كيف يستثمر الفرد والمجتمع والأمة نسمات ذي الحجة
نظرةٌ تكاملية في ضوء الوحي وعلم النفس
سلسلة : جسور بين التوجيه الشرعي والإرشاد النفسي
كتبه : الاستاذ الدكتور عصام اشويدر
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية
ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان
سلسلة : جسور بين التوجيه الشرعي والإرشاد النفسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
ملخص
تنفرد العشر الأُوَل من ذي الحجة بخصيصةٍ فريدة في التقويم الإسلامي؛ فهي وحدها التي أقسم الله بها في كتابه الكريم، واتفق أهل التفسير على أنها أفضل أيام الدنيا على الإطلاق. غير أن هذا الفضل لا يُدرَك بمجرد المعرفة؛ فالإدراك الحقيقي هو ما يُحوَّل إلى طاقة دافعة على مستوى الفرد والمجتمع والأمة.
يسعى هذا المقال إلى بناء جسرٍ تحليلي بين الفهم الشرعي لهذه العشر -من تفسير وفقه وتزكية - وبين ما أرسته علوم النفس من نظريات التحفيز والمعنى والصمود الجمعي. وينتهي إلى أن الأمة المبتلاة لا تحتاج إلى فرصة أقدر على إعادة هيكلة روحها وتوحيد كلمتها من هذه العشر المباركة؛ إن أحسنت استثمارها.
المحور الأول: القَسَم الإلهي ؛ حين يُقسم الخالق بالزمان
أولاً: التحليل اللغوي والتفسيري
مطلع سورة الفجر يُعلن ما لا يُعلَن في غيره:
﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾
القَسَم في القرآن ليس زينةً بلاغية؛ بل هو تعظيمٌ من الله لما أقسم به، وتنبيهٌ للعقول إلى قيمة ما يُشير إليه. وقد اتفق جمهور المفسرين ' ومنهم ابن كثير والطبري والقرطبي والسعدي' على أن المقصود بـ﴿لَيَالٍ عَشْرٍ﴾ هي العشر الأُوَل من ذي الحجة. ولم يُقسم الله في القرآن بزمانٍ مُعيَّن بأيامه العشرة إلا هذه المرة.
وقد أضاف السعدي في تيسير الكريم الرحمن: إن الله إذا أقسم بشيء من مخلوقاته فذلك دليلٌ على شرفه وعلو قدره. فكيف إذا كان المُقسَم به زماناً يجتمع فيه أفضل الأعمال وأعظم الشعائر؟
ثانياً: التوطئة النفسية ؛ ماذا يفعل القَسَم بالإنسان؟
في علم النفس المعرفي، ثمة مفهوم يُسمى التأطير السياقي (Contextual Framing)؛ وهو أن الطريقة التي يُقدَّم بها الشيء تُغيّر تقييمنا لأهميته وسلوكنا تجاهه. فحين يُقسم ربُّ العالمين بهذه الأيام -وهو غنيٌّ عن كل قَسَم - فإنه يُعيد تأطير الزمان في الوعي الإنساني إعادةً جذرية. الأيام العشر لم تعد مجرد أيام من أيام العمر؛ بل صارت موسماً له ثقلٌ وجودي خاص.
وهذا ما يُفسّر ظاهرة نفسية يعرفها كل من شهد أجواء هذه العشر: أن الإنسان يُحسّ فيها بدافعية لا تُحسّ في غيرها، وبرغبة في التحوّل لا تُستثار في زمنٍ عادي. ليس لأن في الهواء شيئاً مادياً مختلفاً؛ بل لأن اليقين بفضل هذه الأيام يُعيد بناء الدافعية الداخلية من جذورها.
المحور الثاني: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحبّ إلى الله» ؛ التحليل التفسيري والنفسي
أولاً: حديث الفضل وما يترتب عليه
"ما من أيام العمل الصالح فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام ، يعني أيام العشر. قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء" رواه البخاري
هذا الحديث يحمل بنيةً استثنائية في التعبير النبوي. السؤال الذي وجّهه الصحابة - ولا الجهاد؟ - كان أعظم ما يتصوّرونه من العمل، فكان الجواب: بلى، وهذه الأيام أحبُّ إلى الله. ثم يُضيّق النبي صلى الله عليه وسلم حتى تلك الاستثناء: إلا الشهيد الذي أنفق نفسه ومالاً ولم يعد.
