الأستاذ الدكتور عصام اشويدر رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان
1447هـ — 2026
سلسلة : جسور بين التوجيه الشرعي والإرشاد النفسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
مقدمة: حين يُصبحُ اليأسُ خطاباً
يجتاحُ الفضاءَ العامَّ اليومَ خطابٌ من نوعٍ جديد؛ لا يحملُ السلاحَ ظاهراً، ولا يُشهرُ العداوةَ صريحةً، بل يتسلَّلُ في هيئةِ "تحليلٍ موضوعيّ" و"قراءةٍ واقعيَّة"، ليُلقيَ في القلوبِ سُمَّهُ القاتل: اليأسُ من رحمةِ الله، والقنوطُ من تحوُّلِ الأحوال. يصفُ هذا الخطابُ واقعَ الأمةِ بلغةِ النهاياتِ والمَوَات، ويُوحي —أحياناً بغيرِ قصد، وأحياناً بتدبير— بأنَّ لا سبيلَ إلى النهوض، وأنَّ المصيرَ قد حُسِم، فلا يبقى للمسلمِ إلا أن يستسلمَ لألمِه أو يتجمَّدَ في عجزِه.
وهذا الخطابُ —في ميزانِ الشرعِ والعقلِ والتاريخ— ليس تحليلاً بل انحرافٌ إدراكيٌّ مُضاعَف: يُخالفُ الوحيَ في أصلِه، ويكذِّبُه التاريخُ في تفاصيلِه، ويُعطِّلُ النفسَ البشريةَ في طاقتِها الكُبرى. ومقصدُ هذا المقالِ ليس ضرباً من التفاؤلِ السطحيّ ولا تهويناً من ثِقَلِ الجراح؛ بل هو محاكمةٌ شرعيةٌ ونفسيةٌ وتاريخيةٌ لخطابِ اليأسِ في لحظتِه الراهنة، وتأسيسٌ لرجاءٍ واقعيٍّ راسخٍ في النصِّ والسنَّةِ التاريخية.
وقد تكاثرَت أسبابُ هذا الخطابِ في زماننا: ضعفٌ سياسيٌّ ظاهر، وتشرذمٌ داخليٌّ مؤلم، وتسارعٌ في الأحداثِ يُعجزُ متابعتَها، وإعلامٌ يُعلِّي من صوتِ المأساة ويُخفِّتُ صوتَ الأمل. غير أنَّ كلَّ ذلك لا يُسوِّغُ شرعاً ولا عقلاً أن يغيبَ الرجاءُ وأن يُطفأَ نورُه في القلوب.
◆ ◆ ◆
أولاً: التحليلُ الشرعي — اليأسُ جُرحٌ في العقيدة
١ - دلالةُ الآيتَين في سياقِهما القرآنيّ
تنزَّلَت آيتا اليأسِ الكريمتانِ في سياقَين بالغَي الأهميَّة: سياقُ البشارةِ العجيبةِ لإبراهيمَ الخليل بالولدِ على الكِبَر، وسياقُ النداءِ اليعقوبيِّ لبنيهِ في وسطِ أشدِّ المحنِ العائليةِ وطأةً. فكأنَّ القرآنَ الكريمَ انتقى لهذا التوجيهِ أشدَّ المواقفِ التي يُعذَرُ فيها اليائسُ بشرياً، ليقولَ: حتى هنا لا يكونُ اليأسُ مقبولاً.
قال اللهُ تعالى على لسانِ إبراهيمَ الخليل ﵇: ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: 56]، وقال على لسانِ يعقوبَ النبيِّ ﵇: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87].
٢ - التحليلُ اللغويُّ الدقيق
للناظرِ في مفرداتِ الآيتَين الكريمتَين أنَّ القرآنَ الكريمَ استخدمَ لليأسِ مصطلحَين متقاربَين: "القنوط" في آيةِ إبراهيم، و"اليأس" في آيةِ يوسف.
● القنوط: أشدُّ مراتبِ اليأسِ وأعمقُها في القلب؛ قال ابنُ فارسٍ في مقاييسِ اللغة: القافُ والنونُ والطاءُ أصلٌ واحدٌ يدلُّ على انقباضٍ ويُبسٍ. وفي القرآن: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوط﴾، فجاءَ القنوطُ مُرادِفاً لأعمقِ درجاتِ اليأسِ واستقرارِه.
