img
img

خاطرة: بإحسانك في ثغرك، تنهض أمتك

img
الشبكة

خاطرة: بإحسانك في ثغرك، تنهض أمتك

 سلسلة: خواطر

 أ. سميحة بنعمر
الأمين العام لشبكة الرواد المجتمعية
ومستشارة منصة المرأة المسلمة
وخريجة أكاديمية "تفسير" بالرياض


خاطرة: بإحسانك في ثغرك، تنهض أمتك
خواطري أكتبها،

وهي نبض قلبي

توفيق ربي فعليه اعتمادي،

وحاجة للكتابة تدفعني

أفكاري سجينةُ قلبي تريد أن تنطلِقْ،

ملأت أرجاءه تكادُ تنطِقْ،

تراها تتربصُ موضوعاً لتنفجِرْ،

أو ترى الموضوعَ ذاته يحتاجُ انفجاراً لا ينتظر.

لا أدري!

ما وقعَ هو تفاعلي مع مقالْ،

لامسَ جرحاً عميقاً في فؤادي، ضريبةَ الوعيِ:

وعيٍ بأن المرحلةَ لا ينفعُ فيها التسويفْ،

وأن الوقتَ إمّا تقطعُ به وإمّا هو قاطِعُكْ،

وأن حالةَ الحياة الرتيبةَ والغفلةَ المقيتةَ،

إهدار في الأوقات والطاقات

وأن توطين النفس على حسن الظن بالله  هو رباط المرحلة

وأن العزة بالله وبالدين هو السبيل للثبات

فشتان شتان بين من زعزعته الفتن

ومن هو معتصم بركنه الشديد الذي لا يقهر.


يُحكى أن تتريّاً أمسكَ برجلٍ من المسلمين،

ولم يكن معه سلاحٌ يقتله به،

فأمره قائلاً: "ضع رأسك على الأرض ولا تبرحْ"،

فاستجاب الرجلُ ووضعَ رأسَه على الأرضِ ساكناً لا يتحرك،

ذهب التتاري وأحضر سيفَه، ثم عادَ وقتلَه وهو في مكانِه.

يا لفضاعة المشهدِ!

ويا لهوانِ الناسِ على الله إذا لم يقل القلبُ: الله أكبر!

بالمقابل رجل آخر من التتار دخلَ على طلبةِ علمٍ في مجلسهم ليقتلَهم،

فلما رأى ثباتَهم وطُمأنينتَهم أسلمَ.

هو التوحيدُ عمارةُ القلوبِ،

ليس كلُّ عالمٍ عاملاً بما علِمَ،

السيرُ إلى اللهِ سيرُ قلوبٍ لا سيرُ أقدام.

قيل عن الحُجاجِ: "الركبُ كثيرٌ والحجاجُ قليلُ"،

ركبُ أهلِ العلمِ كثيرٌ، والصادقونَ قليلُ.

ثم هذا النورُ الذي أنزلَه اللهُ،

هو نورُ شرعِه الذي به تُحيا القلوبُ وتُستنيرُ البصائرُ،

قال تعالى:
﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾[النور: 35]

هذا الشرعُ يُتلى في المساجدِ، ويُعلَّمُ على يدِ رجالٍ،

ما صفاتُهم؟ قال الله فيهم:

﴿ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَّتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾[النور: 37]

إنَّ الثغورَ اليومَ مشرعةٌ،

والريحَ هبَّت من كلِّ اتجاهٍ،

والعدوَّ لا ينامُ، بل يعدُّ العُدَّةَ ويخططُ لأجيالِ قادمةِ،

إنها لحظةُ موقفٍ لا تحتملُ تردداً،

ولحظةُ صدقٍ لا تُقبلُ فيها الأعذارُ،

فلا تقلْ: "أنا مجرَّدُ متطوِّعٍ"،

فالتطوُّعُ في مثلِ هذا الزمنِ ليس نافلةً ولا فضيلةً يتزيَّنُ بها المتزيِّنونَ،

وإنك لمسؤولٌ أمامَ ربِّك: ماذا صنعتَ في ثغرِك؟

والأمةُ اليومَ أحوجُ ما تكونُ إلى الرجالٍ

راسخة قلوبهم بالإيمان

متسلحين بسلاح العلم

ألسنتُهم تَتلو الكتابَ،

فتجد قلوبُهم تَعِي الخطابَ،

وأقدامُهم تمشي إلى المساجدِ في الغدوِّ والآصالِ،

لا يخافون في الله لومةَ لائمٍ،

يعتصمونَ ولا يتفرقونَ،

ويتشاورونَ ولا يتباغضونَ،

يُقدِمونَ ولا يُحجمونَ.