المعنى الشرعي: أن فضل هذه الأيام ليس مرتبطاً بعملٍ واحد؛ بل بالعمل الصالح في عمومه. فالصلاة فيها أفضل، والصيام فيها أفضل، والذكر فيها أفضل، والصدقة فيها أفضل. وهذا يعني أن الزمان نفسه يضاعف.
ثانياً: التحليل النفسي ؛ نظرية التضخيم الزمني للدافعية
في نموذج سيليغمان (PERMA) للازدهار النفسي، يُحتلّ المعنى (Meaning) مكانةً محورية؛ إذ يرى أن الفعل المرتبط بهدفٍ أكبر من الذات يولّد طاقةً تحفيزية لا يُنتجها الفعل المنفصل. وهذا بالضبط ما تصنعه هذه العشر: فالعمل لم يتغيّر في طبيعته، لكنه ارتبط بزمانٍ له وزنٌ عند الله، فاكتسب من هذا الارتباط معنىً تجاوز حدود الفعل ذاته.
وتُؤكّد نظرية تحديد الأهداف (Goal-Setting Theory) لـ Locke وLatham أن الأهداف المحددة زمنياً (Time-bound) أكثر إنجازاً من الأهداف المفتوحة. فمن قرر أن يختم القرآن «يوماً ما» أقل التزاماً ممن قرر إتمامه في هذه الأيام العشر تحديداً. الزمان المحدود والموسوم بالفضل يُجسّد هدفاً واقعياً قريباً يُطلق الطاقة الكامنة.
ولهذا كانت الحكمة النبوية في تحديد الفضل الزمني بدقة
- لا «صوموا ما استطعتم» بل «هذه الأيام العشر تحديداً» - إعادةَ هيكلةٍ للدافعية الإنسانية وفق ما أثبته علم النفس لاحقاً بعقود.
المحور الثالث: الاستثمار النفسي الفردي ؛ من المعرفة إلى التحوّل
أولاً: الصيام والذكر ؛ أدوات التنظيم الذاتي
أوصى النبي صلى الله عليه وسلم باستكثار الذكر في هذه الأيام:
"فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد"
رواه أحمد، وصحّحه الأرناؤوط
وصيام التسع - ولا سيما يوم عرفة - ليس طقساً منعزلاً؛ بل ممارسةٌ تُفعّل ما يُسمّيه علماء النفس
التنظيم الذاتي (Self-Regulation)؛ أي القدرة على تأجيل اللذة الفورية لصالح غايةٍ أعلى. ودراسات Baumeister وTierney في كتابهما «قوة الإرادة» (Willpower) تُثبت أن ممارسة ضبط النفس في مجالٍ واحد تُقوّي الإرادة في مجالات أخرى. الصائم في هذه الأيام لا يكتسب أجراً فحسب؛ بل يُعيد بناء عضلة الإرادة في نفسه.
ثانياً: يوم عرفة ؛ ذروة العود إلى الذات
يوم عرفة يومٌ لا نظير له في التقويم الإسلامي من حيث التركيز الروحي:
"ما من يوم أكثر من أن يُعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يُباهي بهم الملائكة" رواه مسلم
قال السعدي في تفسيره تعليقاً على مفهوم الوقوف: «إن في الوقوف بعرفة ذلّاً وانكساراً بين يدي الله، وهذا هو جوهر العبودية». وما وصفه السعدي بلغة التفسير هو ما يُسمّيه علم النفس الإيجابي التسامياً (Transcendence)؛ تلك اللحظة التي يُحسّ فيها الإنسان بأنه جزءٌ من كلٍّ أعظم. وهي - وفق Seligman - من أعلى مستويات الفلاح النفسي.
والمسلم الذي لم يُدرك الحج يُشارك في هذا اليوم بالصيام والدعاء. والمشاركة الرمزية في الحدث الكبير - وفق نظرية الهوية الاجتماعية لـ Tajfel وTurner - تُعزّز الانتماء للأمة وتُولّد ما يُسمّيه علماء النفس «الفخر الجمعي المنعكس» الذي يُقوّي الهوية ويزيد الانخراط.
