img
img

حين يتصارع الممثلون على الخشبة ويتفقون خلف الستار

img
الشبكة

حين يتصارع الممثلون على الخشبة ويتفقون خلف الستار

تحليل استراتيجي — 18 أبريل 2026

المسرحية الكبرى

حين يتصارع الممثلون على الخشبة ويتفقون خلف الستار

الانقلاب الداخلي الإيراني — حرب هرمز المتكررة — الملف العراقي المفتوح

قراءة في التضليل والحقيقة — من منظور السياسة الشرعية وفقه الواقع

الأستاذ الدكتور عصام اشويدر

رئيس شبكة الرواد الإلكترونية

رئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مدخل: حين يُصبح التناقض نمطاً

ثمة لحظات في تاريخ الأمم تنهار فيها حدود الوضوح وتذوب الحقيقة في بحر متلاطم من التصريحات المتضاربة والوقائع المتناقضة. يوم السبت 18 أبريل 2026 كان واحداً من هذه اللحظات بامتياز. ففي اليوم الواحد ذاته: وزير خارجية إيران يُعلن فتح هرمز في الصباح، والحرس الثوري يُغلقه في المساء، وترامب يقول 'الحرب انتهت' وبعد ساعات يُهدّد بعودة القصف، والمرشد الإيراني الجديد الذي لا أحد يعرف أين هو يُصدر بياناً عن تضاعف القوة العسكرية، وسعيد جليلي يسأل علناً: هل المرشد موجود فعلاً أم أن أحدهم انقلب على النظام؟

هذا المشهد البالغ التعقيد يستوجب قراءة من نوع مختلف — قراءة تتجاوز الخبر اليومي إلى ما تحته من طبقات ومن وراءه من خيوط. وهي القراءة التي نُقدّمها هنا.

تحذير منهجي للقارئ قبل أي سطر

في زمن الحرب، الكلام أرخص سلعة وأكثرها تداولاً. فلا تُعطِ التصريحات — مهما علا قائلها وجلّ منصبه — أكثر مما تستحق. رئيس يُهدّد اليوم ويُفاوض غداً، ووزير يُعلن في الصباح ما يُكذّبه الحرس في المساء، ومسؤول ينشر تغريدة ثم يُلاحق حسابه بالحذف — هذا ليس تخبطاً عرضياً، بل هو نمط مقصود في حروب من هذا النوع حيث يُصبح الكلام نفسه سلاحاً وخدعةً في آنٍ معاً.

لذا، من أراد أن يفهم ما يجري فعلاً فليُغلق أذنيه عن ضجيج التصريحات النارية والتسريبات الصحفية المتضاربة، وليفتح عينيه على ما لا يكذب: أين تتحرك حاملات الطيارات؟ ما اتجاه أسعار النفط؟ من استدعى سفيراً؟ من أوقف صادراته؟ من يُزيل الألغام ومن يزرع الجديد منها؟ هذه وحدها هي اللغة التي تتحدثها مراكز القرار الحقيقية — لأنها اللغة التي تُكلّف مالاً وتُترجَم على أرض الواقع ولا يمكن إخفاؤها.

أما التصريحات، فاقرأها كما تقرأ دخاناً: تدلّك على وجود نار ما، لكنها لا تُخبرك بحجمها ولا باتجاهها ولا بمن أشعلها ولماذا. أولاً: المسرحية الكبرى — هل اتفق الطرفان على اللعب؟

أما التصريحات، فاقرأها كما تقرأ دخاناً: تدلّك على وجود نار ما، لكنها لا تُخبرك بحجمها ولا باتجاهها ولا بمن أشعلها ولماذا.


 


أولاً: المسرحية الكبرى — هل اتفق الطرفان على اللعب؟

الفرضية التي يرفضها الإعلام الرسمي لكنها تُطرح في دوائر التحليل الاستراتيجي الجاد: ما إذا كان ما يجري بين واشنطن وطهران يحمل — في جزء منه — طابع 'الصراع المُدار' الذي يُحقق لكل طرف أهدافه بصورة متزامنة.

أ) ما يُرجّح هذه الفرضية

الطرفان يُعلنان التوصل إلى اتفاق ثم يتراجعان بصورة دورية منتظمة — بما يبدو أكثر من مجرد تخبط

الحرب لم تُفضِ إلى إسقاط النظام الإيراني رغم تدمير قيادته — وهو هدف أُعلن أمريكياً وإسرائيلياً في البداية

إيران أُتيح لها البقاء بما يكفي للتفاوض — لو أرادت أمريكا الإسقاط الكامل لكانت قادرة في حرب 40 يوماً

ترامب يقول 'الحرب انتهت' ثم يُهدّد بعودة القصف في اليوم ذاته — ودائماً في توقيت يُحرّك الأسواق

إيران تفتح هرمز وتُغلقه في نمط دوري يُبدو وكأن القرار متفق عليه ضمنياً كورقة ضغط متبادلة

كلا الطرفين يُصوّر نفسه منتصراً أمام جمهوره — وهذا سمة الاتفاقات المُدارة لا الحروب الحقيقية

