img
img

ثم ينتقم من كليهما، سُنَّةٌ إلهية: الآية الكريمة وفتوى الإمام مالك وتنزيلهما على الواقع المعاصر | الصفوية المجوسية — الصهيونية — الهيمنة الأمريكية

img
الشبكة

ثم ينتقم من كليهما، سُنَّةٌ إلهية: الآية الكريمة وفتوى الإمام مالك وتنزيلهما على الواقع المعاصر | الصفوية المجوسية — الصهيونية — الهيمنة الأمريكية


 

الأستاذ الدكتور عصام اشويدر 
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان 
2026م — 1447هـ 

 

  •  
  • بسم الله الرحمن الرحيم 

﴿ وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾   سورة الأنعام: 129 

  •  
  • ينتقم الله من الظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما — الإمام مالك بن أنس — الجامع المسائل المدونة (6/238) 
  •  
  • مقدمة: حين يتكلم القرآن بلسان التاريخ 

  • ثمة لحظات في تاريخ الأمم تتكشّف فيها السنن الإلهية بصورة جلية لا تقبل الجدل؛ لحظات تتراجع فيها التحليلات السياسية وتتقدم فيها الحقائق القرآنية لتُفسّر ما عجز عنه المنظّرون. ونحن اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات الفارقة، إذ تشهد المنطقة الإسلامية تصادماً كاشفاً بين قوى ظالمة متعددة، كل منها تدّعي الدفاع والحماية، وكل منها في حقيقتها أداة استنزاف وإفساد. 
  • وقد أودع القرآن الكريم في سورة الأنعام آيةً جامعة تحمل من الحكمة الإلهية ما يكفي لفهم هذا المشهد وما سبقه وما سيليه، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وهذه الآية ليست مجرد خبر تاريخي عن الماضين، بل هي قانون كوني سارٍ في كل زمان ومكان، يحكم حركة الطغاة ويضبط نهاياتهم بيد من خلقهم. 
  • وقد فهم الإمام مالك بن أنس — إمام دار الهجرة — هذه الحقيقة فهماً دقيقاً وطبّقها تطبيقاً شرعياً موقفياً شجاعاً، حين قال لتلميذه ابن القاسم لما سأله عن قتال البغاة أيجوز قتالهم؟ فقال: إن خرجوا على مثل عمر بن عبد العزيز، قال: فإن لم يكن مثله؟ فقال: دعهم ينتقم الله من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما. (انظر الإسلام بين العلماء والحكام/ عبد العزيز البدري ص155.). ولم تكن هذه الكلمة تزييداً نافلاً، بل كانت فتوى دفع ثمنها الإمام فكانت سببًا من أسباب محنته. 
  • في هذا المقال، سنُقارب هذه الآية وذلك القول الإمامي مقاربةً أكاديمية متأنية، ثم ننزّلهما على ثلاث ظواهر ظلامية طالت الأمة الإسلامية في العصر الحديث: المشروع الصفوي الإيراني التوسعي، والمشروع الصهيوني الإحلالي، والهيمنة الأمريكية الاستعمارية — وسنُبيّن كيف أن السنة الإلهية تجري فيها جميعاً. 

  •  
  • أولاً: الآية الكريمة — قراءة تفسيرية عميقة 

  • ◆  1 — النص وسياقه 
  • قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ جاء في سياق الحديث عن أحوال الكافرين والمشركين وما يُسلّطه الله عليهم جزاءً على ظلمهم. والسياق القرآني الكامل يكشف أن الله لا يعاقب الظالمين دائماً بصاعقة من السماء مباشرة، بل يجعل بعض الظالمين عقوبةً لبعض في ترتيب دقيق يُحكم فيه حساب كل طرف. 

  • ◆  2 — دلالات الفعل «نُوَلِّي» 
  • الفعل «نُوَلِّي» من التولية، وهي الجعل والتسليط. أي أن الله — سبحانه — هو الذي يُولّي ويُسلّط بعض الظالمين على بعض، لا أن ذلك يحدث مصادفةً أو بمحض الأسباب المادية. وهذا يعني أن الصراعات بين الظالمين ليست فوضى عشوائية، بل هي تدبير إلهي محكم يخدم عدة أغراض: العقوبة، والكشف، والتمحيص، وتهيئة الأجواء لما بعد ذهاب الظالمين. 

