سلسلة: حتى تعرف من تعبد
في حضرة أسماء الله الحسنى وانعكاسها على الفرد والأمة
على منهج أهل السنة والجماعة - أهل الحديث والأثر
إعداد: الدكتور عصام اشويدر الحسني
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية
رئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان
فهرس المحتويات
مقدمة: لماذا نبدأ بالاسم الأعظم؟
أولاً: في التعريف العلمي باسم الجلالة «الله»
1. الاسم ومعناه في لسان العرب وعلم اللغة
2. اسم الجلالة في ميزان علماء العقيدة وأهل السنة
3. هل «الله» اسمٌ أم صفة؟ تحقيق المسألة
ثانياً: في التأمل والتدبر - الدلالات العميقة للاسم
1. الإلهية المطلقة: لا معبود بحق سواه
2. الألوهية بين الاستحقاق والاختيار
3. الاسم الجامع لكل الأسماء الحسنى
ثالثاً: في الثمرة - انعكاس الاسم على الفرد والمجتمع والأمة
1. انعكاسه على الفرد: من الغفلة إلى الحضور
2. انعكاسه على المجتمع: من الفوضى إلى النظام الرباني
3. انعكاسه على الأمة في زمن المحن والظلم
رابعاً: في الاستحضار العملي - كيف تعيش مع اسم «الله»؟
1. في العبادات: تحويل الطقوس إلى حضور
2. في الابتلاء: اسم الله ملاذاً لا هروباً
3. في الحياة اليومية: كل لحظة في حضرة الاسم
خاتمة
قائمة المراجع والمصادر
مقدمة: لماذا نبدأ بالاسم الأعظم؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛
فإن هذه السلسلة من المقالات التحليلية تنطلق من يقين راسخ: أن أزمة الأمة الإسلامية في جوهرها أزمةُ معرفةٍ بالله، قبل أن تكون أزمةَ سياسةٍ أو اقتصادٍ أو تنظيم. فحين يغيب الله عن وجدان العبد تغيب معه القيم والمرجعيات والطمأنينة، وتتحول العبادة إلى طقوسٍ جوفاء والحياة إلى سعيٍ بلا بوصلة.
ولذلك رأيتُ أن نبدأ هذه السلسلة بالاسم الجامع، اسم الجلالة «اللَّه»، الذي جمع فيه سبحانه كل معاني الألوهية وكل دلالات العظمة والكمال، ذلك الاسم الذي ما تردَّد في قلب مؤمن إلا وأحدث فيه من الطمأنينة والسكينة ما لا تُعبّر عنه العبارات.
وهذه المقالات لا تُخاطب الباحث الأكاديمي وحده، بل تُخاطب كل مسلمٍ يريد أن تكون عبادته ذات روحٍ، وحياته ذات معنى،و إبتلاؤه ذا صبر ويقين ، ووجوده في هذا الكون ذا وزنٍ وأثر. فالهدف الأسمى هو الانتقال من مجرد حفظ الاسم إلى استحضار المسمى في كل نَفَسٍ وكل لحظة.
أولاً: في التعريف العلمي باسم الجلالة «الله»
1. الاسم ومعناه في لسان العرب وعلم اللغة
اختلف علماء اللغة والنحو في أصل كلمة «الله» اختلافاً واسعاً، وهو اختلافٌ يكشف بذاته عن عمق هذا الاسم وتفرُّده في العربية وفي سائر اللغات. فقد ذهب جمهور النحويين ومنهم سيبويه والفراء وابن الأنباري إلى أن الاسم مشتقٌّ من الفعل «أَلِهَ يَأْلَهُ» أي تحيَّر وتعبَّد، وأن العرب كانت تقول «إله» للمعبود، ثم دخلت عليه أداة التعريف فصار «الإله» ثم حُذفت الهمزة تخفيفاً فصار «اللَّه».