 

ب) ما يدحض هذه الفرضية — أو يُقيّدها

الخسائر الإيرانية الحقيقية في البنية التحتية والقيادات ضخمة للغاية بحيث لا يُقبل عقلاً أنها 'مُدارة'

الانقسام الداخلي الإيراني بين الحرس الثوري والجناح السياسي حقيقي وموثّق بتصريحات متعارضة علنية

الأسواق المالية والنفطية تتحرك بعنف مع كل تصريح — وهذا يُلحق ضرراً حقيقياً لا يُريده أحد

الحصار البحري الأمريكي يكلّف إيران 400 مليون دولار يومياً — ثمن لا يقبله نظام بصدق

 

الخلاصة المتوازنة: ليس 'مسرحية كاملة' ولا 'حرباً خالصة'. الأقرب للواقع: أن أمريكا وإيران تتقاطعان في هدف واحد — إبقاء حالة 'اللاحرب واللاسلم' مع تحقيق كل منهما مكاسبه. أمريكا تريد هرمز تحت سيطرتها وإيران مُجرَّدة نووياً لكنها باقية كنظام. وإيران تريد البقاء ورفع العقوبات. وكلاهما يلعب مسرحية الخلاف أمام جمهوريهما.

ج) ترامب والمبالغة الصادقة — فن تضليل الجمهور

في كتابه الشهير 'فن الصفقة' وصف ترامب ما أسماه 'Truthful Hyperbole' — المبالغة الصادقة. وهي تضخيم قيمة ما يملكه لتخويف الخصم قبل بدء المفاوضات. يقول الأمر بوضوح: 'إيران وافقت على كل شيء' لإيجاد ضغط نفسي على طهران لتقبل الأمر واقعاً. وطهران تُكذّبه علناً لتُبقي هامش المناورة. وكلاهما يُدار من مستشارين يعلمون أن الاتفاق النهائي في مكان ما بين الادعاءين.

 

الدرس الاستراتيجي: المراقب الذكي لا يصدّق ترامب حين يقول 'كل شيء تم' ولا يصدّق إيران حين تقول 'لا شيء تم'. الحقيقة في مكان ثالث يُحدّده الأرقام الاقتصادية والتحركات البحرية وانعكاسها على أسعار النفط — لا التصريحات.

 

ثانياً: الانقلاب الناعم في إيران — ما وراء التصريحات المتضاربة

التصريح الأخطر في كل ما جرى يوم السبت لم يصدر عن ترامب ولا عن البيت الأبيض. صدر عن رجل يعيش في قلب النظام الإيراني وليس على هامشه: سعيد جليلي — الأمين السابق لمجلس الأمن القومي ومفاوض الملف النووي الأشهر في تاريخ إيران.

أ) تغريدة جليلي المحذوفة — القنبلة التي انفجرت

كتب جليلي علناً وبصراحة نادرة لرجل في موقعه: 'إذا كانت كل هذه الأوامر صادرة عن القيادة، فليتلطف علينا المرشد بتسجيل مقطع صوتي أو فيديو ويُبلّغ أوامره بشكل مباشر. بهذه الطريقة سنفهم ما الذي يجري ونمتثل. أما إذا لم يحدث هذا، فإن فتنة المسؤولين قد وقعت بنسبة 100% وتكون كل البيانات قد كُتبت من قبل شخص انقلب على النظام.'

ثم حُذف الحساب.

هذه التغريدة وحدها تُعادل أطنانًا من التقارير الاستخباراتية. فجليلي لا يتساءل عن موقف المرشد — بل يُعلن ضمنياً أن هناك من يُصدر قرارات بدون تفويض شرعي من القيادة. وهذا يعني واحداً من اثنين: إما أن المرشد موجتبى خامنئي غائب أو مجروح وغير قادر على التواصل، وإما أن جهة ما في الحرس الثوري أو خارجه تتصرف باسمه دون إذنه.

ب) المرشد الغائب — أزمة الشرعية

الوقائع الموثّقة عن موجتبى خامنئي، المُعلَن مرشداً جديداً منذ مارس 2026، تكشف صورة مُقلقة:

لم يظهر علنياً منذ إعلان توليه المنصب

مسؤولون أمريكيون يدّعون أنه جُرح في الضربات الأولى

لا خطاب مسجّل، لا مقابلة، لا تصوير — في دولة تعيش حرباً وجودية

البيانات الصادرة 'باسمه' تتضارب مع قرارات الحرس الثوري ومع الحكومة المدنية

جليلي — المقرّب من المرشد الراحل — يشكّك علناً في صحة هذه الأوامر

 

والسؤال الذي يُطرح في الدوائر التحليلية: من يحكم إيران فعلاً الآن؟ قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي؟ رئيس هيئة الأركان المشتركة؟ لجنة مشتركة من المتشددين؟ أم أن القرار يصدر كل يوم من مصدر مختلف بحسب الموضوع؟

ج) الحرس الثوري يُقدّم ذاته ملحمةً — وهذا الخطر بعينه

بيان المرشد بمناسبة اليوم الوطني للجيش والإعلان عن تضاعف القدرات العسكرية — في حين أن هذه القدرات مدمّرة بنسبة كبيرة — هو بالضبط نمط التهويل الذي تحدثنا عنه في التحليلات السابقة. لكنه في هذه الظروف الداخلية أكثر خطورة: لأن الخطاب التهويلي يُقنع الحرس الثوري نفسه بأنه لا يزال قادراً على المجابهة، فيرفض التسوية، ويدفع البلاد نحو كارثة جديدة.

