img
img

المسجد الأقصى وسؤال البناء: من يُحرِّر الأقصى؟

img
الشبكة

المسجد الأقصى وسؤال البناء: من يُحرِّر الأقصى؟

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾


أ. سميحة بنعمر


الأمين العام لشبكة الرواد المجتمعية


ومستشارة منصة المرأة المسلمة

وخريجة أكاديمية "تفسير" بالرياض



مدخل: سؤال قبل الشعار

قبل أن نرفع الشعار، علينا أن نسأل سؤالاً جوهرياً:

من يُحرِّر المسجد الأقصى؟

هل يُحرِّره حشدٌ عاطفي تجمّعه الشعارات؟ أم يُحرِّره رجالٌ صُنعوا على عين الله، تشرّبت قلوبهم التوحيد الخالص، وتحرّرت نفوسهم من عبودية الأهواء والرجال قبل أن تتحرر أرضهم من الاحتلال؟

هذا السؤال هو مفتاح كل نقاش جاد حول فلسطين. وغيابه هو الذي يجعل قضية الأقصى تدور عقوداً في فلك الشعارات دون أن تتقدم خطوة واحدة نحو التحرير الحقيقي.


أولاً: القضية الأم — ولماذا الأقصى ليس كافياً وحده

اعتدنا أن نقول إن قضية فلسطين هي قضية الأمة الأم، وفي هذا القول حق، لكن فيه أيضاً قصور خطير إذا لم يُضبط ويُؤطَّر.

لأن القضية الأم للأمة الإسلامية أعمق وأشمل من أرض وقبلة ومكان.

حين سأل رستم ربعيَّ بن عامر : ما الذي جاء بكم؟ أجابه بكلمات رسمت مسار حضارة: "الله ابتعثنا لنُخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام."

فالقضية الأم هي إقامة التوحيد وتحرير الإنسان من كل عبودية لغير الله. والمسجد الأقصى ثمرة عظيمة لهذا الأصل لا بديل عنه، وما ضاع إلا حين ضاع الأصل، وما يُستعاد إلا حين يُستعاد.

ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: كيف نحرر الأقصى؟ بل: كيف نبني الإنسان الذي يستحق أن يكون أميناً على الأقصى؟

ومن المفارقات المؤلمة أن اختزال القضية في شعار الأقصى وحده — بمعزل عن أصوله العقدية — هو بعينه ما يُعطي كل ذي مشروع مناقض للإسلام أداةً للتلاعب بعواطف الشباب المسلم، فيرفعون الشعار واجهةً لمشاريع تناقض ما يقوم عليه الأقصى من توحيد وإسلام.


ثانياً: حين يُختطف الشعار — خطر أكبر من الانشغال

ثمة ظاهرة ينبغي أن تُوقظنا: شعار فلسطين والمسجد الأقصى بات يُرفع من كل اتجاه، حتى ممن يطعن في أمهات المؤمنين، وممن يكفّر صحابة رسول الله ﷺ، وممن تقوم مذاهبهم على تعظيم الأضرحة وصرف العبادة لغير الله.

وهنا يصبح السؤال مُلحّاً: هل هذا تضامن أم اختطاف؟

لو انتهى الاحتلال غداً على يد من يحمل هذه المعتقدات، فأيّ أقصى سيُقام فيه؟ وأيّ إسلام سيُرسَّخ تحت قبابه؟

قضية الأقصى ليست قضية من يرفع رايتها أعلى صوتاً، بل قضية من يملك المنهج الصحيح لبنائها وصونها. ولهذا فإن الردّ على الانحرافات العقدية — بما فيها الغلو الذي يتسلل تحت راية فلسطين — ليس تشتيتاً للجهود، بل هو صون القضية من الداخل، تماماً كما أن سور المدينة لا يُهدم بحجة أن العدو على الأبواب.

