img
img

حين يُصدر الإنسان حكمه على الناس: الحكمة النبوية والتشوّه المعرفي في ضوء علم النفس المعاصر

img
الشبكة

حين يُصدر الإنسان حكمه على الناس: الحكمة النبوية والتشوّه المعرفي في ضوء علم النفس المعاصر


"إِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكَهُمْ"
رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه

دراسة تحليلية تجمع بين العلوم الشرعية وكلام العلماء ونظريات علم النفس المعاصر

كتبه : الاستاذ الدكتور عصام اشويدر
 رئيس شبكة الرواد الإلكترونية
 ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان


سلسلة : جسور بين التوجيه الشرعي والإرشاد النفسي

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

الملخص
يتناول هذا البحث التحليلي الحديث النبوي الشريف "إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم" دراسةً معمّقةً تجمع بين الاستيعاب الشرعي لأقوال العلماء في شرح الحديث وتأويله، وبين قراءة نفسية تحليلية تستضيء بنظريات علم النفس المعرفي المعاصر. وتنطلق الدراسة من أطروحة مركزية مفادها أن هذا الحديث النبوي الموجز ينطوي على رؤية نفسية استثنائية العمق، تكشف ظاهرةً يُسمّيها علم النفس المعاصر التعميم المفرط (Overgeneralization) بوصفها أحد التشوّهات المعرفية الكبرى، وتكشف أبعد من ذلك: آلية الإسقاط النفسي، والغرور المعرفي، وخطر التفكير الثنائي. وتُثبت الدراسة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتفِ بالنهي عن هذا السلوك القولي، بل وصف بدقة بالغة آليته النفسية الداخلية وأثره الاجتماعي الخارجي، مسبقاً بذلك ما توصّل إليه علم النفس المعرفي الحديث بأكثر من أربعة عشر قرناً.
الكلمات المفتاحية: التعميم المفرط، التشوّهات المعرفية، الإسقاط النفسي، الغرور المعرفي، العلاج المعرفي السلوكي، آرون بيك، الحديث النبوي، علم النفس الإسلامي.

أولاً: المقدمة
في سبعة عشر لفظاً نبوياً موجزاً يُلخِّص النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرةً نفسية واجتماعية بالغة التعقيد: حين يُصدر الإنسان حكمه الشامل القاطع على الناس بالهلاك والفساد، فإن هذا الحكم لا يصف الناس بقدر ما يصف صاحبه ، بل هو في جوهره الأعمق سببٌ في إيقاع ما يدّعي أنه يصفه. وهذه الجملة النبوية المُركَّزة تنطوي على ثلاثة أبعاد متداخلة: بُعدٌ معرفي يتعلق بطبيعة الحكم وتشوّهه، وبُعدٌ نفسي يتعلق بما يكشفه هذا الحكم عن داخل صاحبه، وبُعدٌ اجتماعي يتعلق بأثر هذا الحكم على النسيج الإنساني المحيط.
والمدهش أن علم النفس المعرفي المعاصر ، وتحديداً العلاج المعرفي السلوكي على يد آرون بيك في ستينيات القرن العشرين قد وصف هذه الظاهرة ذاتها تحت مصطلح التعميم المفرط (Overgeneralization)، وأدرجها ضمن منظومة التشوّهات المعرفية (Cognitive Distortions) التي تُشوّه رؤية الإنسان للواقع وتُضرّ بعلاقاته ونفسيته. فكأن النبي صلى الله عليه وسلم نبّه إلى هذا التشوّه وحذّر من أثره بأسلوب أشدّ إيجازاً وأبلغ أثراً، وذلك قبل أربعة عشر قرناً من أن يضع علم النفس له اسماً أو يرسم له ملامح.
تسير هذه الدراسة في ستة محاور: تبدأ بعرض الحديث وتخريجه وتحليل ألفاظه، ثم تستعرض أقوال العلماء في شرحه وتأويله، وتنتقل إلى التحليل النفسي المعمّق للظاهرة في ضوء علم النفس المعاصر، ثم تُبني تصوّراً تكاملياً بين المنظورين، وتختتم باستخلاص توجيهات عملية وخاتمة تركيبية.

