img
img

بن غفير المهرج .. قراءة نفسية وتاريخية في ظاهرة الاستفزاز وبشائر الزوال

img
الشبكة

بن غفير المهرج .. قراءة نفسية وتاريخية في ظاهرة الاستفزاز وبشائر الزوال


 الأستاذ الدكتور عصام اشويدر رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان 



بسم الله الرحمن الرحيم 


 مقدمة: حين يصبح الاستفزاز وثيقةً للانهيار

في المشهد السياسي الإسرائيلي المعاصر، لا يمثّل إيتمار بن غفير مجرد وزير متطرف أو صوت شاذ على هامش المنظومة، بل هو عَرَضٌ كاشف لحالة مرضية عميقة تعصف بالمشروع الصهيوني من الداخل. فحين يقف رجلٌ في باحات المسجد الأقصى، يتحدث إلى حاخام بنبرة "صاحب البيت"، فإنه لا يُعلن انتصاراً — بل يوقّع على وثيقة خوف.

هذا المقال محاولة تحليلية جادة تجمع بين علم النفس الشخصانيّ، والقراءة التاريخية للصهيونية، ومرجعيات التراث اليهودي والقرآن الكريم، لفهم ظاهرة بن غفير لا انفعالاً بها — بل استيعاباً لدلالتها العميقة.

أولاً: بن غفير تحت مجهر علم النفس — الثالوث المظلم

يُعرّف علماء النفس ما يسمى بـ"الثالوث المظلم للشخصية" (Dark Triad) بثلاثة أبعاد مترابطة:

1. النرجسية الخبيثة (Malignant Narcissism)

تتميز هذه الشخصية بالحاجة القهرية إلى الظهور والاستعراض، والشعور الزائف بالعظمة، وعدم القدرة على تحمّل الإهمال أو التجاهل. بن غفير لا يكتفي بالسياسة، بل يصنع "مشاهد" — اقتحام الأقصى، رفع السلاح في الهواء، الظهور المسرحي في المواقع الرمزية. هذه ليست سياسة، هذه نرجسية تبحث عن مرآة.

والنرجسي الخبيث — بخلاف النرجسي العادي — لا يكتفي بالإعجاب، بل يحتاج إلى إذلال الآخر ليؤكد وجوده. استفزاز المسلمين في عقر عبادتهم ليس هدفه الأقصى المسجد وحسب  — بل هدفه ردّة فعل المسلمين التي تُشعره باللحظة بأنه "يؤثّر"، أي أنه "موجود" وقس على ذلك ما يفعله بالأسرى الفلسطينيين 

2. الميكيافيلية (Machiavellianism)

يُجيد هذا النمط توظيف كل شيء — الدين، الرمز، التوقيت، الاستفزاز — كأداةٍ لتحقيق الغاية السياسية والنفسية . بن غفير لا يذهب إلى الأقصى من فراغ؛ بل يذهب حين يحتاج إلى استنهاض قاعدته الانتخابية، أو حين يشعر بتراجع حضوره الإعلامي، أو حين يريد ورقة ضغط داخل الائتلاف الحكومي. الأقصى بالنسبة له ليس قضية دينية وحسب — بل كومودتي سياسي يستخدمه بحسب السوق.

3. السيكوباتية (Psychopathy)

السيكوباتي لا يعدم الذكاء، لكنه يعدم التعاطف. يرى الآخرين — ومنهم الفلسطينيون والمسلمون — أرقاماً في معادلته، لا بشراً. هذا يفسّر ما يبدو غرابةً في سلوكه: الضحكة في غير موضعها، الحركة الاستعراضية، البهلوانية أمام الكاميرات. هو لا "يشعر" بثقل المكان — لأنه أصلاً لا يملك الطبقة الوجدانية التي تُدرك الثقل.


■ ثانياً: الخوف المُقنَّع — حين يصبح الاستفزاز اعترافاً

غير أن القراءة النفسية لبن غفير لا تكتمل بمجرد تصنيف شخصيته، بل تكتمل حين نفهم الدافع الوجودي وراء هذا الاستفزاز المتصاعد.