ثالثاً: الإنسان كيانٌ مُهيَّأ للتجدد ؛ الاستجابة للمواسم
يُثبت علم الأعصاب - ولا سيما أعمال Doidge في «الدماغ الذي يُغيّر نفسه» (The Brain That Changes Itself) - أن الدماغ قادرٌ على إعادة برمجة ممراته العصبية عبر ممارسات متكررة في سياق مُحفِّز. وهذا ما تصنعه العشر: فهي تجمع بين السياق المُحفِّز (فضل الزمان) والممارسات المتكررة (صيام، ذكر، دعاء، قراءة) والمعنى الوجودي الذي يُمدّ الممارسة بالطاقة والقوة. هذا الثلاثي مجتمعاً هو الوصفة التي يصفها علم الأعصاب لإعادة بناء الذات.
والذي يُعيق هذا التجدد أحياناً ليس ضعف القدرة؛ بل الأفكار المُثبِّطة: «انتهى موسمي»، «ما تغيّرت من مدة»، «هذه الأيام مثل غيرها». وقد أثبت علم النفس المعرفي - عبر أعمال بيك (Beck) - أن هذه الأفكار تشوّهاتٌ معرفية لا حقائق، وأن تحديها بالشواهد الشرعية والتجارب المتكررة الناجحة هو مدخل التحوّل الحقيقي.
المحور الرابع: البُعد الاجتماعي ؛ حين تتحوّل العشر إلى طاقة وقوة جمعية
أولاً: الشعيرة الجامعة ؛ الحج نموذجاً للوحدة الإنسانية
الحج أكبر تجمّعٍ بشري سنوي على وجه الأرض؛ ملايين البشر من كل لونٍ وجنسٍ ولغة، يرتدون لباساً واحداً ويقفون في موقف واحد ويُهلّلون بصوت واحد. هذا ليس مشهداً عابراً؛ بل هو تجسيدٌ فعلي لما يُسميه علم النفس الاجتماعي الهوية الموحَّدة العابرة للانتماءات (Superordinate Identity)؛ وهي تلك الهوية الأعلى التي تُذيب الفوارق الفرعية وتُوحّد الجماعات المتباينة حول قاسم مشترك. وقد أثبت Gaertner وDovidio أن بناء هوية مشتركة أعلى هو أنجع وسيلة للحدّ من التعصب الجمعي وبناء التعاون بين الجماعات المختلفة.
والأمة الإسلامية المتفرقة اليوم لا تحتاج إلى خطابٍ لتذكيرها بوحدتها؛ بل تحتاج إلى شعيرة تُجسّد هذه الوحدة في الجسد والحركة والمكان. والحج يفعل ذلك سنوياً.
ثانياً: التكبير الجماعي ؛ أثر الشعيرة المسموعة في الروح الاجتماعية
التكبير المأثور في هذه الأيام - خاصةً في أيام التشريق - ليس مجرد ذكرٍ فردي؛ بل شعيرةٌ تُؤدَّى جماعةً في الأسواق والمساجد والبيوت.
تُثبت دراسات الوباء العاطفي (Emotional Contagion) التي أجرتها Hatfield وزملاؤها أن المشاعر تنتقل بين الأفراد عبر التعابير والأصوات المشتركة. التكبيرُ الجماعي المرتفع يُعيد ضبط المزاج الجمعي؛ يُحوّل الأفراد المنفردين إلى جماعة تشعر بشيء واحد في آنٍ واحد. هذا التوافق العاطفي الجمعي (Emotional Synchrony) يُقوّي الترابط الاجتماعي ويُولّد ما وصفه Durkheim بـ «الحماس الجمعي» الذي يُعيد شحن الجماعة بطاقة التضامن.
وهنا يكمن بُعدٌ يغفل عنه كثيرون: التكبير في هذه الأيام ليس أداءً دينياً فردياً فحسب؛ بل هو أداةٌ لإعادة تشكيل الروح الجمعية للأمة على مدار الأيام العشر - أمة واحدة -
ثالثاً: الأضحية ؛ اقتصادٌ أخلاقي وتكافلٌ اجتماعي
الأضحية شعيرةٌ تجمع في بنيتها ثلاثة مستويات: عبادةٌ خالصة بالذبح لله، وتذكيرٌ بملّة إبراهيم عليه السلام والإمتداد له، وتوزيعٌ للخيرات على المجتمع. وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بإطعام الجيران والمساكين من الأضحية.