  • ◆  3 — شرط الاستحقاق: « بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ » 
  • لم تُطلق الآية هذا الحكم اعتباطاً، بل أوضحت علته: «بما كانوا يكسبون»، أي بسبب كسبهم السيئ وظلمهم المتراكم. وهذا يؤكد أن السنة الإلهية مرتبطة بالأسباب، وأن تسليط الظالمين بعضهم على بعض ليس قدراً تعسفياً بل هو جزاء عادل يوافق حجم الظلم الذي اقترفه كل طرف. وقد أشار الطبري في تفسيره إلى أن الآية تعني أن الله يُمكّن الظالم من الظالم مثله جزاءً على فعله. 

  • ◆  4 — القاعدة العقدية الكبرى 
  • تُرسّخ هذه الآية عقيدةً جوهرية في قلب المسلم: أن الله لا يغفل عن الظالمين، وأن العقوبة الإلهية قد تأتي بأشكال غير متوقعة، ومن بينها أن يُسلّط الله على الظالم من هو مثله أو أشد منه ظلماً. وهذا يُريح قلب المؤمن في أوقات الغليان، ويُبقيه في موضع المراقب الواعي لا المنجرف العاطفي. 

  •  

ثانياً: فتوى الإمام مالك — النص والسياق والدلالة 


  • ◆  1 — نص الفتوى وحكايتها 
  • يُروى أن عبد الرحمن بن القاسم — تلميذ الإمام مالك وحامل مذهبه — سأله: أيجوز قتال البغاة؟ فقال مالك: إن خرجوا على مثل عمر بن عبد العزيز. فقال ابن القاسم: فإن لم يكن مثله؟ فأجاب مالك بكلمته القوية: دعهم، ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما.

  • الإسلام بين العلماء والحكام — عبد العزيز البدري، ص155 
  • يقول القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في كتابه "أحكام القرآن" عند تفسيره لقول الله تعالى: 
  • ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9] 
  • ما نصه: 
  • "قَالَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إذَا خَرَجَ عَلَى الْإِمَامِ الْعَدْلِ خَارِجٌ وَجَبَ الدَّفْعُ عَنْهُ؛ مِثْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. فَأَمَّا غَيْرُهُ فَدَعْهُ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْ ظَالِمٍ بِظَالِمٍ، ثُمَّ يَنْتَقِمُ مِنْ كِلَيْهِمَا" - أحكام القرآن لابن العربي - دار الكتب العلمية، الجزء 4، صفحة 153 

  • ◆  2 — العمق الفقهي في الموقف المالكي 
  • لم يكن مالك — رحمه الله — حين قال هذا القول يدعو إلى السلبية أو القعود عن الحق، بل كان يؤسس لموقف سياسي شرعي محكم يقوم على ثلاث ركائز: أولاً: الفهم الدقيق للسنن الإلهية في التاريخ. ثانياً: الحذر من الانجرار في صراعات لا يكون المسلم فيها إلا وقوداً. ثالثاً: إيكال أمر الظالمين إلى الله مع العمل الصادق على بناء القدرة الذاتية للأمة. 

  • ◆  3 — ثمن الصراحة العلمية 
  • ما يستوقف المتأمل في هذه القصة أن فتوى الإمام مالك كانت سبباً في محنته، إذ أغضبت بعض حكام عصره الذين رأوا فيها مساساً بشرعيتهم. وهذا يُعلّمنا أن الكلمة الحقة في وجه الظالمين لها ثمنها، وأن العالم والدعاية والمفكر الإسلامي الأمين يعلم هذا الثمن ولا يخشاه. 
  • وقد دفع الإمام مالك ثمن فتواه احتجازاً وأذىً، لكن التاريخ أبقى كلمته وطوى اسم من آذاه. 

