تحليل
استراتيجي — مستجدات 17 أبريل 2026
على
أعتاب الاتفاق
قراءة
في تحولات المشهد وما وراءه
الفوضى
الإيرانية الداخلية — الغموض النووي — لعبة الصين — وسؤال من يكسب؟
رؤية
استراتيجية وجيوسياسية — من منظور السياسة الشرعية وفقه الواقع
كتبه :
الأستاذ الدكتور عصام اشويدر الحسني
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية
رئيس
المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان
بسم
الله الرحمن الرحيم
أولاً:
التذكير بما قلناه — والوقائع تُصدّقه
في
تحليلاتنا السابقة رصدنا جملةً من الخلاصات التي أثبتت الأحداث صحتها تباعاً.
ونستعيدها ليس افتخاراً، بل لترسيخ المنهج الذي ينبغي أن تُقرأ به المرحلة:
قلنا:
إيران ستتراجع عن مواقفها المُعلنة تحت ضغط الاقتصاد المنهار — واليوم تُفتح هرمز
وتُعلَّق النووي
قلنا:
التهويل الإعلامي الإيراني مؤشر انهيار داخلي لا قوة — واليوم يتحدث النواب عن عزل
وزير الخارجية وصراع على القرار
قلنا:
باكستان ستكون الفاعل الدبلوماسي الأبرز — واليوم رئيس أركانها في طهران يلتقي
الحرس الثوري وقاليباف وبزشكيان
قلنا:
الاتفاق سيُنجز دون أن يذكر فلسطين — والمسودات المتداولة خالية منها تماماً
قلنا:
الحصار البحري أداة ضغط لا نهاية للمطاف — وترامب يقول اليوم: الحصار يبقى حتى
التوقيع
المحصلة:
المنهج الذي يقرأ السنن ويفقه الواقع بعيداً عن إعلام الاستقطاب هو الأدق. والدرس
الممتد: لا تثق بخطاب أي طرف، بل راقب ما يفعله حين يُضغط عليه.
ثانياً:
مشهد يوم 17 أبريل — وقائع وقراءة
يومٌ
استثنائي بكل المقاييس. بين صباحه ومسائه تكثّفت تطورات كانت قبل أسبوع تبدو
بعيدة. نرصدها بدقة قبل التحليل:
أ) ما
أعلنه ترامب — وما يعنيه
إيران
وافقت على وقف تخصيب اليورانيوم وتعليق غير محدود للبرنامج النووي
إيران
ستُسلّم أمريكا اليورانيوم المخصّب — الغبار النووي بتعبير ترامب
مضيق
هرمز مفتوح بالكامل لكن الحصار البحري يبقى حتى التوقيع النهائي
إسرائيل
مُنعت من قصف لبنان — يكفي قالها ترامب صراحةً
الاتفاق
أصبح شبه مكتمل ومحادثات الاثنين 20 أبريل في باكستان أو جنيف
ترامب
لفوكس نيوز حين سُئل هل انتهت الحرب: لقد انتهت
ب) ما
قالته إيران — والتناقض الصارخ
وزير
الخارجية عراقجي أعلن فتح هرمز بعد وقف إطلاق النار في لبنان
الخارجية
الإيرانية قالت صراحةً: نقل اليورانيوم إلى أمريكا ليس خياراً مطروحاً
ناطق
الخارجية باقئي: اليورانيوم المخصّب مقدّس لنا كما التراب الإيراني
نائب
إيراني طالب بعزل عراقجي بسبب تغريدته عن فتح هرمز في توقيت غير ملائم
الحرس
الثوري لم يُعلّق — وصمته أبلغ من أي تصريح
التناقض
الجوهري: ترامب يقول إيران وافقت على تسليم اليورانيوم — وطهران الرسمية تقول هذا
غير مطروح. هذا التناقض ليس خطأً في التواصل، بل هو انعكاس مباشر للصراع الداخلي
الإيراني على مركز القرار.
ثالثاً:
الفوضى الداخلية الإيرانية — الجرح الذي يُنزف
ما يجري
في الداخل الإيراني هو ربما الحدث الأهم من كل ما يُعلَن على الساحة الدولية.
فكيان متصدّع من الداخل لا يستطيع تقديم موقف تفاوضي متماسك — وهذا بالضبط ما
يُضعف إيران أكثر من كل قنبلة أسقطتها B-2.