● الضالُّون: الضلالُ في اللغةِ هو الانحرافُ عن الصراطِ المستقيم، وفي السياقِ القرآنيِّ يعني الجهلَ بصفاتِ الله؛ فمن قَنَطَ فقد جهلَ ربَّه قبل أن يُخطئَ في قراءةِ واقعِه.
● الروح في آيةِ يوسف: اختارَ القرآنُ لفظَ "الروح" لا "الرحمة" وحدَها، وهو اختيارٌ بالغُ الدلالة؛ فالروحُ تُوحي بالحياةِ والنَّفَسِ والانبعاثِ، كأنَّ الآيةَ تقول: لا تيأسوا من أن يتنفَّسَ الواقعُ من جديد.
● الكافرون في آيةِ يوسف: جاءَ الربطُ باليأسِ والكفرِ صريحاً وصادِماً، ليُشيرَ إلى أنَّ اليأسَ من رحمةِ الله ليس مجرَّدَ ضعفٍ أخلاقيٍّ بل قد يُفضي إلى إشكالٍ عقديٍّ عميق.
٣ - مواقفُ كبارِ المفسِّرين
أ - الإمامُ الطبريُّ (ت 310هـ)
قال الطبريُّ في جامعِ البيانِ عن تأويلِ آيِ القرآن عند آيةِ الحجر: "يقولُ تعالى ذِكرُه: ومَن يقنطُ من رحمةِ ربِّه؟ أي: من يياسُ من رحمةِ ربِّه ورزقِه ورحمتِه أهلَه وأولياءه؟ إلا القومُ الذين ضلُّوا عن طريقِ الحقِّ وأخطأُوا سبيلَ الهُدى." ويُتابعُ في آيةِ يوسف: "لا يقنطُ من رحمةِ اللهِ إلا القومُ الكافرون؛ لأنَّ المؤمنَ يعلمُ أنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قدير، وأنَّ ما يشاءُ يكون، وما لا يشاءُ لا يكون."
ب - ابنُ كثيرٍ (ت 774هـ)
قال ابنُ كثيرٍ في تفسيرِ القرآنِ العظيم عند قولِه تعالى ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّه﴾: "أي: لا تقنطُوا من فرجِ اللهِ ونصرِه وتأييدِه لأوليائِه؛ فإنَّ اللهَ قادرٌ على أن يُفرِّجَ عنكم ما أنتم فيه من الشدَّة...
وإنما يقنطُ من ذلك الكافرون بالله." ويُلاحظُ أنَّ ابنَ كثيرٍ ربطَ هذه الآيةَ بسياقٍ من الشدَّةِ الجماعيةِ كانت تعيشُها عائلةُ يعقوبَ: فِراقُ يوسفَ، وحبسُ شمعون، وشدَّةُ المجاعة.
ج - شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّة (ت 728هـ)
قرَّرَ ابنُ تيميَّة في مجموعِ الفتاوى أنَّ حسنَ الظنِّ باللهِ واجبٌ من واجباتِ القلب، وأنَّ سوءَ الظنِّ به معصيةٌ قلبيةٌ خطيرة. وقال في موضعٍ آخر: "العبدُ مأمورٌ في كلِّ حالٍ أن يكونَ حسنَ الظنِّ بالله، ويرجوَ رحمتَه، ولا يقنطَ من روحِه." كما ربطَ في درءِ تعارضِ العقلِ والنقل بين اليأسِ وسوءِ التوحيدِ، إذ قال إنَّ من جهلَ أسماءَ اللهِ كالرحيمِ والودودِ والقديرِ والمُجيبِ أوشكَ أن يقعَ في اليأسِ والقنوط.