الحرس الثوري يُغلق هرمز دون إذن وزير الخارجية

وزير الخارجية يعتذر للقوات المسلحة — وهو سابقة نادرة تكشف تراتبية السلطة الحقيقية

وكالة تسنيم الناطقة بلسان الحرس تهاجم وزير خارجية الجمهورية علناً

نائب الرئيس الأول يُكذّب تصريحات ترامب ويُقلّل من الاتفاقيات التي يُعلنها

 

المعادلة الإيرانية اليوم: ثلاثة أطراف تتنازع على القرار وليس أمامها مرجع أعلى يحسم — وهذا يجعل أي اتفاق مُبرَم قابلاً للتفجير من الداخل في أي لحظة.

 

ثالثاً: دورة هرمز المتكررة — الفتح والإغلاق كأداة سياسية

جرى يوم السبت ما يمكن وصفه بـ'الأزمة في الأزمة': فُتح هرمز في الصباح بإعلان وزير الخارجية، ثم أُغلق في المساء بقرار من الحرس الثوري، وسط اشتباكات مع سفن هندية، وتحذيرات أمريكية، وسفر حاملة الطيارات جيرالد فورد نحو البحر الأحمر. ماذا يعني هذا كله؟

أ) قراءة في دلالة الفتح والإغلاق

الفتح الذي أعلنه عراقجي: لم يكن قراراً منسّقاً مع الحرس الثوري. كان استباقاً للمفاوضات أراد به الجناح السياسي إظهار حسن النية وتخفيف الضغط الاقتصادي.

الإغلاق الذي فرضه الحرس: هو رسالة واضحة بأن القرار العسكري لا يُؤخذ دون الحرس. وهو في الوقت ذاته ورقة تفاوضية: 'إما أن يُرفع الحصار أو نُغلق المضيق'.

النتيجة المزدوجة: إيران تُثبت أن هرمز يمكن فتحه أو إغلاقه متى شاءت — وهذا بالضبط ما يريد ترامب القضاء عليه. وترامب يُثبت أن الحصار يُفعّل هذه الأزمة — وهذا بالضبط ما تريده واشنطن كورقة ضغط.

 

ب) الضحية الجانبية — الهند وورقتها المحترقة

الهند كانت واحدة من الدول التي أعطتها إيران تصاريح المرور. وحين أطلق الحرس الثوري النار على سفينتين هنديتين، استدعت الهند السفير الإيراني في احتجاج رسمي. وهذا يعني:

إيران تفقد ورقة الهند كدولة محايدة يمكنها الاستناد إليها

الهند قد تنضم للضغط على إيران أو تلوّح بذلك

نمط الضرب العشوائي يُثبت أن الحرس الثوري لا يُفرّق بين صديق وعدو حين يُصدر قرارات متسرعة

 

الدلالة الاستراتيجية: إيران تُحرق جسورها مع الدول التي كانت تُوفّر لها هامش المناورة. والصين والهند وتركيا التي كانت تُبقي على علاقاتها مع طهران تجد نفسها في موقف أكثر إحراجاً مع كل حادثة في المضيق.

ج) عملية 'الغضب الاقتصادي' الأمريكية

وول ستريت جورنال كشفت أن أمريكا أطلقت عملية أسمتها 'الغضب الاقتصادي' تستهدف سفناً إيرانية في المياه الدولية خارج منطقة الشرق الأوسط. وهذا تصعيد نوعي يعني:

الحصار لم يعد مقتصراً على هرمز والخليج — بل يمتد لمطاردة الأصول الإيرانية في أي بحر

إيران لا تملك سفناً تجارية كافية لتحمّل هذا المستوى من الاستهداف

الهدف: حرمان إيران من أي عائد مالي بحري ودفعها لقبول شروط الاتفاق

الخطر: أي حادثة مع سفينة ترتبط بدولة ثالثة كالصين أو روسيا قد تُفجّر الأزمة

 

رابعاً: الملف العراقي — الجبهة المفتوحة في الظل

بينما تستأثر هرمز والنووي بالأضواء، تدور في بغداد معركة لا تقل أهمية استراتيجية — معركة من سيحكم العراق في المرحلة القادمة. وتوقيتها في خضمّ هذا الصراع ليس مصادفة.