في علم النفس، يُسمى هذا "سلوك الإنكار الدفاعي" (Denial through Acting Out): حين يكون الخوف من حقيقة ما عميقاً جداً بحيث لا يمكن مواجهته، يلجأ الفرد إلى فعل نقيضه بصخب مبالغ فيه. المدمن الذي يضحك بأعلى صوت هو من يعاني أكثر. والمتشدق بالقوة والسيادة هو من يشعر بهشاشتها.

بن غفير يكثّف زياراته للأقصى أو الأسرى الفلسطينيين في لحظات بعينها: حين تشتد الضغوط الدولية، حين تتصاعد المقاومة، حين تتشقق صورة "الدولة التي لا تُقهر". إنه لا يذهب من القوة — بل يذهب هرباً من الضعف.

وهنا تكمن المفارقة العميقة: هو بهذا الاستفزاز لا يُخيف المسلمين — بل يُقرّ لهم بأن هذا المكان يسكنه بالوجل لا بالاطمئنان.


■ ثالثاً: الصهيونية والخوف من النبوءة — الكيان يُحارب كتابه

ولعل الأعمق في هذه القراءة أن نفهم علاقة المشروع الصهيوني بكتبه الدينية ذاتها — وهي علاقة تناقض مؤسِّس.

▪︎ الصهيونية بين "الأرض الموعودة" و"شرط البقاء"

التراث اليهودي الديني الأصيل — قبل تحريفه وتوظيفه صهيونياً — مليء بالإنذارات من الطغيان وتجاوز الحدود. في سفر التثنية، وفي أسفار الأنبياء، ثمة نصوص واضحة تربط البقاء في الأرض بالعدل والامتثال، وتجعل الطرد والتشتيت عقوبةً على الظلم والإفساد.

وقد كان كثير من الحاخاميين الأرثوذكس التقليديين — كحركة ناطوري قارتا وغيرها — يرفضون الصهيونية أصلاً لأنها في نظرهم خرق للشروط الإلهية للوجود في الأرض، وأن إقامة الدولة بالقوة قبل المجيء المزعوم للمسيح الموعود هو تعجّل يوجب العقاب لا البركة.

وهكذا، فحتى من داخل الموروث اليهودي نفسه، ثمة تيار لا يُسكت يقول: هذا الكيان لا أساس له في الشرعية الدينية، وأن المآلات المحذَّر منها في التوراة من الإفساد والطغيان تنطبق على الدولة الصهيونية بشكل يقلق أحبارهم الأكثر صدقاً.

بن غفير — وهو المتديّن في مظهره — يستحضر الدين أداةً مع أن كتابه يُحذّره منه. هو يخاف من النبوءة فيحاول تغيير الواقع لتبدو مختلفة. لكن الكتاب لا يُعاد كتابته بزيارات استفزازية.

■ رابعاً: القرآن الكريم — النص الخالد في توصيف المشهد

قرأ القرآن الكريم هذا المشهد قبل أن يقع، وصاغه في لغة لا يزيدها الزمن إلا دقة.

قال الله تعالى: "وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا" (الإسراء: 4)

ثم يأتي الوعد الإلهي الحاسم بالعاقبة، والأهم — الوعد بأن هذا الإفساد ذاته هو علامة الزوال لا دليل الاستمرار:

"فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا" (الإسراء: 7)

تأمّل: القرآن يصف الدخول إلى المسجد — لكنه يجعله مقدمةً للتتبير والتدمير الذاتي، لا علامةً على الانتصار. مشهد بن غفير في الأقصى — من منظور قرآني — لا يُقرأ انتصاراً بل يُقرأ إيذاناً.

وقال تعالى: "وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ" (إبراهيم: 42)

وهذه الآية مفتاح نفسي أيضاً: التأخير ليس إهمالاً — بل هو جزء من الحكمة الإلهية التي تدع الظالم يمضي في طغيانه حتى يستكمل شهادته على نفسه.

وقوله تعالى عن طبيعتهم: "ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ" (آل عمران: 112) — أي أن وجودهم مشروط، معلّق بخيوط خارجية، لا جذراً راسخاً في الأرض. وهذا ما يُفسّر حاجتهم الدائمة إلى ضامن خارجي — أمريكا، الغرب، حلف عسكري — لأن الوجود العضوي المستقل لم يتحقق ولن يتحقق.

