بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد: ما قلناه أولاً — ومصداقية التحليل
في تحليلنا الأول للهدنة الصادر في 7 أبريل 2026، رصدنا مشاهد كاشفة أنبأت بما آلت إليه الأمور. ومن أمانة الكلمة ومسؤولية التحليل أن نستعيدها قبل الخوض في المستجدات، لأن الوقائع جاءت تُثبّتها لا تدحضها.
قلنا: قبول إيران للهدنة المؤقتة تراجع عن مواقفها المُعلنة — وهو ما جرى فعلاً
قلنا: غياب فلسطين وغزة والقدس ليس إغفالاً بل سياسة — ومفاوضات إسلام آباد أكّدته: لم يُذكرا في 21 ساعة متواصلة
قلنا: الأرجح أن يستغل الطرفان الهدنة لإعادة الأوراق لا للسلام — والحصار اليوم دليل ذلك
قلنا: المفاوضة الحقيقية ستكون على الملف النووي وهرمز — وهو ما أثبته فانس صراحةً
قلنا: دول الخليج ستكون الرهينة الكبرى في هذه الأزمة — وما جرى فاق أشد التوقعات
الخلاصة المرحلية المؤكَّدة: لم تكن الهدنة سلاماً، بل استراحة المحارب — غير أن إيران أخطأت في توظيفها فيما أحسنت أمريكا استغلالها بدقة استراتيجية.
■ أولاً: انهيار مفاوضات إسلام آباد — شريط الأحداث والقراءة العميقة
بعد 21 ساعة من المفاوضات المكثفة في فندق سيرينا بإسلام آباد، عادت الوفود إلى عواصمها فارغةَ الأيدي. وكانت هذه أرفع مواجهة دبلوماسية أمريكية إيرانية منذ 1979، وانهيارها بهذه السرعة يقول الكثير.
نقاط الخلاف الجوهرية
رفض إيران التام لوقف التخصيب النووي أو تفكيك المنشآت — الخط الأحمر الأمريكي الأول والأخير
إصرار إيران على السيادة على هرمز وفرض رسوم عبوره — رفضته واشنطن بوصفه ابتزازاً
مطالبة إيران بالإفراج عن الأصول المجمدة قبل أي اتفاق
طلب وقف الهجمات الإسرائيلية على حزب الله كشرط مسبق — مع غياب تام لأي مطلب يخص غزة
رفض وقف تمويل الوكلاء الإقليميين — الشرط الأمريكي الخامس
الوثيقة المحذوفة — ما كشفه عضو الوفد ثم تراجع عنه
نشر النائب الإيراني محمود نابويان — عضو الوفد المفاوض — منشوراً كشف فيه المطالب الأمريكية الحقيقية، قبل أن يحذفه سريعاً. وفعل الحذف ذاته أبلغ مما احتواه المنشور.
حصة مشتركة أمريكية-إيرانية في مصالح مضيق هرمز — أعمق من مجرد حرية الملاحة
سحب 60% من اليورانيوم المخصّب من الأراضي الإيرانية
حرمان إيران من التخصيب مدة 20 عاماً كاملة
المطلب الأول — الحصة في هرمز — هو المفتاح. يعني أن واشنطن لا تريد 'حرية ملاحة' فحسب، بل شراكة مؤسسية في إدارة المضيق. وهذا تحوّل استراتيجي يتجاوز الحرب الدائرة ويُقرأ في سياق لعبة أكبر بكثير.
■ ثانياً: اللعبة الكبرى — ترامب والممرات المائية والصراع مع الصين
لا يُمكن فهم ما يجري في هرمز بمعزل عن الإطار الاستراتيجي الكلي. الرجل الذي تحدّث عن السيطرة على قناة بنما ومضيق طارق وغرينلاند لم يكن يتكلم عفواً، بل كان يُعلن استراتيجية متكاملة.