وهذا الاشتقاق بالغ الدلالة؛ فهو يُشير إلى أن الألوهية في جوهرها قائمةٌ على التحيُّر والدهشة أمام العظمة المطلقة، وعلى التعبُّد والخضوع الكامل. وكأن العربية تقول: كل معبودٍ تتحيَّر العقول أمام جلاله وتخضع الأفئدة لسلطانه. وهذا لا يصدق إلا على الله وحده.
وذهب فريقٌ آخر ومنهم الخليل بن أحمد الفراهيدي إمام اللغة إلى أن الاسم غير مشتق بل هو علَمٌ جامد على الذات الإلهية، وهو قولٌ اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقوَّاه بأدلةٍ عديدة، منها أن سائر الأسماء كالرحمن والرحيم والقدير تُوصف بها الذات الإلهية ولا يُوصف الله بها وصفاً متبادلاً، فلا يُقال: «يا اسماً من أسماء الرحمن» بخلاف ما يُقال: «بسم الله الرحمن الرحيم».
وخلاصة ما تجتمع عليه كلمة أهل العلم أن «الله» هو الاسم الأعظم الجامع الدال على الذات الإلهية المتصفة بجميع صفات الكمال المنزَّهة عن كل نقص، وأنه لا يُطلق هذا الاسم على غيره سبحانه لا في العربية ولا في سائر اللغات.
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴿١﴾ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴿٢﴾ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿٣﴾ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴿٤﴾
[سورة الإخلاص]
2. اسم الجلالة في ميزان علماء العقيدة وأهل السنة
مسألة الاسم الأعظم من أدق المسائل التي اختلف فيها أهل العلم اختلافاً واسعاً معتبراً، حتى بلغت الأقوال فيها نحو أربعة عشر قولاً كما حكاها غير واحد من أئمة هذا الشأن. فمن قائلٍ إنه «الحي القيوم» استناداً إلى أحاديث صحيحة صريحة، ومن قائلٍ إنه «ذو الجلال والإكرام»، ومن قائلٍ إنه «الله لا إله إلا هو الأحد الصمد»، ومن قائلٍ بالتوقف والإبهام معلِّلاً أن الله أخفاه كما أخفى ليلة القدر في ليالي رمضان، ليجتهد العباد في دعائه بجميع أسمائه الحسنى فينالوا بذلك أجر السعي والطلب.
وقد استوعب ابن القيم رحمه الله هذه الأقوال في بدائع الفوائد استيعاباً نفيساً، ورجَّح أن الاسم الأعظم يدور على ثلاثة أسماء: «الله»، و«الحي»، و«القيوم»، لما بينها من الترابط الوثيق في الدلالة على كمال الوجود والقيومية المطلقة. وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى إلى أن «الله» و«الرحمن» هما أخص أسماء الله تعالى وأجمعها. أما العلامة ابن باز رحمه الله فقد اختار مسلكاً جامعاً حين قرَّر أن كل أسماء الله عظمى وكلها يصح أن يُقال لها اسم الله الأعظم، لأن كل اسمٍ منها يكشف جانباً من عظمة الله التي لا تُحاط.
والذي عليه جمهور المحققين أن اسم الجلالة «الله» هو الراجح في هذه المسألة، لأنه الاسم الجامع لجميع صفات الكمال والمتضمِّن لكل معاني الأسماء الحسنى، ولا يُطلق على غيره سبحانه في لغةٍ من اللغات. واستدلوا بما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت...» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سُئل به أعطى وإذا دُعي به أجاب». وخلاصة القول أن هذه المسألة ليس فيها إجماعٌ قطعي، وأن الدعاء بأي اسمٍ من أسماء الله بصدقٍ وإخلاص سببٌ للاستجابة، وأن الحكمة من إبهام الاسم الأعظم دفعُ العبد إلى استيعاب أسماء الله كلها واستحضارها جميعاً لا الاكتفاء بواحدٍ منها.