أ) لماذا العراق الآن — وما أهميته الاستراتيجية؟

العراق في هذه المعادلة ليس دولة جانبية بل هو عقدة المحور كله:

الجغرافيا: العراق هو المنفذ البري الوحيد بين إيران ودول المشرق — وعبره تمر قوافل التسليح والنفوذ

الاقتصاد: إيران تعتمد على الحدود البرية العراقية لتعويض جزء من خسائر الحصار البحري

الميليشيات: فصائل الحشد الشعبي العراقي المرتبطة بإيران لا تزال تمثّل امتداداً عملياً للحرس الثوري

النفوذ الإقليمي: من يحكم العراق يُحدد إلى حد بعيد طبيعة علاقته بإيران أو قطيعته معها

 

ب) المشهد السياسي العراقي — تنافس مُبعوثين

ما يجري في بغداد هذه الأيام يشبه مباراة الشطرنج بين مُبعوثين: توم باراك مبعوث ترامب الخاص، وإسماعيل قاآني قائد فيلق القدس. كلاهما في بغداد يحاولان حسم ملف رئاسة الوزراء لصالح مشروعه.

موقف ترامب: رفض صريح لنوري المالكي بتغريدة أعلن فيها أنه سيوقف المساعدات الأمريكية إذا عاد المالكي. وهو أسلوب ترامبي نموذجي: التدخل العلني المباشر في السياسة الداخلية للدول.

موقف إيران: إرسال قاآني إلى بغداد لدعم مرشحي الإطار التنسيقي — حتى في خضمّ حرب ضخمة. وهذا يُثبت ما قلناه: إيران لن تتخلى عن تأثيرها الإقليمي حتى وهي تحترق.

 

ج) باسم البدري — من هو وماذا يمثّل؟

الاسم الذي رشّحه المالكي بديلاً عنه ليس غريباً — بل هو من أعمدة المنظومة الأمنية الإيرانية في العراق:

يترأس هيئة المساءلة والعدالة منذ 2013 — الهيئة التي تتحكم في من يُسمح له بالمشاركة السياسية

استخدمت الهيئة في إقصاء آلاف السياسيين السنة والشخصيات الوطنية العراقية

وثيق الصلة بحزب الدعوة جناح المالكي وبالمشروع الإيراني في العراق

يمتلك ملفات حساسة لكل شخصية سياسية في العراق — وهذا يجعله ورقة ضغط على الجميع

أُدين من قِبَل ضحايا التهجير القسري بتورطه في عمليات تهجير مئات الآلاف من المواطنين السنة

 

البدري ليس مجرد سياسي — بل هو أداة هيمنة إيرانية على الجسد السياسي العراقي. وتمكينه من رئاسة الوزراء يعني تحويل العراق من دولة 'محايدة بين قطبين' إلى دولة في الفلك الإيراني بصورة كاملة — وهو ما ترفضه واشنطن بشكل قاطع.

غير أن الخطر الأشد وطأةً لا يقع على واشنطن — بل يقع على الجوار الخليجي مباشرةً، وعلى رأسه الكويت و السعودية.

فالعراق في ظل رئيس وزراء من عيار البدري لن يكون دولةً جارة محايدة، بل سيكون امتداداً استراتيجياً للحرس الثوري على حدود الكويت البرية مباشرةً — تلك الحدود التي لا يفصلها عن عاصمتها بضع عشرات من الكيلومترات. وستجد الكويت نفسها محاطةً من جهة البحر بإيران ومن جهة البر بعراق يديره وكيل إيراني، في حصار جيوسياسي خانق لا تملك أدواتٍ كافية للخروج منه.

أما السعودية، فإن عراقاً تحت هيمنة إيرانية كاملة يعني إعادة فتح جبهة المنطقة الشرقية، وتنشيط شبكات التأثير على المكوّن الشيعي السعودي، وتحويل الحدود العراقية السعودية إلى ممرٍّ لتهريب السلاح والنفوذ بدلاً من أن تكون خط تجارة وتعاون. وهذا السيناريو هو بالضبط ما سعت الرياض عقوداً إلى منعه — وما بذلت من أجله رصيدها الدبلوماسي في مفاوضات التطبيع مع طهران.

خلاصة القول: البدري في سدة الحكم العراقي لا يعني فقط انتصاراً إيرانياً دبلوماسياً — بل يعني إعادة رسم خريطة التهديد الأمني الخليجي بالكامل، وفتح جبهة جديدة في عمق المنطقة التي يظن أصحابها أنهم في مأمن منها.

د) السيناريو الأرجح في العراق

المشهد يتجه نحو أحد السيناريوهين:

السيناريو الأول — السوداني يبقى: وهو السيناريو الأكثر ارتياحاً لواشنطن ولجزء من الإطار التنسيقي. السوداني يملك قبولاً أمريكياً ولا يمثّل تهديداً مباشراً للتوازنات.

 

السيناريو الثاني — مرشح توافقي جديد: حميد الشطري رئيس المخابرات أو غيره من الأسماء التي تُوازن بين المطالب الإيرانية والخطوط الأمريكية.

السيناريو المستبعد — البدري: ستواجهه واشنطن برفض قاطع وضغط اقتصادي على بغداد. وقد يُعرّض العراق لعقوبات تُضاف إلى أزماته.

