد لا تنفصل أعضاؤه، وأن الاعتداء على جماعة المسلمين الساعين إلى إيصال الحق اعتداء على الأمة جمعاء. وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ (النساء: 75)، وفي هذا دلالة واضحة على أن الصمت إزاء الظلم الواقع على المستضعفين مخالف صريح لمقتضيات الإيمان والشريعة.

وقد أكد الفقهاء في باب النهي عن المنكر أن أضعف الإيمان الإنكار بالقلب؛ غير أن الإنكار اللساني والبياني واجب على العلماء والمفكرين حين تُرتكب الجرائم جهاراً نهاراً أمام الخلق. وما جرى في عرض البحر مع ناشطي أسطول الصمود ليس حادثة عابرة، بل هو جريمة موثّقة ذات أبعاد إنسانية وحقوقية ودينية، تستوجب البيان والتوثيق والمناهضة بكل الوسائل المشروعة.


أولاً؛ الوقائع الموثّقة (جريمة في عرض البحر)

في التاسع عشر من مايو 2026، اعترض الكيان الصهيوني المحتل أسطول الصمود العالمي، وهو قافلة إنسانية سلمية تحمل ناشطين من عشرات دول العالم، كانت في طريقها لكسر الحصار الجائر المضروب على غزة منذ سنوات.

لم يكن على متن هذا الأسطول أسلحة. لم يكن فيه مقاتلون. كان فيه أصوات إنسانية رفضت الصمت أمام المجاعة المتعمّدة والحصار المُجرِّم. فكان جواب قوات الاحتلال: الاعتراض في عرض البحر، واعتقال أكثر من 470 ناشطًا وسوقهم إلى ميناء أسدود مكبّلين، معصوبي الأعين، مطروحين على الأرض.

وتشمل الانتهاكات الموثّقة بالتقارير الدولية والمقاطع المصوّرة ما يلي:

(أ) تقييد الحركة؛ الناشطون مكبّلو الأيدي ومطروحون على الأرض.

(ب) تغطية الأعين؛ ظهور الناشطين معصوبي الأعين في المقاطع المصوّرة.

(ج) الإجبار على الإذلال؛ إجبار الناشطين على الاستماع للنشيد الإسرائيلي (هتيكفا) قسراً.

(د) الإهانات اللفظية؛ وصفهم بـ(الإرهابيين وداعمي القتلة) وهو توصيف يستهدف تبرير الجريمة بعد ارتكابها.

(هـ) التحريض العلني؛ المطالبة بإطالة أمد الاحتجاز دون وجه حق.


ثانياً؛ مشهد الإذلال المتعمَّد (بن غفير المختل والتلذّذ بالقهر)

ثم جاء ما هو أشدّ فضاحة من الاعتقال ذاته. أقبل إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال، ليجسّد أمام الكاميرات شخصية نادرة في صفاقتها وتبجّحها؛ رجل يتفرّج على معتقلين مكبّلين ومعصوبي الأعين مطروحين على أرض الاحتجاز، فلا يجد في نفسه سوى البهجة والتفاخر.

نشر مقاطع المهانة بنفسه، وكأنه يريد للعالم أن يرى. وكأن الإذلال في حدّ ذاته هو الرسالة. وأمر من حوله: (إياكم أن تتأثروا بصراخهم).

هذه الجملة وحدها تستحق أن تُحفر في سجلات المحاكم الدولية؛ لأنها تكشف عن وعي مسبق بأن ثمة ألمًا يصرخ، وقرار واعٍ بتجاهله والأمر بتجاهله. هذا ليس غياب رحمة؛ هذا استمتاع موثَّق بالقسوة، وهو ما يُدرجه القانون الدولي الإنساني في خانة الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف.

ولم يكتفِ بذلك؛ بل طالب رئيس وزرائه باحتجاز الناشطين لأمد طويل. ومن المفارقات اللافتة أن يتحوّل وزير يُفترض فيه صون القانون إلى منادٍ علني بانتهاكه، دون أي حرج أو تحفّظ.


ثالثاً؛ القانون الدولي (درع للأقوياء وسجن للضعفاء)

عشر دول أوروبية وكندا استدعت سفراء الكيان. فرنسا والنمسا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا وإيطاليا واليونان والبرتغال وتركيا وكندا؛ كلها تحرّكت في ساعات، وأدانت وطالبت وتوقّعت اعتذارات.

