رأيتُ الناسَ يخرجون إلى الشوارع بالآلاف،
فوقَ قلبي شيءٌ يشبه الأمل،
وفي صدري شيءٌ يشبه الدعاء:
لعلَّ الأقصى فُتح.
لعلَّ قرار الإعدام أُسقط.
لعلَّ الأمة استفاقت.
فكانت الصدمة... كرةُ القدم.
∎ المشهد الذي يكسر القلب
بغدادُ تحتفل.
إسطنبول تهتف.
الميادين تمتلئ بالأعلام والزغاريد والدموع من الفرح.
الرجالُ يبكون.
الرجالُ — الذين لا يبكون على الأقصى — يبكون على هدفٍ في شبكة.
وفي اللحظة ذاتها، في الساعة ذاتها، على بُعد أمتارٍ من قلوبكم:
المسجد الأقصى مُغلَق — مسرى نبيِّكم، وقبلتكم الأولى، وأرضُ الإسراء والمعراج، تُداس كرامتُه وأنتم تُصفِّقون.
قانون إعدام أسراكم يُصادَق عليه — في هدوءٍ مريب، بينما الميادين تصخب بالفرح، وكأنَّ الأمر لا يعنيها.
وإخوانكم في الزنازين يعدُّون أنفاسَهم الأخيرة، ويسألون: هل يذكرنا أحد؟
∎ يا أمةً أنستها اللعبةُ دماءَها
قال الشاعر - بتصرف وإقتباس -ولم يكذب:
ألهوا وناموا ولا تستيقظوا
ما فاز إلا النُّومُ
وتأخَّروا عن كل ما يقضي بأن يتقدَّموا
ودعوا التفهُّمَ جانبًا فالخيرُ ألّا يفهموا
وتثبَّتوا في جهلهم فالشرُّ أن يتعلَّموا
لم يكن يتخيَّل — كان يرى.
كان يرى هذا اليوم بعينه.
كان يرى هذه الميادين بعينها.
كان يرى هذه الأمة وهي تضحك وتبكي وتهتف — لكرة.
∎ الحقيقة التي تؤلم لأنها حقيقة
أيُّها الإخوة —
الأمةُ التي تملأُ الميادينَ لكرةٍ جلدية، وتعجزُ عن ملء صفٍّ واحدٍ دفاعًا عن أسيرٍ على حافة المشنقة — هذه الأمة تحتاج إلى مراجعةٍ قبل أن تحتاج إلى نصر.
الأمةُ التي يبكي رجالُها لهدفٍ في الشبكة، ولا تُحرِّكهم صورةُ طفلٍ يُشيَّع في كفنٍ أبيض — هذه الأمة أُصيبت في قلبها قبل أن تُصاب في أرضها.
الأمةُ التي تتوقف مدنُها ليومٍ كاملٍ احتفالًا بتأهُّلٍ رياضي، ولا تتوقف دقيقةً واحدةً وقوفًا مع أسير، أو دفاعًا عن مسجد، أو رفضًا لقانون إعدام — هذه الأمة لا تُهزم من خارجها فقط، بل تنهزم من داخلها أولًا.
∎ كرةُ القدم — أفيونٌ يُباع في سوق الغفلة
لستُ أُحرِّم الرياضة.
لستُ أُجرِّم الفرح.
لكنَّ الفرحَ الذي يُصمُّ عن صراخ المظلوم — ليس فرحًا، بل خَدَر.
والبهجةَ التي تُعمي عن دم الأسير — ليست بهجةً، بل غفلة.
والاحتفالَ فوق جراح الأمة — ليس احتفالًا، بل إدانة.
صنعوا لكم ملاعب لتنسوا المساجد.
صنعوا لكم نجومًا لتنسوا الشهداء.
صنعوا لكم كؤوسًا لتنسوا الدم.
وقد نجحوا.
∎ سؤالٌ واحد — أجب عنه بينك وبين الله
حين تقف بين يدي الله
-وهو سيُقيمك لا محالة —
هل ستقول له:
"ربِّ، لم أملك شيئًا أفعله"؟
أم ستقول:
"ربِّ، كنتُ أحتفل."