أ)
ثلاثة مراكز سلطة في واد واحد
المركز
الأول — الدائرة السياسية المدنية: بزشكيان وعراقجي — يميلون نحو التسوية دفعاً
للانهيار الاقتصادي الكامل. بزشكيان أبلغ خاصته أن الاقتصاد سينهار خلال أسابيع
دون وقف إطلاق النار.
المركز
الثاني — الحرس الثوري: المتشددون الذين يرفضون أي تنازل نووي ويعتبرونه خيانة
للثورة. لا يريدون تسوية تُفقدهم هيمنتهم الاقتصادية التي تمثّل 30-40% من الناتج
الإيراني.
المركز
الثالث — المرشد الغائب: الخلاء السلطوي بعد مقتل خامنئي أفرز فراغاً في التحكيم
بين التيارين. لا أحد يملك الصلاحية الكاملة لفرض قرار نهائي على الجميع.
ب)
مفارقة الحرب التي قوّت عدوّها الداخلي
الحرب
التي أُريد بها إسقاط النظام عززته داخلياً. فالضربات الخارجية أعادت تعبئة جزء من
الشعب الإيراني حول النظام في مواجهة العدوان، ومنحت الحرس الثوري شرعية جديدة
بوصفه المدافع عن الوطن. ومن أراد إسقاط النظام بالقوة الخارجية نجح في تعزيزه
داخلياً — وهذا درس استراتيجي بالغ الأهمية.
الخلاصة:
من يتفاوض مع إيران يجب أن يُدرك أنه يتفاوض مع ثلاثة مراكز قرار لا مركز واحد.
وأن أي اتفاق لن يصمد ما لم يحظَ بموافقة الحرس الثوري — لأنه يملك القدرة على
تفجيره متى شاء.
رابعاً:
عُقدة اليورانيوم — المعركة الأخيرة
بعد أن
حُسمت هرمز — أو تكاد — بقي الملف النووي العقدة الوحيدة الكبرى. وهو أصعب ما في
المفاوضات لأنه ليس مجرد نقطة تقنية، بل هو هوية النظام الإيراني وأداة بقائه.
أ)
السقفان والمسافة بينهما
السقف
الأمريكي الأعلى: تسليم كامل لجميع اليورانيوم المخصّب، نقله إلى الأراضي
الأمريكية، وقف دائم للتخصيب، تفكيك المنشآت الكبرى
السقف
الإيراني الأدنى: تقليص نسبة التخصيب مع الإبقاء على الحق، تخزين اليورانيوم في
روسيا لا أمريكا
منطقة
التفاوض الفعلية: تعليق غير محدود مقابل رفع جزئي للعقوبات، إرسال اليورانيوم
لروسيا أو وكالة الطاقة الذرية، بقاء المنشآت مع رقابة مكثّفة
ب)
لماذا رفضت إيران 20 عاماً وقبلت التعليق غير المحدود؟
ترامب
رفض صيغة 20 عاماً لأنها تُشعر إيران بأنها كسبت. وإيران قدّمت بديلاً: تعليق غير
محدود. الفرق في الشكل لا في الجوهر — لكنه يُتيح لكل طرف تسويق الاتفاق لجمهوره
الداخلي.
إيران
تقول: لم نتخلَّ عن الحق، مجرد تعليق
أمريكا
تقول: إيران عملياً نُزعت قدراتها النووية
كلاهما
يكسب في الرواية الداخلية — وهذا هو الغراء الذي يجمع الاتفاقات الصعبة
المسار
الأرجح: تسليم اليورانيوم لوكالة الطاقة الذرية أو لروسيا بحضور أمريكي، مع إبقاء
المنشآت تحت رقابة مكثّفة. هذا يُعطي أمريكا انتصاراً عملياً ويُبقي لإيران كرامة
رمزية.
خامساً:
باكستان — صعود لاعب جديد في المعادلة الإقليمية
في كل
مرحلة تصاعد الدور الباكستاني بهدوء وثبات. واليوم يجوب رئيس الأركان الفيلد
مارشال عاصم منير طهران مُجتمعاً بقاليباف وبزشكيان وقائد الحرس الثوري — وهو ما
لا يستطيع أي وسيط غربي فعله.