 

الدلالة الأعمق: إيران حتى وهي تخوض أشد حروبها في التاريخ لم توقف عملها على تعيين رئيس وزراء العراق. هذا يُثبت ثلاثة أمور: أن العراق ورقة استراتيجية لا تتنازل عنها، وأن الحرس الثوري لا يزال قادراً على ممارسة النفوذ رغم خسائره، وأن الإطار الإقليمي للمشروع الإيراني لم ينهر بالكامل.

 

خامساً: الصين وفنّ التنصّل — الحليف الذي لا يُصدَّق

في يوم واحد، قال ترامب: 'وافقت الصين على عدم تزويد إيران بالأسلحة، لقد تحدثت معهم.' وردّت وزارة الخارجية الصينية: 'لم يجرِ أي تواصل من هذا القبيل. اتفاقياتنا الأمنية مسائل سيادية تخص الصين وحدها.'

هذا التناقض ليس أخطاء دبلوماسية — بل هو فنّ الصين في الحفاظ على هامش المناورة:

لا تُؤكّد: لئلا تُغضب إيران وتفقد ورقتها

لا تنفي: لئلا تُقيّد نفسها بتعهّد تُحاسَب عليه

تُعلن السيادة: رسالة لواشنطن بأن الصين لا تنتظر تفويضاً أمريكياً لأي قرار

تبقى الغموض أداةً: الغموض الاستراتيجي هو الورقة الأثمن في يد بكين

 

الاستراتيجية الصينية بجملة واحدة: تُبقي أمريكا في حالة عدم يقين دائم — هل ستُسلّح الصين إيران أم لا؟ وهذا عدم اليقين بحد ذاته يُقيّد الحرية الأمريكية في التصرف. فأمريكا تحسب ألف حساب قبل أي ضربة على إيران خشية أن تجد نفسها في مواجهة منظومة دفاعية صينية.

 

سادساً: الحساب الختامي — من يكسب فعلاً من كل هذا؟

أ) أمريكا — الكاسب بشروط

أمريكا تحقق مكاسبها لكن بثمن أكبر مما خطّطت:

تكاد تحقق التجريد النووي الإيراني — لكن الملف لم يُختم بعد

تسيطر على هرمز بصورة فعلية — لكن إيران تستعيد الإغلاق كلما احتاجت

نجحت في فرض الحصار — لكن أسعار النفط ارتفعت بما يُزعج الاقتصاد الأمريكي نفسه

فشلت في إسقاط النظام — وهو ما كان هدفاً معلناً في البداية

فشلت في جرّ الصين والهند وتركيا إلى الحصار — وهو ما يُقيّد فاعلية الحصار

ب) إسرائيل — الكاسب الصامت المتقدم

نتنياهو حقق ما عجز عنه عقود من المفاوضات والغارات المحدودة:

تفكيك عملي للبرنامج النووي الإيراني — هدفه الوجودي منذ عقدين

إضعاف حزب الله وفرض هدنة لبنانية — أتاحت ضمّ أجزاء استراتيجية من جنوب لبنان

تدمير القيادة العسكرية الإيرانية بالكامل تقريباً

لكن: لم يُقنع الشارع الإسرائيلي بأن التهديد الوجودي انتهى — وهو ما يبقي نتنياهو في حاجة لحرب جديدة للبقاء سياسياً

 

وهنا يكمن الخطر الأعمق الذي يغفل عنه كثيرون:

 

نتنياهو رجلٌ يُحاكَم حين يتوقف القتال، ويحكم حين يستمر. فملفاته القضائية لا تنتظره في الخارج فحسب، بل تُطارده في عقر داره، وائتلافه الهش لا يتماسك إلا في ظل حالة الطوارئ المستمرة. ولهذا فإن السلام — أي سلام حقيقي — هو العدو الأول لبقائه السياسي.

 

ومن يعرف طبيعة هذا الرجل وسجله يُدرك أنه لن يجلس مكتوف الأيدي ينتظر أن تُسوّى الأمور من حوله. بل سيبحث — كما فعل دائماً — عن الجبهة التالية التي تُبقيه في مركز الصورة وتُؤجّل يوم حسابه. وأمامه خيارات لا تشحّ: سوريا التي لم تستقر بعد وتتشكّل فيها موازين جديدة تُغري بالتدخل، وتركيا التي يرى فيها نتنياهو منافساً إقليمياً يتعاظم نفوذه ويستحق ضربة استباقية، وملف جيفري أبستين الذي يمتلك فيه الكيان الصهيوني أوراقاً تكفي لتفجير تحالف ترامب من الداخل إن ساءت العلاقة أو اقتضت الحاجة.

 

وهذا ليس ضرباً في الغيب ولا نظرية مؤامرة مُتخيَّلة — بل هو قراءة في نمط موثّق ومتكرر على مدار عقود: شعبٌ  القرآن الكريم يصفه القرآن بتحريف عن مواضعه بما لا يحتاج مزيد تفسير، وكيانٌ قام أصلاً على الاغتصاب والخداع وإدامة الصراع، وقيادةٌ لا تُحسن غير لغة التوتر لأن التوتر هو مصدر قوتها وضمان استمرارها. فمن طبيعة هذه المنظومة ألّا تتوقف عن التآمر — لأن التآمر هو صنعتها وهويتها وأداة بقائها.

