بين المِنبر والمحكمة: قراءة نفسية وشرعية في ظاهرة "المثقف المتشدّق"
توفيق بوعشرين نموذجاً
بقلم: الأستاذ الدكتور . عصام اشويدر الحسني
دكتوراه في علم النفس والإرشاد
دكتوراه في العلوم السياسية
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية
رئيس المنصة العالمية للحقوق والحريات
بسم الله الرحمن الرحيم
اَلْحَمْدُ ِللهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِيْنَ وَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِيْنَ وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى أَشْرَفِ اْلأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْن
ثمة نمط متكرر في الفضاء العام العربي بات مألوفاً حدَّ التقزز: المثقف الذي يتسلّح بمصطلحات علم النفس والسوسيولوجيا ويُطلقها على خصومه الفكريين كقذائف، دون أن يفقه حقيقتها ولا يُدرك وزنها، بل أحياناً دون أن يعلم أن بعضها موضع جدل في أوساطه العلمية الأصلية. يرتدي هذا النمط عباءة "الموضوعية" ويتكلم بلغة "التحليل"، والحال أن ما يصنعه ليس تحليلاً بل حكماً مسبقاً يبحث له عن مصطلح يُلبسه إياه.
وتوفيق بوعشرين، الصحفي المغربي الذي صدر في حقه حكم قضائي مُبرم في تهم تمسّ كرامة الإنسان في أعمق مواطنها ، ليس استثناءً من هذا النمط. هو نموذجه الأكثر إثارةً للتأمل، لأن الفجوة في حالته بين الخطاب المعلن والسيرة المضمرة بلغت من الاتساع حداً يجعلها مادة دراسية نادرة بذاتها.- هدانا الله وإياه -
لن نُحاكمه هنا قضائياً، فذلك ليس من شأننا . ما يعنينا هو خطابه الفكري، نقارب فيه ثلاث زوايا متكاملة: النفس والاجتماع والشريعة. مع تنبيه يلزم القارئ طوال هذه القراءة: حين نجادل بوعشرين بأدوات علم النفس وعلم الاجتماع، فنحن نجادله على أرضه جدلاً لا تسليماً بمصطلحاته ولا إقراراً بصلاحيتها للفصل في ما هو أعمق منها.
▪️︎ أولاً: المغالطة النفسية " حين يُفسّر المُعقَّد بالبسيط"
في الحلقة التي بين أيدينا، يرى بوعشرين في الشباب المتديّن الذي شهده أمام محكمة عين السبع مجرد ضحايا للإقصاء الاقتصادي والتهميش الاجتماعي. اللحية الكثيفة؟ هروب. اللباس القصير؟ بحث عن قدوة مفقودة. الالتزام الديني؟ تعويض نفسي عن الفشل.
هذا التحليل يتظاهر بالعمق، لكنه في جوهره اختزالٌ مَرَضي (Pathological Reductionism)، أي ردّ حقيقة إنسانية وجودية راسخة إلى علّة اجتماعية واحدة وتفسيرها بها كلياً. والأدق أن نقول إن الخطأ لا يكمن في التبسيط وحده، بل يسبقه خطأ أفدح: قبول الإيمان أصلاً كمادة قابلة للتفسير الاجتماعي والنفسي، وهذه مقدّمة فاسدة يبني عليها بوعشرين كل ما يأتي بعدها.
وهو منهج رفضه الفكر النفسي الحديث منذ عقود.
ابتداءً من أبراهام ماسلو ومروراً بفيكتور فرانكل، أثبتت علم النفس الإنساني (Humanistic Psychology) أن الإنسان لا يلتمس الدين حين يخفق ، بل يلتمسه بقوة حين ينجح، حين يبلغ ذروة تجربته الوجودية ويتساءل: لماذا؟ فرانكل نفسه، الذي أمضى سنوات في معسكرات النازية، توصّل إلى أن الإنسان قادر على تحمّل أيّ "كيف" طالما وجد "لماذا"، وأن الإيمان ليس آلية دفاع بالمعنى الفرويدي السطحي، بل هو بنية وجودية (Existential Structure) تمنح الحياة معنى لا يُشترى بالمال ولا يُعوَّض بالرفاهية.