وهذا يُجسّد ما يُسمّيه علم النفس الاجتماعي التبادل الاجتماعي (Social Exchange)؛ غير أنه تبادلٌ لا يقوم على المصلحة المتبادلة بل على العطاء الخالص الذي يُعزّز تماسك المجتمع بصورةٍ لا يُنتجها التبادل المصلحي وحده. كذلك تُثبت أبحاث الرفاه النفسي - ولا سيما دراسات Dunn وزملائها - أن الإنفاق على الآخرين يُولّد سعادةً أكبر مما يُولّده الإنفاق على النفس؛ فيكون صاحب الأضحية في آنٍ واحد مُعطياً وراحةً نفسية يحصدها هو ذاته.
المحور الخامس: الأمة المبتلاة والعشر المباركة ؛ جسرٌ في زمن الأزمات
أولاً: السياق الأليم ؛ حين تكون الأمة في عين العاصفة
تمرّ الأمة الإسلامية في هذا الزمان بجملةٍ من الأزمات المتراكبة؛ من استلابٍ للأرض، وتمزّقٍ في النسيج الداخلي، وضعفٍ في الإرادة الجمعية، وهيمنةٍ خارجية تضغط على الهوية، و شريعة الله مغيبة عن الحكم والحياة العامة ، وعلماء ودعاة ومفكرين وشباب الصحوة في أقبية السجون . وفي مثل هذه الأحوال يُحدق خطران نفسيان جسيمان:
الأول: اليأس المكتسب (Learned Helplessness) الذي وصفه Seligman؛ وهو حين تتراكم الضربات فتتقلّص رقعة الإرادة في الوعي الجمعي حتى يظنّ الناس أن لا شيء في أيديهم.
والثاني: الإرهاق الوجودي (Existential Exhaustion)؛ حين يفقد الناس القدرة على الاهتمام لأن الثمن الانفعالي مرتفعٌ وأفق التغيير بعيد.
ثانياً: العشر ؛ دورةٌ سنوية لإعادة الشحن الجمعي
يُقرّر ابن القيم في «زاد المعاد» أن للعبادات أثراً في شحن الهمم وتجديد الحياة في القلوب؛ وهو ما يُسمّيه علم النفس المعاصر تجديد الموارد النفسية (Psychological Resource Renewal) في نظرية Hobfoll. فالبشر - كالأجسام - يحتاجون إلى دورات إعادة شحن، وكلّما كانت هذه الدورات مُنتظمة ومُهيكَلة كانت أكثر فاعلية في منع الإنهاك.
والعشر الأُوَل من ذي الحجة هي بالضبط دورةٌ سنوية مُهيكَلة لإعادة الشحن الجمعي: محدودةٌ زمنياً (عشرة أيام)، واضحةٌ معنوياً (أحبّ الأيام إلى الله)، ومتعددة الممارسات (صيام وذكر ودعاء وأضحية وصلة). هذه الهيكلة ذاتها تُجاوب حاجةً نفسية أساسية في الأمة المبتلاة ، الشحن الذي يجدد العزيمة ويرفع الهمة إلى نصرة الإسلام والمسلمين .
ثالثاً: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ ؛ الذاكرة الجمعية ودورها في الصمود
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ سورة البقرة، الآية 203
ذكرُ الله الجمعي في هذه الأيام لا يُشبع حاجةً روحية وحسب؛ بل هو - بلغة علم النفس الاجتماعي - إعادةُ تفعيلٍ للذاكرة الجمعية (Collective Memory). والذاكرة الجمعية - كما أثبت Halbwachs - هي الوعاء الذي تحفظ فيه الجماعاتُ هويتها حين تضيق الأحوال. فالأمة التي تُكبّر في أسواقها وتحيي يوم عرفة وتُؤدّي الأضحية إنما تقول لنفسها كل عام: نحن من نحن، ولا تُمحى هذه الهوية بضغط ولا بهزيمة.
رابعاً: قصة إبراهيم ؛ نموذج الصمود تحت الاختبار الأقصى
أحداث ذي الحجة ترتبط كلها بقصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: الهجرة إلى الوادي غير ذي زرع، والسعي بحثاً عن الماء، والبناء في الصحراء، وتسليم الولد للذبح. هذه القصة ليست تاريخاً يُحفظ؛ بل برنامجٌ يُستعاد.