 

لذا فإن الهدوء القادم — إن جاء — لن يكون سلاماً، بل سيكون استراحةً تُعدّ فيها إسرائيل لجولتها التالية في مشروعها الذي لا يعرف التوقف.

ج) إيران — البقاء بثمن التنازل

النظام بقي — وهو إنجازه الوحيد المؤكّد

البرنامج النووي انتهى عملياً — سواء نُقل اليورانيوم لأمريكا أو روسيا أو وكالة الطاقة الذرية

الحرس الثوري خسر قياداته لكنه اكتسب زمام القرار الداخلي

المشروع الإقليمي — الميليشيات والنفوذ — لا يزال قائماً جزئياً لكن بموارد أضعف بكثير

 

إيران تعود للتفاوض على ما كانت تستطيع تحقيقه دبلوماسياً قبل الحرب — وهذا معنى 'الخسارة المُقنّعة'

د) الخليج — الضحية الكبرى والفاعل الصغير

لا يتغير شيء في المعادلة الخليجية. ما زالت البنية التحتية تُعاد إعادة بناء. وما زال الخليج يدفع ثمن حرب لم يقررها. وما زالت دوله غائبة عن طاولة التفاوض التي تُقرّر مصيرها. وما زالت الأموال تتدفق لإعادة إعمار ما دمّرته إيران — في الوقت الذي يتفاوض الطرفان على مستقبل المنطقة دون أن يسألاها رأياً.

هـ) فلسطين وغزة — الغائب الأبدي

لا شيء تغيّر. الأقصى محتجز. غزة تُباد. ولم يُذكر اسم فلسطين في أي جلسة تفاوضية. والاتفاق الأمريكي الإيراني حين يُبرَم سيكون على حساب القضية الفلسطينية ولصالح الاستقرار الإقليمي الذي تريده القوى الكبرى. هذه هي الجريمة الكبرى التي يجب أن تُذكر في كل سطر وكل تحليل.

الفاضح الأكبر — والدليل الذي لا يحتاج محامياً:

لو كانت إيران تحمل فعلاً ما تدّعيه من مشروع المقاومة وتحرير القدس ونصرة الأمة — لكان مضيق هرمز قد أُغلق في اليوم الثامن من أكتوبر 2023، حين كانت دبابات الاحتلال تدهس أجساد أطفال غزة وطائراته تُسوّي أحياءها بالأرض. لو كانت القضية قضيتها حقاً، لكان إغلاق هرمز — الذي أثبتت الحرب أنه ممكن وفعّال ومُؤلم للعالم — هو السلاح الأمضى لوقف الإبادة أو على الأقل لتكبيد العالم ثمناً على صمته عنها.

لكن هرمز لم يُغلق يوم ذُبح أهل غزة. أُغلق يوم ضُربت إيران هي. وهذا الفارق الزمني ليس تفصيلاً عابراً — بل هو الحكم الفصل في قضية المصداقية كلها. فقد كشف بجلاء لا يقبل التأويل أن هرمز لم يكن يوماً سلاحاً في معركة فلسطين، بل كان — ولا يزال — ورقةً احتجزتها إيران لحساب مصالحها هي، وأشهرتها حين مسّ الخطر نظامها هي.

غزة لم تستحق هرمز. واستحقته إيران حين احتاجته لنفسها. وهذا — بكل بساطة — هو الفرق بين من يحمل قضية ومن يتاجر بها.

 

سابعاً: ما بعد الحرب — الفصل الذي لم يُكتب بعد

أ) السيناريوهات الأربعة المتشابكة

الاتفاق السريع قبل 22 أبريل: ترامب يحتاج إعلان انتصار قبل انتهاء الهدنة، وإيران السياسية تحتاج التنفس الاقتصادي. لكن الحرس الثوري قد يُفجّره.

التمديد الضمني مع مفاوضات مستمرة: الأرجح على المدى القريب. الهدنة تتمدد بحكم الواقع وكلا الطرفين يُجري حسابات جديدة.

عودة الضربات: إذا صعّد الحرس الثوري باستهداف سفينة أمريكية أو إسرائيلية، فالضربات ستعود بحجم أكبر.

سيناريو يمن جديد: استعادة الحوثيين كورقة ضغط في البحر الأحمر — وهي الجبهة التي لم تُغلق بالكامل وقد تُعاد تفعيلها.

 

ب) سوريا والمنطقة — الهدف التالي

بعد إضعاف إيران والحصار على نفوذها، والهدنة في لبنان، والتغيير في سوريا — تبقى خيوط كثيرة مفتوحة في المنطقة قد تجذب الاهتمام الإسرائيلي في المرحلة القادمة. وتركيا التي توسّطت في الملفات عدة قد تجد نفسها في مواجهة ضغوط جديدة حين تنتهي الأزمة الإيرانية. المنطقة لن تهدأ — لأن القوى المُحرِّكة لهذه الحروب لا تريد الهدوء.

