الأستاذ الدكتور عصام اشويدر
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية
رئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان
بسم الله الرحمن الرحيم
مدخل: حين يُستعارُ لباسُ الحقوق لقتل الحقيقة
في زمنٍ باتت فيه المصطلحاتُ الحقوقية سلاحًا يُشهَر في وجه الشعوب لا درعًا يحميها، وحين أصبح الدفاعُ عن "حقوق الإنسان" غطاءً تلجأ إليه أجهزةٌ وميليشياتٌ لتمرير روايات مدروسة وأجندات محكمة الصياغة، يغدو التبيّن الحقوقيُّ واجبًا دينيًا قبل أن يكون التزامًا مهنيًا. ومن هذا المنطلق أكتبُ هذه الكلمات، لا انتقامًا ولا تحيّزًا، بل أداءً لأمانة البيان ونصرةً للحق الذي لا يحتمل الصمت.
فبعد سنواتٍ من المتابعة الدقيقة لمنظمات المجتمع المدني وتقييم مصداقيتها ومرجعياتها، وجدتُ نفسي أمام ما يُسمّى "المرصد السوري لحقوق الإنسان" ظاهرةً فريدة في تاريخ الاستخدام السياسي للخطاب الحقوقي: منظمةٌ تُرفع لافتةُ الحق على بابها، بينما تُدار في داخلها مصانعُ التضليل والتوظيف الاستخباراتي.
أولًا: من يقف خلف المرصد؟ قراءةٌ في البنية والهوية
ما يُعرَّف بالمرصد السوري ليس مؤسسةً حقوقيةً بالمعنى الأكاديمي أو الأخلاقي للكلمة، بل هو غرفةٌ بصوتٍ واحد تُصوَّر على أنها مرجعٌ دولي للتوثيق. وقد أثبت الزمن وتتبّع المسار أن هذا الكيان يحمل من سمات الطابور الخامس أكثر مما يحمل من صفات المنظمة الحقوقية المستقلة.
1. انتقائية موجَّهة في التوثيق
طوال أكثر من عقدٍ من الزمن، ارتكب نظامُ الأسد ما هو موثَّق دوليًا من جرائم الإبادة الجماعية وحرق المدن وتعذيب المعتقلين واغتصاب النساء وذبح الأطفال. مات عشراتُ الآلاف تحت التعذيب في السجون السورية، وهُجِّر الملايين من ديارهم، ودُمِّرت مدنٌ بأكملها بالبراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية. فأين كان صوتُ هذا المرصد يومها؟ أين كانت "مصادره الخاصة" حين كانت شعلةُ المعاناة تُضيء الأفق السوري بالدم؟ لم يرتفع الصوتُ إلا حين اقتضت الأجندةُ رفعَه.
ولم نر إلا همسا وخرجات حاشمة ساوت بين الضحية والجلاد ، ولا ننسى شكوك التي أثيرت حول مدير المرصد "رامي عبد الرحمن" (واسمه الحقيقي أسامة سليمان) لكونه من خلفية معينة (بانياس)، وصرح البعض أن اختياره لاسمه الحركي كان للتغطية على صلات عائلية أو طائفية مفترضة بالنظام.
كما اتهمته منصات معارضة (مثل أورينت) بأن النظام البائد سهّل بروزه في بداياته (2006) ليكون بديلاً "مضبوطاً" لمنظمات حقوقية أكثر (راديكالية) مثل "اللجنة السورية لحقوق الإنسان"، وذلك بهدف تشتيت جهود التوثيق.
2. التوافق مع رواية النظام في اللحظات الحرجة
لا يصلح مقياسٌ لقياس انتماء المنظمة أدقُّ من: مع من تقف حين تشتعل النارُ؟ والجوابُ في حالة هذا المرصد واضحٌ لمن يتتبع مساره باحثًا لا مُسلِّمًا. فالنمطُ المتكرر في مواقفه يكشفُ انسجامًا مريبًا مع أجندة أجهزة الاستخبارات التي رعت النظام السابق، وخدمةً متواصلةً لروايات تضرب الهوية الإسلامية لسوريا وأمنها القومي.
ثانيًا: قضية بتول علوش ؛ نموذجٌ حيٌّ على التوظيف الإعلامي
جاءت قضيةُ الشابة بتول علوش لتكشف بجلاءٍ لا يحتمل التأويل طبيعةَ عمل هذا المرصد وأسلوبَه في تشويه الحقيقة وتحريك الرأي العام.
بتول امرأةٌ بالغةٌ راشدة، انتمت إلى عائلة علوية، فاهتدت إلى الإسلام بمحض إرادتها، وأعلنت ذلك في تسجيلٍ مرئي لا لبسَ فيه. وخشيةً على نفسها من الانتقام، غادرت المنزل بقرارٍ حرٍّ واعٍ. فماذا فعل المرصد؟ سارع إلى إطلاق رواية الخطف والسبي، مستعيرًا مصطلحاتٍ تثيرُ الغرائز الطائفية وتُضرمُ نارَ الفتنة، متجاهلًا تمامًا الحقائق التالية:
أولًا: بتول نفسُها خرجت في تسجيلٍ مرئي واضحٍ تُعلن فيه بكلِّ صراحةٍ أنها لم تُختطف وأنها غادرت بإرادتها الحرة بعد اعتناقها الإسلام.