يُقرّر Tedeschi وCalhoun في نظريتهما عن النمو ما بعد الصدمة (Post-Traumatic Growth) أن من أقوى آليات هذا النمو: الارتباط بقصص نماذج مقاومة سابقة (Narrative Role Models). فحين يَحُجّ المسلم ويطوف ويسعى، فإنه يُعيد تمثّل قصة إبراهيم في جسده وخطواته؛ فيُحدث هذا ما يُسمّى «التماهي السردي» (Narrative Identification) الذي يُقوّي الصمود الداخلي بطريقة لا يُقوّيها الخطاب الخارجي وحده.
والأمة التي تنكبّها الأزمات تحتاج - قبل الخطاب وبعده - إلى هذا التماهي الحيّ مع قصة الصمود الأعظم في تاريخ الإيمان.
المحور السادس: مقاربةٌ تركيبية ؛ الفرد والمجتمع والأمة في العشر
أولاً: على مستوى الفرد ؛ إعادة هيكلة الأولويات
الفرد المسلم يدخل العشر وهو يحمل عادةً أعباءً نفسية متراكمة: ضغوط العمل، وقلق المستقبل، وثقل الأخبار. وهذه الأعباء تصنع ما يُسمّيه Sweller «الحمل المعرفي الخارج» (Extraneous Cognitive Load)؛ أي معلومات وأحمال تستنزف الطاقة الذهنية دون أن تُنتج شيئاً.
العشر تفعل شيئاً مختلفاً: فهي تدعو الفرد إلى توجيه طاقته نحو ممارساتٍ لها أثرٌ مُثبَت في تخفيض القلق (الصيام والصلاة)، وبناء اليقين (الدعاء والتوكّل)، وتعزيز المعنى (ربط الفعل الصغير بالغاية الكبرى). وهذا بالضبط ما يصفه فرانكل بـ «إعادة التوجّه الوجودي».
والمسلم الذي يستثمر العشر استثماراً واعياً لا يخرج منها بأجرٍ وحسب؛ بل بـإعادة معايرة داخلية (Internal Recalibration): إعادة ضبط ميزان الأهمية في نفسه، وتجديد يقينه بأن الله حاضرٌ وأن العمل الصالح لا يضيع.
ثانياً: على مستوى المجتمع ؛ بناء رأس المال الاجتماعي
رأس المال الاجتماعي (Social Capital) - بتعريف Putnam - هو شبكة الثقة والتعاون والمعايير المشتركة التي تُمكّن الجماعة من العمل المنسّق. والمجتمع المسلم في العشر يُعيد بناء هذا الرأس المال بصورة منظّمة: صلاة العيد تجمع في ساحةٍ واحدة من لا يلتقون طوال العام، الأضحية تُعيد دورة العطاء بين الجيران والمحتاجين، التكبير الجماعي يصنع ذاكرةً سمعية مشتركة تُعزّز الانتماء. هذه الممارسات الثلاث مجتمعةً هي ما يُسمّيه علم الاجتماع «طقوس التضامن الاجتماعي» التي أثبت Collins قدرتها على إعادة شحن رأس المال الاجتماعي بصورة لا تُعوَّض.
ثالثاً: على مستوى الأمة ؛ إعادة تفعيل الروابط العابرة للحدود
في يوم عرفة يقف في صعيد واحد حجاجٌ من مئة وثمانين دولة أو يزيد. لا حدود ولا جوازات ولا هويات قومية. هذا الجمع لا تُنتجه قمم سياسية ولا معاهدات دولية؛ بل يُنتجه نداءٌ أزلي: «وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ».
والأمة التي تُعاني من تمزّق داخلي وضغط خارجي تجد في مشهد عرفة تذكيراً بالحقيقة التي يُحاول السياق أن يُغيّبها: أن هذه الأمة لم تزل واحدة، ولم تزل حاضرة، ولم تزل تُلبّي. وهذا التذكير الجمعي ليس من الكماليات الروحية في زمن الأزمات؛ بل هو من أقوى موارد الصمود الوجودي التي تحتاجها الأمة المبتلاة.
المحور السابع: ما يُضيفه الإيمان ؛ ما يقف عنده علم النفس
علم النفس يصف الظاهرة ويُفسّرها؛ أما الوحي فيمنحها بُعداً لا يملكه العلم وحده.
العشر من ذي الحجة ليست موسماً تحفيزياً يُصنعه الإنسان لنفسه كمواسم الإنتاجية الحديثة؛ بل هي عطيةٌ من الله. وهذا الفارق جوهري: حين يصنع الإنسان موسمه التحفيزي لنفسه فهو يعتمد على طاقته الداخلية وحدها، وهي قابلةٌ للنفاد. وحين يدخل المسلم العشر بوصفها منحةً ربانية فهو يستمدّ من مصدرٍ لا ينضب.
