img
img

هَلْ طَلَبَتْ أُمُّ زَرْعٍ الطَّلاقَ مِنْ زَوْجِهَا؟

img
منَصَّة المَرْأَة المُسْلِمَة

هَلْ طَلَبَتْ أُمُّ زَرْعٍ الطَّلاقَ مِنْ زَوْجِهَا؟

    • د. عادل حسن يوسف الحمد (حفظه الله تعالى) -عضو رابطة علماء المسلمين ودكتوراه في الشريعة الإسلامية





  • إِنَّ اخْتِصَارَ أُمِّ زَرْعٍ لِقِصَّةِ طَلَاقِهَا جَعَلَ البَعْضَ يَبْحَثُ عَنِ السَّبَبِ الحَقِيقِيِّ لِلطَّلَاقِ.

  • لِمَاذَا لَمْ يَقْتَنِعْ مَنْ تَأَمَّلَ الحَدِيثَ أَنَّ سَبَبَ الطَّلَاقِ هُوَ فَقَطْ مَا قَالَتْهُ أُمُّ زَرْعٍ بِاخْتِصَارٍ؛ أَنَّهُ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا وَطَلَّقَهَا؟!

  • لِعِدَّةِ أَسْبَابٍ: 
  • مِنْهَا: أَنَّ العَرَبَ عُرِفَ عَنْهُمْ تَعَدُّدُ الزَّوْجَاتِ، فَلَا غَرَابَةَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَبُو زَرْعٍ أَكْثَرَ مِنْ زَوْجَةٍ.
  • وَمِنْهَا: أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَنْقُصُهُ المَالُ، وَلَا إِمْكَانَاتُ الزَّوَاجِ، فَمَا الَّذِي يَجْعَلُهُ يَلْجَأُ إِلَى الطَّلَاقِ مُبَاشَرَةً؟!

  • وَمِنْهَا: أَنَّنَا عَرَفْنَا أَنَّ مِنْ طَبِيعَةِ المَرْأَةِ أَنْ تُخْفِيَ بَعْضَ الحَقَائِقِ عِنْدَمَا تُرِيدُ أَنْ تُدَافِعَ عَنْ نَفْسِهَا، بِتَغْيِيرِ بَعْضِ الحَقَائِقِ أَوْ كِتْمَانِهَا عَلَى الأَقَلِّ، وَقَدْ مَرَّ عَلَيْنَا فِي حَلْقَةٍ سَابِقَةٍ نَمَاذِجُ مِنْ ذَلِكَ.

  • فَمَا السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ لِطَلَاقِهَا؟
  • أَوَّلًا: أُمُّ زَرْعٍ لَا تَخْتَلِفُ عَنْ نِسَاءِ العَالَمِينَ فِي كَرَاهِيَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا، هَذِهِ الكَرَاهِيَةُ فِطْرِيَّةٌ فِي المَرْأَةِ؛ فَالمَرْأَةُ تُحِبُّ التَّفَرُّدَ بِالزَّوْجِ، وَنَارُ الغَيْرَةِ تَغْلِي فِي قَلْبِهَا لَمَّا تَعْلَمُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا. 

  • هَذِهِ الكَرَاهِيَةُ الطَّبِيعِيَّةُ الفِطْرِيَّةُ تَخْتَلِفُ عَنْ كَرَاهِيَةِ حُكْمِ اللَّهِ فِي جَوَازِ التَّعَدُّدِ، فَهِيَ لَا تَأْثَمُ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ مَنْ تَكْرَهُ حُكْمَ اللَّهِ فَهَذِهِ قَدْ يَؤُولُ بِهَا الأَمْرُ إِلَى أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهَا وَتَدْخُلَ النَّارَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 9]. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَيْ: لَا يُرِيدُونَهُ وَلَا يُحِبُّونَهُ ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾)). (تفسير ابن كثير 6/ 652)
  • فَلَا غَرَابَةَ أَنْ تَكْرَهَ أُمُّ زَرْعٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا.
  • ثَانِيًا: المُتَوَقَّعُ مِنَ المَرْأَةِ إِذَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا أَنْ يَكُونَ لَهَا رَدَّةُ فِعْلٍ عَلَى زَوَاجِهِ، وَرَدَّةُ الفِعْلِ هَذِهِ تَخْتَلِفُ مِنِ امْرَأَةٍ إِلَى أُخْرَى بِحَسَبِ إِيمَانِ المَرْأَةِ، وَتَعَلُّقِهَا، وَشِدَّةِ مَحَبَّتِهَا لِزَوْجِهَا.