∎ النداء الأخير
اخرجوا — لكن للقدس.
اهتفوا — لكن للأسرى.
ابكوا — لكن على ما يستحق الدموع.
وإن عجزتم عن الخروج فأخرجوا الكلمة الحقَّ من أفواهكم،
وإن عجزتم عن الكلمة فأخرجوا الدعاء من قلوبكم،
وإن عجز قلبُكم عن الدعاء —
فاعلموا أنَّ فيه مرضًا.
"أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ"
الحديد: ١٦
اللهمَّ أيقِظ هذه الأمة قبل أن تُوقَظ بالعذاب،
وأحيِ فيها الغيرةَ على دينك وبيتك المقدَّس وأسراها الكرام،
واجعل دموعها لك لا للكرة،
وصراخها لعزِّك لا للملاعب،
وفرحها في نصرك لا في لهوها.
∎ ملاحظةٌ لا بدَّ منها — إنصافًا للحق
ونحن إذ نقول ما قلنا، فلسنا نُعمِّم ولا نجزم على الجميع.
فإنَّ في هذه الأمة — وللهِ الحمد — رجالًا ونساءً لا يعرف التاريخُ أسماءَهم، لكنَّ الله يعرفهم.
في تلك اللحظات ذاتها التي كانت فيها الميادين تصخب بالكرنفالات —
كان رجالٌ في ساحات الوغى يُقدِّمون أرواحَهم قبل أن يُقدِّموا أعذارَهم — يمشون إلى الموت وهم يبتسمون، لأنَّهم وجدوا ما يستحق أن يُموت من أجله. يُقاتلون بأجسادٍ نحيلة وعتادٍ شحيح في مواجهة آلةِ حربٍ لا تعرف الرحمة — فلا يتراجعون ولا يُفرِّطون ولا يساومون. يسقطون واحدًا واحدًا — لا على أرضٍ من ذهب، ولا طلبًا لمجدٍ زائل — بل على أرضٍ مباركة، وفي سبيل ربٍّ لا يُضيع أجر من أحسن عملًا.
وكان رجالٌ يُنفقون آخر ما في جيوبهم لإعاشة أسرةٍ في غزة لا يعرفونها.
وكانت نساءٌ يقمن الليل دعاءً ودموعًا على إخوانٍ لم يرَوهم قط.
وكان شبابٌ يكتبون كلمة الحق في وجه من يملك السلطة والمنبر والمال.
وكان علماءُ ودعاة ومفكرون يحملون همَّ الأمة في صدورهم وهم لا يُفصحون عن ثِقَل ما يحملون.
وكانت أقلامٌ وأصواتٌ تُقاوم بما أوتيت، في صمتٍ لا يراه الناس ولا تُسجِّله الكاميرات.
هؤلاء الذين لم تتَّسع لهم الميادين لأنَّ الميادين كانت مشغولةً بغيرهم
هؤلاء الذين لم تحتفل بهم الجماهير لأنَّ الجماهير كانت تحتفل بكرة
هؤلاء الذين لا يعرف الناس أسماءَهم — لكنَّ الملائكة تعرفها، والله يعرفها، والتاريخ سيعرفها.
"مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا"*
— الأحزاب: ٢٣
هؤلاء هم العمودُ الذي لا يسقط، وهم الأملُ الذي لا ينطفئ، وهم الذين بهم تستحي هذه الأمة أن تيأس من نفسها.
فسلامٌ عليهم في الدنيا، وسلامٌ عليهم يوم يلقون ربَّهم.
فإن كنتَ منهم — فاثبت ولا تلتفت، فالله معك ولو خذلك الجميع.
وإن لم تكن — فلم يفت الأوان بعد، والباب لا يزال مفتوحًا.
"وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ"
— هود: ١١٧
ما دام في الأمة مصلحون — فالرجاءُ قائم، والفجرُ آتٍ، والنصرُ لمن صبر.
وما النصرُ إلا من عند الله العزيز الحكيم.
اكتب مراجعة عامة