د - ابنُ القيِّم الجوزيَّة (ت 751هـ)
أبدعَ ابنُ القيِّمِ في مدارجِ السالكين حين أوضحَ أنَّ القلبَ في مسيرِه إلى اللهِ كالطائر: رأسُه المحبَّة، وجناحاه الخوفُ والرجاء، فإذا انكسرَ أحدُ الجناحَين سقطَ الطائر. وبيَّنَ أنَّ اليأسَ يُميتُ الإرادةَ قبل أن يُميتَ الجسد، وأنَّه يُحوِّلُ الطاقةَ الحيَّةَ في الإنسانِ إلى عجزٍ وخمول. وفي زادِ المعاد قرَّرَ أنَّ الرجاءَ ليس وهماً ولا هروباً من الواقع، بل هو معرفةٌ صحيحةٌ بسعةِ رحمةِ اللهِ وكمالِ قدرتِه.
هـ - الشيخُ السعديُّ (ت 1376هـ)
قال السعديُّ في تيسيرِ الكريمِ الرحمن: "ومن يقنطُ من رحمةِ ربِّه إلا الضالُّون؟ أي: الذين جهلُوا ربَّهم، فلو عرفُوه بصفاتِه وأسمائِه لعلِمُوا أنَّ رحمتَه وسعَت كلَّ شيء، وأنَّه لا يتعاظمُه شيء..." وهذا نصٌّ بالغٌ في ربطِ القنوطِ بالجهلِ بالله، لا بحدَّةِ الظروف.
٤ - مفهومُ الرجاءِ وحسنِ الظنِّ باللهِ في العقيدةِ الإسلامية
الرجاءُ في الاصطلاحِ الشرعيِّ ليس تمنِّياً كسولاً بل هو: تعلُّقُ القلبِ بما عندَ اللهِ من الخيرِ والفضلِ مع العملِ في أسبابِ الوصولِ إليه. وقد فرَّقَ العلماءُ بين "الرجاء" و"الغرور"؛ فالغرورُ تمنٍّ بلا عمل، والرجاءُ يقينٌ بسعةِ اللهِ مع الأخذِ بالأسباب.
ومما يرسِّخُ مفهومَ الرجاءِ في العقيدةِ أنَّ القرآنَ الكريمَ وصفَ اللهَ بالرحمنِ الرحيم في مئةٍ وأربعةَ عشرَ موضعاً (في فواتحِ السور وحدِها)، فالرجاءُ إذن ليس استثناءً بل هو القاعدةُ التي يقومُ عليها الإيمانُ في علاقتِه بالله.
واليأسُ من رحمةِ اللهِ ليس تواضُعاً ولا واقعيَّةً، بل هو عينُ الضلالِ والانكسارِ الإيمانيّ...
◆ ◆ ◆
ثانياً: التحليلُ النفسي — اليأسُ يقتُلُ قبل الكارثة
١ - العجزُ المكتسَبُ (Learned Helplessness)
في ستِّيناتِ القرنِ العشرين، أجرى الباحثُ الأمريكيُّ مارتن سيليغمان (Martin Seligman) سلسلةً من التجاربِ المؤلمةِ أثمرَت عن أحدِ أهمِّ المفاهيمِ في علمِ النفس: "العجزُ المكتسَب". وجوهرُ هذا المفهومِ أنَّ الكائنَ الحيَّ —إذا تعرَّضَ لضغوطٍ متكرِّرةٍ لا يستطيعُ التحكُّمَ فيها— يتعلَّمُ أن يستسلم، حتى حينَ تُصبحُ المقاومةُ ممكنةً فعلياً. ففي تجاربِ سيليغمان، توقَّفَ الكائنُ عن المقاومةِ لا لأنَّها مستحيلةٌ بل لأنَّه اعتقدَ استحالتَها.
وهذا بالضبطِ ما يصنعُه خطابُ اليأسِ الجماعيّ في الأمم: يُعلِّمُها أن لا جدوى، وأنَّ المحاولةَ عبثٌ، وأنَّ المآلاتِ محسومة. وحين يترسَّخُ هذا الاعتقادُ الجمعيُّ يُصبحُ ذاتَه واقعاً، لأنَّ الأممَ التي تؤمنُ بعجزِها تتوقَّفُ عن الفعلِ الذي كانَ وحدَه قادراً على تغيير واقعِها.
في المقابل، تُؤكِّدُ نظريةُ المرونةِ النفسيةِ —التي طوَّرَها باحثون أمثال آن ماستن (Ann Masten) وإيميلي وورنر (Emmy Werner)— أنَّ ما يُفرِّقُ المجتمعاتِ الصامدةَ في الأزماتِ عن المنهارةِ ليس غيابُ الألمِ بل حضورُ المعنى. فالأفرادُ والمجتمعاتُ القادرةُ على استيعابِ المعاناةِ في إطارٍ ذي معنىً تبقى قادرةً على الفعلِ والمبادرة.
