img
img

قاآني في بغداد — والسؤال الذي يُحرج الجميع

img
الشبكة

قاآني في بغداد — والسؤال الذي يُحرج الجميع

تحليل استراتيجي — 21 أبريل 2026

الرجل الذي لا يُقتل

قاآني في بغداد — والسؤال الذي يُحرج الجميع

التعتيم الإعلامي على العراق — الاتفاقية تحت الطاولة — ومن يُعيّن رئيس وزراء بغداد فعلاً؟

 

كتبه : الأستاذ الدكتور عصام اشويدر

رئيس شبكة الرواد الإلكترونية

رئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

بسم الله الرحمن الرحيم

مدخل: السؤال الذي لا يُطرح

حين يكون الرجل الأول في فيلق القدس — الذراع الأطول للحرس الثوري الإيراني في العالم — مطلوباً للاغتيال أمريكياً وإسرائيلياً منذ عقدين، ويُدار بحقّه ملف أمني مُكثَّف في أرقى أجهزة الاستخبارات في العالم، ثم يُسافر علناً إلى بغداد ويلتقي المالكي والخزعلي وقادة الفصائل، ويُعقد الاجتماع وتتسرّب تفاصيله، ويخرج سالماً من أرض يملؤها العملاء والمُخبرون — فذلك لا يعني أن الموساد والاستخبارات الأمريكية نامت في تلك الليلة. بل يعني شيئاً أعمق بكثير وأكثر إزعاجاً.

هذا السؤال — لماذا لا يُقتل قاآني؟ — هو البوابة الحقيقية لفهم ما يجري في العراق الآن. وهو سؤال يُفضي إلى أسئلة أكبر منه: هل ثمة اتفاقية غير مُعلنة بين الأطراف المتنازعة؟ ولماذا يُطبق الإعلام الصمتَ على الملف العراقي في هذا التوقيت بالذات؟ ومن يُعيّن رئيس وزراء العراق فعلاً — برلمانه أم قاآني أم توم باراك؟

تحذير منهجي: في زمن الحرب الكلام أرخص سلعة. فلا تُعطِ التصريحات أكثر مما تستحق. اقرأ التصريحات كما تقرأ دخاناً: تدلّك على وجود نار ما، لكنها لا تُخبرك بحجمها ولا باتجاهها ولا بمن أشعلها ولماذا.

 

أولاً: لماذا العراق بالضبط — ولماذا الآن؟

في حين تستأثر هرمز ومفاوضات إسلام آباد والملف النووي بكل المساحة الإعلامية، يمرّ الملف العراقي في شبه صمت. وهذا الصمت ليس مصادفة — بل هو انعكاس لحسابات دقيقة لدى جميع الأطراف التي تُفضّل أن تُحسم معركة بغداد بعيداً عن الأضواء.

أ) التوقيت الدستوري — الساعة تدق

الدستور العراقي يُلزم بتكليف رئيس وزراء خلال 15 يوماً من انتخاب رئيس الجمهورية. وقد انتُخب الرئيس الكردي نزار آميدي في 11 أبريل 2026، مما يعني أن الساعة الدستورية تدق ولا تنتظر. وكل يوم يمر دون حسم هو يوم يتسع فيه الفراغ السياسي الذي تتنافس قوى متعددة على ملئه.

ب) العراق في معادلة ما بعد الحرب

العراق اليوم ليس دولة جانبية في الأزمة — بل هو الملف الأكثر حساسية في مرحلة ما بعد الحرب الإيرانية الأمريكية، وذلك لأسباب تتراكم وتتشابك:

الجغرافيا: العراق هو الممر البري الوحيد بين إيران وعالمها العربي، ومن يحكمه يتحكم في شريان النفوذ الإيراني الإقليمي الأخير

الاقتصاد: إيران تعتمد بشكل متزايد على الحدود البرية العراقية لكسر الحصار البحري الأمريكي — ورئيس الوزراء القادم يُقرّر مدى التسهيل أو التضييق