لماذا تحرّكت؟ لأن بين المعتقلين مواطنين من دولها.

وهنا يكشف القانون الدولي عن وجهه الحقيقي في هذا العالم المختل؛ لا تُستدعى السفراء دفاعاً عن العدالة المجردة، بل دفاعاً عن جواز السفر. الناشط الفرنسي المعتقل (مواطن يجب الإفراج عنه). أما الفلسطيني المعتقل في زنازين الاحتلال منذ سنوات بلا محاكمة، فذاك شأن آخر تماماً.


إن القانون الدولي في صيغته الراهنة ليس مبدأً؛ بل هو أداة. يُوظَّف حين تقتضي المصالح، ويُجمَّد حين تأبى. والشاهد أن محكمة العدل الدولية أصدرت أوامرها بإدخال المساعدات الإنسانية لغزة، فلم يُعبأ بها. وطالت قائمة الانتهاكات الموثّقة حتى بلغت آلاف الصفحات في المحاكم الدولية، وما زالت المجاعة مستمرة والحصار قائماً.


رابعاً؛ الصمت العربي الرسمي (الفضيحة الأخرى)

هنا يجب أن نتوقف طويلاً.

عشر حكومات غربية تحرّكت لأن بين المعتقلين مواطنين من دولها. فأين الحكومات العربية؟

هل خرج وزير عربي واحد ليطالب بالإفراج عن الناشطين العرب في الأسطول؟ هل استُدعي سفير الكيان في عاصمة عربية واحدة؟ هل صدر بيان رسمي عربي واحد بمستوى ما صدر عن النمسا وبلجيكا وإسبانيا؟

الصمت هو الجواب. وهو في حدّ ذاته موقف سياسي.

الحكومات الغربية تحرّكت لأن لها مواطنين في الأسطول. وهذا واجبها، ولا نلومها عليه. لكننا نتساءل بمرارة؛ أين تضع المؤسسة الرسمية العربية أسطولاً يمشي إلى غزة مشياً إنسانياً؟ في خانة المتفرّجين؟ أم تُصنّفه بذات المصطلحات التي يُصنّفه بها بن غفير نفسه؟

إن الصمت العربي الرسمي عن أسطول الصمود ليس مجرد فشل دبلوماسي؛ إنه خذلان حضاري بكل ما تحمل الكلمة. 


ختاما ؛ والتاريخ لا يفقد ذاكرته

أسطول الصمود لم يُوقَف لأنه كان خطراً أمنياً. أُوقف لأنه كان شاهداً. ولأن الصورة التي كانت ستصل من داخل غزة كانت ستفضح ما يُراد إخفاؤه.

وبن غفير حين نشر مقاطع الإذلال لم يُخطئ في الحساب من وجهة نظره؛ هو يعلم أن جمهوره الداخلي يُكافئ القسوة. لكنه قدّم للعالم وثيقة إدانة ذاتية نادراً ما تُقدّمها الأنظمة المحتلة بيدها.

وفي الميزان الشرعي؛ قرّر العلماء أن الظالم وإن طال أمده فإن سنة الله في خلقه لا تتبدّل. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: 105). فالوعد الإلهي بنصرة المستضعفين ثابت؛ غير أنه مشروط بالصدق والثبات والعمل.

وإن ما يُوثَّق اليوم من انتهاكات لن يذهب إلى النسيان؛ فالأمم التي ظنّت أنها فوق المساءلة قد جاءتها المساءلة من حيث لم تحتسب. والتاريخ يحمل في صفحاته شواهد كثيرة على أن الجرائم المنسية لا تبقى منسية إلى الأبد.

وتبقى كلمة الحق واجبة؛ (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا البيان شاهد على أن أصواتاً ترفض الصمت، وأقلاماً تأبى الاستسلام، وضمائر لا تزال حية في هذه الأمة.



العدالة قد تتأخر. لكن الله لا يغفل. والتاريخ لا يفقد ذاكرته.




الصادر عن:

الأستاذ الدكتور عصام اشويدر الحسني

رئيس شبكة الرواد الإلكترونية

الرئيس العام للمنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

21 مايو 2026

تعليقات