■ خامساً: النبي ﷺ تكلّم — والغرقد يشهد

لم يترك النبي ﷺ أمته في حيرة من أمر هذا الصراع، بل رسم ملامحه بدقة مذهلة تجعل المتأمل في المشهد المعاصر يقف مشدوهاً أمام عمق النبوة وسعة إحاطتها.

في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه، قال رسول الله ﷺ:

"لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله — إلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود"

هذا الحديث ليس مجرد خبر عن معركة مستقبلية — بل هو خارطة نفسية وحضارية لفهم طبيعة الصراع ومآلاته. ففيه:

- اليهودي يختبئ — لا يواجه. وهذا بحد ذاته تصوير دقيق لكيان قائم على الخوف من المواجهة الحقيقية، يتسلح بالوكالة ويستعيذ بالحماية الخارجية.

- الحجر والشجر يشهدان عليه — أي أن الطبيعة ذاتها لن تكون في صفه في اللحظة الفاصلة.

- إلا الغرقد — استثناء واحد، دال، عميق.

■ سادساً: شجرة الغرقد — الرمز الذي صار مشروعاً

الغرقد (Nitraria retusa) شجرة شوكية صحراوية، تنمو في الأراضي الجافة القاحلة، وقد عُرفت تاريخياً في بلاد الشام وفلسطين. غير أن دلالتها في الحديث النبوي تتجاوز الوصف النباتي إلى رمزية حضارية خطيرة.

▪︎ إسرائيل تزرع الغرقد — حرفياً

ما يصفه الحديث النبوي لم يمر على الدولة الصهيونية مروراً عابراً. فقد أدرجت إسرائيل شجرة الغرقد ضمن مشاريع التشجير الرسمية في مناطق فلسطين المحتلة، بل إن بعض المستوطنات تُسمّى بأسماء تحمل هذا الدلالة. وهذا ليس مجرد اهتمام بيئي، بل هو — سواء أدرك القائمون عليه أم لا — تمسك لاوعي أو واعٍ بالاستثناء الوحيد الذي أورده النبي ﷺ في الحديث.

يزرعون الغرقد كأنهم يبحثون عن حماية النبوة ذاتها منهم.

وهنا يكمن التناقض المُرّ الذي ينبغي أن يُوقف العقل: كيان يزعم أنه لا يعترف بالقرآن ولا بمحمد ﷺ — يتصرف كمن يؤمن بحديثه ويسعى في تحقيق شرط حمايته!

■ سابعاً: بن غفير وأمثاله — مزارعو الغرقد بوعي أو بغير وعي

وهنا ندخل إلى أعمق طبقات القراءة:

بن غفير وسموتريتش وكل من على شاكلتهم من المتطرفين الدينيين الصهاينة — لا يعلمون أنهم بكل استفزاز يقومون به، وبكل سياسة تهجير يتبنونها، وبكل مستوطنة يشيّدونها — إنما يزرعون الغرقد على المستوى المجازي قبل الحرفي.

كيف ذلك؟

1 . زراعة الغرقد الديموغرافي

سياسات الاستيطان والتهجير القسري التي يدعو إليها بن غفير علناً تهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها. لكنها في الوقت ذاته تُضيّق دائرة الحلفاء، وتصنع أعداء جدداً، وتُوحّد عليه من كان مختلفاً. إنه يزرع في محيطه غرقداً من الكراهية سيكون وقوداً لما أخبر عنه النبي ﷺ ، ما عليهم إلا أن ينتظروا بل هبّة أمّة .

2. زراعة الغرقد العسكري

الاعتماد المتصاعد على التكنولوجيا العسكرية والدرع الحديدي والقبة الفولاذية وما إليها — كل هذه بدائل عن الحليف البشري الحقيقي. الكيان يختبئ خلف أنظمة دفاع كما يختبئ اليهودي في الحديث خلف الحجر. والتكنولوجيا كالغرقد — تُخفي ولا تُنجي،وستتهاوى والأيام حمّلات .