أ) هرمز ليس هدفاً للحرب — بل غنيمتها الكبرى
الحقيقة الاستراتيجية: مضيق هرمز لم يكن مُغلقاً قبل الحرب، ولم يكن سبباً لها. لكنه أصبح اليوم الهدف الأكثر قيمةً. وهنا 'الفضل' يعود لإيران التي أغلقته وحوّلته من خلفية إلى صدارة المشهد. فبدلاً من أن تكون أمريكا معتدياً تريد تغيير نظام، أصبحت في رواية ترامب 'حارسةً للممرات الدولية' تواجه دولةً 'تبتز العالم'.
ب) المحور الحقيقي للصراع: أمريكا والصين
أمريكا تُدرك أنها تخسر المنافسة الاقتصادية مع الصين في الأسواق العالمية. والرد لا يمكن أن يكون اقتصادياً بحتاً. فبقيت ورقة التفوق العسكري — التي قد لا تدوم طويلاً — وورقة السيطرة على الممرات المائية.
من يسيطر على قناة بنما يتحكم في التجارة بين المحيطين الأطلسي والهادئ
من يسيطر على مضيق هرمز يتحكم في 20% من تجارة النفط العالمي و20% من الغاز
من يجمع السيطرة على الثلاثة يمتلك مفتاح اقتصاد العالم — ويستطيع إملاء شروطه على الصين قبل غيرها
الرابط الاستراتيجي الحاسم: السيطرة على هرمز ترفع تكلفة الطاقة على المصانع الصينية وتُقيّد سلاسل التوريد — وهي حرب اقتصادية بالوكالة لا تحتاج صاروخاً واحداً نحو بكين. ومن مصلحة أمريكا الاستراتيجية انهيار النمو الاقتصادي الصيني أو إضعافه، لأن الصين المتعثّرة اقتصادياً هي صين أقل قدرةً على التوسع العسكري في تايوان وبحر الصين الجنوبي.
ج) التهديد الصيني المضاد
تقارير الاستخبارات الأمريكية عن تخطيط الصين لتزويد إيران بأنظمة دفاع جوي تُقرأ في هذا الإطار: ليس دعماً لإيران بقدر ما هو رسالة لواشنطن بأن للصين أدوات مضادة. ولهذا تحديداً أعلن ترامب تعريفة 50% على أي دولة تزوّد إيران بالأسلحة — مستهدفاً الصين بالاسم دون أن يُسمّيها.
■ ثالثاً: فخ ترامب وحُمق إيران الصفوي — كيف وقعت في الشَّرك؟
ثمة سؤال استراتيجي لا يُطرح بما يكفي: هل كانت إيران ضحيةً للمخطط الأمريكي أم أنها أسهمت في بناء الفخ؟ والجواب، بصراحة استراتيجية، هو الثاني.
أ) إيران حوّلت نفسها من مظلومة إلى معتدية
في اليوم الأول من الضربات الأمريكية الإسرائيلية في 28 فبراير، كانت إيران في موقع الدولة المُعتدى عليها — وهو موقف يُكسب التعاطف الدولي. لكنها سارعت إلى:
إغلاق مضيق هرمز — مما أضرّ بالهند والصين وتركيا والخليج قبل أن يضر أمريكا
قصف دول الخليج — فحوّلت نفسها من دولة تدافع إلى دولة تعتدي على جيرانها
التهديد بفرض رسوم على الملاحة الدولية — فجعلت كل دول العالم تشعر بأنها مُستهدفة
وبهذه القرارات الثلاثة حوّلت إيران المعادلة: بدلاً من أن يقف العالم ضد العدوان الأمريكي، وجد نفسه مضطراً للوقوف في وجه إغلاق إيران لشريان اقتصاده.
ب) التهويل الإعلامي — مؤشر الانهيار الداخلي
من يُتابع الإعلام الإيراني الرسمي ومواقع الحرس الثوري يُلاحظ ظاهرة لافتة: مستوى التهويل غير مسبوق، وكمية الأخبار المصنوعة تصف الواقع بما يتجاوز كل حد معقول. الروايات تتناقض بين إعلان وآخر، والانتصارات تُعلَن كل يوم عن معارك لم تجرِ.