أ)
لماذا باكستان تحديداً؟
تحظى
بثقة إيران لأنها دولة -إسلامية- لا تحمل أجندة معادية للنظام
تحظى
بثقة أمريكا لأنها حليف وشريك أمني تاريخي
تحظى
بثقة الخليج من خلال تنسيق سعودي باكستاني عالٍ المستوى
الفيلد
مارشال منير يتحدث لغة العسكريين مع الحرس الثوري — وهي اللغة الأجدى في هذه
المرحلة
ب)
التنسيق السعودي الباكستاني — الصامت والمؤثر
زيارة
رئيس الوزراء الباكستاني لولي العهد الأمير محمد بن سلمان في الوقت ذاته تُشير إلى
أن السعودية — رغم غيابها عن الطاولة الرسمية — تُمارس دوراً نشطاً في توجيه مسار
التسوية. ووزير الخارجية السعودي ناقش مع نظيره الأمريكي هرمز ولبنان في اليوم
ذاته. ولأول مرة تبدو السعودية وباكستان وتركيا ومصر في اصطفاف دبلوماسي واحد يدفع
نحو التسوية.
سادساً:
الصين وروسيا — الحلفاء الذين يُدارون
أ)
الصين — الطُّعم الثاني في اللعبة الكبرى
ثمة
قراءة عميقة تستحق التأمل الجاد: إيران لم تكن مجرد خصم أمريكي — بل كانت الطُّعم
الثاني لاستدراج الصين بعد أوكرانيا. فروسيا كانت الطُّعم الأول: استُدرجت إلى
مواجهة مع أوروبا وأدركت متأخراً أنها وقعت في فخ الاستنزاف، لكنها لا تزال تُمثّل
دور الحليف الصيني المخلص.
وإيران
كانت الطُّعم الثاني: كُشفت على أنها ورقة استخدمتها الصين ولم توقفها حين احتاجت،
مما أحرج بكين أمام حلفائها المزعومين. والصين الآن في وضع بالغ الحرج:
إذا
تخلّت عن إيران علناً — تفضح براغماتيتها وتُفقد حلفاءها ثقتهم بها
إذا
دعمت إيران عسكرياً — تواجه تعريفات ترامب البالغة 50% وعقوبات قد تُلحق ضرراً
بالغاً باقتصادها
وضعها
المثالي: الاستمرار في لعب دور الغبي مع إيران وروسيا — تُشعرهما بأنهما حلفاء لا
غنى عنهم وتستثمرهما آخر قطرة دم استراتيجية
والصين
ستستمر في هذا النهج بالضبط: لن ترمي إيران وروسيا كقفاز قذر، بل ستُبقيهما في دور
الحليف الاستثنائي المهم — لأنهما يُشغلان أمريكا بعيداً عن تايوان وبحر الصين
الجنوبي. وإن غرقت الصين جرّتهما معها تحت مسمى التضامن، وإن انتصرت نسبت الفضل
لنفسها.
المعادلة
الصينية المُجرَّدة: استخدام حتى آخر قطرة دم إيرانية وروسية لإبقاء أمريكا مشغولة
— دون أن تدفع الصين ثمناً مباشراً. هذا هو البراغماتيزم الصيني في أنقى صوره.
ب)
روسيا وورقة اليورانيوم
بوتين
أعلن دعمه لتخلي إيران عن النووي — وهذا موقف استراتيجي مدروس. روسيا تريد أن تكون
الوجهة البديلة لليورانيوم الإيراني بدلاً من أمريكا، مما يُبقيها شريكة لا غائبة
في التسوية، ويُعزز دورها كوسيط موثوق ويُعطيها ورقة ضغط على إيران مستقبلاً.
سابعاً:
لبنان وحزب الله — المسار الموازي
قرار
ترامب بمنع إسرائيل من قصف لبنان — يكفي بهذا الوضوح القاطع — تحوّل لافت يكشف عن
حسابات متعددة:
أمريكا
تريد تسوية شاملة تشمل لبنان لأن إسرائيل كانت تُعرقل مفاوضاتها بضرباتها المتكررة
ترامب
يُدرك أن إسرائيل تُعرقل مفاوضاته مع إيران وهو ما لا يرغب فيه في هذه المرحلة
وعده
بجعل لبنان عظيماً من جديد يُشير إلى مشروع إعمار أمريكي ضخم وشركات جاهزة
مستقبل
حزب الله سيُعالَج في مسار موازٍ مستقل — وهذا يعني أن مصيره على الطاولة لكن ليس
الآن
التساؤل
الذي يجب أن تطرحه الأمة: وقف إطلاق النار في لبنان جاء شرطاً إيرانياً لفتح هرمز.