3. زراعة الغرقد الأيديولوجي

بن غفير المتدين الذي يستشهد بالتوراة ويتحدث بلغة الحاخاميين — يصنع جداراً أيديولوجياً يعزل المجتمع الإسرائيلي عن أي إمكانية للتعايش أو التسوية. وهذا العزل الأيديولوجي بالضبط هو ما يصفه الحديث: الاختباء لا المواجهة، الجدار لا الجسر.

4 . الأخطر: زراعة الغرقد في البنية الداخلية

أشد أنواع الغرقد خطراً ما يُزرع داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه. فبن غفير وتياره يُعمّقون الانقسام بين العلماني والمتدين، بين المهاجر القادم حديثاً والمستوطن القديم، بين من يريد الحرب ومن يريد الحياة. هذا الغرقد الداخلي أكثر فتكاً من أي غرقد خارجي — لأنه يُضعف البنية من الجذور. تحسبهم جميعا وقلوبهم شتّى ... 


■ ثامناً: السنة وعلم النفس يلتقيان

ثمة التقاء عجيب بين ما أخبر به النبي ﷺ وما توصل إليه علم النفس الحديث في تحليل سلوك الجماعات المأزومة:

علم النفس الاجتماعي يقول: الجماعة التي تشعر بتهديد وجودي تميل إلى التطرف الداخلي، والعدوانية الخارجية، والتمسك بالرموز بدلاً من الجوهر.

والنبي ﷺ يصف: اختباء، تحصّن، تلاشٍ تدريجي — وهي بالضبط مراحل انهيار الجماعة التي يرصدها علم النفس الجمعي وعلم الإجتماع.

بن غفير بعدوانيته الاستعراضية لا يتناقض مع صورة الاختباء — بل هو يُمثّل مرحلة ما قبل الاختباء: الصراخ الأخير قبل الصمت، والاستفزاز المحموم قبل الانسحاب.

الحيوان المُحاصَر -وأخص بالذكر الخنزير- يصبح أكثر ضراوةً في اللحظات الأخيرة — لكن الضراوة لا تُغير المآل.

♡ إشارة بسيطة ، ماذا تعني الغرقد للمسلم اليوم؟

شجرة الغرقد التي استثناها النبي ﷺ تحمل رسالة عميقة لكلا الطرفين:

لهم: أن حمايتهم الوحيدة في آخر المطاف شجرة واحدة — وهذا اعتراف بالهشاشة الجذرية لا بالقوة.

لنا: أن النبي ﷺ لم يُخفِ علينا شيئاً — لا الاستثناء ولا التفاصيل. وإخباره بالغرقد دليل على صدق النبوة لا على ضعف الوعد. فمن يُحيطك علماً بالاستثناء الوحيد — يُعلّمك أن كل شيء آخر في صفك.

فزراعة بن غفير للغرقد — حرفياً ومجازياً — ليست انتصاراً. بل هي تصديق لحديث النبي ﷺ، وتأكيد أن الأمور تسير في مسارها المرسوم — لا بإرادته، بل رغمه ، بإذن من بيده مقاليد السماوات والأرض .

وما ينطق عن الهوى — ﷺ — إن هو إلا وحي يوحى.

■ تاسعاً : قراءة تاريخية — نمط التطرف قبيل الانهيار

يُعلّمنا التاريخ وعلم الإجتماع أن تصاعد التطرف داخل المنظومة السياسية ليس دليل قوة بل هو في الغالب سمة مرحلة الانهيار الداخلي.

 الأنماط التاريخية الكبرى — حين يسبق التطرفُ الانهيارَ

قبل إضافة الشواهد، لا بد من تأسيس القاعدة المنهجية:

علم الاجتماع التاريخي — ولا سيما عند ابن خلدون في مقدمته العظيمة — يُقرر أن العصبية حين تبلغ ذروتها تبدأ في الانقلاب على نفسها. فالتطرف السياسي والديني والعسكري داخل أي منظومة هو في حقيقته إعلان استنفاد الرصيد الحضاري، لا إعلان امتلائه. الكيان الواثق من نفسه لا يحتاج إلى صراخ — والصراخ المتصاعد دليل الخواء المتعمّق.