  •  
  • ثالثاً: المشروع الصفوي الإيراني — ظلامٌ يرتدي عباءة الدين 
  • جزء من ممارساتهم الظالمة 

  • ◆  1 — الجذور العقدية والتاريخية 
  • لا يمكن فهم الخطر الإيراني على الأمة الإسلامية بمعزل عن جذوره العقدية. فالمشروع الصفوي الذي أسسه الشاه إسماعيل الصفوي عام 907هـ/1501م لم يكن مجرد تحول سياسي في بلاد فارس، بل كان انقلاباً عقدياً جوهرياً فرض المذهب الإمامي الاثني عشري على بلاد كانت في غالبها سنية، وذلك بالسيف والإكراه والتقتيل. وقد وثّق المؤرخون — من بينهم ابن كثير في البداية والنهاية والمقريزي في خططه — أن الصفويين أجروا من الدماء السنية ما أرعب العالم الإسلامي في ذلك العصر. 

  • ◆  2 — العقيدة الصفوية وانحرافاتها 
  • تقوم العقيدة التي تتبناها المؤسسة الدينية الحاكمة في إيران على جملة من المسائل التي أجمع علماء الإسلام المحققون على مخالفتها للتوحيد الخالص. ومن أبرزها: الغلو في الأئمة وإسناد صفات لا تليق إلا بالله إليهم، والاستغاثة بالأموات وتعظيم الأضرحة على الوجه المحرم، وسبّ صحابة رسول الله ﷺ ولعنهم في مجامعهم ومنابرهم — وهو ما يُعدّ طعناً في أصل الإسلام لأن الصحابة هم حملة الوحي ورواة الشريعة. وقد أفاض في بيان هذه الانحرافات العلماء المحققون كشيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة، والذهبي، وابن القيم، وابن حجر العسقلاني، وفي المعاصرين: الشيخ محب الدين الخطيب في كتابه الخطوط العريضة، والدكتور ناصر القفاري في أصول مذهب الشيعة. 

  • ◆  3 — التاريخ الدموي على أهل السنة 
  • من بلاد الرافدين إلى بلاد الشام إلى اليمن إلى لبنان، تركت الأذرع الإيرانية بصماتها الدامية على الجسد السني. في العراق، وثّقت منظمات حقوق الإنسان الدولية عمليات تهجير ممنهج طالت المناطق السنية في سامراء وديالى والموصل وغيرها، وكان وراءها ميليشيات تتلقى التوجيه والتمويل من طهران. في اليمن، حوّل الحوثيون — وهم ذراع إيران — مناطق واسعة من البلاد إلى حقل تجارب للمشروع الطائفي، وارتكبوا مجازر موثقة في بلدات كحرض وميدي وغيرها. وفي سوريا، جاءت القوات الإيرانية وميليشياتها لتُنجز ما لم يستطعه النظام وحده من تدمير وتهجير. 

  • ◆  4 — التوسع السياسي ومنطق الهيمنة 
  • يعمل المشروع الإيراني في المنطقة وفق منطق واضح المعالم: استثمار الأزمات والفراغات السياسية لزرع الأذرع والميليشيات، ثم تحويلها إلى ورقة ضغط تُبقي البلاد المستهدفة رهينةً لأجندة طهران. وقد أثبت المشروع الصفوي على مدار أربعين عاماً من حكم الخميني وما تبعه أنه لا يسعى إلى تحرير فلسطين — رغم ادعاء ذلك — بل يسعى إلى ترسيخ هيمنة طائفية جيوسياسية تحكم قبضتها على المنطقة من طهران إلى بيروت. 

  • ◆  5 — تنزيل الآية والفتوى على الحالة الإيرانية 
  • حين يتأمل الباحث في السنة الإلهية التي أعلنها الله في قوله ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾، يجد أن المشروع الصفوي لم يُفلت من هذه السنة. فقد سلّط الله عليه من ينافسه ويُنهكه: من خارجه كإسرائيل وأمريكا، ومن داخله كالأزمات الاقتصادية والاحتجاجات الشعبية المتكررة التي تكشف أن ظلم الداخل لا يقل عن ظلم الخارج.

  • والمسلم الواعي يُدرك وفق فتوى الإمام مالك أن موقفه الصحيح ليس الاصطفاف مع إيران ضد عدوها، بل الوقوف موقف المراقب الذي يفهم السنة ويعمل لمصلحة الأمة وحدها. 