ثانياً: الحديث — تخريجه وألفاظه وسياقه
1. نص الحديث وتخريجه
"إِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكَهُمْ"
رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن قول هلك الناس
أخرج الإمام مسلم هذا الحديث في صحيحه من طريق أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقد رواه أيضاً مالك في الموطأ، وهو من الأحاديث التي تلتقي عليها روايات المحدّثين بأسانيد متعددة تُقوّي بعضها بعضاً. وقد أورده الإمام النووي في رياض الصالحين ضمن أبواب الآداب، مُشيراً إلى جلالته وعظيم ما ينطوي عليه من التوجيه.
2. التحليل اللغوي للحديث
تنطوي ألفاظ الحديث على دلالات لغوية دقيقة ينبغي الوقوف عندها. فـ(إذا) هنا شرطية تُفيد التكرار والاستمرار ، ليست حادثة معزولة بل نمطٌ سلوكي قولي. و(قال) أي أصدر حكماً قطعياً بالقول لا مجرد خاطرة أو همّ ، فالحديث يتناول ما يُعلن لا ما يُضمِر. و(هلك الناس) بصيغة الفعل الماضي يُفيد اليقين والقطعية والشمول ، لا "بعض الناس" ولا "كثير منهم" بل الناس جميعاً وقد هلكوا حكماً باتّاً. أما الجواب (فهو أهلكهم) فيحتمل في اللغة وجهين: إما أن يكون هو أشدهم هلاكاً ، أي أن حكمه هذا يكشف أنه هو الأشد انهياراً ، وإما أن يكون هو سبب هلاكهم بنشره هذا الحكم وتعميمه. والجمع بين الوجهين هو الأوفى والأدق، كما سيأتي في أقوال العلماء.

ثالثاً: أقوال العلماء في شرح الحديث
1. الإمام النووي — الاحتمالان والترجيح
يُقدّم الإمام النووي (ت 676 هـ) في شرحه على صحيح مسلم أجمع استيعاب لمعاني الحديث، إذ يذكر الاحتمالين اللغويين ويُرجّح الجمع بينهما. فـ(أهلكهم) إما أن تكون بمعنى صار أشدّهم هلاكاً، أي أن القائل بهلاك الناس قد وقع هو في الهلاك الأشد لما انطوى عليه حكمه من كِبر وازدراء وقنوط. وإما أن تكون بمعنى أنه صار سبباً في هلاكهم، لأن نشر الحكم بالهلاك العام يُثبّط الهمم ويُيئس النفوس ويُنشئ في المجتمع ثقافة الانكسار والعجز. ثم يضيف النووي تمييزاً جوهرياً: إن الحديث يتناول من يقول ذلك إعجاباً بنفسه وازدراءً للناس، أما من قاله تأسّفاً على حال الأمة وحزناً عليها دون احتقار فذلك شأن آخر.
2. الإمام ابن القيم — الكِبر الخفي والآفة الباطنة
يُعمّق ابن القيم (ت 751 هـ) في مدارج السالكين القراءةَ النفسية للحديث، حين يربطه بآفة الكِبر الخفي ،وهو أخطر درجات الكِبر لأنه يتخفّى في ثياب الغيرة الدينية والحرص على الفضيلة. فالرجل الذي يُصدر حكم الهلاك على الناس يُحسّ في ظاهر حاله أنه يغار على الدين ويتألّم للمعصية، بينما ينطوي في باطنه على تزكية ضمنية للنفس: أنا بخير والناس في هلاك، أنا على الصواب والناس على الخطأ، أنا المقياس الذي يُقاس به الآخرون. ويُقرّر ابن القيم أن هذه التزكية الضمنية للنفس على حساب الآخرين هي في ذاتها نوع من الهلاك لا يشعر به صاحبه وهو ما جعل الحديث يجعله هو الأهلَك.
3. الإمام ابن حجر العسقلاني — التفريق بين الوصف والحكم
يُضيف ابن حجر الع