والحقيقة أن الإيمان لا يحتاج إلى شهادة ماسلو أو فرانكل ليثبت أصالته. فهو سابق على كل علم نفس وكل مدرسة فكرية. غير أن المفارقة اللافتة أن حتى هؤلاء العلماء الغربيين الذين بنى بوعشرين على أرضيتهم الفكرية، لم يقبلوا هم أنفسهم هذا الاختزال. ففرانكل الذي عاش أهوال معسكرات النازية خرج بنتيجة تناقض بوعشرين تماماً: أن الإنسان يبحث عن المعنى ليس لأنه فقير أو مُهمَّش، بل لأنه إنسان. فالشاهد من دارهم، لا من دارنا.
يقول بوعشرين إن هؤلاء الشباب يهربون إلى الماضي لأنهم لم يجدوا مكاناً في الحاضر. لكن هذا الطرح يتجاهل سؤالاً جوهرياً: ماذا عن الشباب المتديّن المُوسِر، الذي درس في أرقى الجامعات ويعيش في يُسر، ويلتزم بنفس المظاهر التي يستنكرها بوعشرين؟ هل "فشله الاقتصادي" هو الذي دفعه؟
الإجابة الواضحة تكشف أن التحليل مُعطوب في أساسه. فبوعشرين لا يُحلّل ظاهرة، بل يُصدر حُكماً مسبقاً ثم يُلبسه ثوب التحليل.
والأدقّ نفسياً أن نقول: الإيمان الديني، بوصفه نظاماً معرفياً وقيمياً متكاملاً، هو اختيار عقلاني وجداني يصدر عن منظومة تفسيرية للكون، لا ردّ فعل بافلوفي على المحيط الاجتماعي. الخلط بين الاثنين ليس تحليلاً، بل هو أيديولوجيا مُتنكّرة في زيّ علم.
▪️︎ ثانياً: المغالطة الاجتماعية "سوسيولوجيا من غير أدوات"
الأزمة الثانية في خطاب بوعشرين هي ما يمكن تسميته "سوسيولوجيا الانطباع" (Impression Sociology)، أي تحليل المجتمع من خلال مشهد واحد يُراه في ردهة محكمة ثم يبني عليه نظرية شاملة.
في علم الاجتماع الرصين، بناء أي تفسير لأي ظاهرة كانت يتطلب على أقل تقدير ثلاثة شروط منهجية: دراسة مقارنة تأخذ بعين الاعتبار الفئات المختلفة داخل المجموعة نفسها، وتمييز واضح بين الارتباط (Correlation) والسببية (Causation)، وإعطاء الفاعلين أنفسهم فرصة التعبير عن دوافعهم دون الوساطة التفسيرية المسبقة للباحث. وهذا القدر الأدنى من الأمانة المنهجية لازم حتى في دراسة أبسط السلوكيات الاجتماعية، فكيف بمن يتجرّأ على تفسير ما هو في حقيقته أعمق من أن تحتويه أدوات علم الاجتماع أصلاً؟
لا شيء من هذا يظهر في كلام بوعشرين. هو رأى شباباً يرتدون ملابس معينة فقرر أن البطالة والتهميش يُفسّران هذا المشهد تفسيراً شاملاً. وهذا مسلك يُسمّيه المنهجيون "خطأ التأكيد" (Confirmation Bias)، أي أن الباحث يبحث في الواقع عمّا يُثبت قناعته المسبقة ويُغفل ما ينقضها.
والأكثر إشكالاً أن بوعشرين يُصوّر الهدي الظاهر الإسلامي (اللحية، الثوب القصير) كعلامة على الأزمة النفسية والاجتماعية، في حين أن علم الإشارات الاجتماعية (Semiotics) يُعلّمنا أن دلالة المظهر لا تُقرأ من خارج النسق الذي يُنتجها. فالرهبان المسيحيون يرتدون عباءات سوداء لأسباب روحية لا علاقة لها بالإحباط الاقتصادي. والأمر نفسه ينطبق هنا.
أما دعوته إلى "فهم هؤلاء الشباب لا الحكم عليهم"، وهي الجملة التي يتحلّى بها خطابه بشيء من الإنسانية، فتنقضها الجملة التي تسبقها مباشرة، إذ يصف التزامهم بالـ"هروب إلى الماضي". كيف تدعو إلى الفهم وأنت سبق وأصدرت الحكم؟
▪️︎ ثالثاً: المغالطة الشرعية "حين يتكلّم الجاهل في الدين"
التديّن ليس "ظاهرة مركّبة"، فهذه التسمية في حدّ ذاتها تنازلٌ لا يجوز. حين تُسمّي الإيمان "ظاهرة" فأنت تضعه على طاولة التشريح الاجتماعي وتُخضعه لمناهج وُضعت أصلاً لدراسة السلوك البشري المنفصل عن الوحي. وهذه هي المقدّمة الفاسدة التي ينطلق منها بوعشرين قبل أن يصل إلى نتائجه الفاسدة.