الميليشيات: مستقبل فصائل الحشد الشعبي — بقاؤها أم تفكيكها أم إعادة دمجها — يتحدد بهوية من يجلس في السراي الحكومية

النفوذ الإيراني: في ظل تهاوي أوراق إيران الإقليمية — من حزب الله المُكبَّل إلى الحوثيين المُحاصَرين — بات العراق آخر ورقة نفوذ حقيقية تمتلكها طهران في العالم العربي

البُعد الأمريكي: واشنطن لن تقبل أن تكسب في هرمز وتخسر في بغداد — فالعراق شاهد تاريخي على من يحكم المنطقة

 

الخلاصة الاستراتيجية: من يحكم العراق في المرحلة القادمة يُحدد إلى حد بعيد ما إذا كانت إيران ستنهض من الحرب بنفوذ إقليمي جديد أم ستُحاصَر بالكامل. ولهذا يأتي قاآني بنفسه — لا يُرسل مبعوثاً.

 

ثانياً: الرجل الذي لا يُقتل — السؤال الذي يُحرج

سؤال يطرحه المتابعون بصوت خافت لكنه يُصنع دويّاً في الدوائر التحليلية: كيف يُسافر قائد فيلق القدس — أحد أكبر المطلوبين أمريكياً وإسرائيلياً — إلى بغداد التي تمتلئ بالعملاء والمخبرين، ويلتقي قادة سياسيين وقادة فصائل، وتتسرب تفاصيل الاجتماعات كاملة، ثم يغادر من الحدود البرية الإيرانية العراقية سالماً؟

أ) الإجابات الممكنة — وما ترجّحه الوقائع

الإجابة الأولى — الحماية اللوجستية: شبكة الحشد الشعبي الاستخباراتية تولّت تفاصيل دخوله وخروجه وحركته السرية. وهذه شبكة عميقة وواسعة في العراق. لكن هذه الإجابة غير كافية — لأن الموساد اخترق أعمق من ذلك حين اغتال قاسم سليماني في مطار بغداد عام 2020، ولو أراد لفعل.

الإجابة الثانية — التوقيت: ربما يكون قاآني قد تحرّك بسرعة وغادر قبل أن تتاح الفرصة. لكن هذا يصلح في زيارة خاطفة، لا في لقاءات مطوّلة مع عشرات الشخصيات.

الإجابة الثالثة — الأخطر والأكثر إلحاحاً: ثمة قرار مُتّخَذ بعدم اغتياله في هذه المرحلة. وهذا القرار لا يصدر عن عجز بل عن حساب. أمريكا وإسرائيل تعلمان بوجوده وتسمحان بذلك — إما لأنه يُؤدي دوراً في مسار التهدئة الذي تحتاجه المفاوضات، وإما لأن إبقاءه حياً وضمن مسار الضغط أجدى من قتله وافتقاد ورقة الضغط عليه.

 

الملاحظة الجوهرية: قاآني هو الشخصية الإيرانية الوحيدة في القيادة التي نجت من الحرب كاملة دون استهداف. سليماني قُتل، خامنئي الأب مات، المرشد الجديد غائب أو مُصاب، القادة العسكريون تُصوِّفوا. وقاآني يتجوّل في بغداد. هذا الاستثناء يستحق أن يُفكَّر فيه طويلاً.

ب) فرضية العميل — وموازينها

يطرح بعض المحللين فرضية مثيرة للجدل: هل يكون قاآني على تواصل ما — مباشر أو غير مباشر — مع أجهزة استخبارية غربية أو إسرائيلية؟

هذه الفرضية لا دليل مباشر عليها، لكنها لا تُرفض بالكامل في عالم المخابرات. فسليماني — سلفه — قُتل حين بات استمراره عبئاً. وقاآني — الذي انتقد أداءه كثيرون بعد مقتل سليماني — بقي. والبقاء في هذا المستوى من الحرب الشاملة قد يكون مصادفة، وقد يكون شيئاً آخر. ما نستطيع قوله بيقين: الأجهزة التي اغتالت الفريق الأول في القيادة الإيرانية بالكامل تقريباً واجدةٌ قاآني في بغداد ولا تتحرك. هذا الاختيار يستحق تفسيراً.