1 . المغول — أعتى قوة عسكرية في التاريخ تنهار بالتطرف الداخلي

جاء المغول كالسيل الجارف. أباد هولاكو بغداد عام 1258م، وأخمد نور الخلافة العباسية، وقتل من المسلمين ما لا يُحصى. كان المشهد في تلك اللحظة يوحي بأن لا قيامة للإسلام بعدها.

لكن ماذا حدث بعد ذلك الذروة؟

تصدّعت الإمبراطورية المغولية من الداخل — وبسرعة مذهلة. وكان التطرف الداخلي أحد أبرز أسبابه:

- تطرف الخلافة الداخلية: انقسم المغول إلى خانات متحاربة — خانية القبيلة الذهبية، خانية جاغاتاي، إلخانية فارس. كل خانية كانت تدّعي الشرعية المطلقة وتُكفّر الأخرى. وهذا التطرف في الادعاء أشعل حروباً أهلية أنهكتهم.

- تطرف الهوية: حين انقسم المغول بين المتمسكين بالشامانية والمتحولين للإسلام والمنجذبين للبوذية، لم يجمعهم أحد. وبدلاً من أن يكون التنوع قوة، صار التعصب لكل هوية سكيناً في الجسد الواحد.

- الذروة قبل الانكسار: أعظم تطرف عسكري مغولي كان في زحفهم نحو مصر — وكان آخر زحف كبير لهم. فجاء عين جالوت 1260م ليُسجّل أول هزيمة استراتيجية للمغول، وبدأ المد ينكسر.

والأعمق في الدرس المغولي: هولاكو نفسه حين بلغ ذروة القسوة والتطرف في بغداد — بدأ مشواره نحو الهزيمة في فلسطين. الذروة والانعطاف يقعان في اللحظة ذاتها.

ثم كانت الخاتمة المذهلة: أحفاد من دمّروا الخلافة أسلموا ونشروا الإسلام. المغول الذين جاؤوا ليمحوا حضارة — ابتلعتهم تلك الحضارة وحوّلتهم إليها.


2. الصليبيون — كيف حوّل التطرف الديني النصر إلى زوال

جاء الصليبيون إلى بلاد الشام عام 1099م بذروة الحماس الديني المشتعل. فتحوا القدس، وأسسوا مملكة أورشليم، وظنوا أن الله قد مكّن لهم إلى الأبد.

لكن دراسة المملكة الصليبية خلال قرنين تُظهر نمطاً صارخاً:

حين اعتدلوا — استمروا. وحين تطرفوا — انهاروا.

- الصليبيون الذين تعاملوا مع المسلمين اقتصادياً وأبقوا على علاقات براغماتية — بنوا استقراراً نسبياً لعقود.

- لكن حين جاء أرناط — رينالد دو شاتيون بتطرفه الاستفزازي المجنون، ونقض معاهداته، وهاجم قوافل الحجاج المسلمين، واعتدى على الحرمين الشريفين — فتح الباب لصلاح الدين.

أرناط بتطرفه لم يُحقق انتصاراً. بل أيقظ أمة كانت نائمة، ووحّد صفوفاً كانت مشتتة، وأعطى صلاح الدين القوّةَ والعزيمة التي احتاجها لحشد العالم الإسلامي ، متوكلا في ذلك على الله .

حطين 1187م كانت ثمرة استفزاز أرناط — لا ثمرة ضعف مسلم.

ثم جاء التطرف الثاني في الحملة الصليبية الرابعة 1204م — حيث انقلب الصليبيون على القسطنطينية المسيحية ونهبوها! هذا هو مآل التطرف: أنه يأكل أصحابه قبل أعدائهم.

والأعمق: الوجود الصليبي في الشام دام قرابة قرنين، لكنه لم يترك أثراً حضارياً حقيقياً. جاؤوا بالسيف وذهبوا بالسيف، ولم يُبقوا في الأرض جذراً. وهذا بالضبط ما وصفه القرآن الكريم في الزبد الذي يذهب جفاءً.