التديّن في الإسلام ليس سلوكاً جماعياً يُلاحظه الباحث من الخارج ويُصنّفه، بل هو استجابة فطرية لنداء سابق على المجتمع وعلى الاقتصاد وعلى كل ما يُسمّيه المحلّلون أسباباً وعوامل. قال الله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾. فالإيمان لا يُفسَّر بالمجتمع، بل المجتمع يُفهم في ضوئه. ولهذا فإن الخطأ الحقيقي عند بوعشرين لا يبدأ حين يُبسّط التديّن، بل يبدأ قبل ذلك بكثير، حين يقبل أصلاً أن يُخضعه لإطاره المرجعي العلماني كما لو كان مادة قابلة للقياس والتصنيف.
ردّ هذه المقدّمة هو نقطة البداية الصحيحة، لا الجدال في تفاصيل التحليل.
والأشدّ خطورةً في خطاب بوعشرين هو توظيفه لمصطلحات ذات طابع ديني اجتماعي من قبيل "الهروب إلى الماضي" في مواجهة المتدينين شباب الصحوة . ففيه ضمنياً زعم بأن الالتزام بالسنة النبوية (وهو ما يُمثّله إعفاء اللحية ورفع الثياب عن الكعبين) مجرد مظهر ثقافوي مرتبط بالأزمة، لا فريضة أو سنة يتعبّد بها المؤمن لربّه.
هذه مزلّة شرعية جسيمة. فإعفاء اللحية أمر نبوي ثابت بالأحاديث الصحيحة المتعددة، منها ما رواه البخاري ومسلم، وهو محلّ اتفاق في المذاهب الفقهية الأربعة بوصفه سنة مؤكدة على أقل تقدير وواجباً عند كثير من أهل العلم. ردّ هذا الالتزام إلى عُقدة نفسية أو أزمة اجتماعية هو في حقيقته استخفاف بثوابت الشريعة من منطلق علماني لا يملك أدواته الدينية أصلاً.
والإشكال أن بوعشرين لا يُصرّح بأنه يرفض الإسلام، بل يُقدّم نفسه كمحلّل "موضوعي". لكن الموضوعية التي لا تُفرّق بين الالتزام الديني الواعي والانتماء العصبي المُرتجَل ليست موضوعية، بل هي عمى اختياري.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: "إذا رأيت رجلاً يقول في الحوادث العقلية بالظنّ والتخمين وهو يتكلّم في الشريعة، فاعلم أنه يتهجّم على ما لا يعلم." وهذا بالضبط ما يُمثّله بوعشرين حين يُحلّل الإلزامات الشرعية بأدوات أيديولوجية متحيّزة.
▪️︎ رابعاً: التشخيص النفسي المنعكس ؛ من يهرب حقاً؟
الأعمق في هذه القضية ليس ما قاله بوعشرين عن الشباب المتديّن، بل ما يكشفه خطابه عن صاحبه نفسه. وهنا يصبح علم النفس أداةً مشروعة لا لمهاجمة الشخص، بل لفهم نمط الخطاب.
في علم النفس، ثمة آلية دفاع تُسمّى "الإسقاط" (Projection)، وصفها فرويد بأنها نقل الفرد صفاته أو نزواته الداخلية غير المقبولة إلى الآخرين لتبرئة نفسه منها. المنتقد الذي يُكثر من اتهام خصومه بالهروب من الواقع يستحق أن يُسأل: هل هو نفسه لا يهرب؟
الثابت قضائياً في حالة بوعشرين أن الفجوة بين خطابه الدفاعي عن الكرامة والحرية وبين سلوكه المنسوب إليه في غرف مغلقة، هي من أكبر نماذج ما يُسمّيه علماء النفس "التنافر المعرفي البنيوي" (Structural Cognitive Dissonance)، وهو حين تبني الشخصية هويتها العامة على منظومة قيمية لا تلتزم بها فعلياً، فتُفضي مع الوقت إلى انفصام بين الذات المُعلنة والذات الحقيقية.