ابن القيم في «مدارج السالكين» يُقرّر أن «المعونة تنزل على قدر المئونة»؛ أي أن الله لا يُكلّف عبداً بعملٍ إلا وقد أعدّ له من العون ما يُمكّنه من أدائه. والمسلم في العشر لا يدخلها ليستنزف ما في جعبته؛ بل يدخلها ليستقبل ما يُفتح عليه.
وهذا الفارق الجوهري - بين الطاقة المُستَنزَفة والطاقة المُستَقبَلة - هو ما يُفسّر ظاهرةً يُلاحظها كل من اجتهد في هذه الأيام: أنه لا يشعر بالإنهاك الذي تتوقّعه المعادلة المادية، بل يجد طاقةً تأتي من حيث لا يحتسب.
وهنا يقف علم النفس وقد وصف كل شيء إلا هذا. لأن هذا ليس ظاهرةً نفسية وحسب؛ بل حقيقةٌ غيبية يعيشها الإيمان ولا تُدركها المعادلات.
المحور الثامن : إشارة مهمة و بسيطة مكررة بتركيز
من بركات هذه الأيام: التوازن النفسي والشحن الإيماني
العشر الأُوَل من ذي الحجة ليست موسم عبادةٍ مكثّفة فحسب؛ بل هي - لمن أحسن الدخول إليها - موسمُ توازنٍ نفسي حقيقي. فحين يُقبل العبد على ربه بالصيام والذكر والدعاء والتوبة، يجتمع في تجربته ما يعجز عنه أكثر البرامج النفسية تطوّراً: يقينٌ بأن ثمة من يسمع، وأملٌ بأن ثمة من يغفر، ومعنىً يُضيء لماذا أكون وأتعب وأسعى. هذا الثلاثي - اليقين والأمل والمعنى - هو ما يُسمّيه فرانكل جوهر الصحة النفسية؛ وهو ما تُسكبه العشر في روح من أقبل.
والشحن الإيماني الذي تصنعه هذه الأيام ليس انفعالاً عابراً؛ بل هو إعادة معايرة عميقة لبوصلة الروح. العبد الذي صام يوم عرفة وبكى في دعائه وأحسّ بالقُرب ؛ يخرج من ذلك اليوم وقد تغيّر شيءٌ في داخله لا يُعبَّر عنه بمصطلح. يخرج وقد أدرك من جديد أنه ليس وحده، وأن الحياة لا تنتهي عند حدود ما يرى.
أما المحروم في هذه الأيام فهو مَن نسي الله فأنساه الله نفسه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (سورة الحشر، الآية 19)
هذه الآية تحمل معادلةً نفسية دقيقة: نسيان الله لا يُفضي إلى فراغٍ محايد؛ بل يُفضي إلى ضياع النفس عن نفسها. فالإنسان الذي انقطع عن ربّه في هذه الأيام المباركة - وهو منشغلٌ بما هو دونها - لا يخسر أجراً فحسب؛ بل يخسر فرصة أن يلتقي بنفسه التي يبحث عنها. وعلم النفس يصف هذا الضياع بمصطلحات شتى - أزمة الهوية، وفقدان المعنى، والإرهاق الوجودي - لكنه يقف عاجزاً أمام علاجه الحقيقي الذي لا يكون إلا بالعودة إلى الله.
وما أبلغ أن يكون «نسيان النفس» جزاءً من جنس العمل: أنت نسيتَ الله فنَسِيَك الله لنفسك.
خاتمة: نسماتٌ لا تعود ؛ فكيف نستقبلها؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"افعلوا الخير دهركم وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله عز وجل نفحات من رحمته يُصيب بها من يشاء من عباده، وسلوا الله عز وجل أن يستر عوراتكم، وأن يؤمِّن روعاتكم"
رواه الطبراني وأبو نعيم صحيحٌ:راجع"الصحيحة" برقم (1890)
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"إن لربكم في أيام دهركم نفحاتٍ، ألا فتعرّضوا لها"
رواه الطبراني فيه كلامٌ ويتقوَّى بما قبله ومعناه صحيح والله أعلم.