شاهد معاصر: حين يذهب بن غفير إلى الأقصى في حركاته الاستعراضية — فإنه يُعيد سيناريو أرناط بالضبط: استفزاز يظنه قوة، وهو في حقيقته استدعاء لعين جالوت جديدة وحطين جديدة بل وخيبر جديد أشد وأقسى.

3. الإمبراطورية الفارسية — عندما يُفضي الغرور إلى الانهيار الكامل

الإمبراطورية الأخمينية ثم الساسانية كانت من أعظم التجارب الحضارية في التاريخ الإنساني. فارس التي حكمت من النيل إلى السند، وصمدت قروناً في مواجهة روما — انهارت أمام المسلمين في بضع سنوات.

كيف؟

الإمبراطورية الأخمينية: بلغت ذروة تطرفها حين أمر خشايارشا (أحشويرش) بجلد البحر عقوبةً له لأنه عصى أوامره بعاصفة! هذا الفعل ليس مجرد حماقة — بل هو علامة الغرور الذي يفقد صاحبه الاتصال بالواقع. وهو بالضبط ما وصفناه نفسياً في بن غفير: شخصية لا تُدرك حدود الواقع.

وفارس هُزمت في ماراثون وسلاميس بعد تلك الذروة مباشرة.

الإمبراطورية الساسانية: قبيل الفتح الإسلامي شهدت فارس:

- تطرفاً دينياً: تصاعد دور المجوسية المتزمتة، واضطهاد المسيحيين واليهود والمانويين والماورائيين، وتحوّل الدين الزرادشتي من حضارة روحية إلى أداة قمع سياسي.

- تطرفاً سياسياً: في العقدين الأخيرين قبل الفتح، تعاقب على عرش فارس أكثر من عشرة ملوك في ظروف عنف وانقلاب. وهذا التسارع في التغيير دليل على فقدان المشروعية الداخلية.

- تطرفاً عسكرياً: شنّت فارس حروباً استنزافية مجنونة ضد بيزنطة استنفدت الطرفين — وجاء الإسلام ليرث إمبراطوريتين منهكتين.

وحين جاء القادسية 636م والنهاوند 641م — لم تكن فارس تُهزم من خارج بل كانت تنهار من داخل. المسلمون كانوا الشرارة في مخزن البارود الذي ملأه الساسانيون بأيديهم.

والمفارقة التاريخية المذهلة: فارس التي أذلّت بني إسرائيل وسبت أهل القدس — آلت في نهاية المطاف إلى الإسلام. ولا يزال الإرث الحضاري الفارسي أحد أعمدة الحضارة الإسلامية في الشعر والعلوم.

 القاسم المشترك — الخيط الذهبي في كل الانهيارات

حين تُقارن روما وفارس والمغول والقرامطة والصليبيين والسوفييت ...، تجد قاسماً مشتركاً صارخاً يمكن صياغته في قانون تاريخي مأخوذ من سنن الله التي لا تحابي أحدا :

 "كل إمبراطورية تبلغ ذروة تطرفها الداخلي قبيل انهيارها بجيل واحد أو أقل"


▪︎ وابن خلدون يختم

قال ابن خلدون في مقدمته — وكأنه يكتب عن مشهدنا المعاصر:

"إن الظلم مؤذن بخراب العمران"

وأضاف أن العصبية حين تفسد من الداخل بالترف والانقسام والغلو، فإنها تنقلب من سبب البقاء إلى سبب الفناء.

-وهذا الأمر يمتد إلى الولايات المتحدة و الحكومات العميلة ...-

فحين تقف اليوم أمام المشهد الصهيوني وترى بن غفير وسموتريتش وما يمثلانه من تطرف ديني واستفزاز متصاعد وانقسام مجتمعي حاد لم يشهده الكيان في عقوده الأولى — فإنك لا تقرأ مشهداً سياسياً عابراً، بل تقرأ الفصل الأخير من كتاب سبق أن قرأته خمس مرات، وعرفت نهايته قبل أن تبلغه.

علامة الاستفهام عند ذكر مآل الكيان الصهيوني ليست شكاً في الحكم — بل هي أمانة علمية في التوقيت وحده. أما سنن الله فلا تتخلف: كل منظومة تلجأ إلى التطرف دفاعاً عن نفسها إنما تُوقّع بيدها على وثيقة نهايتها.