هذا التهويل ليس دعايةً عادية، بل هو مؤشر على اضطراب داخلي حقيقي يعانيه النظام رغم ما يُحاوله إعلامه من إظهار التماسك. والمبالغة في توصيف القوة — حين تُصدّقها عدة تيارات وتطالب بتنفيذ التهديدات المستحيلة — تُعجّل بالانهيار لا تمنعه.
الإيرانيون في نهاية المطاف أثبتوا أن قراراتهم الاستراتيجية في هذه الأزمة كانت متسرعة وغير محسوبة. وما ساعدهم على البقاء ليس عبقريتهم الاستراتيجية، بل رغبة الغرب التاريخية في المهادنة وتجنّب الاستنزاف الطويل. وحين قرّرت واشنطن رفع هذا الغطاء، انكشفت الهشاشة.
■ رابعاً: الحصار البحري — قراءة استراتيجية
أ) الفرق بين إعلان ترامب وقرار CENTCOM
ترامب أعلن حصاراً على كل السفن الداخلة والخارجة من هرمز — للضغط النفسي والإعلامي
CENTCOM خصّصه بالموانئ الإيرانية فقط مع حرية الملاحة للسفن غير المتجهة لإيران — الأكثر قانونيةً
الفجوة بينهما: هامش التفاوض — ترامب يستطيع 'تليين' موقفه ويُقدّمه تنازلاً حسن النية
ب) الخطر الحقيقي: الحادثة غير المحسوبة
أخطر ما في هذا المشهد ليس القرار المتعمد بل الحادثة العرضية في بيئة مشحونة. وقد أضافت إيران خطراً مضاعفاً حين فقدت السيطرة على بعض الألغام التي زرعتها — مما يعني أن هرمز بات ساحةً مُلغّمة تُهدد الجميع بلا تمييز، وحرمت إيران نفسها من ورقة الفتح الطوعي كمكسب تفاوضي.
■ خامساً: الوضع الخليجي — الجرح الأعمق والخسارة المركّبة
لا يمكن لأي تحليل أن يكون أمينًا إذا أغفل البُعد الخليجي من هذه الأزمة. فدول الخليج العربي لم تكن مجرد ساحة جانبية للصراع الأمريكي الإيراني — بل كانت الضحية الأكثر تضرراً والأقل قدرةً على التحكم في مصيرها. وما جرى لها يستحق قراءةً مستقلةً وعميقة.
أ) الكارثة الاقتصادية — الأرقام تتكلم
وصف الرئيس التنفيذي لشركة نفط الكويت الإغلاقَ بأنه 'تجاوز الكارثة' وأنه 'اختطال للاقتصاد العالمي'. ولم يكن مبالغاً:
انخفاض إنتاج الكويت والعراق والسعودية والإمارات مجتمعةً بما يزيد على 10 ملايين برميل يومياً بحلول 12 مارس
قطر أعلنت القوة القاهرة على جميع صادراتها من الغاز الطبيعي المسال — وهي تمثّل 16% من إمدادات الطاقة العالمية
الكويت أوقفت الإنتاج تقريباً وباتت تنتج للاستهلاك الداخلي فحسب — وهي أُولى دول العالم في الاعتماد على عائدات النفط
العراق أغلق حقل الرميلة العملاق بسبب امتلاء خزاناته وعدم قدرته على التصدير
ضرر بالغ في منشأة راس تنورة السعودية — أكبر محطة نفطية في العالم بطاقة 550 ألف برميل يومياً
حريق ضخم في مصفاة الرويس الإماراتية — إحدى أكبر المصافي في العالم
أضرار جسيمة في منشأة رأس لفان القطرية — يحتاج إصلاحها لما يصل إلى خمس سنوات
ميناء جبل علي في دبي أوقف عملياته مرات عدة وهو أكبر ميناء تجاري في المنطقة
الضربة المزدوجة: دول الخليج تعاني من إغلاق هرمز الذي يحبس صادراتها النفطية في الداخل، ومن الضربات الإيرانية المتواصلة على بنيتها التحتية في الوقت ذاته. هي تُحاصَر من الخارج وتُقصف من الإيران في آنٍ معاً.