«نفحات» ؛ جمع نفحة، وهي النسيم الخفيف الذي يمرّ ويمضي. لا يُوقفه أحد ولا يعود حين يفوت. وعشر ذي الحجة من أعظم هذه النفحات وأكثفها وأطولها. ثم تمضي.
ما تقدّم في هذا المقال يصبّ كله في حقيقة واحدة: أن هذه الأيام لا تكتفي بأن تكون فرصةً للتعبّد الفردي؛ بل هي - حين تُستثمَر بوعيٍ وجماعة - فرصةٌ لإعادة هيكلة الفرد من الداخل، وإعادة شحن المجتمع بروح التكافل والكفاح ، وإعادة تفعيل ذاكرة الأمة الجمعية ووحدتها في وجه ما يتهدّدها.
الأمة المبتلاة لا تحتاج إلى تسليةٍ عن بلائها؛ بل تحتاج إلى رصيدٍ يُعيد بناء إرادتها. وهذه العشر - حين تُعاش بكمالها - هي ذلك الرصيد.
وختاماً؛ ما زادني العلم الإنساني - النفسي وما سواه - إلا يقيناً وإيماناً بخالقي ومُرَبّيَّ الذي رعاني ورعى جميع العالمين بنعمه. ولا عزاء لمن أعرض عن فطرته وأنكر ما ركّبه الله في أعماقه؛ فنعِق بما لا يعلم وتقحّم ما لا يُحسن.
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
سورة الذاريات، الآية 55
المراجع
أولاً: المصادر الإسلامية التراثية
الطبري، محمد بن جرير — جامع البيان في تأويل آي القرآن.
ابن كثير، إسماعيل — تفسير القرآن العظيم.
القرطبي، محمد بن أحمد — الجامع لأحكام القرآن.
السعدي، عبد الرحمن ناصر — تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان.
ابن القيم، محمد بن أبي بكر — زاد المعاد في هدي خير العباد.
ابن القيم، محمد بن أبي بكر — مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين.
ابن تيمية، أحمد — مجموع الفتاوى.
النووي، يحيى بن شرف — المجموع شرح المهذّب.
ابن حجر العسقلاني، أحمد — فتح الباري شرح صحيح البخاري.
المناوي، محمد عبد الرؤوف — فيض القدير شرح الجامع الصغير.
ثانياً: مصادر علم النفس المعاصر
Baumeister, R. F., & Tierney, J. (2011). Willpower: Rediscovering the Greatest Human Strength. Penguin Press.
Beck, A. T. (1976). Cognitive Therapy and the Emotional Disorders. International Universities Press.
Collins, R. (2004). Interaction Ritual Chains. Princeton University Press.
Doidge, N. (2007). The Brain That Changes Itself. Viking Press.
Dunn, E. W., Aknin, L. B., & Norton, M. I. (2008). Spending money on others promotes happiness. Science, 319(5870), 1687-1688.
Frankl, V. E. (1959). Man's Search for Meaning. Beacon Press.
Gaertner, S. L., & Dovidio, J. F. (2000). Reducing Intergroup Bias: The Common Ingroup Identity Model. Psychology Press.
Halbwachs, M. (1950). La mémoire collective. Presses Universitaires de France.
Hatfield, E., Cacioppo, J. T., & Rapson, R. L. (1993). Emotional Contagion. Cambridge University Press.
Hobfoll, S. E. (1989). Conservation of resources: A new attempt at conceptualizing stress. American Psychologist, 44(3), 513-524.
Locke, E. A., & Latham, G. P. (1990). A Theory of Goal Setting and Task Performance. Prentice Hall.
Maslow, A. H. (1954). Motivation and Personality. Harper & Row.
Putnam, R. D. (2000). Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community. Simon & Schuster.
Seligman, M. E. P. (1972). Learned Helplessness. Annual Review of Medicine, 23(1), 407-412.
Seligman, M. E. P. (2011). Flourish: A Visionary New Understanding of Happiness and Well-being. Free Press.
Tajfel, H., & Turner, J. C. (1979). An integrative theory of intergroup conflict. In W. G. Austin & S. Worchel (Eds.), The Social Psychology of Intergroup Relations (pp. 33-47).
Tedeschi, R. G., & Calhoun, L. G. (1996). The Posttraumatic Growth Inventory. Journal of Traumatic Stress, 9(3), 455-471.
اكتب مراجعة عامة