وكانَ أبرزَ من جسَّدَ هذا المفهومَ علمياً الطبيبُ النمساويُّ فيكتور فرانكل (Viktor Frankl) في كتابِه الإنسانُ يبحثُ عن معنى، إذ رصدَ من داخلِ معسكراتِ الإبادةِ النازيةِ أنَّ من نجَا نفسياً لم يكن دائماً الأقوى جسداً، بل كان من يحملُ في داخلِه سبباً للبقاء ومعنىً يتجاوزُ الألمَ الراهن.
والإسلامُ بمنظومتِه الشاملةِ في الابتلاءِ والصبرِ والتوكُّلِ والرجاءِ يُقدِّمُ أعمقَ وأرسخَ إطارٍ لصناعةِ المعنى في قلبِ الكارثة؛ فالمؤمنُ يعلمُ أنَّ ما يجري ليس فوضى بل تدبيرٌ إلهيٌّ حكيم، وأنَّ ألمَه ليس ضياعاً بل امتحانٌ يُعلِّي من درجتِه ويُكفِّرُ سيِّئاتِه.
٣ - الاكتئابُ الجماعيُّ وخطرُ سرديَّةِ الهزيمة
حين يسودُ خطابُ اليأسِ في المجالِ العامِّ فإنَّه لا يصفُ الواقعَ فحسب، بل يُنتِجُه إنتاجاً فعلياً عبرَ آلياتٍ نفسيةٍ معروفة:
● تحطيمُ الدافعيةِ للعمل: حين يؤمنُ الإنسانُ بأنَّ فعلَه لا قيمةَ له أصلاً، يتوقَّفُ عن الفعل، فتصيرُ النبوءةُ ذاتيَّةَ التحقُّق.
● تدميرُ الثقةِ الاجتماعية: اليأسُ يجعلُ الفردَ يتقوقعُ على ألمِه، ويرى في الآخرِ عِبئاً لا سنداً، فتتفكَّكُ الرابطةُ الاجتماعيةُ التي هي أساسُ الصمود.
● الانتشارُ العدوائيُّ للتشاؤم: أثبتَ علمُ النفسِ الاجتماعيِّ أنَّ المشاعرَ السلبيةَ تنتشرُ في الشبكاتِ الاجتماعيةِ بسرعةٍ أكبرَ من المشاعرِ الإيجابية، مما يُفاقمُ خطرَ خطابِ اليأسِ الجماعيّ.
(وهذا ما يُسمِّيه علماءُ الاجتماعِ بـ"الاكتئابِ البنيويّ"، وهو أخطرُ من الاكتئابِ الفرديِّ لأنه يُصيبُ المناعةَ الجماعيةَ بأسرِها.)
◆ ◆ ◆
ثالثاً: ملخص الشواهدُ التاريخية — سنَنُ اللهِ لا تكذِب
إنَّ التاريخَ الإسلاميَّ ليس مجرَّدَ أرشيفٍ للذكرى، بل هو كتابٌ مفتوحٌ في سننِ اللهِ في الأممِ والحضارات. وكلُّ صفحةٍ من صفحاتِه تُكرِّرُ درساً واحداً: الشدَّةُ ليست نهايةً بل هي في الغالبِ بوابةُ تحوُّلٍ لم يكن أحدٌ يتوقَّعُه.
١ - من السيرةِ النبوية: مرحلةُ الاستضعافِ والطائفِ والهجرة
مرَّ النبيُّ ﷺ وصحبُه الكرامُ في مكَّةَ بمرحلةِ استضعافٍ بالغةِ القسوة: تعذيبٌ وحصارٌ وتجويعٌ واستهزاء. ثمَّ كانَت رحلةُ الطائفِ التي يصفُها المؤرِّخون بأنَّها من أصعبِ اللحظاتِ في السيرةِ النبويةِ المطهَّرة؛ ردَّهُ أهلُ الطائفِ وأهانُوه وأغرَوا به سفهاءَهم، فعادَ ﷺ وهو مجروحٌ جسداً وقلباً. ووقفَ في تلك اللحظةِ الحرجةِ يقولُ دعاءَه الشهير: "اللهمَّ إليك أشكو ضعفَ قوَّتي وقِلَّةَ حيلتي وهوانِي على الناس..." ثمَّ جاءَه ملَكُ الجبالِ يعرضُ عليه إطباقَ الجبلَين على أهلِ الطائف، فقال ﷺ: "لعلَّ اللهَ يُخرِجُ من أصلابِهم من يعبدُ اللهَ وحدَه." هذا هو الرجاءُ في أعلى تجلِّياتِه.