ب) أزمة الغذاء والماء — الوجه المخفي للكارثة
ما لا يُقال بما يكفي هو أن هرمز ليس فقط شريان النفط — بل هو شريان الحياة الأساسي لملايين البشر في الخليج:
70% من واردات الغذاء الخليجية تمر عبر مضيق هرمز — وبحلول منتصف مارس كان 70% من هذه الواردات مُعطَّلاً
قطر تحصل على 99% من مياه الشرب من محطات التحلية — وهي تعمل بالطاقة التي تعتمد على الوقود
الإمارات والكويت والبحرين تعتمد على التحلية لأكثر من 70% من احتياجاتها المائية
سلاسل التوريد الغذائية انهارت بشكل شبه تام في المرحلة الأولى مما اضطر تجار التجزئة الكبار لشحن البضائع جواً
الأسمدة الخليجية لم تصل لأسواقها في موسم الزراعة — مما يُنذر بأزمة غذائية عالمية موسعة
ج) الضرب الإيراني المتعمد للخليج — الحقيقة المُرّة
وصف رئيس شركة نفط الكويت ما جرى بعبارة صريحة: 'إيران تضرب مصافينا رغم أنها مملوكة بالكامل للكويت. وهذا يُكذّب ما تدّعيه من أن ضرباتها مقتصرة على البنية التحتية الأمريكية.'
الإمارات استقبلت ضربات أكثر من إسرائيل — استُهدفت طائرات الحرب والمطارات وقطاع التكنولوجيا
البحرين: ضُربت مراكز الطاقة ومراكز البيانات التابعة لها
الكويت: تعرضت للقصف بعد توقف الهدنة رغم إعلان إيران أن الهدنة تشمل جيرانها
قطر: أُصيبت منشأة راس لفان الغازية العملاقة بأضرار جسيمة
السعودية: تعرضت أنابيبها ومصافيها لضربات متكررة وسط محاولات لتحويل الصادرات عبر ينبع
السؤال الذي لا يجيب عنه البعض : كانت إيران تبرر عدوانها على الخليج بأن الضربات عليها تنطلق من القواعد الأمريكية. حسناً — لماذا تقصف الكويت والإمارات والسعودية بعد الهدنة مع أمريكا؟ الجواب الوحيد: هدفها الهيمنة الإقليمية، لا مواجهة أمريكا.
د) انهيار النموذج الخليجي التنموي — الأثر الأعمق
ما يُغفله كثيرون أن الضرر الأكثر خطورة على دول الخليج ليس المادي فحسب، بل هو الضرر الاستراتيجي العميق في نموذج التنمية الذي بنته هذه الدول بعقود من الجهد:
نموذج الخليج قائم على ثلاثة أركان: الاستقرار الأمني، والاستثمار الأجنبي، والسمعة كوجهة آمنة
وصف المحللون ما جرى بأنه 'نهاية الرواية' التي تقول إن الخليج وجهة آمنة دائماً للمغتربين والمستثمرين والسياحة
مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية — الممول قطرياً — وصف الحرب بأنها 'زعزعت المنطقة بشكل لا يمكن عكسه'
الصادرات من المستثمرين والمغتربين الأجانب بدأت علامات انسحابها تظهر وسط هشاشة لم تكن مرئية من قبل
مشاريع رؤية 2030 السعودية ومشاريع التنويع الإماراتي والقطرية تعرضت لضربة في مصداقيتها أمام المستثمرين الدوليين
هـ) المعادلة الخليجية المقلوبة — من الضمان الأمريكي إلى الرهينة الأمريكية
وصف محلل عربي في الخليج المشهد بعبارة جوهرية: 'الحرب قلبت المعادلة الأمريكية-الخليجية رأساً على عقب.' وهذا تحليل يستحق التأمل:
لعقود ارتكز النظام الأمني الخليجي على صفقة ضمنية: النفط الخليجي مقابل الأمن الأمريكي. أمريكا تحمي الممرات وتُعرقل الأعداء، والخليج يضخ النفط ويُرسّخ الدولار. هذه المعادلة انهارت. لأن:
أمريكا هي من أشعلت الحرب التي حوّلت الخليج إلى ساحة مفتوحة
أمريكا الآن تتحكم في هرمز — لكن ليس لحماية الخليج بل لتحقيق أهدافها في المواجهة مع الصين
الخليج وجد نفسه رهينةً بين طرفين: إيران التي تضربه، وأمريكا التي تُدار الحرب من أراضيه ومياهه دون أن يكون قراراً خليجياً
ادعاء ترامب أن دول الخليج 'بدأت بالفعل' دعم الحصار ضد إيران يضعها في مواجهة ليست خيارها المُعلَن
المفارقة الاستراتيجية المُرّة: دول الخليج دفعت ضريبة حرب لم تُعلنها ولم تختَرها، وستحمل تبعاتها الاقتصادية والأمنية لسنوات — في الوقت الذي يتفاوض فيه الطرفان الكبيران على مصالحهما الخاصة دون أن يكون للخليج مقعد حقيقي على طاولة المفاوضات.
و) ماذا يعني الحصار الأمريكي للخليج؟
الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية يُريح الخليج من الضغط الإيراني المباشر على الملاحة — لكنه يُبقي المنطقة في دائرة التوتر، ويرسّخ الوجود العسكري الأمريكي كـ'ضرورة دائمة'. وهو ما يعني:
استمرار ارتفاع أسعار التأمين البحري الذي يرفع تكلفة الاستيراد والتصدير
بقاء حالة عدم اليقين التي تُؤخر قرارات الاستثمار الكبيرة
ترسّخ الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة بصورة قد تتجاوز الأزمة وتصبح ديمومة استراتيجية
ضغط على السعودية وغيرها للانضمام للحصار — وهو قرار بالغ الحساسية تجاه القواسم المشتركة مع إيران في المنطقة
■ سادساً: الاستنزاف الخليجي وتمهيد الأرضية للمشروع الصهيوني التوسعي
إن ما يقع اليوم في دول الخليج من استنزاف مركّب — عسكري واقتصادي وأمني — ليس نتيجةً عرضية لحرب بين طرفين، بل هو في جوهره العميق تعبيدٌ ممنهج للأرضية الإقليمية لصالح مشروع بعينه. فحين تُنهَك القوى العربية وتُستنزَف مواردها وتنشغل بأزمات وجودية تمس الغذاء والماء والأمن، وحين تُحاصَر إيران ، وحين تُوضَع دول الخليج في موقع الرهينة بين طرفين كلاهما يُقرّر دونها — فإن المحصّلة الاستراتيجية الحتمية هي أن تبقى دولة الاحتلال الإسرائيلي القوةَ العسكرية والسياسية الوحيدة المتماسكة والمتصاعدة في المنطقة بأسرها.
وهذا الواقع الجديد ليس مصادفةً بل هو شرطٌ ضروري لتحقيق المشروع التوسعي الصهيوني في أوسع صوره: المشروع الذي تُعبّر عنه وثائقه المؤسِّسة بـ'أرض إسرائيل الكبرى'، من النيل إلى الفرات. فلا يمكن لمشروع بهذا الحجم أن يتقدم في مواجهة قوى إقليمية متماسكة — لا دول خليجية ثرية مستقرة، ولا جيوش عربية منتظمة بعقيدة قتالية سليمة ، ولا قوى إسلامية رائدة وصلبة . لكنه يصبح ممكناً حين تكون هذه القوى كلها في حالة استنزاف متزامن، وحين يُقدَّم الاحتلال للعالم على أنه 'القوة المستقرة الوحيدة' في بحر من الفوضى التي صنعها بيده أو أسهم في صناعتها.