سقلاني (ت 852 هـ) في فتح الباري تمييزاً منهجياً دقيقاً بين أمرين: وصف الواقع ونقده بما يستوجب الإصلاح، وبين إصدار حكم الهلاك الشامل القاطع على الناس. فليس في الحديث نهيٌ عن رصد المفاسد وإنكار المنكر والحزن على ضعف الأمة ، بل هذا من الإيمان. لكن ثمة فارقاً جوهرياً بين أن يقول الإنسان "في الناس خير وشر وقد غلب في زماننا كذا" وبين أن يقول "هلك الناس" حكماً شاملاً نهائياً لا استثناء فيه. الأول تشخيص يستدعي العمل، والثاني حكم إطلاقي يُعطّل العمل ويُولّد اليأس.
4. الإمام المناوي — الأثر الاجتماعي للحكم الإطلاقي
يُبرز المناوي (ت 1031 هـ) في فيض القدير الجانب الاجتماعي للحديث بجلاء: فالحكم بهلاك الناس حين يُذاع وينتشر يُنشئ مناخاً نفسياً واجتماعياً سلبياً يتغذّى على نفسه ويتوسّع. فحين يسمع الناس من يُقرّر هلاكهم بيقين وإصرار، ينبثق في نفوس بعضهم إحساس بالعجز والانكسار، وتُضعَف الرغبة في الإصلاح لأن الإصلاح يبدو مستحيلاً والهلاك محتوماً. وهذا ما يجعل القائل بهلاك الناس سبباً فعلياً في تحقيق ما تنبّأ به ، لا لأن نبوءته صحيحة بل لأنها تُولّد من الأثر ما يجعل الهلاك أكثر احتمالاً.
5. شيخ الإسلام ابن تيمية — الحكم على الناس من قِصَر النظر
يربط ابن تيمية (ت 728 هـ) في مجموع الفتاوى هذا الحديث بمسألة عقدية أعمق: أن الحكم على الناس بالهلاك الشامل ينطوي على ضرب من التجرّؤ على علم الله ، إذ الله وحده يعلم مواقع القلوب وخفايا النيات وما يُكنّه كل إنسان من إيمان وتقوى وصلاح. ويُقرّر ابن تيمية أن كثيراً ممن يبدون للناظر السطحي في حال سيئة قد تكون بواطنهم عند الله أطيب مما يظن المُحكِم عليهم. وهذا يُضيف بُعداً غيبياً إلى أبعاد الحديث: فالقائل بهلاك الناس يتجاوز حدّه المعرفي ويدّعي علماً لا يملكه.
رابعاً: التحليل النفسي — الظاهرة في ضوء علم النفس المعاصر
1. التعميم المفرط — Overgeneralization
حدّد الطبيب النفسي آرون بيك (Aaron Beck) في ستينيات القرن العشرين منظومة من التشوّهات المعرفية (Cognitive Distortions) أنماط تفكير معيبة تُشوّه رؤية الإنسان للواقع وتُغذّي الاضطرابات النفسية. ومن أبرز هذه التشوّهات التعميم المفرط (Overgeneralization) الذي يعرّفه بيك بأنه: استخلاص قاعدة كلية شاملة من حادثة واحدة أو تجارب محدودة، ثم تطبيقها على جميع المواقف المماثلة دون تمييز ولا استثناء. فالشخص الذي يُعمّم مفرطاً لا يرى التجارب الفردية أحداثاً قابلة للتباين، بل يجعل منها أدلةً على قاعدة مطلقة. وحين يقول "هلك الناس" فهو لا يصف ما رآه بل يُطبّق على الكل ما لاحظه في بعض ، مُلغياً بذلك كل تنوّع وكل استثناء وكل إمكانية للخير.
والتعميم المفرط في نموذج بيك ليس مجرد خطأ منطقي بل هو في أساسه أداة دفاع نفسية: حين يُعمّم الإنسان حكمه على الجميع فإنه يتجنّب التعامل مع التعقيد المزعج للواقع ، التعقيد الذي يُلزمه بالتفكير والتمييز والاعتراف بأن الحقيقة أكثر تشعّباً مما يريد. التعميم أريح معرفياً لأنه يُلغي الغموض ويُعطي وهم اليقين ، وهو ما يُفسّر لماذا يميل إليه الناس في حالات الإجهاد والضيق والإحباط.