وقد أفرد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله للكلام على هذا الاسم مباحث واسعة في درء تعارض العقل والنقل وفي مجموع الفتاوى، مُبيِّناً أن هذا الاسم هو الدال على الذات الجامعة لكل الأسماء والصفات، وأن سائر الأسماء الحسنى كالرحمن والرحيم والملك والقدوس تجري مَجرى الأوصاف والنعوت لهذا الاسم.
وقد لفت ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين الانتباه إلى حقيقةٍ بالغة الأهمية، وهي أن هذا الاسم يتضمن في طياته جميع معاني العبودية لله، إذ هو علمٌ على ذاتٍ تستحق وحدها أن تُعبد وتُحب وتُخشى وتُرجى، وهذا ما جعل الكلمة الأولى في شهادة الإسلام مرتبطةً به مباشرةً: «لا إله إلا الله».
3. هل «الله» اسمٌ أم صفة؟ تحقيق المسألة
تحرير هذه المسألة مهمٌّ لأن عليه يتوقف فهم العلاقة بين هذا الاسم وسائر الأسماء الحسنى. وخلاصة ما قرَّره المحققون من أهل السنة أن «الله» اسمٌ علَمٌ على الذات الإلهية، وهو في الوقت ذاته يتضمن معنىً وصفياً وهو الإلهية والمعبودية بالحق.
وهذا يُفيد أن سائر الأسماء الحسنى كالرحمن والحكيم والعليم إنما هي أسماءٌ كاشفةٌ عن بعض دلالات هذا الاسم الجامع ومُجلِّيةٌ لجوانب من عظمته، وكأن «الله» هو الكل وسائر الأسماء جزيئاته وتفصيلاته. يقول ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد: «اسم الله تعالى هو الاسم الجامع المتضمن لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى».
ثانياً: في التأمل والتدبر - الدلالات العميقة للاسم
1. الإلهية المطلقة: لا معبود بحق سواه
إن التأمل الحق في اسم «الله» يبدأ بسؤالٍ وجوديٍّ عميق: ما معنى أن لا إله إلا الله؟ وهو سؤالٌ يبدو بسيطاً لكنه يحمل في طياته ثورةً كاملة على كل الولاءات الزائفة والمعبودات الباطلة، من شهواتٍ ومناصب وأموالٍ وأهواء.
الإله في لسان العرب هو الذي تألهه القلوب، أي تحبه حُبَّ تعظيمٍ وتذلُّل وخشية ورجاء وتوكل. فحين يشهد العبد أن لا إله إلا الله فهو يُعلن بصوتٍ قلبي عالٍ: لا يستحق هذه العبودية بكل معانيها أحدٌ سوى الله. وهذا يُفرز انقلاباً في الأولويات وإعادةً كاملة لترتيب ما يُحَبُّ وما يُخشى وما يُرجى وما يُطاع.
وكان السلف الصالح رحمهم الله يُحكمون هذا المعنى في قلوبهم حتى أثَّر في كل تصرفاتهم؛ فلم يخشوا سلطاناً ظالماً لأن قلوبهم امتلأت بخشية «الله»، ولم يُبالوا بشهوةٍ زائلة لأن قلوبهم تعلَّقت بمحبة «الله»، ولم يقنطوا من روحٍ لأن قلوبهم رسخ فيها رجاء «الله».
اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ
[سورة البقرة: 255 - آية الكرسي]
2. الألوهية بين الاستحقاق والاختيار
من أعمق ما يُفيده التأمل في هذا الاسم أن الله سبحانه لم يُطالبنا بعبادته لأنه يحتاج إليها، فهو الغني بذاته عن كل ما سواه، وإنما طالبنا بها لأنها الحال الوحيد الذي يليق بنا نحن، والطريق الوحيد الذي يُوصل قلوبنا إلى الطمأنينة الحقيقية.
يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين: «إن القلب لا يصلح ولا يفلح ولا يتنعم ولا يسعد ولا يلتذُّ ولا يطيب إلا بعبادة ربه وحبِّه والإنابة إليه». وهذا معناه أن العبودية ليست ثمناً ندفعه لله بل هي النعمة التي يمنحها لنا. فمن عرف الله حق المعرفة لم تكن له حاجةٌ إلى شيءٍ آخر يملأ قلبه.
وفي هذا المعنى يتجلى الفارق العظيم بين المؤمن الذي يُدرك أن كل شيءٍ في الكون إنما هو في قبضة «الله» ومن صنع «الله» ودليلٌ على «الله»، وبين الغافل الذي يرى الأشياء منفصلةً عن مصدرها فيتعلق بها ويخاف عليها ويُقدِّسها.
وكذلك النصر؛ فالمؤمن الذي يستحضر هذا الاسم حقاً لا يستبطئ النصر ولا يخاف من عدوه مهما عظم وتجبَّر، ولا يأخذه الحزنُ الشديد إلى حافة الهلكة والقنوط. فإن أحزنه شيءٌ فليس إلا حزن الرحمة على أمته وشفقةً على إخوانه المستضعفين، كما كان حال الأنبياء والمصلحين الذين ملأ قلوبهم الهمُّ لأمتهم لا اليأس من ربهم. وهذا هو الفارق الدقيق بين حزن الإيمان الذي يدفع إلى العمل، وحزن الغفلة الذي يُشلُّ صاحبه ويُقعده.
3. الاسم الجامع لكل الأسماء الحسنى
من أعظم ما يُكشف للمتأمل في اسم «الله» أنه الاسم الذي تندرج تحته كل الأسماء الحسنى . فحين تقول «اللهم» فأنت تدعو الرحمن والحكيم والعليم والقدير والسميع والبصير والودود والغفور والتواب كلَّهم في آنٍ واحد.
ومن هنا كانت البسملة «بسم الله الرحمن الرحيم» فاتحةً لكل عملٍ صالح، إذ هي إعلانٌ بأن هذا العمل يبدأ باستحضار الاسم الجامع الكامل، ثم يُذيَّل بأبرز صفتين تتجلَّيان في كل لحظةٍ من لحظات الحياة: الرحمة الشاملة والرحمة الخاصة.
وهذا يُفسِّر لنا لماذا أُمرنا بأن ندعو الله بأسمائه الحسنى: «وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا»، لأن كل اسمٍ يفتح نافذةً على جانبٍ من عظمة الله ورحمته وحكمته، فكلما تعلَّمت اسماً وتأملت فيه ازددت معرفةً بالله واتسعت آفاق يقينك.
ثالثاً: في الثمرة - انعكاس الاسم على الفرد والمجتمع والأمة
1. انعكاسه على الفرد: من الغفلة إلى الحضور
الفرد الذي يُحقق معرفة الله بهذا الاسم يعيش حياةً نوعيةً مختلفة تماماً عمَّن يجهل هذا الاسم أو يحفظه بلسانه دون أن يستوعبه قلبه. فهو يعيش في حضرةٍ دائمة، إذ يُدرك أن الله يراه في كل لحظة ويعلم ما يُسرُّ وما يُعلن، فيُحسن عمله حين يخلو ويُجوِّده حين يُشهَد، لا فرق عنده لأنه في الحالين يعمل بين يدي «الله».
وهذا الحضور يُفرز شخصيةً نفسيةً متزنة ومرنة في آنٍ واحد: متزنةٌ لأنها لا تتهاوى أمام الأحداث، إذ صاحبها يعلم أن «الله» مُحيطٌ بها ومُدبِّرٌ لها . ومرنةٌ لأنها لا تتصلَّب في مواجهة التغيير، إذ صاحبها يثق أن «الله» يعلم ما لا يعلم ويُيسِّر من الطرق ما لا يخطر على بال.