والتاريخ صبور — يكتب ولا يستعجل، لكنه لا يُخطئ لأنه من سنن الله .

بن غفير وأمثاله لا يُقرؤون إلا في هذا السياق: إنهم العصبية الصهيونية وهي تأكل نفسها.

والله أعلم بالتوقيت — وكفى بالتاريخ شاهداً.


▪︎ ملحق :

️(تصاعد التطرف في المشهد الإسرائيلي — ممثلاً ببن غفير وبتسلئيل سموتريتش وأمثالهم — ليس تعبيراً عن دولة في أوج ثقتها، بل هو تعبير عن مجتمع يتشقق من الداخل، يفقد مرجعيته المشتركة، ويلجأ إلى الاستفزاز الخارجي لتأجيل الحساب الداخلي.

الاستطلاعات الإسرائيلية الداخلية تُظهر أن نسبة كبيرة من المهاجرين الجدد يفكرون في المغادرة، وأن الشرخ بين الأشكناز والمزراحيم والمتدينين والعلمانيين يتعمق، وأن الائتلافات الحكومية لم تعد تتشكل إلا على جسور هشة.)

بن غفير ظاهرة لا تنشأ في الصحة — بل تنشأ في المرض.

■ عاشرا: للمسلم المتأمل — كيف نقرأ المشهد لا كيف ننفعل به

ما سبق لا يعني دعوةً إلى الاسترخاء أو سلبية. لكنه يعني ترقية مستوى التعامل مع المشهد:

أولاً: بن غفير يريد ردّة فعل انفعالية — لأن الانفعال يُغذي نرجسيته ويمنحه ما يريد: الشعور بأنه يؤثر. الوعي الهادئ المتحرك هو أشد سلاحاً من الغضب الصاخب.

ثانياً: القراءة القرآنية والتاريخية لا تُنبئ بزوال الكيان تمنياً ذاتياً — بل تُحلله بمنطق الأفعال والنتائج. الطغيان المفرط ذاته هو عامل الهدم الأول. نحن لا نتمنى — نحن نقرأ ونعمل.

نقرأ بسم ربنا الذي خلق، فنستضيء بسننه الكونية في التاريخ والنفس والعمران، ونرى في صعود التطرف وتسارع الاستفزاز ما رآه كل من درس الانهيارات الكبرى — علامات نهايتهم لا دلائل استمرارهم .

ونعمل بأمر ربنا الذي علّم، فنُعدّ إعداداً إيمانياً يُرسّخ اليقين ويزل الوهن ويصون الهوية، وإعداداً مادياً يُحكم الأسباب ويُتقن الوسائل — لا انفعالاً بالمشهد بل انضباطاً بسننه الشرعية.

فنحن لا نستعجل المآل تمنياً، ولا نستسلم للمشهد استسلاماً -

 بل نقرأ الكون بعين الوحي، ونعمل في الواقع بمنهج الشريعة، ونصبر على ذلك صبر من يوقن أن الله لا يُخلف وعده.

وكفى بالله وليّاً وكفى بالله نصيراً.

ثالثاً: إيمان المسلم بصدق الله في وصفهم لا يعني الانتظار السلبي، بل يعني اليقين الذي يمنح ثباتاً في العمل، وسكينةً في البصيرة، وصبراً يُحسن التوقيت.


■ خاتمة: المهرج والتاريخ

قال المتنبي يوماً: "ذو العقل يشقى في النعيم بعقله"— ولعلنا نقلبها: ذو الجهل يرقص على حافة الهاوية ظاناً أنه يرقص في الميدان.

بن غفير لا يعرف — أو لا يريد أن يعرف — أن كل زيارة استفزازية للأقصى أو للأسرى البواسل ليست كتابةً لصفحة انتصار، بل هي إضافة سطر في صحيفة الجريمة التي ستُقرأ يوم الحساب التاريخي في الدنيا ويوم الحساب في الآخرة الذي لا مفرّ منه .

وسنن الله لاترحم المهرجين طويلاً — مهما طالت فترة عرضهم على خشبة المسرح.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


تعليقات