img
img

مقال: حين يكون الحسم في القلوب قبل الميدان

img

مقال: حين يكون الحسم في القلوب قبل الميدان

 سلسلة: سنن النصر والتمكين من هدي رب العالمين (سورة الأنفال)



﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: 7-8]


أ.سميحة بنعمر
الأمين العام لشبكة الرواد المجتمعية ومستشارة منصة المرأة المسلمة وخريجة أكاديمية "تفسير" بالرياض



مقدمة: {ولن تجد لسنة الله تبديلا}

سنن النصر الإلهية ليست كقوانين البشر تتبدل بتغير الزمان والمكان. إنها سنن ربانية ثابتة.

أولها وأعظمها: الإيمان الذي له مقاييس وموازين.

ليس إيماناً بالكلمة المجردة، بل إيماناً يحرك الجوارح، ويشحذ الهمم، ويجعل العبد يبذل نفسه وماله في سبيل الله.

إن أعظم دافع لنجاح الجيوش ليس العدد ولا العدة ولا التدريب العسكري وحده، بل القوة الإيمانية التي تتمثل في يقين القلب وقوة العزم.

هذه القوة الإيمانية تنبع من جذور التوحيد الضاربة في القلب عمقا، قد سلمت من شوائب الشرك الخفي من رياء وتعلق بالأسباب قد ينسي مسببها،

ومن عقيدة أن الصراع ليس صراعا سياسيا ولا عسكريا وإن بدا كذلك، بل هو صراع بين الحق والباطل يقضي الله فيه بما يشاء، متى يشاء، كيفما يشاء.

مع يقين أن وعد الله، إن تأخر فلحكمة وأنه لا يتخلف.

{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47]

قال السعدي في تفسيره: "أي: أوجبنا ذلك على أنفسنا وجعلناه من جملة الحقوق المتعينة ووعدناهم به فلا بد من وقوعه".

{وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 173]

قال السعدي: "أنهم الغالبون لغيرهم، المنصورون من ربهم، نصرا عزيزا، يتمكنون فيه من إقامة دينهم، وهذه بشارة عظيمة لمن اتصف بأنه من جند اللّه، بأن كانت أحواله مستقيمة، وقاتل من أمر بقتالهم، أنه غالب منصور".


عندما يكون الهدف واضحاً: {لِيُحِقَّ الْحَقَّ}

إنها لفتة رائعة من قائد البشرية محمد ﷺ حين عرض الأمر على المهاجرين والأنصار.

جاء في فتح الباري لابن حجر العسقلاني:

" جمع النبي صلى الله عليه وسلم الناس واستشارهم، فقام أبو بكر فقال فأحسن، ثم قام عمر فقال فأحسن، ثم المقداد فذكر نحوه وزاد: فقال: والذي بعثك بالحق لو سلكت بنا برك الغماد لجاهدنا معك من دونه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أشيروا علي. فعرفوا أنه يريد الأنصار؛ لأنهم لم يبايعوه إلا على نصرته ممن يقصده، لا أن يسير بهم إلى العدو. فقال له سعد بن معاذ: امض يا رسول الله لما أمرت به فنحن معك."

قبل أن يخرجوا للقتال جمعهم على الغاية وهي طاعة الله ورسوله.

أراد بذلك استنهاض القلوب قبل الأبدان: هل النفوس مؤمنة؟ هل القلوب على يقين؟

كان خروج النبي ﷺ من بيته إلى بدر بأمر الله ليحق الحق، كما قال تعالى:

﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: 5]

قال القرطبي في تفسيره: "ليحق الحق أي يظهر دين الإسلام ويعزه ويبطل الباطل ولو كره المجرمون أي الكفر. وإبطاله إعدامه، كما أن إحقاق الحق إظهاره".

ما من غاية أعظم من إعلاء راية الحق وإعدام الباطل.

أما خروج كفار قريش وعلى رأسهم أبو جهل فكان للتباهي والتفاخر بمتاع الدنيا الزائل، وإظهار التكبر والعنجهية، والسيطرة على المسلمين ومقدراتهم وكسر شوكتهم.