والأزمة النفسية التي يعيشها كثيرٌ من المسلمين اليوم من قلقٍ مزمن واكتئابٍ وشعورٍ بالعجز إنما مصدرها في الغالب انفصالٌ وجداني بين الإيمان النظري باسم «الله» والاستحضار الحي له. فالإيمان النظري يقول: الله موجود. والاستحضار الحي يقول: الله معي الآن، يسمعني، يراني، يكفيني.
وهذا الاستحضار هو عينُه ما يُمسك بقلب المستضعف فلا يتهاوى، سواءٌ أكان أسيراً في سجنٍ مظلم يُناجي «الله» بينه وبين جدرانه، أم كان محارباً في ميدانٍ تتقاذفه الأهوال فلا يجد سنداً إلا «الله». فكلاهما حين يُحكم هذا الاستحضار يجد من الثبات والسكينة ما لا تُعطيه قوةٌ بشرية ولا يُورثه تدريبٌ مادي، لأنه يعلم أن «الله» لا يُضيِّع من لجأ إليه، وأن النصر آتٍ لا محالة لمن صدق في توجُّهه إليه.
وأما المبتلى فإن استحضار هذا الاسم يُحوِّل صبره من مجرد تحمُّلٍ قسري إلى عبادةٍ يرتقي بها. فليس صبرُه هروباً من الألم بل إقراراً بأن «الله» هو الذي أذن بهذا البلاء وهو الذي يملك كشفه، وأن في هذا الابتلاء من الأسرار والحِكَم ما قد لا يُدركه العبد إلا حين يلقى ربه. ومن عاش هذا المعنى في قلبه لم يكن صبره مرارةً يتجرَّعها، بل طمأنينةً يسكن إليها.
ومن إنعكاساته على الفرد المسلم أن من أحكم استحضار اسم «الله» أدرك معنى «في سبيل الله» إدراكاً حقيقياً لا مجرد عبارةٍ تُقال. فـ«سبيل الله» ليست حِكراً على ميدان القتال، بل هي كل قولٍ وعملٍ وموقفٍ ابتُغي به وجه «الله» وحده، من كلمة حقٍّ تُقال في وجه صاحب سلطان، إلى نصيحةٍ تُقدَّم لأخٍ زلَّ، إلى إنكار منكرٍ في بيتٍ أو سوقٍ أو مجلس.
وحين يستقر هذا المعنى في القلب يتحرر الفرد من أثقل قيدٍ يُكبِّل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو قيد ما يقوله الناس وما يُترتب على الموقف من خسارةٍ اجتماعية أو مادية. فالذي يعمل «في سبيل الله» حقاً لا يُحاسب نفسه بميزان الربح والخسارة البشري، بل بميزانٍ واحد: هل أرضيتُ «الله» أم لا؟ ومن وصل إلى هذا المقام صار أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر نابعاً من الرحمة لا من الغضب، ومن القوة لا من الاستعراض، ومن اليقين لا من التردد.
2. انعكاسه على المجتمع: من الفوضى إلى النظام الرباني
المجتمع الذي يشترك أفراده في تعظيم اسم «الله» وتحكيم شريعته مجتمعٌ تتناسق فيه الأدوار وتتوازن المصالح، إذ كلٌّ يعلم أنه مُراقَبٌ من «الله» في أداء دوره سواء أكان حاكماً أم محكوماً، تاجراً أم عاملاً، معلماً أم طالباً.
وفي المقابل، المجتمع الذي تتضعضع فيه معرفة «الله» تنتشر فيه الظلم والمحسوبية والغش، لأن المرجعية العليا غابت عن القلوب. فحين يتوهَّم الإنسان أنه يفعل ما يشاء دون رقيبٍ فهو في حقيقته يكون قد نسي أو تناسى اسم «الله».
ولهذا كان إحياء تعظيم هذا الاسم في المجتمع وسيلةً لا غنى عنها لكل إصلاحٍ اجتماعي حقيقي. فالإصلاح الذي لا يبدأ من القلوب ومن تجديد معرفة الله إصلاحٌ سطحي يتهاوى عند أول امتحان.