ولهذا فإن الناظر بعين الاستراتيجي في خارطة الأحداث — من إبادة غزة، إلى استنزاف الخليج، إلى تقطيع أوصال لبنان ، إلى زعزة إستقرار سوريا ... — لا يرى فوضى بل يرى هندسةً، ولا يرى حروباً منفصلة بل يرى مراحل متتالية في مشروع واحد متكامل. وما يجب أن يُقال للأمة صريحاً: أن الثمن الحقيقي لهذه الحروب لن يُدفع في واشنطن ولا في طهران، بل سيُدفع على أرض فلسطين وفي عمق الجغرافيا العربية والإسلامية — إن لم تستفق الأمة وتُدرك أن خريطة المنطقة تُعاد رسمها الآن، في هذه اللحظة بالذات.
■ سابعاً: فلسطين — الغائب الذي يقول كل شيء
في مفاوضات إسلام آباد، حضر وفد إيراني من 70 شخصاً. وتفاوضوا 21 ساعة متواصلة على: اليورانيوم، وهرمز، والأصول المجمدة، وحزب الله. وفي كل تلك الساعات لم يُنطق اسم فلسطين ولا غزة ولا القدس ولا الأقصى.
وزير الخارجية أراقجي قال إن الطرفين كانا 'على بُعد بوصات من مذكرة التفاهم' — وهو يفخر بذلك. مذكرة تفاهم لا تذكر فلسطين، يفخر بقربها وزير خارجية 'محور المقاومة'.
حين جاء وقت الحساب الاستراتيجي الحقيقي، تبيّن أن فلسطين في الحسابات الإيرانية ورقة الواجهة لا مبدأ السياسة. وهذا ليس حكماً مُسبقاً بل وقيعة مسجّلة بشهادة الوفد الإيراني من خلال ما قاله وما لم يقله في 21 ساعة من التفاوض.
والأدهى أن إيران طالبت بوقف الهجمات الإسرائيلية على حزب الله ولم تطالب بوقف المجازر في غزة. الأولوية واضحة: حزب الله ورقة نفوذ، أما غزة فمآلها غير مرتبط بمصلحة النظام.
■ ثامناً: السيناريوهات بعد 22 أبريل — أربعة مسارات
▪︎ السيناريو الأول: التصعيد العسكري — الأكثر خطورة
إذا لم تُستأنف المفاوضات قبل انتهاء الهدنة، فعودة الضربات واردة. أي جولة ثانية ستكون أشد قسوةً وأعمق أثراً على الخليج الذي لم يتعافَ بعد. ومحور التوتر الأول سيكون هرمز: هل ستستهدف إيران سفينة حربية أمريكية؟
▪︎ السيناريو الثاني: جولة تفاوضية ثانية بوساطة موسّعة
باكستان أعلنت استمرار دورها. أراقجي قال إن الطرفين كانا 'على بُعد بوصات'. المشكلة الجوهرية: الفجوة النووية لم تتضيّق، وإيران لن تتخلى عن التخصيب لأنه هوية النظام قبل أن يكون سياسة.
▪︎ السيناريو الثالث: الحصار المطوّل والتآكل البطيء
الأوفر حظاً في المدى القريب. الحصار يخنق الاقتصاد الإيراني المنهك أصلاً. لكن تكلفته على الخليج والاقتصاد العالمي ستكون باهظة. خبراء الطاقة يُحذّرون من أسعار نفط مرتفعة حتى نهاية 2026 على أقل تقدير.
▪︎ السيناريو الرابع: التسوية الكبرى — الأقل احتمالاً والأكثر خطراً على الأمة
تسوية تُجمّد البرنامج النووي وترفع العقوبات وتُعيد التطبيع. وهذا السيناريو — لو تحقق — سيُسدل الستار على غزة ويُشرعن الواقع الراهن. والأرجح أن الخليج سيُقدّم مصالحه المشروعة في الاستقرار، لكنه سيُجبر على القبول بشروط تُقرّرها واشنطن وطهران.