وجاءَت الهجرةُ —التي بدَت للأعداءِ فراراً— لتكونَ فاتحةَ دولةٍ غيَّرَت مجرى التاريخ. ما الذي يقولُه هذا الدرسُ لنا؟ إنَّه يقولُ: ما يبدو نهايةً قد يكونُ بدايةً.
٢ - معركةُ عينِ جالوتَ (658هـ / 1260م): من الكارثةِ إلى الانتصار
حينَ اجتاحَ التتارُ العالمَ الإسلاميَّ وأسقطُوا بغدادَ عاصمةَ الخلافةِ العباسيةِ في المحرَّمِ سنةَ 656هـ، وقتلُوا الخليفةَ المستعصمَ بالله، وأحرقُوا مكتباتِها حتى قيلَ إنَّ الفراتَ اسودَّ من الحِبر وأحمرَّ من الدماء. فزعَ العالمُ الإسلاميُّ وانتشرَ الرعبُ في الأمصار، وكتبَ بعضُ المعاصرين كلاماً يُوحي بأنَّها نهايةُ الحضارةِ الإسلامية.
ثمَّ جاءَ يومُ عينِ جالوتَ في رمضانَ سنةَ 658هـ، ليُثبِتَ أنَّ من قالوا ذلك كانوا يصفُون حدودَ بصيرتِهم لا حقيقةَ الواقع. قادَ سيفُ الدينِ قُطُزٌ والجيشُ المملوكيُّ معركةً خاضَها بتوكُّلٍ قلَّ نظيرُه، إذ روى الإمامُ أبو شامةَ وغيرُه أنَّه نادى قبلَ المعركة: "وا إسلاماه!" ثمَّ هزمَ الجيشَ التتاريَّ أوَّلَ هزيمةٍ نظاميةٍ كُبرى في تاريخِه. وكانَ ذلك بداية انحسارِ المدِّ التتاريِّ عن قلبِ العالمِ الإسلاميّ.
الدرسُ السُّنَنيّ: بينَ سقوطِ بغدادَ وانتصارِ عينِ جالوتَ سنتانِ فحسب. وهذا يعني أنَّ من استسلمَ بعدَ 656هـ ظنَّاً منه أنَّها النهايةُ كانَ يُغلِقُ عينَيه عن غيبٍ لم يكن بعيداً.
٣ - سرقةُ الحجرِ الأسودِ وعودتُه (317 - 339هـ)
أقدمَ القرامطةُ —الفِرقةُ الباطنيةُ الخارجةُ على الإجماع— في ذي الحجَّةِ سنةَ 317هـ على جريمةٍ هالَت المسلمين: قاموا بقتل الحجاج و اقتلعُوا الحجرَ الأسودَ من مكانِه في الكعبةِ المشرَّفةِ وحملُوه إلى هجر. وتوقَّفَ الحجُّ سنواتٍ طويلة، وعجزَت الدولةُ العباسيةُ الضعيفةُ عن استعادتِه، وأشاعَ القرامطةُ في البداياتِ أنَّه لن يعود.
وعادَ الحجرُ الأسودُ كاملاً سنةَ 339هـ، بعدَ اثنَين وعشرين عاماً من السرقة، دون كسرٍ أو نقصان. هذه الحادثةُ تُعلِّمُنا أنَّ الاعتداءَ على أقدسِ المقدَّساتِ لم يستطِع أن يُعطِّلَ الدينَ ولا يُزيلَه، وأنَّ كلَّ استفزازٍ مهما عظُمَ له نهاية.