ومن أجلى انعكاسات استحضار هذا الاسم على المجتمع أن يُنتج رجالاً ونساءً لا تأخذهم في الله لومة لائم؛ فالذي امتلأ قلبه بعظمة «الله» لا يهابُ سلطاناً جائراً حين يقول له كلمة الحق، ولا يسكت على منكرٍ تحت ضغط الأعراف الاجتماعية أو خشية القطيعة والإقصاء. لأنه يعلم علم اليقين أن الذي يخشاه ويرجوه فوق كل من يخشاه الناس ويرجونه.
وهذا ما جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام ليس مجرد واجبٍ فردي بل ركيزةً اجتماعيةً لا يقوم المجتمع بدونها، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾. فحين يغيب استحضار «الله» عن القلوب يتحول المجتمع إلى جماعةٍ من الصامتين على الفساد، يرى كلٌّ منهم المنكر ويُؤثر السلامة، ويعرف الحق ويخشى التبعات. أما حين يُحيي الناس استحضار هذا الاسم فإن كلمة الحق تُقال في وجه من تُقال، لا يزيد صاحبها إلا رسوخاً حين يُعارَض، ولا يزيده الإقصاء إلا قرباً من ربه.
3. انعكاسه على الأمة في زمن المحن والظلم
تمر الأمة الإسلامية اليوم بمحنٍ متراكمة: تغييبٌ لشريعة الله في بلادٍ كثيرة، واضطهادٌ للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وتشويهٌ متعمَّد لصورة الإسلام، وتفريقٌ بين المسلمين بالحدود المصطنعة والفتن المُحرَّكة. وأمام هذه المحن يبحث الناس عن منافذ للأمل ومصادر للقوة.
والمسلم الذي يستحضر اسم «الله» استحضاراً حقيقياً يجد في هذا الاسم المنفذ والمصدر معاً: فهو يعلم أن «الله» هو الحاكم الفعلي في الكون حتى حين يُغيَّب حكمه في الأرض، وأن «الله» ناصرٌ عباده المستضعفين متى استوفوا شروط النصر من إصلاحٍ باطن وقوةٍ ظاهرة وصدقٍ في التوجه إليه.
وهذا لا يعني القعود والتواكل بل يعني على وجه التحديد أن يكون المسلم أشد الناس سعياً وأكثرهم عملاً وأحسنهم تنظيماً وأوفاهم صدقاً، لأنه يعمل تحت عين «الله» وبإذن «الله» لإعلاء كلمة «الله».
ولقد كانت هذه المعرفة وقود الأمة في أعظم انتصاراتها عبر التاريخ. فبدر لم تُكسب بالعدد والعدة وحدهما، ولا حُطِّين إلا بعد أن أيقظ صلاح الدين الأيوبي رحمه الله في قلوب جنده هيبة «الله» وخشيته. وما انكسرت الأمة إلا حين تراجع في قلوبها استحضار هذا الاسم العظيم.
﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40]
﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]
﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47]
رابعاً: في الاستحضار العملي - كيف تعيش مع اسم «الله»؟
1. في العبادات: تحويل الطقوس إلى حضور
الصلاة ابتداؤها بـ«الله أكبر»، والصيام نيَّتُه لـ«الله»، والحج وقفةٌ بين يدي «الله»، والزكاة امتثالٌ لأمر «الله» ، والجهاد لإعلاء كلمة «الله» ،فهل يُدرك المسلم حين يُردِّد هذه الكلمات أنه يُعلن انتماءه لأعظم سلطةٍ في الكون؟
الاستحضار العملي في العبادات يعني: قبل أن تُكبِّر للصلاة قِف لحظةً وقل في قلبك: أنا الآن أقف بين يدي «الله»، الذي خلقني ورزقني ويملك حياتي ومماتي وما بعد مماتي. ثم انظر كيف تتغير نوعية صلاتك.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في الوابل الصيِّب: «من عرف الله بأسمائه وصفاته أَنِسَ به ووجد حلاوة ذكره ومناجاته». فالحلاوة التي يجدها بعض المسلمين في العبادة وهي إحساسٌ لا يُوصف ليست موهبةً لأفرادٍ بعينهم بل هي ثمرةٌ لمن أحكم هذا الاستحضار.
