د. عصام اشويدر، رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الانسان
مقدمة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين.
في زمن باتت فيه الحرب على الإسلام تتخذ أشكالاً ناعمة وأدوات ثقافية متطورة، لم تعد المواجهة تقتصر على ميادين القتال، بل امتدت إلى مراكز الفكر والمؤسسات "الأكاديمية" التي ترفع شعار التجديد والتنوير، بينما تعمل في الخفاء لتفكيك الهوية الإسلامية وإثارة الشكوك حول ثوابت الدين.
ومن أبرز هذه الأدوات في السياق العربي: مركز "تكوين" الذي حاول التمركز في مصر، فكان له بالمرصاد علماء ودعاة فضحوا مساره، ليتجه اليوم نحو المغرب في محاولة جديدة تسير وفق نفس النهج، لكن في سياق مختلف.
أولاً: ما هو مركز "تكوين"؟
يُقدّم مركز "تكوين" نفسه على أنه مؤسسة فكرية إسلامية تعنى بـ"تجديد الفكر الديني" و"إعادة قراءة التراث"، وقد ارتبط اسمه بعدد من الأسماء التي تتبنى مناهج تأويلية جذرية تمس أصول الفقه والعقيدة والحديث النبوي، وعلى رأسها اسم إسلام البحيري وآخرون من المنتسبين إلى ما يُسمى بـ"التيار العقلاني التنويري".
غير أن المتأمل في خطابه يجد أنه لا يقتصر على "تجديد" بريء كما يدعون، بل يتضمن:
- الطعن في السنة النبوية ورجال الحديث وأئمة الجرح والتعديل
- التشكيك في الإجماعات الفقهية الراسخة بحجة "إعادة القراءة"
- تعظيم الأدوات الغربية في التأويل كالهيرمينوطيقا وعلوم ما بعد الحداثة على حساب المنهج الأصولي الإسلامي
- استهداف الشباب المتعلم من خلال لغة أكاديمية تبدو محايدة لكنها تحمل شحنة تشكيكية ممنهجة (سم في عسل)
ثانياً: السقوط في مصر
حين حاول المركز ترسيخ حضوره في مصر، لم تمر مسيرته دون مقاومة. الشرفاء من علماء الأزهر ورجال الدعوة والمفكرون الإسلاميون تصدوا له بالحجة والدليل، وكشفوا:
- ارتباطاته التمويلية وتساؤلات حول مصادر تمويله الخارجي
- خطابه الانتقائي الذي يستهدف دائماً ما يجمع المسلمين دون أن يمس غيرهم
- غياب الكفاءة الشرعية الحقيقية لدى كثير من المتحدثين باسمه رغم ادعاء الأكاديمية
- الربط الممنهج بين قضايا تجديد الفكر وبين ملفات بعينها كالجنسانية والهوية والموروث الديني
وقد كان لشيوخ أمثال الشيخ أحمد الطيب وعدد من أساتذة الأزهر وغيرهم من الدعاة والمفكرين دور في تعرية هذا الخطاب وإسقاط قناعه الأكاديمي، مما جعل المركز يعيد حساباته ويبحث عن بيئة أخرى أكثر قابلية.
ثالثاً: المغرب... الوجهة الجديدة
المغرب اليوم ليس اختياراً عشوائياً لمن يريد تمرير هذا النوع من الخطاب؛ فهو بلد يتميز بـ:
- تاريخ علمي ديني راسخ يجعل اختراقه إنجازاً رمزياً كبيراً
- فضاء أكاديمي منفتح نسبياً يتيح التسلل تحت غطاء البحث والدراسات
- حراك شبابي واسع قابل للتأثر بالخطاب الأكاديمي الجذاب
- ضعف نسبي في التنسيق المؤسسي بين علماء الدعوة في مواجهة هذا النوع من التيارات
- تكميم أفواه العلماء والدعاة وتفزيم دورهم في النهوض المجتمعي
وقد كشفت بعض التسريبات والصور أن المركز بدأ يُرسّخ حضوره في المغرب بصورة شبه سرية، بعيداً عن المواجهة المباشرة التي أفشلته في مصر، معتمداً على:
- حلقات مغلقة في أوساط جامعية منتقاة
- شراكات غير معلنة مع بعض الفضاءات الثقافية والجمعوية
- بناء شبكة تأثير صامت قبل أي ظهور إعلامي
وهذا الأسلوب الانتشاري التدريجي هو بالضبط ما يجعله أكثر خطورة من الخطاب الإلحادي المباشر، لأنه يعمل من الداخل وبلغة إسلامية مُعاد تشكيلها.
رابعاً: الإطار الأشمل – أجندة ممنهجة؟
لا يمكن قراءة ظاهرة "تكوين" بمعزل عن السياق الأشمل لمشاريع "إصلاح الإسلام" التي:
- تموّلها جهات غربية في أحيان كثيرة تحت غطاء منظمات حقوق الإنسان والفكر الحر
- تتقاطع أجنداتها مع ما تروّجه بعض السفارات والمراكز الثقافية الأجنبية
- تستهدف بالدرجة الأولى المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة التي تتمتع بتماسك هوياتي وعقدي نسبي
وقد رصد عدد من الباحثين والمفكرين الإسلاميين هذا النمط في تقارير مفصّلة، ولفتوا إلى أن إضعاف المرجعية الدينية في مجتمع مسلم هو الخطوة الأولى لإعادة هندسته اجتماعياً وسياسياً وفق أجندات خارجية.
خاتمة
إن ما يجري ليس مجرد خلاف فكري بين باحثين، بل هو مشروع ممنهج لإعادة تشكيل الوعي الديني للمسلم المعاصر وإخراجه من حصنه العقدي والشرعي. وقد كان موقف العلماء الراسخين في مصر نموذجاً يحتذى في كيفية التعامل مع هذه الظاهرة بعلم وحكمة.
والمغرب، بما يحمله من إرث علمي عريق ومنظومة دينية راسخة، قادر على المواجهة، بل إن رباط العلماء في مواجهة هذا التيار هو من صميم واجب الدفاع عن الدين الذي لا يقل شأناً عن أي رباط آخر.
اكتب مراجعة عامة