  • وَرَدَّةُ الفِعْلِ هَذِهِ لَهَا عِدَّةُ صُوَرٍ: 
  • مِنْهَا: الرَّفْضُ التَّامُّ لِلْمَوْضُوعِ، وَهَذَا قَدْ يَجُرُّهَا إِلَى إِمَّا المُطَالَبَةِ بِطَلَاقِ هَذِهِ الزَّوْجَةِ، أَوْ بِطَلَاقِهَا هِيَ.

  • وَمِنْهَا: الحُزْنُ الشَّدِيدُ وَعَدَمُ تَقَبُّلِ الزَّوْجِ، وَوَصْفُهُ بِالخِيَانَةِ.
  • وَمِنْهَا: الحُزْنُ وَالأَلَمُ، مَعَ الرِّضَى بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، ثُمَّ السَّعْيُ فِي تَهْدِئَةِ النَّفْسِ بِمَا يُرْضِي اللَّهَ.
  • وَغَيْرُهُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ.

  • فَالصُّورَةُ الأُولَى: مُخَالِفَةٌ لِلشَّرْعِ، مَنْهِيٌّ عَنْهَا. 
  • عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تَسْأَلُ ‌طَلاقَ ‌أُخْتِهَا، لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا، فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا)). (رواه البخاري)
  • قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((فِيهِ النَّهْيُ لِلمَرْأَةِ وَالتَّغْلِيظُ عَلَيْهَا أَلَّا تَسْأَلَ طَلَاقَ أُخْتِهَا، وَلْتَرْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهَا)). (شرح صحيح البخاري 7/ 273)
  • وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((قَوْلُهُ: (لَا يَحِلُّ) ظَاهِرٌ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ)). (فتح الباري 9/ 220)

  • فَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَشْتَرِطَ عَلَى زَوْجِهَا أَنْ يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ الثَّانِيَةَ إِذَا أَرَادَ أَنْ تَرْجِعَ لَهُ، أَوْ تَبْقَى مَعَهُ.
  • كَذَلِكَ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ طَلَبِ الطَّلَاقِ بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ.
  • عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ((‌أَيُّمَا ‌امْرَأَةٍ ‌سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ)). (رواه أبو داود)
  • قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَفِيهِ أَنَّ الأَخْبَارَ الوَارِدَةَ فِي تَرْهِيبِ المَرْأَةِ مِنْ طَلَبِ طَلَاقِ زَوْجِهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بِسَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ لِحَدِيثِ ثَوْبَانَ)). (فتح الباري 9/ 402)
  • وَزَوَاجُ الرَّجُلِ عَلَى امْرَأَتِهِ لَا يُبِيحُ لَهَا أَنْ تَطْلُبَ الطَّلَاقَ، وَلَا يُعَدُّ مِنَ الأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ المُبِيحَةِ لِلطَّلَاقِ.