  •  
  • رابعاً: الكيان الصهيوني — احتلالٌ يرتدي ثوب الشرعية 
  • بعض من ظلمهم 

  • ◆  1 — الجذور الأيديولوجية 
  • الصهيونية حركة سياسية عنصرية نشأت في أوروبا في القرن التاسع عشر على يد ثيودور هرتزل وجماعته، وتقوم على ادعاء ديني مزوَّر مفاده أن «أرض إسرائيل» حق تاريخي لليهود يُبيح لهم انتزاعها من أصحابها بأي وسيلة. وقد رفض كثير من علماء اليهود هذا التوظيف الديني للسياسة، وكشفوا أن الصهيونية ليست تعبيراً عن اليهودية بل هي توظيف للدين خدمةً لمشروع استيطاني استعماري. 
  • ◆  2 — العقيدة الصهيونية: الهيكل المزعوم وانتظار المخلّص 
  • يُضمر المشروع الصهيوني في بُعده الديني التوراتي عقيدةً خطيرة تحرّك قطاعاً واسعاً من المتطرفين اليهود، وهي عقيدة بناء «الهيكل الثالث» على أنقاض المسجد الأقصى المبارك، باعتباره الشرط اللازم لظهور «المشيح» أو المسيح المنتظر في التصور اليهودي. وقد تحوّلت هذه العقيدة من مجرد تيار هامشي إلى رافد رئيسي يُغذّي السياسة الإسرائيلية الداخلية، ويُبرر الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى، والمطالبة بتقسيمه زماناً ومكاناً، بل والدعوة الصريحة إلى هدمه وإقامة الهيكل المزعوم مكانه. 
  • وتتبنى هذه العقيدة تيارات دينية يهودية متطرفة كحركة «أمناء جبل الهيكل» و«معهد الهيكل» الذي يُعدّ قِدر الكهنة وأدوات العبادة استعداداً لبناء الهيكل، ويُقدّم لها الدولة الإسرائيلية غطاءً سياسياً متصاعداً، لا سيما في ظل الائتلافات الحكومية التي يشارك فيها ممثلو هذا التيار كوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وأمثاله من المتطرفين الدينيين. 

  • ◆  3 — الإنجيلية الأمريكية وعقيدة نزول المسيح 
  • ولا يمكن فهم عمق الدعم الأمريكي للمشروع الصهيوني بمعزل عن العامل العقدي الإنجيلي المتشعّب. فالمسيحية الصهيونية الإنجيلية — التي يُمثّل أتباعها ما يزيد على ستين مليون أمريكي وفق التقديرات — تقوم على عقيدة لاهوتية تُفيد بأن عودة اليهود إلى فلسطين وبناء الهيكل وتأسيس دولة إسرائيل الكبرى هي الشروط الإلهية السابقة لعودة المسيح عيسى عليه السلام في المعتقد المسيحي («باروسيا»)، وهو ما يجعل دعم إسرائيل عندهم واجباً دينياً قبل أن يكون خياراً سياسياً. 
  • وقد وثّق هذا التقاطع اللاهوتي السياسي عدد من الباحثين الأمريكيين والغربيين، ومنهم ستيفن سايزر في كتابه «الصهيونية المسيحية: خريطة طريق نحو الحرب الأخيرة»، وغريس هالسيل في «النبوة والسياسة». وقد أفرز هذا المعتقد تحالفاً وثيقاً بين اليمين الإنجيلي الأمريكي والحركة الصهيونية، يتجلى في دعم غير مشروط لكل السياسات الإسرائيلية، والضغط على السياسيين الأمريكيين لصون هذا الدعم بصرف النظر عن الاعتبارات القانونية والأخلاقية. 
  • والجدير بالملاحظة أن المعتقد اليهودي المتطرف والمعتقد الإنجيلي الأمريكي يلتقيان في نقطة واحدة — هي انتظار المخلّص وشروط ظهوره — وإن اختلفا اختلافاً جذرياً حول هوية هذا المخلّص وطبيعته. فاليهود المتطرفون ينتظرون «المشيح» الذي لم يأت بعد في نظرهم، والإنجيليون ينتظرون عودة المسيح عيسى عليه السلام. وقد جعل هذا التقارب الغريب من فلسطين ومن المسجد الأقصى بالذات ميداناً لتصادم عقائد، كل منها تسعى إلى توظيف الأرض المقدسة لتحقيق غاياتها الأيديولوجية. 
  • وعلى المسلم أن يدرك أن هذا البُعد العقدي ليس هامشياً في تشكيل السياسة الغربية تجاه القضية الفلسطينية، بل هو في أحيان كثيرة أعمق تأثيراً من الحسابات الاستراتيجية والاقتصادية. ومن ثَمَّ فإن المعركة ليست معركة حدود فحسب، بل معركة هوية وعقيدة وحضارة. 