2. في الابتلاء: اسم الله ملاذاً لا هروباً
حين يُبتلى الإنسان بمرضٍ أو خسارةٍ أو ظلمٍ أو فقدٍ فإن المرجعية الأولى التي يلجأ إليها تكشف مستوى استحضاره لاسم «الله». فالمستحضر الحق لا يُهرع إلى الشكوى للمخلوقين أولاً، ولا يُصاب بالعجز والانهيار، ولا يتساءل تساؤل اليائس: «لماذا أنا؟».
بل يقول قلبه قبل لسانه: هذا من عند «الله»، وفي يد «الله» كشفه، وعند «الله» تعويضه، و«الله» لا يُضيِّع عند أجره من أحسن عملاً. فيتحول الابتلاء من محطة انهيارٍ إلى محطة ارتقاء.
وليس هذا ضرباً من التمنِّي أو الهروب من الواقع، بل هو على العكس تماماً أعمق نظرةٍ للواقع. لأن الواقع الحقيقي هو أن «الله» قائمٌ على كل نفس، وأن الكون كله لا يتحرك ذرةٌ فيه إلا بإذنه، وأن ما أصاب الإنسان لم يكن ليُخطئه وما أخطأه لم يكن ليُصيبه.
3. في الحياة اليومية: كل لحظة في حضرة الاسم
الاستحضار الحقيقي لاسم «الله» لا يُقيَّد بأوقات العبادة، بل يمتد ليشمل كل تفاصيل وجزئيات الحياة. حين تُصبح فـ«الله» هو الذي أحياك. وحين تأكل فـ«الله» هو الرزَّاق الذي وفَّر لك رزقك. وحين تعمل فـ«الله» هو الذي أعطاك القدرة والصحة والعقل. وحين تنام فـ«الله» هو القيُّوم الذي يحفظ الكون وأنت نائم...
وهذا الاستحضار الدائم يُنتج نوعاً من البشر نادراً في هذا الزمان: إنسانٌ لا يُصيبه كِبَرٌ حين يُنعَم عليه لأنه يعلم أن النعمة من «الله»، ولا يُصيبه كسرٌ مُهلِكٌ حين يُبتلى لأنه يعلم أن البلاء بيد «الله»، ولا يُصيبه حقدٌ على أحدٍ لأنه يُدرك أن قسمة الأرزاق والأقدار بيد «الله» وحده.
وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم هذا الإنسان في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم بقوله: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كلَّه خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن: إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيراً له».
فهذا الإنسان المؤمن الذي لا يخسر في أي حال ليس وصفاً للأبطال الخارقين من البشر، بل هو وصفٌ لكل من أحكم استحضار اسم «الله» حتى امتلأ به قلبه وانعكس على سلوكه وأحواله.
خاتمة
ما ينبغي أن يُعلم أن تحقيق معرفة الله بهذا الاسم العظيم وما ينطوي عليه من دلالاتٍ وأسرارٍ إنما هو أولى ما يبدأ به المسلم إصلاح نفسه وبناء يقينه، وهو عين ما دعا إليه علماء أهل السنة على مدى العصور وبه تميَّز الصحابة رضوان الله عليهم، إذ لم يكن فضلهم في كثرة العبادة وحدها بل في عمق معرفتهم بمن يعبدون.
ومما ينبغي استحضاره أن هذا الزمان بما فيه من تسارع الأحداث وتلاطم الضغوط وتغييبٍ لشريعة الله وتكالب أمم الكفر على هذه الأمة هو أشد الأزمنة حاجةً إلى هذه المعرفة، إذ لا يصمد القلب في مواجهة القلق والخوف والظلم إلا إذا كان متصلاً باسم «الله» اتصالاً حقيقياً لا مجرد اتصالٍ اسمي.