ثانيًا: والدُها خرج في البداية مؤكِّدًا رواية ابنته، نافيًا بشكلٍ قاطع أيَّ خطفٍ، وداعيًا إياها إلى العودة في جوٍّ هادئ.
ثالثًا: محاميها الخاص أكّد أنها لم تكن مُكرَهةً على شيء من أيِّ جهةٍ كانت، وأنها سلكت هذا الطريق بقناعةٍ تامة.
رابعًا: والدُها عاد لاحقًا ليُغيِّر روايتَه، لكنّ الشهادات تشير إلى أن ذلك جاء بعد تعرّضه لضغوطٍ وتهديداتٍ مباشرة من عناصر مسلحة من فلول الأسد، وهو ما يجعل تراجعَه شهادةَ مكرَهٍ لا شهادةَ حرٍّ.
"لا علاقة لأحد بيني وبين ربي"
رد بتول علوش الحاسم خلال اجتماعها بوجهاء مدينة جبلة
وهي عبارةٌ تحمل من الوضوح الحقوقي والديني ما لا تحمله مئةُ بيانٍ من بيانات هذا المرصد. فأيّ منظمة حقوقية حقيقية تتجاهل شهادةَ صاحبةِ الشأن بنفسها وتُقدِّم عليها رواياتٍ مُلفَّقةً مُثيرةً للفتنة؟
والمفارقةُ المُذهِلة التي تكشفُ الازدواجية بجلاء: يومَ يعتنق أكثرُ من ألف شخصٍ الإسلامَ يوميًا في الغرب لا نسمعُ صوتًا ولا ضجيجًا ولا "مخطوفات". أما في سوريا، وأما حين تعتنقه شابةٌ من عائلة علوية، فيصيرُ ذلك "ملحمةً طائفيةً" تستنفرُ الفضائياتِ وتُحرِّك "مصادر خاصة" بالمرصد في ساعاتٍ معدودة! إن هذه الانتقائية المقصودة فضيحةٌ بذاتها تُغني عن كلِّ تعليق.
ثالثًا: المرصد ومسجد الضرار - مقاربةٌ في المنهج والغاية
لا أجدُ توصيفًا أدقَّ لهذا الكيان مما وصف به القرآنُ الكريم مسجدَ الضرار في قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ﴾[التوبة: 107]
فمسجدُ الضرار لم يكن مبنىً بلا سقف، بل كان بناءً محكمًا ذا شعائرَ وطقوس، لكنّ الغايةَ منه الضرارُ والتفريقُ والإرصادُ للمفسدين. وهكذا هذا المرصد: واجهةٌ حقوقية محكمةٌ تعمل لحساب من يسعى إلى تقسيم سوريا وضرب هويتها الإسلامية من الداخل، ومن قبلهم خدمة النظام البائد بكلِّ ما أُوتي من أدوات التضليل.
خاتمة وتحذير: حقوقٌ مزيّفة وأجنداتٌ موثَّقة
أوجِّهُ في ختام هذه الكلمة تحذيرًا صريحًا لأبناء الأمة الإسلامية عمومًا وللسوريين الكرام خصوصًا:
إن مرحلة ما بعد التحرير هي الأخطرُ من حيث الحرب الناعمة. فالمحتلُّ الذي فرَّ بجسده لم يفرَّ بأدواته، وأجهزةُ الاستخبارات التي رعت نظامَ الأسد تبحث اليومَ عن واجهاتٍ جديدة تُعيدُ من خلالها إنتاجَ الفتنة وزرعَ الاضطراب. ومن أخطر هذه الواجهات: منظماتٌ حقوقية تحمل شعاراتٍ لامعةً، وتستقطبُ تمويلًا غامضَ المصدر، وتعمل بانتقائيةٍ مكشوفة لمن يتبيّن.
فالمعيارُ الذي أضعُه بين يدَي كلِّ إنسانٍ حرٍّ لاختبار أيِّ منظمة حقوقية هو:
هل تتحدث عن الضحايا الحققيين أم ضحايا فريقٍ بعينه؟ وهل تسمعُها يومَ يُذبحُ المسلمون أم فقط يومَ تُروَّج رواياتٌ تُشوِّه صورتَهم؟
والمرصدُ السوري اختارَ إجابتَه بنفسه، عبرَ سنواتٍ من الصمت على جرائم النظام،بل والأشد جرما التسوية بين الضحية وقاتله ، وسنواتٍ من الضجيج حين يقتضي التوظيفُ الاستخباراتيُّ ذلك. فلتكن أعيُننا مفتوحةً، وعقولُنا يقظةً، وبياناتُنا الحقوقية حاملةً للحق لا للأجندة.
واللهُ غالبٌ على أمره ولكنَّ أكثرَ الناس لا يعلمون
اكتب مراجعة عامة