٤ - الحروبُ الصليبيةُ واستعادةُ القدس
في سنةِ 492هـ (1099م) سقطَت القدسُ في يدِ الصليبيِّين، وجرى فيها من المجازرِ ما وصفَه المؤرِّخون بأنَّه من أشنعِ ما عرفَه التاريخ. ثمَّ مضَت تسعةٌ وثمانون سنةً والقدسُ تحتَ الاحتلال. جيلٌ كاملٌ وُلِدَ ونشأَ وماتَ دون أن يرى القدسَ حرَّة. كانَ لليائسِ أن يقولَ: انتهى الأمر.
ثمَّ جاءَ صلاحُ الدينِ الأيُّوبيُّ. لم يأتِ من فراغ؛ بل كانَت وراءَه سنواتٌ من التوحيدِ والتربيةِ والبناءِ الصبور. واستعادَ القدسَ في رجبَ سنةَ 583هـ (1187م) بعدَ معركةِ حطِّين. وكانَ من أبرزِ ما يُروى عنه أنَّه كانَ يُكثِرُ قراءةَ القرآنِ والذِّكر، ولا يُفارقُه الرجاءُ حتى في أحلكِ اللحظات.
ومن المفارقاتِ المضيئةِ في هذا السياقِ أنَّ صلاحَ الدينَ كتبَ —حينَ عرضَت عليه أوروبا الاستسلامَ والصلحَ قبلَ معركةِ حطِّين— يقول: "القدسُ لنا كما هي لكم، بل هي لنا أعظم." فالرجاءُ كانَ جزءاً من عقيدتِه وليس مجرَّدَ عاطفة.
٥ - التوسُّعُ البرتغاليُّ ومقاومتُه في القرنِ السادسَ عشر
في مطلعِ القرنِ السادسَ عشرِ الميلادي، سيطرَ البرتغاليُّون على أهمِّ المداخلِ البحريةِ في المحيطِ الهنديِّ والبحرِ الأحمر، وحاصرُوا طرقَ التجارةِ الإسلاميةِ وهدَّدُوا الحرمَين الشريفَين من البحر. شهدَ هذا العصرُ مصادماتٍ شرسةً، وبدا لبعضِ المراقبين أنَّ العالمَ الإسلاميَّ على شفا انهيارٍ بحريٍّ شامل.
غيرَ أنَّ المقاومةَ تكاتفَت؛ الدولةُ المملوكيةُ في مصر، والدولةُ العثمانيةُ الصاعدة، والسلطناتُ المحليةُ في الهند وجنوبِ شرقِ آسيا قاومَت جميعاً بأشكالٍ متعددة، حتى احتُوِيَت الضربةُ البرتغاليةُ واستمرَّ الحضورُ الإسلاميُّ البحريُّ رغمَ الإصاباتِ الجسيمة.
◆ ◆ ◆
رابعاً: النماذجُ السُّنَنيَّةُ — قراءةٌ في قوانينِ التاريخ
إنَّ استعراضَ هذه الأحداثِ ليس استحضاراً للماضي بهدفِ التذكير الذهني، بل هو قراءةٌ في سننِ اللهِ الثابتةِ في الكونِ والتاريخ. ومن أبرزِ هذه السُّنَن:
● سُنَّةُ الاستخلاف: قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْض﴾ [النور: 55]. هذا وعدٌ إلهيٌّ مشروطٌ بالإيمانِ والعمل، لا بغيابِ الأعداءِ والمحن.
● سُنَّةُ التمكينِ بعدَ الاستضعاف: من الاستضعافِ المكِّيِّ إلى فتحِ مكَّة، ومن الهزيمةِ في أُحُدٍ إلى فتح مكة، ومن سقوطِ بغدادَ إلى عينِ جالوت: الشدَّةُ لا تعني النهاية.
● الموازنةُ بين الخوفِ والرجاءِ في العبادة: علَّمَنا ابنُ القيِّمِ أنَّ القلبَ يحتاجُ إلى الخوفِ لِيَسِيرَ وإلى الرجاءِ لِيَطيرَ؛ فلا إفراطَ في الخوفِ حتى يُؤدِّيَ إلى القنوط، ولا إفراطَ في الرجاءِ حتى يُفضيَ إلى الغرور.