2. الإسقاط النفسي — Psychological Projection
يُضيف مفهوم الإسقاط النفسي (Projection) الذي أرسى أسسه فرويد وطوّره لاحقاً علماء النفس المعرفي ، بُعداً أعمق في فهم الحديث. الإسقاط هو آلية يرى فيها الإنسان في الخارج ما هو في الحقيقة موجود في داخله ، ينسب إلى الآخرين ما يعجز عن الاعتراف به في نفسه. فالرجل الذي يُطلق حكم الهلاك على الناس كثيراً ما يكون يُسقط على المجتمع حالةً داخلية يعيشها هو: يأسٌ داخلي، أو إحباطٌ متراكم، أو شعور بالفراغ وانعدام المعنى. هو لا يرى الناس هالكين بقدر ما يرى في الناس هلاكه هو. وهذا بالضبط ما يُومئ إليه الحديث بصياغته العجيبة: "فهو أهلكهم" ، أي أن الهلاك أقرب ما يكون إلى داخله، قبل أن يكون صفةً للناس.
3. الغرور المعرفي — Intellectual Arrogance
يرصد علم النفس الاجتماعي ظاهرة يُسمّيها "الغرور المعرفي" أو "وهم التفوّق" (Superiority Illusion / Dunning-Kruger Effect) ، وهي الميل إلى المبالغة في تقدير معرفة الشخص بالواقع وبالآخرين، مع التقليل من شأن معرفتهم ونظرتهم. ويُلاحَظ أن الأشخاص الأقل إحاطةً بتعقيد الأمور هم الأكثر قطعيةً في أحكامهم ، وهو ما يُسمّى بتأثير دانينغ-كروغر (Dunning-Kruger Effect). والقائل بهلاك الناس يُجسّد هذه الظاهرة: يقين مُطلق لا يتزحزح في مقابل منظور محدود لا يرى إلا زاوية ضيقة. وقد أشار ابن تيمية إلى هذا المعنى حين قرّر أن هذا الحكم يُجاوز الحدّ المعرفي للإنسان ويدّعي علماً لا يملكه، وهو ما يُطابق ما رصده علم النفس الاجتماعي المعاصر.
4. التفكير الثنائي والكارثية — Black & White Thinking / Catastrophizing
يرصد علم النفس المعرفي تشوّهين آخرين يُصاحبان التعميم المفرط عادةً ويُغذّيانه: التفكير الثنائي (Black & White Thinking) والكارثية (Catastrophizing). التفكير الثنائي هو رؤية الواقع في قطبين متعارضين لا وسط بينهما ، إما صواب مطلق أو خطأ مطلق، إما صلاح تام أو فساد شامل. وحكم "هلك الناس" هو تفكير ثنائي بامتياز: لا درجات بين الهلاك والسلامة، لا استثناء ولا تمييز. أما الكارثية فهي المبالغة في تقدير خطورة الأحداث ووضعها دائماً في أسوأ صورة ممكنة ، وتحويل كل ما يُشاهد من مفسدة إلى دليل على هلاك كوني شامل هو كارثية بعينها. والمُلاحَظ نفسياً أن هذين التشوّهين يتغذّيان على بعضهما في دوامة: التفكير الثنائي يُلغي التدرّج، والكارثية تُضخّم ما يتبقى، والنتيجة حكم إطلاقي مُغلَق لا تنفذ إليه حجة ولا يقبل مراجعة.
5. النبوءة المحقّقة لذاتها Self-Fulfilling Prophecy
وصف عالم الاجتماع روبرت ميرتون (1948) ظاهرة النبوءة المحقّقة لذاتها (Self-Fulfilling Prophecy) بأنها: توقّعٌ زائف للواقع يُطلقه الشخص ثم يتصرّف على أساسه، فيُولّد تصرّفه نتائج تُصادق ظاهرياً على التوقّع الأصلي. وحكم "هلك الناس" آليةٌ نموذجية لهذه الظاهرة: القائل به يكفّ عن الإصلاح لأن الهلاك "محتوم"، ويُحبط من حوله بنشر اليأس، ويُقلّل من قدر الخير الموجود فلا يُشجّع أصحابه، ويُغذّي في المجتمع ثقافة العجز المكتسب ، حتى يُصبح الهلاك أكثر احتمالاً لا بسبب صحة التشخيص بل بسبب أثر التشخيص ذاته. وهذا ما أشار إليه المناوي حين قرّر أن القائل يصير سبباً فعلياً في هلاك ما يدّعي وصفه.
6. العجز المكتسب Learned Helplessness
طوّر مارتن سيليغمان نظرية العجز المكتسب (Learned Helplessness) التي تُقرّر أن الإنسان — والحيوان — حين يتعرّض لظروف سلبية يعجز عن التحكم فيها ينتهي به الأمر إلى الاستسلام التام حتى حين تُتاح له فرصة الإفلات فعلاً. وثقافة "هلك الناس" حين تنتشر في مجتمع تُنشئ فيه عجزاً مكتسباً جماعياً: الناس لا يُصلحون لأنهم يعتقدون أن الإصلاح مستحيل، ولا يُبادرون لأنهم يؤمنون أن الهلاك محتوم، ولا يرون الخير حتى حين يظهر لأن منظومتهم المعرفية أصبحت لا تنتظر خيراً. وهنا يبرز عمق الحديث النبوي في ربط القول بالفعل: ليس هلاك الناس قولاً بريئاً يصف واقعاً، بل هو فعلٌ يصنع واقعاً.