 

ثامناً: الرؤية الشرعية والاستراتيجية — الموقف من كل هذا

أ) اللعبة الكبرى في خاتمتها المرحلية

اللعبة الكبرى — حين تتعدد الأقنعة ويبقى الوجه واحداً:

 

ما كشفته هذه الأزمة بكل تشابك مساراتها وتضارب تصريحاتها وتعقيد حساباتها يمكن اختزاله في حقيقة واحدة جوهرية: اللاعبون الكبار مختلفون في الأدوار، متفقون في النتيجة.

 

أمريكا تُريد ما هو أبعد من إيران وأعمق من هرمز — تريد السيطرة على شرايين الاقتصاد العالمي لتُخنق بها الصين حين تشاء وتُفتحها حين تشاء، وتُريد في الوقت ذاته أن تُهيّئ المنطقة أرضاً خصبة لمشروع التوسع الصهيوني الذي يُكمل لها ما لا تستطيع إنجازه بجيوشها مباشرةً.

 

وإيران تريد البقاء — لا أكثر ولا أقل. بقاء النظام ولو على أنقاض اقتصادها، وبقاء ورقة هرمز ولو كلّفها دماء شعبها، وبقاء البرنامج النووي ولو في صورة مُجمّدة تُعيد تفعيلها يوم تُتاح الفرصة. لا قدس في حساباتها ولا غزة في أجندتها — إلا حين تُسوَّق الأولى شعاراً والثانية وقوداً.

 

وإسرائيل تُوظّف هذه الفوضى كلها توظيفاً بارداً محسوباً: تدمير التهديدات الوجودية، وملء الفراغات الجيوسياسية، والتمدد في المساحات التي تركها الآخرون محترقةً خلفهم. الفوضى عندها ليست عائقاً — بل هي الوسيلة المثلى للتوسع في غياب الرقيب.

 

وهنا يقع التقاطع الذي لا يُصرَّح به لكنه يُمارَس يومياً: هذه الأطراف الثلاثة المتصارعة ظاهراً تلتقي في محرّمين اثنين لا تتجاوزهما: فلسطين حرة — ممنوع. وخليج فاعل مستقل — ممنوع. لأن فلسطين الحرة تنسف المشروع الصهيوني من جذوره، والخليج المستقل يكسر معادلة الهيمنة التي يقوم عليها النفوذ الأمريكي في المنطقة، وكلاهما يُلغي أوراق الضغط التي تتلاعب بها القوى الكبرى منذ عقود.

 

الأقنعة مختلفة، والأيديولوجيات متباينة، والخطابات متناقضة — لكن حين تصل الأمور إلى لحظة الحقيقة، تجد الجميع يُصوّتون بالصمت على قرار واحد: لا للأمة أن تنهض، ولا لفلسطين أن تتحرر، ولا للخليج أن يُقرّر.

ب) ما يقع الآن — تمهيد أرضية المشروع الصهيوني

تمهيد الأرضية — حين تكون الفوضى مخططاً لا حادثة:

ما يجري اليوم في هذه المنطقة من استنزاف مركّب ومتزامن — يضرب الخليج في اقتصاده، ويُحاصر إيران في نفوذها، ويُدمّر لبنان في بنيته، ويُشتّت العراق في سياسته — لا يمكن لعاقل أن يقرأه صدفةً متراكمة أو نتيجةً عرضية لحرب خرجت عن السيطرة. بل هو، لمن يُطيل النظر ويتجاوز ضجيج الأحداث اليومية، تعبيدٌ ممنهج ومتقن للأرضية التي يُراد لها أن تحمل قوةً واحدة بعينها: دولة الاحتلال الإسرائيلي.

فالمعادلة في غاية البساطة حين تُجرَّد من ضبابها: لا يمكن لمشروع 'إسرائيل الكبرى' من النيل إلى الفرات أن يتقدم خطوةً واحدة في مواجهة منطقة معافاة — بقواها متماسكة وجيوشها قائمة واقتصاداتها صامدة. لكنه يُصبح ممكناً، بل ومُغرياً، حين تنتهي الحروب وتُخلّف وراءها دولاً منهكة وشعوباً مشتتة ونخباً مشغولة بلملمة جراحها عن كل شيء آخر.

وهذا بالضبط ما يُصنعه هذا الاستنزاف المركّب: حين تُنهَك القوى العربية وتُستنزَف ثرواتها في إعادة ما دمّرته الحرب، وحين تُحاصَر إيران وتُفقد أوراق قوتها الإقليمية واحدةً تلو الأخرى، وحين تجد دول الخليج نفسها رهينةً بين حصار أمريكي وقصف إيراني دون أن تملك زمام قرارها — فإن الساحة تخلو تدريجياً لقوة واحدة لم تُستنزَف بل ازدادت تمدداً وثقةً وشراسةً: دولة الاحتلال.

وحين تخلو الساحة لها تماماً، لن تحتاج أن تُعلن مشروعها — بل ستجد نفسها تُنفّذه في صمت، على أرض مُهيَّأة، في غياب من يُقاومه أو يُوقفه. وهذا هو معنى 'من النيل إلى الفرات' — ليس شعاراً على خريطة، بل خطةً تُنفَّذ على الأرض، حرباً بعد حرب، واستنزافاً بعد استنزاف، وفراغاً يُملأ بعد فراغ.