أي أن إيران فاوضت عن لبنان وحزب الله. لكنها لم تُفاوض عن غزة. ما الفرق؟ حزب
الله ورقة نفوذ في منظومة الحرس الثوري. أما غزة فلا عائد استراتيجي منها لإيران.
ثامناً:
من يكسب ومن يخسر — ميزان المرحلة
أمريكا
— الكاسب الأكبر حتى الآن
السيطرة
الفعلية على هرمز أو الشراكة في إدارته — هدفها الاستراتيجي الكبير في مواجهة
الصين
تجريد
إيران من قدراتها النووية العملية مقابل رفع عقوبات — صفقة غير متكافئة لصالح
واشنطن
تعطيل
محور الوكلاء: إيران وافقت على وقف تمويل حماس وحزب الله والميليشيات
تعزيز
أمن الكيان الإسرائيلي بإزالة التهديد الوجودي له نفس الطموح التوسعي
الكيان
الإسرائيلي — الكاسب الصامت
تدمير
البرنامج النووي الإيراني بصورة شبه كاملة
تصفية
قيادة الحرس الثوري والقيادة السياسية الإيرانية العليا
إضعاف
حزب الله بصورة جوهرية وفرض وقف إطلاق نار في لبنان
لكن: لم
تحقق الحل الأمني الدائم الذي وعد به نتنياهو — كما يُشير المحللون الإسرائيليون
أنفسهم
إيران —
الخسارة الكبرى بثمن بقاء
البقاء
كنظام — وهو إنجازها الوحيد المؤكّد
فقدان
البرنامج النووي عملياً — الورقة الأقوى في تاريخ النظام
فقدان
قيادتها الدينية والعسكرية والاستخباراتية تقريباً بالكامل
اقتصاد
مدمّر وبنية تحتية محروقة وخسائر تتجاوز 400 مليار دولار
الحرس
الثوري يخرج أقوى سياسياً داخلياً — لكن بدون أدوات القوة الخارجية التي كانت
ترتكز عليها المنظومة
الخليج
— الضحية الأكثر ألماً والأقل تأثيراً
خسائر
اقتصادية هائلة في البنية التحتية النفطية والموانئ والاقتصاد
ضرر
بالغ في صورة الاستقرار الإقليمي أمام المستثمرين الدوليين
لا مقعد
على طاولة التفاوض — وما قُرِّر في إسلام آباد وواشنطن وطهران ينفَّذ في الخليج
فلسطين
وغزة — الغائب الدائم
لم
يتغير شيء. في كل تصريح ترامب الطويل عن الاتفاق لم تُذكر فلسطين. وفي كل بيان
إيراني تفاوضي لم تُذكر غزة. والأقصى محتجز. والمجازر مستمرة. والاتفاق الأمريكي
الإيراني — إن تمّ — سيُسدل الستار على كل ذلك تحت مسمى الاستقرار الإقليمي.
الجريمة
الكبرى في هذا المشهد كله: أن نهاية هذه الحرب ستُشرعن الوضع القائم في غزة ولبنان
والأقصى — وستُعطي الكيان الإسرائيلي الغطاءَ الدولي الذي تحتاجه لإتمام مشروعها
التوسعي دون أي توازن إقليمي يُقيّدها.
تاسعاً:
السيناريوهات بعد الاثنين 20 أبريل
السيناريو
الأول: التوقيع السريع — الأكثر ترجيحاً
ترامب
يريد الإعلان عن انتصار قبل انتهاء الهدنة في 22 أبريل. وإيران السياسية تحتاج
التسوية لإنقاذ الاقتصاد. والإشارات الإيجابية المتزايدة تُرجّح هذا السيناريو.
التوقيع سيكون على مذكرة تفاهم أولية ثم اتفاق نهائي خلال أسابيع.
السيناريو
الثاني: الجولة الثالثة بعد خلاف الحرس
إذا فرض
الحرس الثوري فيتو على مسألة اليورانيوم ستتأجل الجولة إلى ما بعد 22 أبريل مع
تمديد ضمني للهدنة. وهو احتمال وارد لأن الحرس لا يزال اللاعب الأقوى في الداخل.
السيناريو
الثالث: الانهيار المفاجئ
أقل
احتمالاً لكن غير مستبعد: حادثة عسكرية عرضية في هرمز أو تصريح يُفجّر الهدنة. وفي
هذه الحالة ستستأنف الحرب في ظروف أسوأ لإيران مما كانت عليه في الجولة الأولى.