● الإكثارُ من الأدعيةِ المأثورةِ في الكُرَب: كدعاءِ يونسَ ﵇: ﴿لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِين﴾، ودعاءِ الكرب ، هذه الأدعيةُ تُعيدُ توجيهَ القلبِ نحوَ الله.
منها عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما كربني أمر إلا تمثل لي جبريل عليه السلام، فقال: يا محمد، قل: توكلت على الحي الذي لا يموت، والحمد لله الذي لم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا" هذا حديث صحيح الإسناد، "مستدرك الصحيحين"
● قراءةُ التاريخِ بوعيٍ سُنَنيّ: نُوصي بإدراجِ دراسةِ التاريخِ الإسلاميِّ —ولا سيَّما مراحلَ الانتكاسِ والانبعاث— في مناهجِ التعليمِ والخطابِ الديني، لبناءِ وعيٍ جمعيٍّ يتجاوزُ لحظةَ الأزمةِ إلى سُنَنِ التاريخ.
٢ - على المستوى النفسيّ
● إعادةُ بناءِ المعنى: الوقوفُ صادقاً أمامَ السؤال: ما دوري في هذه اللحظة؟ وما الذي أستطيعُ فعلَه؟ فإعادةُ بناءِ المعنى هي العمودُ الفقريُّ للمرونةِ النفسية.
● التمييزُ بين الألمِ المشروعِ والاستسلام: التأسُّفُ على الجراحِ ليس يأساً، والبكاءُ على ما حلَّ بالأمةِ ليس ضعفاً. لكنَّ تحويلَ الألمِ إلى قناعةٍ بالعجزِ الأبديِّ هو اليأسُ بعينِه. احتضنِ الأوَّلَ وقاوِمِ الثاني.
● التواصلُ الاجتماعيُّ وبناءُ الدعم: الصمودُ جماعيٌّ بطبيعتِه؛ وخطابُ اليأسِ يُفرِّقُ ويُعزِّز العزلة. في المقابل، بناءُ المجتمعاتِ الداعمةِ والحِلَقاتِ المتماسكةِ هو أحدُ أقوى الوقاياتِ من الاستسلامِ النفسي.
● تجنُّبُ الإفراطِ في متابعةِ أخبارِ القتل والدمار: أثبتَت الدراساتُ النفسيةُ أنَّ التعرُّضَ المكثَّفَ للأخبارِ المؤلمةِ يُؤدِّي إلى ما يُسمَّى "الصدمةُ الثانوية" (Secondary Trauma). والحكمةُ تقتضي متابعةً واعيةً بمقدارِ ما تُعينُ على الفعلِ الإيجابي.
◆ ◆ ◆
خاتمة: اليأسُ وَهمٌ، والرجاءُ يقين
في ختامِ هذا التحليلِ المتعدِّدِ الأبعاد، نقولُ بصراحةٍ لا تهاوُنَ فيها ولا تبسيطَ يُخلُّ بها: اليأسُ من رحمةِ اللهِ ليس تحليلاً واقعياً بل هو اضطرابٌ في الرؤية، وانحرافٌ إدراكيٌّ يُكذِّبُه الوحيُ والتاريخُ والعقلُ معاً.
إنَّ اليأسَ يدَّعي أنَّه يصفُ الواقعَ بموضوعيةٍ وهو في الحقيقةِ يُعميكَ عن جزءٍ أكبرَ منه: الجزءُ الذي فيه إرادةُ اللهِ التي لا تُغلَب، وصِدقُ وعدِه الذي لا يُخلَف، وقانونُ التاريخِ الذي يثبُتُ مراراً أنَّ الشدَّةَ ليست نهايةً بل مقدِّمةُ تحوُّل.
كانَ إبراهيمُ الخليلُ ﵇ يُبشَّرُ بالولدِ وهو في أرذلِ العمر، فقال مستنكِراً على القانطين: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّون﴾. وكانَ يعقوبُ النبيُّ ﵇ يبكي على يوسفَ حتى ابيضَّت عيناه حُزناً، ثمَّ يقفُ شامِخاً يقولُ لبنيه: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّه﴾. لم يُنكِر الألمَ، بل رفضَ أن يُترجِمَ الألمُ إلى استسلام.