إيمان يسبق المعركة، حين حُسمت بدر في القلوب قبل الميدان

يقول النبي ﷺ وهو يرى إقدام جنوده المؤمنين: "سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين"

تأمل! لم يذهبوا إلى بدر بعد، ولم يواجهوا المشركين بعد، لكن المعركة حُسمت من البداية في قلوبهم ونفوسهم المؤمنة قبل أن تحسم على الميدان.

وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 7].

إما العير (القافلة التجارية) وإما النفير (جيش قريش).

وهم يودون العير لأنها بلا شوكة، لكن الله أراد أن يُحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين.

فالنصر الحقيقي ليس في الغنائم، بل في إعلاء كلمة الله.

وقد قال الله تعالى في سياق آخر:

﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 23]
قوة اليقين وصدق العزم: حين يبيع المؤمن نفسه لله

هنا تصل إلى جوهر الإيمان الذي يهز القلوب:
[5/5/2026 3:41 PM] أم هارون: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: 207]
[4/16/2026 10:01 PM] أم هارون: يقول السعدي: "هؤلاء هم الموفقون الذين باعوا أنفسهم وأرخصوها وبذلوها طلبا لمرضاة الله ورجاء لثوابه، فهم بذلوا الثمن للمليء الوفي الرءوف بالعباد، الذي من رأفته ورحمته أن وفقهم لذلك، وقد وعد الوفاء بذلك".

وهذه تفاصيل الصفقة الأعظم:

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111]

انظر إلى هذه الصفقة الربانية:

· المشتري: الله جل جلاله.
· الثمن: أنفسكم وأموالكم وهي أعز ما تملكون.
· العوض: الجنة وما فيها من نعيم لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
· الضمان: وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن.
· النتيجة: الفوز العظيم.

وقال ابن القيم: "جعل سبحانه ها هنا الجنة ثمنا لنفوس المؤمنين وأموالهم..." (ثم ذكر عشر تأكيدات على هذا العقد الرباني).

فهل بعد هذا يتردد مؤمن في دخول هذه الصفقة؟


رسالة اليوم: لا لحمية العرب ولا لشعارات الوقت

إن النصر لا يكون نتاج حمية عربية ولا رفع شعار قضية، بل النصر معقود بالعمل على إعلاء كلمة الحق وإبطال الباطل، وقطع دابر الكافرين الذين يخرجون كما خرج أبو جهل.

أما أنت فاخرج كما خرج النبي ﷺ والمهاجرون والأنصار: {ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ}



خاتمة: النصر في القلب قبل الميدان

تذكر أن النصر الحقيقي ليس مجرد انتصار عسكري. النصر في الإيمان، في اليقين، في قوة الإرادة التي يحملها الإنسان في قلبه، في الهدف العظيم الذي يؤمن به.

عندما يكون إيمانك صادقاً، وهدفك واضحاً، وسريرتك نقية، فحينها، حتى لو تأخر النصر ظاهرياً، تكون قد انتصرت من الآن!



المراجع:

1. القرآن الكريم: سورة الأنفال (5، 7-8)، سورة البقرة (207)، سورة التوبة (111).
2. صحيح البخاري (رقم 3952) وصحيح مسلم (رقم 1763): حديث "سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين".
3. فتح الباري لابن حجر العسقلاني: قصة استشارة النبي ﷺ لأصحابه قبل بدر (ج7، ص 270-271).
4. تفسير السعدي:
   · تفسير آية البقرة (207) [في بعض الطبعات ص 94، وفي أخرى ص 88].
   · تفسير آية التوبة (111).
   · تفسير آية الروم (47).
   · تفسير آية الصافات (173).
5. طريق الهجرتين لابن القيم (ص 374-376): تحليل آية التوبة (111).
6. تفسير القرطبي: تفسير آية الأنفال (5

تعليقات

الكلمات الدلالية