  • ◆  4 — التاريخ الدموي في فلسطين والمنطقة 
  • منذ عام 1948م حتى اليوم، خلّف المشروع الصهيوني سجلاً دموياً موثقاً لا مجال لإنكاره: مجزرة دير ياسين التي راح ضحيتها أكثر من مئة وعشرين فلسطينياً، ومجزرة قبية عام 1953م، ومجازر صبرا وشاتيلا عام 1982م، وعمليات الإبادة المتكررة في غزة التي بلغت ذروتها في الحرب الأخيرة التي وثّق فيها المجتمع الدولي — بمن فيهم قضاة محكمة الجنايات الدولية — جرائم تندرج في تعريف الإبادة الجماعية. ولم يقتصر الأمر على فلسطين، بل امتد إلى ضرب العراق ولبنان وسوريا وغيرها من أرض المسلمين. 

  • ◆  5 — الدعم الأمريكي اللامحدود وأثره 
  • لا يمكن دراسة المشروع الصهيوني بمعزل عن حاضنته الأمريكية. فمنذ عام 1948م، قدّمت الولايات المتحدة لهذا الكيان أكثر من مئة وخمسين مليار دولار في صورة مساعدات مباشرة، فضلاً عن الغطاء الدبلوماسي الذي استخدمت فيه حق النقض مئات المرات لحماية إسرائيل من المحاسبة الدولية. وهذا الدعم المطلق جعل الكيان الصهيوني يتصرف خارج منظومة القانون الدولي التي يدّعي الغرب الالتزام بها.

  • ◆  6 — تنزيل السنة الإلهية على الحالة الصهيونية 
  • والمتأمل في حال الكيان الصهيوني اليوم يرى بعين الفقيه الشرعي أن ثمة مؤشرات على بدء تفعّل السنة الإلهية: الانقسام الداخلي الإسرائيلي الذي بلغ حداً لم يسبق له مثيل، والعزلة الدولية المتصاعدة، والاستنزاف العسكري المتراكم. ويُذكّرنا هذا المشهد بكلمة الإمام مالك: «ينتقم الله من ظالم بظالم»، فقد سلّط الله على هذا الكيان من يُنهكه ويستنزفه، وإن كان الطرف المقابل ليس أهلاً لأن تكون الأمة في صفه. 

  • خامساً: الهيمنة الأمريكية — إمبراطوريةٌ بوجه علماني 

  • ◆  1 — طبيعة المشروع الأمريكي في العالم الإسلامي 
  • تعمل الولايات المتحدة في العالم الإسلامي وفق استراتيجية ثابتة ترتكز على ثلاثة محاور: إبقاء المنطقة في حالة من الضعف والتجزئة تمنع قيام قوة إسلامية جامعة، وضمان تدفق النفط وبقاء الدولار سيد المنظومة الاقتصادية العالمية، وتوفير الأمن الاستراتيجي للكيان الصهيوني. وكل شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان لا تعدو كونها أدوات توظيف عند الحاجة ليست أكثر. 

  • ◆  2 — السجل الدموي في البلاد الإسلامية 
  • بدأ التدخل الأمريكي العسكري الصريح في البلاد الإسلامية مع حرب الخليج 1991م، ثم تحوّل بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م إلى وجود عسكري مباشر في أفغانستان والعراق. وقد خلّفت الحربان أكثر من مليون ضحية وفق تقديرات جامعة جونز هوبكنز للدراسات الصحية، ونزوح ما يزيد على عشرة ملايين شخص. وقد تكررت مجازر الأسرى في غوانتانامو وأبو غريب، وكشفت عن وجه الهيمنة المضمر خلف شعارات التحرير والديمقراطية. 

