سلسلة: ﴿وذكرهم بأيام الله﴾
أ. سميحة بنعمر
الأمين العام لشبكة الرواد المجتمعية
ومستشارة منصة المرأة المسلمة
وخريجة أكاديمية "تفسير" بالرياض
يخوفونك بالحروب على النفط وعلى الماء وحتى المناخ...
يخوفونك بأزمات تهز الدنيا،
وبقوى تترصدك من كل جانب.
يبنون أبراجهم، ويعقدون تحالفاتهم،
يألهون أنفسهم ويصفون الفساد الذين يسعون فيه حمائم سلام تاهت في الطريق
وأنت -يا عبد الله الضعيف المحتاج- ترتعد،
ويشيط فكرك هاربا يبحث عن راحة قل ما تجدها،
عن جيش يحامي، عن حليف ينصر، عن مال يجبر..
كيف لا تسمع لربك وهو يقول لك:
{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ*وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ} (سورة الزمر: 36-37)
بلى، يا رب، أنت كافينا، وأنت حسبنا ونعم الوكيل.
في الآية الأولى قراءتان عظيمتان، كما ذكر أهل العلم،
كل منهما يغذي القلب بمعنى مختلف:
قال الإمام الطبري: "اختلفت القراء في قراءة:
{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} فقرأ ذلك بعض قراء المدينة وعامة قراء أهل الكوفة:
'أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عِبَادَهُ' على الجمع، بمعنى: أليس الله بكاف محمدا وأنبياءه من قبله ما خوفتهم أممهم من أن تنالهم آلهتهم بسوء،
وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة، وبعض قراء الكوفة: {بِكَافٍ عَبْدَهُ} على التوحيد، بمعنى: أليس الله بكاف عبده محمدا."
وقال الحافظ ابن كثير: "يقول تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} -
وقرأ بعضهم: 'عِبَادَهُ' - يعني أنه تعالى يكفي من عبده وتوكل عليه."
ثم قال ابن كثير: "{وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ}
يعني: المشركين يخوفون الرسول ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم التي يدعونها من دونه،
جهلا منهم وضلالا؛ ولهذا قال تعالى: {وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}."
وأما ابن القيم فقد كشف عن سر عظيم يجعل هذه الكفاية قربى تتفاوت بحسب صدقك مع الله،
قال: "فالكفاية التامة مع العبودية التامة، والناقصة مع الناقصة، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه."
جاء هذا المعنى في مواضع كثيرة في كتابه:
{فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ} [البقرة: 137]
{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا} [الحج: 38]
{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3]
وزيادة في أفضال الله على عباده المؤمنين جاءت البشارة بتثبيتهم على الإيمان:
{وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ}
قال الإمام السعدي: "لأنه تعالى الذي بيده الهداية والإضلال،
وهو الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
{أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ} له العزة الكاملة التي قهر بها كل شيء،
وبعزته يكفي عبده ويدفع عنه مكرهم.
{ذِي انتِقَامٍ} ممن عصاه، فاحذروا موجبات نقمته."
فأنت أيها القلب الخائف:
قد ترحل من الدنيا وتترك الجمل بما حمل.
فلم الفكر يشيط؟ ولم الخوف يأكلك؟
وربك قد تكفل بك إن حققت العبودية له،
بل تكفل بعباده المتقين.
هو العزيز الذي لا يغلب،
ذو الانتقام ممن جرأ نفسه على تخويف أوليائه.
فألق مخاوفك ثقة بوعده بكفاية عباده المؤمنين،
وقل بقلب موقن قبل لسانك: حسبي الله ونعم الوكيل.
فبالأمس كفى موسى فرعون،
وكفى إبراهيم نار كيد الكائدين،
وكفى محمدا ﷺ أحزاب قريش.
وهو اليوم كافيك كل هم
كافيك حروبهم على النفط والماء والمناخ.
ثق به، واجعل مدار أمرك السعي لمرضاته
وعلي سقف آمالك تصل بغيتك
اقتدي بثوبان رضي الله عنه الذي كان همه عمل يدخله الجنة،
فقال له صلى الله عليه وسلم: "عليك بكثرة السجود، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة" رواه مسلم.
المراجع:
· تفسير الطبري: "جامع البيان عن تأويل آي القرآن"، ط دار هجر (جزء 19، ص 176-177)
· تفسير ابن كثير: "تفسير القرآن العظيم"، ط دار طيبة (جزء 6، ص 421-422)،
· ابن القيم: "الوابل الصيب" (ص 7)،
· تفسير السعدي: "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان"، ط مؤسسة الرسالة (ص 707).
· حديث ثوبان: صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب فضل السجود والحث عليه (رقم 488).
اكتب مراجعة عامة