خامساً: التركيب ،ما يكشفه الحكم على الناس عن صاحبه
بالجمع بين أقوال العلماء والرؤى النفسية المعاصرة، يتّضح أن حكم "هلك الناس" ليس مجرد قول خاطئ بل هو كاشفٌ عن خمسة مستويات متداخلة في نفس قائله:
المستوى الأول المعرفي: تشوّهٌ في الرؤية يجعل الجزء يُمثّل الكل، والمحدود يُعبّر عن الشامل. صاحب هذا الحكم لا يرى الواقع بل يرى نسخةً مُشوَّهة منه أفقدها التعميمُ تنوّعها وغِناها. وعلاجه على المستوى المعرفي أن يُسأل: هل رأيت كل الناس؟ وهل ما رأيته يُمثّل جميعهم؟ ومن قال لك إن ما لا تراه من الخير غير موجود؟

المستوى الثاني النفسي الداخلي: إسقاطٌ لحالة داخلية على الخارج. ما يراه في الناس من هلاك كثيراً ما يعكس ما يعيشه في داخله من يأس أو إحباط أو شعور بالضياع. والمعالجة الحقيقية هنا تبدأ بالسؤال الصادق: ماذا تعيش أنت في الداخل؟ ولماذا يبدو الناس هالكين حين تنظر إليهم من هذه الحال؟

المستوى الثالث الروحي: تزكيةٌ ضمنية للنفس وكِبرٌ خفي. أنا بخير والناس في هلاك — هذا المعنى المُضمَر هو ما يُشير إليه ابن القيم بالهلاك الأشد، لأن صاحبه لا يشعر به وهو أخطر ما يكون. والحديث في أحد تأويلاته يقول: ما دمت ترى الناس هالكين وترى نفسك ناجياً فأنت في هلاك أعمق لا تراه.

المستوى الرابع المعرفي الغيبي: تجاوزٌ للحدّ المعرفي الإنساني. الإنسان لا يرى القلوب ولا يعلم الخواتيم ولا يُحيط بما بين الله وعبده من تعاملات خفية. وإطلاق حكم الهلاك ادّعاءٌ بمعرفة تُجاوز حدود الإنسان وتتطاول على علم الله ، وهو ما نبّه إليه ابن تيمية.

المستوى الخامس الاجتماعي: إنتاجٌ فعلي للهلاك الذي يدّعي وصفه. الحكم حين يُذاع يُنتج يأساً اجتماعياً وعجزاً مكتسباً وضعفاً في الإرادة الجمعية للإصلاح. القائل بهلاك الناس يُسهم بقوله نفسه في تحقيق ما يصفه لا لأنه نبيٌّ صادق بل لأن الكلمة فعلٌ له أثره في العالم.

التمييز الذي يصنعه الحديث
غير أن الحديث لا يُغلق الباب أمام نقد الواقع ورصد المفاسد والحزن على حال الأمة بل هذا من الإيمان والغيرة المشروعة. الفارق الذي يُقيمه الحديث فارقٌ دقيق لكنه حاسم: بين من يقول "أرى في الناس كذا وكذا وأتألم له وأسعى لإصلاحه" وبين من يُطلق حكماً إطلاقياً شاملاً لا يترك فيه للخير مكاناً ولا للإصلاح أملاً. الأول موقفٌ نقدي بنّاء يُحرّك العمل، والثاني حكمٌ إطلاقي يُشلّ العمل ويُغذّي اليأس ويكشف عن داخل قائله أكثر مما يكشف عن الناس. وهذا التمييز الذي رسمه ابن حجر هو بالضبط ما يُفرّق بين التفكير النقدي الصحي والتشوّه المعرفي المُضرّ في علم النفس المعاصر.

توجيهات عملية
تترتّب على هذا التحليل المتكامل توجيهات عملية للمسلم في علاقته بمحيطه. فأوّلها: مراقبة الحديث الداخلي ومساءلة الأحكام الشاملة القاطعة ، كلما وجد نفسه يُصدر حكماً على "الناس" جميعاً فليسأل نفسه: هل رأيت الكل؟ وما الذي في داخلي يجعلني أرى ما أرى؟ وثانيها: التمييز الواعي بين الوصف التشخيصي الذي يستدعي العمل والحكم الإطلاقي الذي يُشلّ العمل. وثالثها: مقاومة ثقافة اليأس الاجتماعي والحرص على تغذية ما يُعزّز الأمل والثقة بإمكانية الإصلاح ، لأن الكلمة المُطلَقة في الفضاء العام هي فعلٌ يُنتج نتائج. ورابعها: أن يُدرك المسلم أن الحزن على حال الأمة مشروع بل مطلوب، لكن أن يتحوّل هذا الحزن إلى حكم هلاك شامل فهو تحوّل من الموقف الإيماني إلى التشوّه المعرفي.

