img
img

حرب لا يريدها أحد، لكنها تعيد تشكيل العالم

img
المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

حرب لا يريدها أحد، لكنها تعيد تشكيل العالم

الدكتور مسلم اليوسف 

عميد كلية الحقوق في الجامعة الدولية للعلوم والنهضة 


ليست الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مجرد خطأ في الحسابات الاستراتيجية، ولا انزلاقًا عرضيًا نحو التصعيد، بل هي—في جوهرها—تعبير عن أزمة أعمق يعيشها النظام الدولي: عجزه عن إدارة التنافس، وفشله في احتواء الصراعات قبل أن تتحول إلى حرائق مفتوحة.

المفارقة القاسية أن هذه الحرب، التي لا يملك أي من أطرافها مصلحة حقيقية في استمرارها، أصبحت مع ذلك واقعًا يصعب الخروج منه. فواشنطن، رغم تفوقها العسكري، لا تستطيع تحقيق نصر حاسم وسريع دون كلفة سياسية واقتصادية باهظة، وطهران، رغم قدرتها على الإزعاج الاستراتيجي، تدرك أن الذهاب بعيدًا في المواجهة قد يهدد بنية الدولة ذاتها. 

وبين هذا وذاك، ينشأ أخطر أنواع الصراعات: حرب بلا أفق، ولا نهاية واضحة.

لكن الخطأ الأكبر يكمن في النظر إلى هذه المواجهة بوصفها صراعًا ثنائيًا. 

الحقيقة أنها حرب على شكل شبكة، تمتد من مضائق الطاقة إلى أسواق المال، ومن الميليشيات المحلية والدولية إلى التوازنات الكبرى. إنها حرب تُخاض في آن واحد في الخليج، وفي البورصات العالمية، وفي حسابات البنوك المركزية، وفي عقول صناع القرار.

أول ضحايا هذه الحرب هو الوهم القديم باستقرار سوق الطاقة. فالعالم الذي اعتقد أنه تجاوز صدمات النفط، يكتشف اليوم أنه لا يزال رهينة لممرات ضيقة يمكن أن تختنق في أي لحظة. ومع كل ارتفاع في الأسعار، لا تتضرر الاقتصادات الهشة فحسب، بل يُعاد توزيع الثروة والنفوذ على مستوى العالم. إنها ليست أزمة طاقة، بل إعادة كتابة لقواعد الاقتصاد الدولي.

أما في منطقتنا العربية، فإن الحرب لا تخلق فوضى جديدة بقدر ما تعيد ترتيب الفوضى القائمة. الدول تضعف، والفاعلون غير الدولتيين يتمددون، والخطوط الفاصلة بين الأمن الداخلي والصراع الإقليمي تتلاشى. هنا، لا تعود السيادة مفهومًا واضحًا، بل تصبح مسألة نسبية، تتآكل تحت ضغط السلاح العابر للحدود.

غير أن الأثر الأكثر خطورة يظهر في مكان آخر: في موقع الولايات المتحدة نفسها. فكلما طال أمد الحرب، تعمّق السؤال حول حدود القوة الأمريكية. هل ما زالت قادرة على فرض إرادتها؟ أم أنها دخلت مرحلة إدارة التراجع بدلًا من صناعة النظام؟ في السياسة الدولية، لا تُقاس القوة فقط بما تملكه، بل بما تستطيع تحقيقه—وهنا تكمن المعضلة.

وفي الفراغ الذي تخلقه هذه الحرب، تتحرك قوى أخرى بهدوء. لا عبر المواجهة المباشرة، بل عبر التمدد الاقتصادي، وإعادة تشكيل التحالفات، واستثمار اللحظة التاريخية. هكذا يتغير العالم: ليس بانتصارات كاسحة، بل بانشغالات مكلفة.

الحرب الأمريكية–الإيرانية ليست مجرد أزمة عابرة، بل علامة على نهاية مرحلة. نهاية وهم السيطرة الكاملة، ونهاية فكرة أن العالم يمكن أن يُدار من مركز واحد. ما يتشكل اليوم هو نظام أكثر اضطرابًا، أقل يقينًا، وأكثر عرضة للصدمات.

السؤال لم يعد: من سينتصر؟

بل: أي عالم سيبقى بعد أن تنتهي هذه الحرب—إن انتهت!!!

تعليقات