وهذا هو المطلوبُ منَّا اليوم: لا أن ننكرَ الجُرحَ ولا أن نُسكِّرَ أنفسَنا بأوهامٍ وردية، بل أن نحملَ الجُرحَ ونمشي. أن نرى الظلامَ ولا نُعلنَ انطفاءَ الشمس. أن نُعمِّرَ ما نستطيعُ ونُسلِّمَ ما لا نستطيعُ لربٍّ يعلمُ ولا نعلم، ويُدبِّرُ ولا نُدبِّر، ووعدَ ولا يُخلِفُ الوعد.
* ابنُ تيميَّة، أحمد بن عبدِ الحليم (ت 728هـ). مجموعُ الفتاوى. جمع وترتيب: عبدُ الرحمنِ بن محمَّد بن قاسم. مجمَّعُ الملكِ فهدٍ لطباعةِ المصحفِ الشريف، المدينةُ المنوَّرة، 1416هـ.
* ابنُ تيميَّة، أحمد بن عبدِ الحليم (ت 728هـ). درءُ تعارضِ العقلِ والنقل. تحقيق: محمَّد رشاد سالم. جامعةُ الإمامِ محمَّد بن سعود الإسلامية، الرياض، ط2، 1411هـ.
* ابنُ القيِّم الجوزيَّة، محمَّد بن أبي بكر (ت 751هـ). مدارجُ السالكينَ بينَ منازلِ إيَّاكَ نعبدُ وإيَّاكَ نستعين. تحقيق: محمَّد المعتصم بالله البغدادي. دارُ الكتابِ العربيّ، بيروت، ط3، 1416هـ.
* ابنُ القيِّم الجوزيَّة، محمَّد بن أبي بكر (ت 751هـ). زادُ المعادِ في هديِ خيرِ العباد. مؤسَّسةُ الرسالة، بيروت؛ مكتبةُ المنار الإسلامية، الكويت، ط27، 1415هـ.
ثالثاً: المصادرُ التاريخية
* ابنُ كثير، إسماعيل بن عمر (ت 774هـ). البدايةُ والنهاية. تحقيق: علي شيري. دارُ إحياءِ التراثِ العربي، بيروت، 1408هـ.
* ابنُ الأثير، عزُّ الدينِ بن محمَّد (ت 630هـ). الكاملُ في التاريخ. دارُ الكتابِ العربي، بيروت، 1417هـ.
* أبو شامة، عبدُ الرحمنِ بن إسماعيل (ت 665هـ). الروضتانِ في أخبارِ الدولتَين النوريةِ والصلاحية. تحقيق: إبراهيم الزيبق. مؤسَّسةُ الرسالة، بيروت، 1418هـ.
* المقريزيُّ، تقيُّ الدينِ أحمد (ت 845هـ). اتِّعاظُ الحنفاءِ بأخبارِ الأئمَّةِ الفاطميِّين الخلفاء. تحقيق: جمال الدينِ الشيَّال. المجلسُ الأعلى للشؤونِ الإسلامية، القاهرة، 1967م.
* Seligman, M. E. P. (1975). Helplessness: On Depression, Development, and Death. San Francisco: W. H. Freeman.
* Frankl, V. E. (1959). Man's Search for Meaning. Boston: Beacon Press. [ترجمة عربية: الإنسانُ يبحثُ عن معنى. ترجمة: طلعت منصور. الهيئةُ المصريةُ العامَّةُ للكتاب، القاهرة، 1982م.]
* Masten, A. S. (2001). Ordinary Magic: Resilience Processes in Development. American Psychologist, 56(3), 227–238.
* Werner, E. E., & Smith, R. S. (1992). Overcoming the Odds: High Risk Children from Birth to Adulthood. Ithaca, NY: Cornell University Press.
* Bandura, A. (1997). Self-Efficacy: The Exercise of Control. New York: W. H. Freeman.
* Abramson, L. Y., Seligman, M. E. P., & Teasdale, J. D. (1978). Learned Helplessness in Humans: Critique and Reformulation. Journal of Abnormal Psychology, 87(1), 49–74.
كُتِبَ هذا المقالُ استجابةً لخطابٍ يُروِّجُ للقنوطِ في زمنِ الشدَّة
اكتب مراجعة عامة