لا تشغَلهم الدنيا بزينتها،

ولا تخطفهم المناصبُ بفخارها،

قائمون  بإخلاص على ثغورهم:

في الثغرِ العلميِّ كتابة وجهرا بالحق،

وفي الثغرِ التربويِّ تربية للأجيال وإن لم يصفق لهم أحد،

وفي الثغرِ الصامتِ قياما به وإن لم ترصد الكاميرا قيامهم،

لأنَّ الثغرَ الحقيقيَّ لا يُدارُ بالمنصَّاتِ،

ولا يُقاسُ بالمتابعين.

فإن كنتَ مُعلِّماً أو مُربِّياً،

فاعلَمْ أنَّك تصنعُ جيلاً،

أو تتركُه لغَيرِك يصنعُه على هواه،

ويُلبِسُه ثوبَ الضلالِ والعارِ،

فالتفريطُ في الأمانةِ خيانةٌ،

وخيانةُ الأجيالِ أعظمُ من خيانةِ الأموالِ.

وإن كنتَ إعلامياً، أو صاحبَ قلمٍ، أو لساناً ناطقاً على منصَّةٍ،

فاعلَمْ أنَّ الفضاءَ الرقميَّ اليومَ ساحةُ معركةٍ لا تُقبلُ فيها الحيادُ،

فكم من قلبٍ يتقلَّبُ بين شبهةٍ وشهوةٍ، وكم من عقلٍ ينتظرُ كلمةَ حقٍّ تُنقذُه؟

فلا تصمتْ وأنت قادرٌ،

فكلُّ محتوىً حقيقيٍّ تنشره هو سهمٌ في معركةِ الوعيِ،

وكلُّ كلمةٍ صادقةٍ تكتبُها هي نورٌ في ظلماتِ الأقلامِ المأجورةِ.

وإن كنتَ محامياً، أو حقوقياً، أو ذا كلمةٍ في القانونِ والإعلامِ الحقوقيِّ،

فثمَّةَ معتقلونَ خلفَ القضبانِ ينتظرونَ من يسمعُ صوتَهم،

ومظالمُ معلَّقةٌ تنتظرُ،

وتشريعاتٌ معاديةٌ تُحكَمُ يوماً بعد يومٍ باسمِ القانونِ،

فلا تجعلْ قدرتَك القانونيَّةَ ترفاً شخصياً،

وأمتُك في حاجةٍ إليك،

فإنَّ الدفاعَ عن المستضعفينَ فريضةٌ على القادر

وإن كنتَ مفكراً، أو صاحبَ بصيرةٍ سياسيةٍ شرعيةٍ،

فاحذَرْ أن تتركَ المنابرَ لأشباهِ العلماءِ والرويبضةِ،

فإنَّ خطأَ التحليلِ في القضايا الكبرى ليس هيناً،

بل هو سهمٌ مسمومٌ يُضلِّلُ أمةً بأسرِها،

ويُضَيِّعُ جيلاً كاملاً في متاهاتِ الشبهاتِ.

فكُنْ أنت الراشدَ الذي يُرشدُ،

والحكيمَ الذي يُبيِّنُ،

والصادقَ الذي لا يخافُ في اللهِ لومةَ لائمٍ.

وإن كنتَ مُغيثاً، أو صاحبَ همٍّ إنسانيٍّ،

فاعلَمْ أنَّ كلَّ نفسٍ تُنقذُها من جوعٍ أو عطشٍ أو خوفٍ،

فكأنَّما أحييتَ الناسَ جميعاً،

والقعودُ عن الإغاثةِ وأنت قادرٌ،

ذنبٌ يتجاوزُ صاحبَه إلى المجتمعِ كلِّه،

لأنَّ الجسدَ الواحدَ إذا اشتكى عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالسهرِ والحمَّى.

أيها المسلمُ الغيورُ، أيتها المسلمةُ العفيفةُ،

إنَّ لحظتَك هذه ليست لحظةَ تردُّدٍ،

بل هي لحظةُ موقفٍ لا يتكرَّرُ.

وما كلُّ كلمةِ حقٍّ تكتبُها،

وكلُّ درسٍ تُلقِّنُه،

وكلُّ معتقلٍ تدافعُ عنه،

وكلُّ تحليلٍ رشيدٍ تُقدِّمُه،

وكلُّ مستضعفٍ تُغيثُه،

إلا لَبِنَةٌ في صرحِ نهضةٍ موعودةٍ،

وسهمٌ في معركةٍ لا يُعذَرُ فيها من قعَدَ وهو قادرٌ.

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55]

تعليقات

الكلمات الدلالية