وكم من شاب أُشرب حب فلسطين في قلبه، ثم وجد نفسه يُدافع عمّن يسبّ أصحاب النبي ﷺ، بحجة أنهم يُناصرون القضية! فالتحصين العقدي للشباب ليس ترفاً فكرياً، بل هو خط الدفاع الأول عن القضية ذاتها.


ثالثاً: الموعظة الضائعة — أين ضاعت بالضبط؟

يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا \* وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا \* وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ [سورة النساء: 66-68]

قال الإمام السعدي ﵀ في تفسير هذه الآيات: "لو أنهم فعلوا ما يوعظون به — أي ما وُظِّف عليهم في كل وقت بحسبه — لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً، فإن الله يثبت الذين آمنوا بسبب ما قاموا به من الإيمان."

فالسؤال: ما الموعظة المقصودة في واقعنا اليوم؟

الموعظة الضائعة ليست موعظة واحدة، بل ثلاث مواعظ متكاملة، يُفضي إهمال إحداها إلى إفساد الأخريات:

الموعظة الأولى: صحة البناء الداخلي

يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [سورة المائدة: 105]

لا تُحرَّر الأرض بأمة داخلها مهترئ وعقيدتها ملوّثة وشبابها مضطرب. والعمل على صحة العقيدة وسلامة المنهج هو أول ما يوعظ به المسلم وأوجبه، وليس تأخيره إلى ما بعد التحرير إلا وهماً يُسوّغ التقصير.

الموعظة الثانية: الاجتماع على الحق لا على الشعار

يقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [سورة آل عمران: 103]

الاجتماع المطلوب هو الاجتماع على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، لا الاجتماع العاطفي الذي يذوب فيه الحق في بحر الشعارات. فوحدة بلا منهج وحدة وهمية ستتفتت عند أول اختبار حقيقي.

الموعظة الثالثة: نصرة المستضعفين بما يملكه كل أحد

يقول الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [سورة النساء: 75]

هذه الموعظة تفرض على كل مسلم أن يُسأل: ماذا فعلتُ بما أعطاني الله؟ العالم بعلمه، والداعية ببيانه، والمربّي بجيله، والتاجر بماله، والأم ببيتها وأبنائها. والغفلة عن أي موعظة من هذه الثلاث هي الضياع الحقيقي.

ويسأل أين الإعداد العدة للمعركة ؟ أين جهادك ؟


رابعاً: الفرق بين مستويات التعامل مع المخالف

ثمة خلط شائع يجب أن نُفكّكه بوضوح، لأن الغموض فيه يُوظَّف دائماً لصالح من يريد تمرير الباطل:

على مستوى الرحمة الإنسانية، يجوز بل يجب أن نتألم لكل مظلوم بصرف النظر عن مذهبه أو انتمائه، فهذا من مقتضيات الإنسانية والعدل الذي أمر به الإسلام.

أما على مستوى التنسيق الجزئي في قضايا محددة، بشكل عام فيجوز وفق ضوابط شرعية معروفة، دون ذوبان عقدي أو سكوت عن الباطل أو تزكية للمنحرف... وبشكل خاص الرافضة هم اعداك كذلك 

وأما على مستوى التحالف العقدي والسياسي الشامل، فهذا لا يجوز أن يُبنى على تسوية الحق بالباطل، ولا على السكوت عن انحراف ما دام صاحبه يشاركنا شعاراً. وقد بيّن أهل العلم أن التعاون على البرّ لا يستلزم التحالف على الباطل، وأن الصمت عن الانحراف بحجة الوحدة هو خيانة للقضية ذاتها قبل أن يكون خيانة للمبدأ.


خامساً: اختلاف الصحابة — الدرس الحقيقي

روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال يوم الأحزاب: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ». فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقالوا: لا نصلي حتى نأتيها، وقال آخرون: بل نصلي، لم يُرَد منا تأخير الصلاة. فذُكر ذلك للنبي ﷺ فلم يُعنِّف واحداً منهم.