 

ثالثاً: التعتيم الإعلامي على العراق — لماذا يُصمت الجميع؟

في حين يغرق الإعلام العالمي في تفاصيل هرمز والنووي ولبنان، يمر الملف العراقي بشبه صمت. والصحف الكبرى تنشر أخباراً موجزة، والمحطات الإخبارية تُعالجه بعجالة. هذا التعتيم النسبي ليس عجزاً صحفياً — بل هو تعبير عن إرادة أطراف متعددة:

أ) لماذا يُريد الجميع إبقاء العراق في الظل؟

إيران: لا تريد الأضواء الدولية على تدخّلها في تعيين رئيس وزراء دولة ذات سيادة — خاصة في لحظة تتفاوض فيها على صورتها الجديدة مع العالم

أمريكا: تُدرك أن إبراز تدخّلها في الشأن العراقي يُعطي إيران ذريعة لإعلان فشل المفاوضات والتشكيك في النوايا الأمريكية

إسرائيل: تُفضّل أن تُحسم المعركة العراقية بهدوء لصالح خيار يُضعف النفوذ الإيراني — دون أن يُثير حضورها الإعلامي حساسيات العراقيين

الحكومة العراقية المؤقتة: تريد تصوير عملية الاختيار كشأن داخلي خالص بعيداً عن صورة التدخل الأجنبي الفاضح

دول الخليج: تتابع بقلق بالغ لكنها تُحجم عن الإفصاح خشية استفزاز الأطراف المتنافسة

 

الخلاصة: التعتيم الإعلامي على العراق ليس فشلاً صحفياً بل هو توافق ضمني بين أطراف متناقضة على إبقاء هذه المعركة خارج دائرة الرأي العام العالمي — لأن كشفها بالكامل يُحرج الجميع في توقيت حساس.

 

رابعاً: الاتفاقية تحت الطاولة — هل يتصارعون أمامنا ويتفاوضون في الخفاء؟

الفرضية الأكثر إثارةً للجدل والأعمق في دلالتها: هل تدور بين أمريكا وإيران — وربما إسرائيل بصورة غير مباشرة — اتفاقيات ضمنية تُقسّم فيها مناطق النفوذ والمصالح، بينما يُقدَّم للعالم مشهد الصراع المحتدم؟

أ) ما يدعم هذه الفرضية

كل جولات المفاوضات أُجريت في سرية تامة وبوساطة باكستانية حريصة على عدم التسريب

قاآني يتجوّل في بغداد بحرية كاملة — والأجهزة الأمريكية والإسرائيلية تنظر ولا تتحرك

إيران أُبقي عليها كنظام رغم ادعاء الأطراف أن هدفها كان تغيير النظام

الخطوط الحمراء في المفاوضات واضحة لكلا الطرفين بشكل يوحي بأنها اتُّفق عليها مسبقاً

لبنان وُضع خارج الاتفاق ثم عُولج بصورة منفصلة — مما يُشير إلى أجندة مُقسّمة ومتفق عليها

غزة غابت عن كل المفاوضات بصورة منهجية — لا عرضية — مما يُشير إلى توافق ضمني على إبعادها

 

ب) نظرية تقسيم النفوذ — ما الذي يجري فعلاً؟

إذا صحّت هذه الفرضية — وهي قابلة للتصديق بحدود مدروسة — فإن الاتفاقية الضمنية قد تبدو على هذا النحو:

أمريكا تحصل على: تجريد إيران من السلاح النووي، والسيطرة الفعلية على هرمز، ووقف تمويل الميليشيات

إيران تحصل على: بقاء النظام، ورفع جزئي للعقوبات، والإبقاء على نفوذ محدود في العراق كورقة ضغط مستقبلية

إسرائيل تحصل على: التجريد النووي الإيراني، وإضعاف حزب الله، وفراغ إقليمي يملأه مشروعها التوسعي

العراق يُوزَّع: رئيس وزراء لا يُغضب أمريكا كثيراً، لكنه لا يُهمّش إيران كلياً — أي صيغة توافق تُبقي للجميع نفوذاً

 

الدليل الأقوى على الاتفاق الضمني: أن قاآني جاء بغداد وتفاوض واجتمع وعاد — وكل الأطراف تعلم ذلك وتسكت. في السياسة الدولية، الصمت الجماعي ليس مصادفة — بل هو توافق.

ج) قراءة سيكولوجية — لماذا يتظاهر الجميع بالصراع؟

علم النفس السياسي يُعلّمنا أن القادة يحتاجون إلى 'عدو مُدار' أكثر مما يحتاجون إلى سلام حقيقي. ترامب يحتاج عدوّاً ليُثبت قوته لناخبيه. والنظام الإيراني يحتاج عدوّاً ليُبرر استمراره لشعبه. وإسرائيل تحتاج تهديداً ليُبرر توسّعها لحلفائها. والصراع المُدار يُحقق لكل طرف ما يحتاجه داخلياً، بينما تُقسَّم الكعكة في غرف مُغلقة.

وهذه ليست نظرية مؤامرة مُتخيَّلة — بل هي ديناميكية موثّقة في العلاقات الدولية. فالحرب الباردة بين أمريكا والسوفييت كانت في أحيان كثيرة 'مُدارة' بقواعد ضمنية. وإيران وأمريكا تتعاملان منذ عقود وفق قواعد غير مُعلنة تمنع التصعيد إلى حافة الهاوية.

 

خامساً: الساحة العراقية — معركة المُبعوثين

ما يجري في بغداد هذه الأيام يشبه إلى حد مدهش مشهداً من أفلام الحرب الباردة: مُبعوثان من قطبين متنافسين يتجوّلان في عاصمة واحدة، كل منهما يُجري اتصالاته ويُبرم تفاهماته ويضع خطوطه الحمراء — وبينهما شعب عراقي لا يملك في النهاية سوى صوت ينتخب به ما اتفق عليه الآخرون.

المبعوث الأول — إسماعيل قاآني: يُجسّد المشروع الإيراني في أصفى صوره. يلتقي المالكي والخزعلي وقادة الفصائل. يُعلن أن الاختيار عراقي خالص ثم يُحدّد من يجب أن يكون هذا الاختيار. يقول لا تدخل لأحد وهو أكبر المُتدخّلين.

المبعوث الثاني — توم باراك: الصديق الشخصي لترامب والمُمثّل الأمريكي في المنطقة. يرسم الخطوط الحمراء الأمريكية بهدوء. لا يظهر في الكاميرات ولا يُصدر بيانات — لكن ترامب يُغرّد رافضاً المالكي، والدولارات العراقية في الأنظمة الأمريكية تبقى ورقة ضغط حاضرة دائماً.

 

أ) المرشحون وما يمثّلونه

نوري المالكي: انسحب تحت ضغط ترامب الإعلامي المباشر، لكنه يتمسك بحق تسمية خلفه. وهذا يكشف عن قوة لا تزال تمتلكها شبكته حتى في لحظة انسحابه.