  • ◆  3 — البُعد الأيديولوجي: استهداف الإسلام 
  • ليس الاستهداف الأمريكي للإسلام وهماً، بل هو موثق في أدبيات المحافظين الجدد الذين صاغوا السياسة الأمريكية إبان إدارة جورج بوش الابن، ومن أبرزها وثيقة مشروع القرن الأمريكي الجديد التي صنّفت الإسلام التزامياً عائقاً أمام المصالح الأمريكية. كما وثّق مئات المحللين والكتّاب الغربيين أنفسهم — من بينهم نعوم تشومسكي وجون ميرشايمر — أن الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة يخدم أولاً وأخيراً أمن إسرائيل ومصالح الشركات العابرة للقارات. 

  • ◆  4 — توظيف الفوضى أداةً للهيمنة 
  • ما كشفته وثائق ويكيليكس ومراسلات هيلاري كلينتون المسرَّبة وتقارير داخلية كثيرة أن الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة تعتمد على إدارة الفوضى لا إنهائها؛ إذ دولة عربية منهكة بالحروب الأهلية لا تستطيع تحدي الهيمنة الأمريكية ولا تشكّل خطراً على الكيان الصهيوني. وقد صاغ هذا النهج صراحةً مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر حين قال ما معناه: أن مصلحة أمريكا في إبقاء الأطراف المتصارعة متعادلة القوة لأطول فترة ممكنة. 

  • ◆  5 — السنة الإلهية وأفق المآل الأمريكي 
  • ويذهل المتأمل حين يرى كيف تجري السنة الإلهية في حق الهيمنة الأمريكية أيضاً. فالتورط في حروب لا نهاية لها أنهك الاقتصاد الأمريكي، والانقسام الداخلي الأمريكي لم يبلغ هذا المستوى من الخطورة منذ حرب الانفصال. والتاريخ يُعلّمنا أن الإمبراطوريات حين تبلغ ذروة ظلمها تبدأ دورة الانحسار ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. 

  •  
  • ■ سادساً: الموقف الشرعي الصحيح — الأمة بين الفهم والعمل 

  • ◆  1 — لا اصطفاف مع ظالم على حساب الأمة 
  • إن المنهج الشرعي الصحيح الذي تُرشد إليه الآية الكريمة وفتوى الإمام مالك يُلزم المسلمين جميعاً — أفراداً ومؤسسات ودولاً — بعدم الانجرار خلف أي من الأطراف الظالمة المتصارعة. فالأمة التي تتحول إلى وقود في صراع الظالمين تخسر مرتين: مرة بما تدفعه من دماء وثروات، ومرة بما تفقده من استقلالية وكرامة. 

  • ◆  2 — استثمار الاستنزاف المتبادل 
  • الحكمة الاستراتيجية التي تؤصّلها فتوى الإمام مالك أن يترك العقلاء الظالمين يستنزفون بعضهم، ويعملوا في الوقت ذاته على بناء قدراتهم الداخلية. فهذا هو الربح الحقيقي من مرحلة التصادم بين الظالمين: لا أن تكون الأمة طرفاً يُستنزف، بل أن تكون قوة صاعدة تعمل في الهدوء وتخرج من المرحلة أقوى مما دخلت. 

  • ◆  3 — قضية فلسطين خارج دائرة التوظيف 
  • ومن أهم ما يُؤكده هذا المنهج أن قضية فلسطين — وهي قضية الإسلام والمسلمين الأولى — يجب أن تُصان عن كل توظيف طائفي أو سياسي يجعلها رهينةً لمحور إيراني أو غيره. فمن يُريد نصرة فلسطين حقاً لا يبدأ بتمزيق اليمن وتفتيت العراق وإشعال لبنان، ثم يزعم أن ذلك كله في سبيل القدس. 

  • ◆  4 — بناء الذات لا انتظار الآخرين 
  • وتُلحّ الدروس المستخلصة من الآية ومن فتوى مالك على حقيقة واحدة: أن الأمة لن تنجو بانتظار عدل الأعداء، بل بالعمل الصادق على بناء منظومتها الذاتية في كل الميادين: العلمية والتقنية والاقتصادية والعسكرية. ولن يكون ذلك إلا بعودتها إلى دينها الحق مصدراً للوحدة والقيم، ورفضها للتبعية لأي طرف كان.