ما يُثير الانتباه النفسي أن المُصابين بهذا النمط كثيراً ما يُنتجون أشدّ الخطابات الأخلاقية حدّةً وجزماً، كأن الانشغال بعيوب الآخرين ضمانة داخلية تُبعد عن مساءلة النفس. يُشبه الأمر المُدخّن المُتحمّس لحملات مناهضة التدخين. والأطرف والأوجع معاً أن بوعشرين يصف الشباب المتديّن بأنهم "يهربون من الواقع"، والواقع يُجيب: وأنت هاربٌ من أيّ واقع؟
▪️︎خامساً: السلوك السيكوباتي الناعم "حين يكون الذكاء قناعاً"
قبل الخوض في هذا المحور، تنبيه منهجي ضروري: توصيف "السيكوباتية الناعمة" (High-Functioning Sociopathy) ليس تشخيصاً سريرياً، ولا هو حكم على الشخص بالجنون أو الاضطراب المُعلَن. هو أداة وصفية يستعملها علماء النفس الشخصياتي لفهم أنماط السلوك في الشخصيات التي تجمع بين ذكاء اجتماعي مرتفع وغياب التعاطف الحقيقي مع الآخرين، مع القدرة على الحفاظ على صورة عامة نقية ومقبولة.
وما يُلاحظه المحلل النفسي في نمط خطاب بوعشرين وسلوكه العام يستدعي الوقوف عند هذا التوصيف بجدية.
الشخصية من هذا النمط لا تُعرَف بالعنف أو الفوضى، بل بعكسهما تماماً. تتميز بلغة رصينة وحضور آسر وقدرة فائقة على استمالة العواطف وتوجيهها. حين يتحدث بوعشرين عن "الهجرة إلى الماضي" أو "أزمة الشباب" بتلك النبرة التحليلية المتزنة، فهو لا يُحلّل فحسب، بل يمارس ما يُسمّيه علماء النفس الاجتماعي "السحر الاجتماعي" (Social Charm)، أي القدرة على إيهام المتلقي بالعمق والأمانة الفكرية في آنٍ واحد. وهذه القدرة بالذات هي ما يجعل هذا النمط من الشخصيات أشدّ خطراً من الشخصية العدوانية الصريحة، لأن الأخيرة تكشف نفسها، في حين أن الأولى تبني جداراً من المصداقية يحميها طويلاً.
أما المحرك العميق في هذا النمط فليس الغريزة المجردة، بل هو "الاحتياج للسيطرة" (Power Dynamics). الشخصية هنا لا تستمد لذتها من الفعل بمعزل عن سياقه، بل من الإخضاع، من إشعار الآخر بضعفه وتبعيته وحاجته، في حين تحتفظ هي بصورة الناصح والمدافع والمحلل النزيه أمام الجمهور. وهذا الانفصال بين الوجهين، الخاص والعام، هو ما يُسمّيه علم النفس السريري "قناع العقل السليم" (Mask of Sanity)، توصيف أطلقه الطبيب النفسي هارفي كليكلي ليصف الشخصية التي تُتقن الاندماج الاجتماعي الظاهر بينما تعيش في داخلها معادلة أخلاقية مختلفة تماماً.
والمفارقة المُرّة أن هذا النمط كثيراً ما يختار ميادين الدفاع عن الحريات والكرامة الإنسانية مسرحاً لحضوره العام. ليس صدفةً، بل لأن هذه الميادين توفر له أعلى قدر من الغطاء الأخلاقي وأوسع قاعدة من الثقة الجماهيرية، وكلاهما وقود لا غنى عنه لاستمرار السيطرة.