الأرجح:
توقيع مذكرة تفاهم أولية يوم الاثنين أو الثلاثاء مع إبقاء بعض النقاط مفتوحة. هذا
يُعطي ترامب إعلان الانتصار قبل انتهاء الهدنة، ويُعطي إيران التنفس الاقتصادي
الذي تحتاجه، ويُبقي الحرس الثوري في وضع لم يُسلّم كل شيء.
عاشراً:
فقه المرحلة — الدرس الشرعي والاستراتيجي
أ)
اللعبة الكبرى في خاتمتها المرحلية
اللعبة
الكبرى التي كشفتها هذه الأزمة في جوهرها بسيطة المعالم وإن كانت بالغة التعقيد في
تشابك مساراتها: أمريكا تريد السيطرة على ممرات العالم لمواجهة الصين اقتصادياً
واستراتيجياً، وتُهيّئ في الوقت ذاته البيئة الإقليمية المناسبة للتوسع الصهيوني
الذي يخدم مصالحها الكبرى. وإيران تريد البقاءَ بنواتها النووية وورقة هرمز، وإن
كلّفها ذلك دماء شعبها وركام اقتصادها. إسرائيل تريد إنهاء كل تهديد لها، وتُوظّف
الفوضى الإقليمية سلّماً للتمدد لا حائطاً للصد.
وكل هذه
الأهداف تلتقي في نقطة واحدة جامعة: لا أحد منهم يريد لفلسطين أن تكون حرة، ولا
أحد منهم يريد للخليج أن يكون قوةً فاعلة مستقلة. فالفلسطين الحرة تُسقط المشروع
الصهيوني، والخليج المستقل يُعيد رسم معادلة النفوذ في المنطقة — وكلاهما مرفوض في
الحسابات الكبرى لكل طرف.
ب) ما
يقع الآن — تمهيد أرضية المشروع الصهيوني
إن ما
يقع اليوم في المنطقة من استنزاف مركّب — في الخليج وإيران ولبنان — ليس نتيجةً
عرضية لحرب بين طرفين، بل هو في جوهره العميق تعبيدٌ ممنهج للأرضية التي ستقوم
عليها القوة الوحيدة المُرشَّحة لملء الفراغ: دولة الاحتلال الإسرائيلي. فحين
تُنهَك القوى العربية وتُستنزَف مواردها، وحين تُحاصَر إيران وتُسقَط قياداتها
وتُدمَّر قدراتها الصاروخية، وحين تُوضَع دول الخليج في موقع الرهينة — فإن
المحصّلة الاستراتيجية الحتمية هي أن تبقى دولة الاحتلال القوةَ الوحيدة المتماسكة
والمتصاعدة في المنطقة.
وهذا
الواقع هو الشرط الضروري لتحقيق المشروع التوسعي الصهيوني من النيل إلى الفرات.
ج) ما
ينبغي فعله — السياسة الشرعية في المرحلة
من هنا
تحديداً ينبغي أن تبدأ الأمة قراءتها الحقيقية لما يجري، وأن تُراجع دول الخليج
حساباتها وتموقعها الاستراتيجي مراجعةً صارمة. لا من منطلق من هو أقل سوءاً في هذه
الحرب، بل من منطلق سؤال أعمق: ما هو المشروع الإسلامي المستقل الذي يضع القدس
والأمن الخليجي وكرامة الأمة شرطاً ثابتاً لا تنازل عنه في كل تسوية وكل مفاوضة
وكل معادلة إقليمية قادمة؟
خاتمة —
الجمعة 17 أبريل 2026
على
أعتاب اتفاق قد يُبرَم ويُعلَن عنه خلال أيام، تبقى الصورة الكبرى ثابتة لمن يراها
بعيون السنن الإلهية لا بعيون إعلام الاستقطاب: قوتان تصارعتا، كل منهما حقّقت بعض
أهدافها وأخفقت في بعضها، وأمة إسلامية كانت الضحية الكبرى التي تُدفع ثمناً
لمعارك لا تختارها.
ويبقى
السؤال معلّقاً: متى ستُقرّر الأمة أن تكون فاعلاً لا مفعولاً به؟ ومتى سيجد
الخليج — الذي دفع الثمن الأغلى — مقعداً حقيقياً على طاولة تقرير مصيره؟ ومتى
ستدخل فلسطين في الحسابات الكبرى ليس كأداة دعاية بل كقضية عدل لا تنازل عنها؟
﴿وَاللَّهُ
غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
17
أبريل 2026 — تحليل استراتيجي مستجدات اليوم
اكتب مراجعة عامة