سادساً: الخاتمة — عمق السبق البياني للحكمة النبوية
يقف الحديث النبوي "إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم" شاهداً على عمق السبق البياني للحكمة النبوية ، إذ وصف قبل أربعة عشر قرناً بسبع كلمات ما استغرق علم النفس المعاصر عقوداً من البحث التجريبي ليصفه بمصطلحات من قبيل: التعميم المفرط، والإسقاط النفسي، والغرور المعرفي، والتفكير الثنائي، والنبوءة المحقّقة لذاتها، والعجز المكتسب. فكل هذه المفاهيم حاضرة — بصورة أو بأخرى — في ثنايا هذا الحديث الموجز وفي شروح العلماء له.
التكامل الذي تقترحه هذه الدراسة بين الحكمة الشرعية وعلم النفس المعاصر ليس انسجاماً مفتعلاً، بل إدراكٌ أن كليهما يصف حقيقة النفس الإنسانية وآليات تشوّهها من زوايا معرفية مختلفة. فحيث يُسمّي بيك الظاهرة "التعميم المفرط"، يربطها ابن القيم بآفة الكِبر الخفي. وحيث يرصد ميرتون النبوءة المحقّقة لذاتها، يُقرّر المناوي أن القائل يصير سبباً فعلياً في الهلاك الذي يصفه. وحيث يُحذّر سيليغمان من العجز المكتسب، يُحذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الكلمة التي تُميت الأمل ، وشتان بين ما يحذر منه النبي صلى الله عليه وسلم و وبين غيره ، وبين ما يحرّره أئمة الإسلام من استنباطات من الوحيين وبين غيرهم .
وللمسلم الغيور على أمته الحزين على أحوالها، يُقدّم هذا الحديث درساً بالغ الدقة: احزن فهذا من الإيمان، وانتقد فهذا من الإصلاح، وأنكر المنكر فهذا من الواجب ، لكن لا تُطلق حكم الهلاك الشامل فتُغلق باب الأمل وتُسقط ما في نفسك على الناس وتُدّعي علماً لا تملكه. فالناس فيهم من الخير ما لا تراه أنت، وفيهم من الصلاح ما يعلمه الله وحده ، وكلمتك في الفضاء العام ليست مجرد وصف للواقع بل هي مشاركة في صناعته.
والله أعلم



المراجع والمصادر
أولاً: المصادر الإسلامية التراثية
مسلم بن الحجاج النيسابوري. (د.ت). صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب. دار إحياء التراث العربي.
مالك بن أنس. (1985). الموطأ. مؤسسة الرسالة.
النووي، يحيى بن شرف. (2000). شرح النووي على صحيح مسلم. دار إحياء التراث العربي.
النووي، يحيى بن شرف. (1999). رياض الصالحين. دار ابن حزم.
ابن القيم، محمد بن أبي بكر. (2003). مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين. دار الكتاب العربي.
ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. (1995). مجموع الفتاوى. مجمع الملك فهد.
ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي. (2001). فتح الباري شرح صحيح البخاري. دار المعرفة.
المناوي، محمد عبد الرؤوف. (1994). فيض القدير شرح الجامع الصغير. المكتبة التجارية الكبرى.
ثانياً: مصادر علم النفس المعاصر
Beck, A. T. (1979). Cognitive therapy and the emotional disorders. Penguin Books.
Beck, A. T., Rush, A. J., Shaw, B. F., & Emery, G. (1979). Cognitive therapy of depression. Guilford Press.
Burns, D. D. (1980). Feeling good: The new mood therapy. William Morrow.
Dunning, D., & Kruger, J. (1999). Unskilled and unaware of it. Journal of Personality and Social Psychology, 77(6), 1121–1134.
Frankl, V. E. (2006). Man's search for meaning. Beacon Press. (النشر الأصلي 1946).
Merton, R. K. (1948). The self-fulfilling prophecy. The Antioch Review, 8(2), 193–210.
Seligman, M. E. P. (1975). Helplessness: On depression, development, and death. W. H. Freeman.
Seligman, M. E. P. (1991). Learned optimism. Knopf.

تعليقات