ج) من هنا تبدأ الأمة قراءتها

من هنا تبدأ القراءة الحقيقية — لا من حيث يُريدها غيرنا:

حين تنكشف اللعبة بهذا الوضوح، ويتبيّن أن الجميع يتصارعون على حصصهم فيما يُسمونه 'استقراراً' لا يعني في الحقيقة سوى استقرار هيمنتهم — فإن الأمة الإسلامية أمام خيار لا تحتمل تأجيله أكثر: إما أن تبدأ قراءةً مختلفة تنطلق من مرجعيتها هي، وإما أن تظل جمهوراً يُصفّق لفريق في مباراة لم يُدعَ إليها أصلاً.

والقراءة المختلفة لا تبدأ بسؤال 'من هو أقل سوءاً بيننا وبين أعدائنا' — فهذا سؤال يقبل الهزيمة مُقدّمةً ويُفاوض على حجمها لا على رفضها. بل تبدأ بسؤال أعمق وأكثر إلحاحاً وأشد جذريةً: ما هو المشروع الإسلامي المستقل الذي يرفض أن يكون وقوداً لأحد؟

المشروع الذي يضع القدس شرطاً ثابتاً لا تفاوض فيه ولا مساومة عليه — لا ورقةً تُلوَّح بها حين تدعو الحاجة وتُطوى حين تنتهي المصلحة. والذي يجعل الأمن الخليجي بنيةً إسلامية مشتركة لا رهينةً في يد طرف أجنبي يُقرّر متى تُصون ومتى تُستباح. والذي يُعيد لكرامة الأمة معناها الحقيقي — لا بالخطاب المُفخَّم والشعارات المُدوية، بل بالقدرة الفعلية على قول لا لمن يُريد استخدامها ومن يُريد ابتزازها ومن يُريد تقسيمها.

هذا المشروع لا ينبت في مكاتب المفاوضات ولا يُولد على موائد التسويات — بل يُبنى في الداخل، في العقول قبل الميادين، وفي الإصلاح قبل المواجهة، وفي الوحدة على الثوابت قبل الاتفاق على التكتيكات. والأمة التي لا تملكه ستظل — مهما تبدّلت الأسماء وتغيّرت الوجوه — تقرأ التاريخ ولا تصنعه.

 

 

 

خاتمة — السبت 18 أبريل 2026

في خضمّ هذه الفوضى المُدارة بأيدٍ محترفة وعقول باردة، ثمة حقيقة واحدة تظل ثابتة كالصخر لمن أراد أن يراها دون أن يُغمض عينيه خشية ما سيرى: الأمة الإسلامية تُدار اليوم بين قطبين، كلاهما خادعٌ وكلاهما يُدمّر — غير أن أساليبهما تختلف وغاياتهما تلتقي. قطبٌ يُدمّر تحت راية الديمقراطية وحرية الملاحة وحقوق الإنسان، وقطبٌ يُدمّر تحت راية المقاومة والممانعة وتحرير القدس. والرايتان مختلفتان والخراب واحد، والخطابان متناقضان والنتيجة واحدة: إسرائيل كبرى، آمنة، متمددة، في محيط مُنهَك لا يملك أن يتنفس فضلاً عن أن يقاوم.

هذه اللحظة التي نعيشها — بهدناتها الرطبة التي لم تجفّ حبرها بعد، وتسوياتها المُعلَّقة بين قبول وإنكار، وتصريحاتها المتناقضة التي تنقلب في ساعات — ليست لحظة راحة ولا بشارة استقرار. هي لحظة إعادة ترتيب، يُعيد فيها كل طرف حساباته ويُرتّب أوراقه استعداداً لما بعدها. والغافل وحده هو من يقرأ وقف إطلاق النار نهايةً للمطاف.

 

فلا تثق بالتصريحات — وراقب أين تتحرك الأساطيل.

ولا تثق بالشعارات — وراقب من يجلس على طاولة التفاوض ومن يُقصى عنها.

ولا تثق بمن يدّعي الدفاع عنك — وراقب هل ذُكر اسمك في بند واحد من بنود التسوية.

ولا تثق بإعلان النصر — وراقب من يدفع ثمنه في الخفاء.

وحين تفعل ذلك — حين تُحكم العقل وتُبرّد العاطفة وتُفرّق بين من يحمل قضيتك ومن يتاجر بها — ستُدرك أن هذه المرحلة بكل ما فيها من ضجيج وغبار لم تنتهِ بعد، وأن الفصل الأخطر منها لم يُكتب.

وأن الأمة التي لا تملك مشروعها المستقل وقراءتها المستقلة وإرادتها المستقلة ستظل — مهما تبدّلت الأسماء وتعاقبت الحروب — حطباً يُشعَل ولا يستدفئ به أحد، وأرضاً تُزرع ويحصد غيرها ثمارها.

 

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾

18 أبريل 2026 — تحليل استراتيجي

المسرحية لم تُسدَل ستائرها بعد

تعليقات