باسم البدري: مرشح المالكي البديل. رئيس هيئة المساءلة والعدالة منذ 2013. أداة هيمنة على الجسد السياسي العراقي بصلاحيات تتجاوز أي منصب آخر في إمكانية إقصاء السياسيين أو تمكينهم. مدرّب في إيران ومتورط في ملفات تهجير وأعمال خارجة عن القانون. وهو ليس مجرد سياسي بل أداة هيمنة إيرانية على الجسد السياسي العراقي بالكامل. وتمكينه يحوّل العراق تحويلاً كاملاً نحو الفلك الإيراني — مع ما يعنيه ذلك من خطر وجودي حقيقي على الكويت و السعودية اللتين ستجدان نفسيهما أمام عراق يديره وكيل إيراني على حدودهما البرية مباشرةً والمتضرر بشكل عام دول الخليج.

محمد شياع السوداني: الخيار الأكثر قبولاً لدى الأطراف المتنافسة. يملك قبولاً داخل الإطار التنسيقي وقبولاً أمريكياً. وهو ما يجعله الخيار الأقرب للحسم في نهاية المطاف — إذ يُتيح لكل طرف ادّعاء أنه لم يخسر كلياً.

 

التوقع الأرجح: السوداني يبقى بصفقة توافق تُحفظ فيها ماء الوجه للجميع. إيران لا تحصل على البدري لكنها تُبقي نفوذها، وأمريكا لا تُفرز مرشحها الصريح لكنها تمنع البدري. وهذه هي الصيغة التي يعمل بها النظام السياسي العراقي منذ 2003.

 

سادساً: الدلالة الاستراتيجية — ما الذي يقوله العراق عن إيران؟

الحدث الذي يجب أن يُوقف عنده المحلل الاستراتيجي ليس مجرد من سيكون رئيس الوزراء — بل ماذا يعني أن إيران، في أحلك لحظاتها وأشد أزماتها، لا تزال تُرسل قائد فيلق القدس بنفسه لتعيين رئيس وزراء دولة أخرى.

أ) إيران لا تتخلى — حتى وهي تحترق

هذه اللحظة تكشف شيئاً عميقاً عن طبيعة المشروع الإيراني: إيران لا تُفاوض على نفوذها الإقليمي مهما كان الثمن. البرنامج النووي يمكن أن يُجمَّد. هرمز يمكن أن يُفتح. القيادة العسكرية يمكن أن تُستبدل. لكن النفوذ في العراق — آخر الأوراق الإقليمية — لا يُتنازَل عنه. ولهذا يأتي قاآني بنفسه، في ظل الحرب، تحت الحصار، ليقول: العراق لن يخرج من المعادلة الإيرانية.

ب) الورقة العراقية في التفاوض مع أمريكا

قاآني في بغداد هو أيضاً رسالة تفاوضية لواشنطن: أنتم تطالبوننا بوقف تمويل الميليشيات والتخلي عن الوكلاء — وها نحن نُثبت لكم أننا لا نزال نُدير العراق. وهذا يعني أن ورقة العراق ستكون حاضرة في مفاوضات الاتفاق النهائي، وأن أمريكا ستحتاج أن تُقدّم شيئاً في مقابل إيران التي تُقدّم تنازلات نووية.

ج) الدرس لدول الخليج

دول الخليج — وعلى رأسها الكويت والسعودية — تتابع ما يجري في بغداد بقلق عميق ومبرر. فالكويت تُدرك أن عراقاً في الفلك الإيراني الكامل يعني حصاراً جيوسياسياً من البحر ومن البر. والسعودية تُدرك أن حدودها الشمالية الشرقية ستكون في مواجهة مباشرة مع نفوذ إيراني لا يُحجب بأي دبلوماسية.

لكن الأخطر من ذلك كله: أن دول الخليج ليست طرفاً في هذه المعادلة — بل هي ساحة تتقرر فيها المصائر دون أن يُستأذن أصحابها. وهذا الغياب عن الفاعلية الاستراتيجية هو الجرح الذي يجب أن يكون أولوية في مرحلة ما بعد الحرب.