■︎ تاسعاً: فقه المرحلة — القراءة الشرعية والاستراتيجية
أ) الخداع المزدوج والموقف الشرعي
الخداع الأمريكي الإسرائيلي: يُقدّم نفسه حارساً للنظام الدولي وحرية الملاحة، وهو الذي يُبيد غزة ويستمر في الحفريات تحت المسجد الأقصى ويحتل الأرض.
الخداع الإيراني الصفوي: يُقدّم نفسه درعاً للأمة ومحرراً للقدس، ثم يتفاوض 21 ساعة دون أن ينطق باسم فلسطين — ويضرب الخليج بحجة مواجهة أمريكا.
ب) الفراغ الاستراتيجي الإسلامي
بينما يتصارع قطبا الخداع، تبدو الأمة جمهوراً يُشجّع أحد الفريقين. ودول الخليج التي هي أقرب جغرافياً وأكثر تضرراً هي أقل الأطراف صوتاً في المعادلة الاستراتيجية. وهذا الغياب عن الفاعلية هو الجرح الحقيقي الذي يجب أن تُعالجه الأمة بمشروعها المستقل.
ج) السنن الإلهية في تدافع الأمم
لا تُقرأ هذه المرحلة بعيون مجردة عن السنن الإلهية. نحن نشهد تدافعاً بين قوى لا تحمل مشروعاً عادلاً. وهنا تحديداً تتضح مسؤولية الأمة في أن تكون حاضرةً بمشروعها الخاص، بعيداً عن الاستقطاب الزائف بين قطبين كلاهما يستخدمها.
■ عاشراً: التوصيات — خارطة الطريق الاستراتيجي
○ للدول الخليجية تحديداً: - من أجل الشعوب وعدم الوقوع في الفخ-
إلغاء التعاقد الأمني مع الولايات المتحدة وإغلاق القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، فهذه القواعد لم تحمِ الخليج بل كانت ذريعةً استخدمتها إيران لضرب البنية التحتية الخليجية، وورقةً وظّفتها أمريكا لتحويل الأراضي الخليجية إلى منصة لحروبها الكبرى دون أن يكون للخليج قرار فيها فلا مكان لهم في جزيرة العرب
عدم الانجرار إلى المشروع الأمريكي الذي يستخدم المنطقة لأهداف تتجاوز أمن الخليج — من المواجهة مع الصين إلى تهيئة البيئة الإقليمية للتوسع الصهيوني
المطالبة بمقعد حقيقي وفاعل في كل مسار تفاوضي يتعلق بمستقبل المنطقة — فما يُقرَّر في إسلام آباد وواشنطن وطهران يُنفَّذ في موانئ الخليج وسمائه وعلى أرضه
الاستثمار العاجل في مشاريع التنويع الاقتصادي لتقليل الاعتماد على هرمز: توسعة خط أنابيب ينبع السعودي وخط الفجيرة الإماراتي بما يُحوّلهما من خيار احتياطي إلى ركيزة استراتيجية دائمة
بناء منظومة أمن غذائي إقليمية مستقلة تُقلّص الهشاشة القاتلة الناجمة عن اعتماد الملايين على واردات تمر بمسار واحد قابل للإغلاق في أي لحظة
رفض أن تتحوّل أراضي الخليج وقواعده ومياهه إلى ساحة حرب لا قرار لأصحابها فيها ولا مصلحة لشعوبها منها
التمسك بالحياد الإيجابي الفاعل الذي يحمي المصالح الخليجية: لا الانخراط في حلف ضد إيران يُعمّق العداء المديد، ولا الصمت الذي يُعطي المعتدي تفويضاً مفتوحاً
إطلاق سراح معتقلي الرأي من العلماء والدعاة والمصلحين والشباب المتدين، فهم في هذه المرحلة الحرجة صمام أمان لا خصوم، وقوة تماسك داخلي لا مصدر تهديد — والأمة التي تسجن خيرة أبنائها المصلحين في وقت الأزمات تُفقد نفسها الدرع الحقيقي وتبقى مكشوفةً في مواجهة من يريد بها السوء
○ للعقل الاستراتيجي العربي والإسلامي:
مراقبة ما بعد 22 أبريل بدقة: التاريخ الحاسم لمعرفة ما إذا ستستمر الهدنة أم تنفجر
رصد الموقف الصيني من الحصار: هل ستمتثل الصين أم ستتحداه؟ هذا القرار يُغيّر ملامح الصراع كله
استثمار الوساطة الباكستانية لإدراج القضية الفلسطينية في أي مسار قادم
رفض أي تسوية تُسدل الستار على إبادة غزة تحت أي مسمى
■ خاتمة — يوم الاثنين 13 أبريل 2026
في الساعة العاشرة صباحاً بتوقيت الشرق الأمريكي بدأ الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية. ومضيق هرمز بات تحت أشد لحظات التوتر في تاريخه: ألغام لا أحد يعرف مواقعها بالضبط، وسفن حربية تُزيل الألغام، وإيران تُهدد بالرد، وترامب يُهدد بتدمير من يُطلق النار.