  • ■ خاتمة: حين تتكلم السنن 

  • ختاماً، تبقى الآية الكريمة ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ شاهدةً على أن التاريخ لا يسير بلا بوصلة، وأن الله لا يترك الظالمين دون حساب، وإن طال الأمد. والمسلم الذي يستوعب هذه الحقيقة لا ييأس حين يرى الظلم يتمدد، ولا يستعجل حين ترى السنة تسير ببطء. 
  • وقد كان الإمام مالك — رحمه الله — يفهم هذه السنة فهماً بالغاً حين صاغ كلمته الجامعة. وما كان موقفه استسلاماً بل كان حكمةً. فالحكيم لا يُقحم أمته في معارك لا تخدم إلا أعداءها، ولا يُضحّي بدماء أبنائها في صراعات ترسم حدودها أيدٍ أجنبية. 
  • ولئن كان المشروع الصفوي والمشروع الصهيوني والهيمنة الأمريكية يمثلون اليوم أبرز تجليات هذه السنة، فإن التاريخ يُعلّمنا أن كل هذه المشاريع إلى زوال ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وعلى الأمة الإسلامية أن تعمل في هذه المرحلة على ثلاثة أصول جامعة: الفهم الصحيح الذي لا يلتبس فيه الظالم بالمظلوم، والصبر الذي لا يعني القعود بل يعني الإحكام، والبناء الذي لا ينتظر إذن الأعداء. 
  • وإن المعركة الحقيقية التي تخوضها الأمة ليست معركة حدود أو نفوذ، بل هي معركة وجود وهوية وحضارة. وسبيل النصر فيها يبدأ بعودة الأمة إلى دينها وتوحيد صفوفها ورفض التبعية وإعداد القوة ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47]. 
  •  
  • ﴿  وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾   سورة يوسف: 21 


  •  
  • المصادر والمراجع 
  • ◆  أولاً: المصادر الشرعية والتراثية 
  • (1) الطبري، محمد بن جرير. جامع البيان في تأويل القرآن. تحقيق: أحمد محمد شاكر. مؤسسة الرسالة، بيروت، 2000م. 
  • (2) ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية. تحقيق: محمد رشاد سالم. جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض، 1986م. 
  • (3) القرطبي، محمد بن أحمد. الجامع لأحكام القرآن. دار الكتب العلمية، بيروت، 1993م. 
  • (4) ابن القيم الجوزية. إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان. دار المعرفة، بيروت، 1975م. 
  • (5) البدري، عبد العزيز. الإسلام بين العلماء والحكام. دار النعمان، بيروت، الطبعة السادسة، 1994م. 
  • ◆  ثانياً: المراجع التاريخية والسياسية 
  • (6) القفاري، ناصر بن عبدالله. أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية. دار الرضا، الرياض، 1993م. 
  • (7) الخطيب، محب الدين. الخطوط العريضة للأسس التي قام عليها دين الشيعة الاثني عشرية. الطبعة السادسة، 1990م. 
  • (8) Avi Shlaim. The Iron Wall: Israel and the Arab World. W. W. Norton & Company, New York, 2000. 
  • (9) Noam Chomsky. Fateful Triangle: The United States, Israel, and the Palestinians. South End Press, 1983. 
  • (10) John J. Mearsheimer & Stephen M. Walt. The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy. Farrar, Straus and Giroux, New York, 2007. 
  • (11) Vali Nasr. The Shia Revival: How Conflicts Within Islam Will Shape the Future. W. W. Norton, 2006. 
  • (12) Stephen Sizer. Christian Zionism: Road Map to Armageddon? InterVarsity Press, 2004. 
  • (13) Grace Halsell. Prophecy and Politics: Militant Evangelists on the Road to Nuclear War. Lawrence Hill Books, 1986. 
  • (14) إبراهيم، فؤاد. الفقيه والدولة — الفكر السياسي الشيعي. دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1998م. 
  • (15) Roberts, Les et al. Mortality before and after the 2003 invasion of Iraq. The Lancet, Vol. 364, 2004. 
  • ◆  ثالثاً: التقارير والوثائق الدولية 
  • (16) تقرير محكمة الجنايات الدولية بشأن الوضع في قطاع غزة. 2024م. 
  • (17) تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش بشأن اليمن والعراق. 2015—2024م. 
  • (18) وثائق ويكيليكس المتعلقة بالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. 2010م.

تعليقات