 

سابعاً: القراءة الشرعية والاجتماعية — الشعب العراقي في المعادلة

أ) الشعب العراقي — الغائب الحاضر

في كل هذه المعادلات والحسابات والمفاوضات الخفية، يغيب طرف أساسي: الشعب العراقي. ذلك الشعب الذي دفع ثمن كل اتفاقية من لحمه ودمه وأمنه — من الاحتلال الأمريكي 2003 إلى ميليشيات الحشد إلى الفقر المتراكم إلى الفساد المُنظَّم. شعب يمتلك موارد نفطية تجعله من أغنى الشعوب نظرياً، لكنه يعيش فقراً يُشبه الدول الأفقر واقعياً.

 

وعلم الاجتماع السياسي يُعلّمنا أن الشعوب التي تُستبعد من قرار مصيرها مراراً وتكراراً تُنتج واحدة من ثلاث: إما الإحباط الجمعي والانكفاء، وإما الانتفاضة العفوية غير المنظّمة، وإما البحث عن مشروع ذاتي مستقل. والشعب العراقي قدّم 40 ألف شهيد دفاعاً عن كرامته — وهو رصيد لا يُهدر في الحسابات الاستراتيجية.

ب) الموقف الشرعي — ما يجب قوله صريحاً

من منظور السياسة الشرعية، ما يجري في العراق يستوجب موقفاً واضحاً: تعيين رئيس وزراء دولة عبر مُبعوث أجنبي — سواء كان قاآني أو باراك — هو انتهاك صريح لمبدأ السيادة الوطنية الذي تكفله الشريعة الإسلامية بمنع الاستعانة بالأجانب على حساكم المسلمين. وهذا المبدأ لا يتغيّر بتغيّر هوية الوصيّ — أمريكياً كان أم إيرانياً.

والأمة المسلمة في العراق تستحق حكومة شرعية سنية تُعبّر عن إرادتها هي لا عن مصالح من يُحرّك خيوطها من بعيد. وهذا لن يتحقق ما لم يُدرك العراقيون — نخبةً وشعباً — أن التبعية للمشروع الإيراني تجلب من الأضرار ما لا تُعوّضه أي ورقة نفوذ.

القاعدة الفقهية التي يجب أن تحكم المشهد العراقي: لا يجوز استبدال ولاية الكافر الخارجي بولاية الكافر الداخلي. وإيران التي تُعيّن رئيس الوزراء العراقي تُمارس ولايةً على بلد مسلم — بصرف النظر عن الغطاء المذهبي الذي تُسوّغها به.

 

 

 

خاتمة — ما وراء الخبر

الخبر الذي يُقرأ سطحياً هو: قاآني زار بغداد ليبحث ملف رئيس الوزراء. لكن ما وراء هذا الخبر أعمق بكثير: إيران لا تزال تُعيّن رئيس وزراء العراق حتى وهي تُفاوض على بقاء نظامها. وأمريكا تعلم ذلك وتتسامح معه في حدود. وقاآني — الرجل الذي لا يُقتل — يتجوّل بين هذه الحدود بحرية مُريبة.

والتعتيم الإعلامي على هذا المشهد ليس مصادفة — بل هو جدار يقي الجميع من أسئلة محرجة. لكن الأمة التي لا تسأل عما يجري خلف الجدران ستجد نفسها يوماً أمام نتائج لم تشارك في صنعها ولا تملك أدوات تغييرها.

الدرس الأخير من كل هذه السلسلة من التحليلات هو دائماً الدرس ذاته: الأمة التي لا تملك مشروعها المستقل ستظل حطباً يُشعَل ولا يستدفئ به أحد، وأرضاً تُزرع ويحصد غيرها ثمارها — مهما تبدّلت الأسماء وتعاقبت الحروب وتغيّرت وجوه المُبعوثين.

 

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾

21 أبريل 2026 — تحليل: الرجل الذي لا يُقتل وبغداد المُدارة

تعليقات