كثيراً ما يُستشهد بهذه الحادثة دليلاً على مشروعية الاختلاف، وهذا صحيح. لكن الدرس الأعمق فيها يُغفله الناس: الصحابة الذين اختلفوا في فهم النص لم يتهم بعضهم بعضاً، ولم يجعلوا خلافهم سبباً لتفرق الصف. ذهب الجميع إلى بني قريظة، وأنجزوا المهمة، ثم عرضوا الأمر على المرجعية الشرعية.

فالنموذج المطلوب ليس: "اختلفوا فتسامحوا" فحسب. بل: اختلفوا في الاجتهاد، واتحدوا في الهدف، وأنجزوا الواجب، ورجعوا إلى المرجعية الشرعية. وهذا هو بالضبط ما تفتقده الأمة اليوم: وضوح المرجعية، والتمييز بين الخلاف المعتبر والانحراف الممنوع، والانضباط تحت منهج لا تحت شعار.


سادساً: من أين يبدأ البناء؟

لا أريد أن أختم بنداء عاطفي معلّق في الهواء. أريد أن أختم بمنهج:

أن يُحسن كل عالم وداعية ومربّ صون الأمانة التي بين يديه، وهي تحصين الشباب عقدياً وفكرياً، مع إدراك أن هذا ليس بديلاً عن الاهتمام بفلسطين، بل هو الطريق الوحيد إليها.

وأن نُفرّق بين من يعترض على التفريق المذهبي المبالغ فيه وهذا حق، وبين من يريد تمرير انحرافات عقدية تحت ستار الوحدة وهذا خطر داهم.

وأن نُعيد ترتيب أولوياتنا وفق ميزان شرعي لا وفق ضغط اللحظة العاطفية: البناء قبل الشعار، والتثبيت قبل الانطلاق، والعلم قبل العمل.

وأن ندرك أن قضية فلسطين لن تُربح في ميادين التواصل الاجتماعي، بل تُربح في البيوت حين تُربّى الأجيال، وفي المساجد حين يُصان المنهج، وفي القلوب حين يُخلص التوحيد ، وفي ساحة المعركة، عندما نبذل أرواحنا رخيصة في سبيل الله..

يقول الله تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [سورة محمد: 7]

ونصرة الله تبدأ بصون دينه من الداخل قبل الدفاع عن أرضه من الخارج.


خاتمة

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [سورة النساء: 66]

الموعظة الحقيقية التي أُوعظ بها هذا الجيل ليست: "اتركوا خلافاتكم وتوحّدوا"، فهذا كلام مُبهم قابل لكل توظيف وكل اختطاف.

بل الموعظة هي: أخلصوا التوحيد، وصحّحوا المنهج، وأنجزوا الواجب، واحذروا من يختطف قضيتكم باسم قضيتكم.

فإذا فعلنا ذلك — كما وعد ربنا — كان خيراً لنا وأشد تثبيتاً، وآتانا الله من لدنه أجراً عظيماً، وهدانا صراطاً مستقيماً.

وذلك الصراط المستقيم هو السبيل الأوحد للوصول إلى الأقصى، ونحن على استعداد لتقديم أرواحنا في سبيله.

*نسأل الله أن يُصلح نياتنا، ويُثبّت أقدامنا، وينصر إخواننا المستضعفين في فلسطين وفي كل بقعة، ويُعيد للأمة بصيرتها قبل أن يُعيد لها أرضها.*


المصادر والمراجع

1. القرآن الكريم، سورة النساء، الآيات 66-68 و75.

2. القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 103.

3. القرآن الكريم، سورة المائدة، الآية 105.

4. القرآن الكريم، سورة محمد، الآية 7.

5. صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب لا يصلي العصر إلا في بني قريظة.


6. صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب المبادرة بالغزو.

7. تفسير تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الإمام عبدالرحمن بن ناصر السعدي.

8. تفسير القرآن العظيم، الإمام ابن كثير.

9. تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الإمام الطبري.

10. البداية والنهاية، الإمام ابن كثير، في ذكر فتح العراق وقصة ربعي بن عامر مع رستم.

تعليقات