▪️︎ سادساً: ظاهرة "المثقف المتشدّق" ؛ بوعشرين نموذجاً لا استثناءً
ما يجعل بوعشرين مثيراً للاهتمام المعرفي لا للشجن الشخصي فحسب، هو أن عقدة الاستحقاق (Grandiosity) التي تظهر في خطابه ليست سمة شخصية نادرة، بل هي سمة نمط إعلامي متكرر يصنع نجومه على حساب الحقيقة. النجم الإعلامي الذي يشعر أنه "فوق القواعد" لا يحتاج أن يبرهن، يكفيه أن يُطلق المصطلح ويرحل. والجمهور المبهور بلغة العلم لا يسأل: هل هذا صحيح؟ بل يسأل: من قاله؟
هذا النمط الذي نسمّيه "المثقف المتشدّق" له سمات ثابتة تتكرر بصرف النظر عن أسمائه وعناوينه:
الأولى : الاستعلاء المُقنَّع: يُفرّق بين نقد يستحقه في نظره فيقبله بصعوبة، ونقد لا يستحقه فيرفضه باستعلاء. غير أنه أمام الجمهور يرتدي في الحالتين نبرة واحدة: نبرة من يملك الحقيقة ويتفضّل بها. وهذا بالضبط ما يُسمّيه علم النفس تضخّم الأنا (Grandiosity)، أي الشعور العميق بأن القواعد العادية التي تنطبق على الناس لا تنطبق عليه.
الثانية : السلطة الرمزية للمصطلح: يستعمل لغة العلم لا أداةً للبحث بل سلاحاً للإقناع. حين يُطلق بوعشرين مصطلح "الاغتراب الفكري" أو "آلية الدفاع النفسي" فإنه لا يُحلّل، بل يُرهب. المصطلح هنا وظيفته أن يُوحي للمتلقي بأن المتكلم يقف على ربوة معرفية عالية، وهذا الإيحاء يُعفيه من عناء البرهان. وهو في هذا يستغل أمية الجمهور العلمية لا يُعالجها.
الثالثة: يُسوّق للنسبية الأخلاقية (Moral Relativism) حين يتعلق الأمر بالقيم الإسلامية، ثم ينقلب إلى يقين قطعي حين يُدافع عن قيمه الحداثية هو. فتجده يرى الالتزام الديني "تفسيراً محتملاً من عدة" بينما يرى نقده للمتديّنين "حقيقة سوسيولوجية".
والشريعة عنده موضع تساؤل ونسبية
هذا التناقض المنهجي لا يُمكن تبريره بالحماس أو سوء الفهم. هو اختيار أيديولوجي متعمّد يتعامل مع الدين كظاهرة مرضية تحتاج تفسيراً نفسياً واجتماعياً، بينما تُعامَل العلمانية الليبرالية كأفق طبيعي لا يحتاج تفسيراً.
هذا ليس تحليلاً، هذه أيديولوجيا تتنكر في زيّ منهج.
والخلاصة أن "المثقف المتشدّق" لا يخدم المعرفة ولا يخدم المجتمع، بل يخدم صورته. يبني حضوره الإعلامي على إرباك الناس لا على تنويرهم، وعلى إشعارهم بالعجز المعرفي أمامه لا على تمكينهم من أدوات الفهم. وحين تنكشف سيرته الحقيقية، لا يتهاوى وحده، بل يسحب معه ثقة الناس في كل من يحمل لقب "المحلل" و"المفكر". وهذه ربما أفدح خسائره.
▪️︎ خاتمة: حين يُصبح الجرح وصيّاً على الطبّ
قال ابن القيم رحمه الله في "مفتاح دار السعادة": "ليس العلم كثرة الرواية، والعلمُ نورٌ يقذفه الله في القلب، وشرطه الإخلاص." وحين يخلو القلب من الإخلاص ويمتلئ بالاستعلاء، تتحوّل المعرفة من أداة تنوير إلى أداة تسلّط.
بوعشرين، بغضّ النظر عن قضيته القضائية التي قضى فيها القضاء ما قضى، يُقدّم درساً نظرياً نفيساً لكل من يدرس ظاهرة توظيف المعرفة الزائفة. أهم ما في هذا الدرس أن الخطاب المعلن لا يُحصّن صاحبه، وأن الإكثار من الكلام عن أزمات الآخرين النفسية لا يعالج أزمة النفس.
أما الشباب الذي وصفه بالهروب، فكثير منهم أثبتوا في المحاكم وفي الصمود وفي استعصائهم على الإكراه أنهم أشدّ صلابة في قيمهم مما يُكيله لهم المحلّلون من ارتفاع آمن ومريح. فمن كان اختياره الديني قناعةً راسخة لا تعويضاً نفسياً، لا يهزّه زلزال ولا يثنيه منبر. وهذا، في نهاية المطاف، هو أقوى ردٍّ عملي على الذين يختزلون الإيمان في الأزمة ويُفسّرون التقوى بالعُقدة.
والله المستعان، وعليه التكلان.
اكتب مراجعة عامة