  • قَالَ ابْنُ عُثَيْمِين رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَلَوْ ثَارَتِ الأُولَى عَلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا؛ لِأَنَّ الأَصْلَ أَنَّ الزَّوْجَةَ الأُولَى لَا تَمْلِكُ مَنْعَهُ التَّزَوُّجَ، فَلَا تُجْبِرُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا حَقَّ لَهَا – أَيْضًا – أَنْ تَطْلُبَ الطَّلَاقَ إِنْ لَمْ يُطَلِّقِ الزَّوْجَةَ الجَدِيدَةَ)). 
  • (الشرح الممتع 13/ 128)
  • وَقَالَ عَبْدُ العَزِيزِ الرَّاجِحِيُّ: ((وَلَيْسَ مِنْ حَقِّ المَرْأَةِ أَنْ تَطْلُبَ الطَّلَاقَ مِنْ زَوْجِهَا إِذَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا)). (توفيق الرب المنعم 7/ 117)

  • وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ عَدَمُ تَقَبُّلِ الزَّوْجِ وَوَصْفُهُ بِالخِيَانَةِ، فَهَذَا وَصْفٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَالرَّجُلُ لَمْ يَرْتَكِبْ حَرَامًا حَتَّى يُقَالَ خَانَ الأَمَانَةَ، وَإِنَّمَا أَقْدَمَ عَلَى أَمْرٍ أَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُ. 
  • وَلَكِنَّ هَذِهِ العِبَارَاتِ أَخَذْنَاهَا مِنَ الغَرْبِ العِلْمَانِيِّ، وَرَوَّجْنَاهَا فِي الأَفْلَامِ وَالمُسَلْسَلَاتِ حَتَّى تَشَرَّبَتْهَا بَعْضُ القُلُوبِ المَرِيضَةِ.

  • فَمَا رَدَّةُ الفِعْلِ الَّتِي نَتَوَقَّعُهَا مِنْ أُمِّ زَرْعٍ، وَأَدَّتْ إِلَى طَلَاقِهَا؟
  • أَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ لِرَدَّةِ الفِعْلِ فَلَا نَتَوَقَّعُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا طَلَاقٌ.
  • تَبْقَى الصُّورَةُ الأُولَى لِرَدَّةِ الفِعْلِ، فَهَلْ طَلَبَتْ أُمُّ زَرْعٍ مِنْ أَبِي زَرْعٍ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَطَلَّقَهَا بَعْدَ إِلْحَاحِهَا عَلَيْهِ؟
  • جَاءَ فِي مُعْجَمِ شُيُوخِ ابْنِ العَرَابِيِّ، وَمُعْجَمِ شُيُوخِ ابْنِ عَسَاكِرَ، رِوَايَةٌ لِلْحَدِيثِ مُخْتَصَرَةٌ فِيهَا سَبَبُ طَلَاقِهَا: 
  • عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ((أمَا تَرْضَينَ أنْ أكُونَ لَك كَأبي زَرْعِ لأمِّ زَرْعٍ؟)). قَالَتْ: وَكَانَ رَجُلًا يُكْنَى أبَا زَرْعٍ وامْرأتُهُ أمُّ زَرْعٍ فَكَانَ يُحْسِنْ إليْهَا فَتَقُولُ: أَحْسَنَ إِلَيَّ أَبُو زَرْعٍ، وَكَسَانِي أَبُو زَرْعٍ، وَأَطْعَمَنِي أَبُو زَرْعٍ، وَأَكْرَمَنِي أَبُو زَرْعٍ، وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الكَلَامِ، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ أُمُّ زَرْعٍ حَتَّى طَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَتْ أُمُّ زَرْعٍ رَجُلًا فَأَكْرَمَهَا أَيْضًا، فَكَانَتْ تَقُولُ: أَكْرَمَنِي وَأَعْطَانِي، وَنَحْوَ مِنْ هَذَا الكَلَامِ، وَتَقُولُ فِي آخِرِ ذَلِكَ: وَلَوْ جُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ مَا مَلَأَ أَصْغَرَ وِعَاءٍ لِأَبِي زَرْعٍ.

  • فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ وَإِنْ كَانَ فِيهَا ضَعْفٌ فِي إِسْنَادِهَا، إِلَّا أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَأْنَسَ بِهَا فِي مَعْرِفَةِ سَبَبِ طَلَاقِ أَبِي زَرْعٍ لَهَا، وَهُوَ إِلْحَاحُهَا عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ.
  • وَهَذَا الَّذِي تَمِيلُ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

تعليقات

الكلمات الدلالية