ومن بلغ هذا المقام، أن تكون حياته كلها في حضرة اسم «الله»، فقد استحق بحق أن يُقال عنه: عبد الله. وهو أشرف لقبٍ يحمله الإنسان على هذه الأرض.
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]
فمن أعظم فضل الله ورحمته على عبده أن جعله له، فشرَّفه بهذه النسبة وأكرمه بهذه العبودية. وقد أبدع القاضي عياض رحمه الله حين عبَّر عن هذا المعنى فقال:
وَمِمَّا زَادَنِي شَرَفاً وَتِيهاً وَكِدْتُ بِأَخْمَصِي أَطَأُ الثُّرَيَّا
دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ "يَا عِبَادِي" وَأَنْ صَيَّرْتَ أَحْمَدَ لِي نَبِيَّا
وقال أبو العلاء المعري:
إذا انتسبتَ فقلتَ إني واحدٌ مِن خَلقِه فكفى بذاك تنسُّبَا
وتالله لأنها أسمى مراتب العزة وأرفع درجات الشرف، أن تُنسب إلى «الله».
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
قائمة المراجع والمصادر
أولاً: المصادر الأصلية والتراثية
1. القرآن الكريم.
2. ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم (ت 728هـ). مجموع الفتاوى. تحقيق: عبد الرحمن بن محمد العاصمي، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، 1416هـ.
3. ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم (ت 728هـ). درء تعارض العقل والنقل. تحقيق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، 1411هـ.
4. ابن القيم الجوزية، محمد بن أبي بكر (ت 751هـ). مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين. تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الكتاب العربي، بيروت، 1416هـ.
5. ابن القيم الجوزية، محمد بن أبي بكر (ت 751هـ). بدائع الفوائد. مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، 1416هـ.
6. ابن القيم الجوزية، محمد بن أبي بكر (ت 751هـ). الوابل الصيِّب من الكلِم الطيِّب. تحقيق: سيد إبراهيم، دار الحديث، القاهرة، 1993م.
7. الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد (ت 505هـ). إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت، د.ت.
8. ابن كثير، إسماعيل بن عمر (ت 774هـ). تفسير القرآن العظيم. تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة، الرياض، 1420هـ.
9. الطبري، محمد بن جرير (ت 310هـ). جامع البيان عن تأويل آي القرآن. تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1420هـ.
10. سيبويه، عمرو بن عثمان (ت 180هـ). الكتاب. تحقيق: عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1408هـ.
11. ابن منظور، محمد بن مكرم (ت 711هـ). لسان العرب. دار صادر، بيروت، 1414هـ.
ثانياً: المؤلفات العلمية المعاصرة في الأسماء والصفات
12. السعدي، عبد الرحمن بن ناصر (ت 1376هـ). القواعد الحسان لتفسير القرآن. مكتبة المعارف، الرياض، 1420هـ.
13. السعدي، عبد الرحمن بن ناصر (ت 1376هـ). التوضيح والبيان لشجرة الإيمان. دار ابن الجوزي، الدمام، 1416هـ.
14. العثيمين، محمد بن صالح (ت 1421هـ). القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى. مؤسسة الشيخ ابن عثيمين الخيرية، 1421هـ.
15. الحمد، محمد بن خليفة. معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى. أضواء السلف، الرياض، 1421هـ.
16. ابن باز، عبد العزيز بن عبد الله (ت 1420هـ). مجموع فتاوى ومقالات متنوعة. تحقيق: محمد بن سعد الشويعر، دار القاسم، الرياض، 1420هـ. (انظر: باب الأسماء والصفات، في مسألة الاسم الأعظم).
17. أبو العزايم، محمد ماهر. أسماء الله الحسنى وأثرها في المعالجة النفسية. دار السلام، القاهرة، 2010م.
اكتب مراجعة عامة