أ.سميحة بنعمر
الأمين العام لشبكة الرواد الإلكترونية
ومستشارة منصة المرأة المسلمة
وخريجة أكاديمية "تفسير" بالرياض
إذا تأملت معنى اسم الله (الكبير) وقفت أمام بحر لا ساحل له.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في تفسير قول الله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}: "وحقيقة الكبرياء التي لا يعلمها إلا هو،
لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل،
أنها كل صفة كمال وجلال وكبرياء وعظمة، فهي ثابتة له،
وله من تلك الصفة أجلها وأكملها،
ومن كبريائه، أن العبادات كلها، الصادرة من أهل السماوات والأرض، كلها المقصود منها، تكبيره وتعظيمه،
وإجلاله وإكرامه، ولهذا كان التكبير شعارا للعبادات الكبار، كالصلاة وغيرها".
فالكبرياء على معنيين:
كبرياء الذات وكبرياء الصفات.
أما كبرياء الذات فهو استحقاقه سبحانه للتعظيم والإجلال لذاته المقدسة،
وأما كبرياء الصفات فمعناها أن كل صفة كمال تتصورها فهو أعظم فيها وأكمل وأجل، لا يبلغ العباد كنه عظمته ولا يحيطون بجلاله.
فإذا كان الله هو الكبير في جميع الصفات،
إذن لا يستحق التعظيم والتكبير والإجلال إلا هو وحده.
متى يكون الله أكبر في قلوبنا؟
بموردين عظيمين:
الأول كثرة تدبر صفات الله عز وجل،
تقرأ القرآن فتتلمس عظمة الله عز وجل
في أعظم آية في كتاب الله
في سورة خلصت في الثناء على الله فهي تعدل ثلث القرءان..
في التفكر في الأنفس وفي الآفاق وقد دعاك الله لذلك مرارا في كتابه
{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا} و{أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} و{أَلَمْ تَرَ}
تتعلم عن الله ويعاملك الله بأسمائه من خلال أقداره
في قدر يعاملك برحمته؛ في آخر يعاملك بعدله..
إذا عرفناه: عرفنا أنه الجبار يجبر كسرنا،
والستير فيستر عيوبنا،
والشكور فيشكر قليل أعمالنا فيجازينا عليها الأجر العظيم
كلما زادت المعرفة وجدت أن همًّا يمر بقلبك فتداويه باسم من أسمائه:
يذكرك الشيطان بجرح فتتذكر أنه الجبار،
يخوفك من فضيحة فتذكر أنه الستير،
يحوِّجك إلى أحد فتذكر أنه الغني.
ابذل جهدك في معرفة الله،
كلما تعلمت عنه أكثر جمعت قلبك حين تقول: الله أكبر.
فكلما زاد علمك عن الله: عن قدرته أن يأتيك سألك
عن اطلاعه على حاجتك
عن رحمته بك حيث جعل حاجتك عنده
وجعل عزك في الاكتفاء به..
هذه الكلمة العظيمة تحتاج إلى يقين أن الله أكبر من كل شيء تافه يشغلك،
أكبر من همومك وأحزانك وآلامك،
أكبر من كل ما تخافه وترجوه.
فإذا سكنت قلبك المخاوف فالله أكبر،
وإذا وقر في قلبك مهابة شخص لعلمه أو جاهه أو ماله فالله أكبر
وحاجتك إن كانت محبوسة وراء أحد فقد جعل الله ذلك اختبارا لك.
اطلب الله العظيم ينزل عليك من عظمته عطايا تجبرك وتغنيك.
والعبد إذا عظم الله ظهر أثر التعظيم في امتثال أمر ربه
ومن آثار تعظيم الله احترام الزمان العظيم عنده والمكان العظيم عنده.
فإن الله تعالى عظم أشهرا حرمًا شرفها وقدسها وجعل السيئة فيها أعظم وجعل الحسنة فيها تضاعف.
قال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}،
قال قتادة ومقاتل: "إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة من الظلم في غيرها".
ومن الزمن الفاضل العشر الأوائل من ذي الحجة التي هي أفضل أيام الدنيا.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ» يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ. قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ».
وشعار هذه الأيام هو التكبير،
لأن التكبير رمز التعظيم، فقولك (الله أكبر)
معناه أنه أكبر من كل شيء، أكبر مما يدعونا إليه هوى النفس وزخرف الدنيا،
أكبر من أملاكنا وأموالنا وأهلنا، أكبر من كل شيء نستعظمه في الوجود.
هذا الذكر هو مجمع التعظيم،
فمن أراد أن يعظم ربه قال: الله أكبر،
قال تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ}،
قال السعدي: "أي عظمه بالتوحيد"
وإن المعظم لله إذا اشتكى نقصًا أو ضعفًا فليس له إلا الله العظيم يطمئنه
انظر إلى صفة السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب،
صفتهم أنهم معظمون لربهم مكتفون به،
فلا تمرن عليك هذه الأيام وأنت لم تذق طعم التعظيم،
اجمع لهذه الأيام كل هم أقض مضجعك
وكل ضيق نكد عيشك
وكل خوف كنس طمأنينة قلبك
واجعل انتفاعك من هذه العشر أن تخرج منها ومعظما لله، مطمئن القلب،
قد أنزلت حاجاتك عند جنابه
وأنخت همومك عند بابك
ولتكن هذه الأيام المباركة محطة نُجدّد فيها العهد مع التكبير،
شعارًا نرفعه في بيوتنا وفي مساجدنا، نُعظم به ربنا، ونُذكّر به أنفسنا ومن حولنا.
ثم نحيا بهذا التعظيم صلاحًا في حياتنا
وتظل كلمة "الله أكبر" نابضة في شرايين المؤمنين،
تتجدد في كل وقت وحين،
فلا نغتر بحضارة بناها الإنسان،
فالله الذي أوجدها وقدرها هو أكبر منها وأعظم.
ولا ننشغل بملهيات الدنيا وزخرفها وزينتها وصوارفها، التي ابتلينا بها،
فالله أكبر، ورضاه أعظم من أن نُبَدّله بمتعة فانية أو شهوة زائلة
ولنجهر بها مثقلة بأكوام من اليقين:
الله أكبر من كل ما يُلهينا في هذه الأيام الفاضلة عن العمل الصالح.
الله أكبر من كل ما يشغلنا عنه،
الله أكبر من كل ما يصرفنا عن ذكره،
الله أكبر من همومي
الله أكبر من أحزاني
الله أكبر من مخاوفي
الله أكبر من كيدهم وتدبيرهم
الله أكبر القادر عليهم
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله؛
الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
اكتب مراجعة عامة