ودول الخليج في المنتصف: ضُربت بنيتها التحتية، وجُمِّد اقتصادها، وتُحمَّل تبعات حرب لم تختَرها، وتضغط عليها واشنطن للانخراط في حصار يُعقّد علاقاتها الإقليمية. وفق تعبير مسؤول كويتي صريح: 'ليس هذا فقط حربنا — هذا اختلال لاقتصاد العالم.'
وفي غزة — كما في كل يوم منذ أكتوبر 2023 — تستمر المجازر. لم يذكرها أحد في 21 ساعة من التفاوض. ولن يذكرها أحد في الجولة القادمة إذا لم تُصرّ الأمة على إدراجها.
اللعبة الكبرى التي كشفتها هذه الأزمة في جوهرها بسيطة المعالم وإن كانت بالغة التعقيد في تشابك مساراتها: أمريكا تريد السيطرة على ممرات العالم لمواجهة الصين اقتصادياً واستراتيجياً، وتُهيّئ في الوقت ذاته البيئة الإقليمية المناسبة للتوسع الصهيوني الذي يخدم مصالحها الكبرى في المنطقة وعقيدة محافظيها الجدد. وإيران تريد البقاءَ بنواتها النووية وورقة هرمز، وإن كلّفها ذلك دماء شعبها وركام اقتصادها وانهيار قياداتها. وإسرائيل تريد إنهاء كل تهديد وجودي، وتُوظّف الفوضى الإقليمية سلّماً للتمدد لا حائطاً للصد.
وكل هذه الأهداف — على تباين أصحابها وتضارب خطابهم — تلتقي في نقطة واحدة جامعة: لا أحد منهم يريد لفلسطين أن تكون حرة، ولا أحد منهم يريد للخليج أن يكون قوةً فاعلة مستقلة تُقرّر لنفسها وتُدافع عن ثوابتها. فالفلسطين الحرة تُسقط المشروع الصهيوني، والخليج المستقل بدون قواعد أمريكية يُعيد رسم معادلة النفوذ في المنطقة — وكلاهما مرفوض في الحسابات الكبرى لكل طرف من الأطراف المتصارعة.
ومن هنا تحديداً — من هذه النقطة الجوهرية — ينبغي أن تبدأ الأمة قراءتها الحقيقية لما يجري، وأن تُراجع دول الخليج حساباتها وتموقعها الاستراتيجي مراجعةً صارمة بعيداً عن الانجرار والارتهان. لا من منطلق 'من هو أقل سوءاً' في هذه الحرب، بل من منطلق سؤال أعمق وأكثر إلحاحاً: ما هو المشروع الإسلامي المستقل الذي يضع القدس والأمن الخليجي وكرامة الأمة شرطاً ثابتاً لا تنازل عنه في كل تسوية وكل مفاوضة وكل معادلة إقليمية قادمة؟
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
25 شوال 1447 هـ
13 أبريل 2026 م
اكتب مراجعة عامة