img
img

فقه الضباب: كيف تُحلِّل وتُفتي حين تتحارب الروايات؟

img
الشبكة

فقه الضباب: كيف تُحلِّل وتُفتي حين تتحارب الروايات؟

في الحرب الإعلامية والنفسية والدعائية 1447هـ

كتبه : الأستاذ الدكتور عصام اشويدر
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية 
ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان 



بسم الله الرحمن الرحيم 


في زمنٍ باتت فيه الحقيقة أسيرةَ من يملك الميكروفون،

وصارت الصورةُ تسبق الواقعة،

والرواية تُشكِّل الحدثَ قبل أن يقع...

الصهيوني يقصف ويُسمّي القصفَ دفاعاً،

ويقتل الأطفال ويُسمّي قتلهم ضرورةً،

ويحتل الأرض ويُسمّي الاحتلال حقاً تاريخياً —

وله في الغرب ألف قلمٍ يُرسّخ هذه التسميات.

والإيراني يُهزَم ويُسمّي الهزيمةَ صموداً،

يرفع راية القدس بيدٍ،

ويطعن بها المسلم السني باليد الأخرى

ويُقمع شعبه بعشرات الآلاف من القتلى ويُسمّي القمعَ ولايةً،

ويتفاوض سراً ويُصرّح علناً بالرفض —

والتقيةُ عنده ليست فردية، بل سياسةُ دولة.

والأمريكي يُعلن النصر فجراً ويتراجع عنه مساءً،

يُؤجّل الضربة ويُسمّي التأجيلَ دبلوماسيةً،

يعدّ الأهدافَ بالآلاف وشعبه يحسبه انتهى من الحرب —

والنرجسيةُ عنده ليست عَرَضاً نفسياً، بل أداةُ حكم.

في خضمّ هذا كله،

يجلس العالِمُ والمحلل والمثقف المسلم

أمام فيضٍ من الأخبار المتناقضة،

والصور المفبركة، والأرقام المتضاربة،

والروايات التي يصنعها من يملك السلطة لا من يملك الحقيقة.

فإن أفتى متسرعاً — كان جندياً في الحرب.

وإن صمت جُبناً — كان خاذلاً للأمانة.

وإن تكلّم بلا منهج — كان أداةً لمن يُريده أن يتكلم.

لذا لم يكن أمامنا إلا أن نُؤسِّس:

فِقْهُ الضَّبَابْ

كيف تُحلِّل وتُفتي حين تتحارب الروايات؟

في الحرب الإعلامية والنفسية والدعائية — 1447هـ



 مقدمة: حين يصبح الكلام سلاحاً

في عصر انفجار المعلومات، لم تعد الحرب تُخاض بالرصاص والمدفعية فحسب، بل باتت تُخاض بالكلمة والصورة والشائعة والتأطير الإعلامي. وقد كشفت أحداث الأخيرة، بما فيها من تصعيد عسكري أمريكي صهيوني غير مسبوق ضد إيران، وتحركات إيرانية متشعبة تطال دول الخليج ولبنان والعراق، وتصريحات أمريكية متضاربة تُعلن النصر وتُواصل القصف في الوقت ذاته، عن حجم الفوضى المعلوماتية التي يعيشها المتلقي العربي والمسلم.

فمنذ الثامن والعشرين من فبراير 2026، حين انطلقت العملية الأمريكية الإسرائيلية في ساعات الفجر الأولى، وحتى اليوم التاسع والعشرين من هذه الحرب، يجد المسلم المتابع نفسه أمام ثلاثة مصادر للكذب والتضليل تتنافس على عقله وعاطفته في آنٍ واحد: الرواية الصهيونية التي تُقدِّم القتل جهاداً دفاعياً، والرواية الإيرانية التي تُحوِّل الهزيمة إلى "صمود أسطوري"، والرواية الترامبية التي تُعلن الانتصار صباحاً وتعود مساءً لتقول "الحرب لم تنتهِ بعد وأمامنا آلاف الأهداف."

هذا المقال محاولة منهجية جادة لتأسيس أدوات تحليلية تُعين العالِم والمحلل والمواطن المسلم على فهم طبيعة الحروب الإعلامية والنفسية والدعائية الثلاث، وتمييز الحقيقة من الزيف، قبل أن تُبنى عليها فتاوى أو تتشكل مواقف.


 أولاً: المفاهيم الثلاثة وحدودها الفاصلة

 1. الحرب الإعلامية (Information War)

الحرب الإعلامية هي التنافس المنظم على السيطرة على تدفق المعلومات، من حيث مصادرها وقنواتها وتوقيتها وأطرها التفسيرية. وهي لا تعني بالضرورة الكذب الصريح، بل كثيراً ما تعتمد على انتقاء الحقيقة الجزئية وتضخيمها لخدمة روايةٍ كبرى.

أدواتها الرئيسية:

- احتكار المصادر الأولية وتضييق وصول الصحفيين المستقلين

- توقيت الإفصاح والإخفاء بحسب المصلحة العملياتية

- تعمد إغراق الفضاء المعلوماتي بروايات متعددة لإضعاف اليقين

- استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كميدان حرب حقيقي لا ساحة نقاش

في سياق الحرب الراهنة — نماذج حيّة:

فرضت إيران حصاراً على الإنترنت منذ الساعات الأولى، فلم تصل أخبار الدمار إلا عبر مقاطع يُهرِّبها المواطنون إلى مواقع الشتات الإيراني. في المقابل، يمتلك الكيان الصهيوني ماكينة إعلامية غربية متطورة تُشكّل أطر التغطية في الإعلام الدولي وتُدير روايته باحترافية. أما الإدارة الأمريكية فتُشغّل منظومة تصريحات شخصية عبر "تروث سوشيال" و"إكس" تُحدث أثراً إعلامياً أكبر من البيانات الرسمية، وهذا بحد ذاته أسلوب حرب إعلامية متعمّد.

 2. الحرب الدعائية (Propaganda War)

الدعاية أقدم وأعمق من الحرب الإعلامية. هي منظومة رسائل مُصنوعة بعناية لتشكيل القناعات الجمعية وليس فقط توجيه الرأي. وفرق جوهري بينها وبين الإعلام: الإعلام يدّعي الموضوعية، والدعاية تُقرّ ضمنياً بأنها رسالة موجّهة لغاية.

مستوياتها الثلاثة:

- الدعاية البيضاء: ذات مصدر معلوم ورسالة معلنة، كبيانات المتحدثين العسكريين الرسميين

- الدعاية الرمادية: مصدرها مبهم ورسالتها ملتوية، كحسابات الترويج المجهولة المنتشرة على منصات التواصل

- الدعاية السوداء: تنسب نفسها لعدوها وتتكلم بلسانه تزويراً، وهي الأخطر وتُستخدم في العمليات الخاصة

نموذج حيّ من الحرب الراهنة:

روبيو يُصرّح بأن الهدف هو "تدمير قدرة إيران على صنع الصواريخ والمسيّرات" — هذه دعاية بيضاء صريحة الهدف. ترامب يعلن "لقد انتصرنا، الحرب انتهت" ثم في اليوم ذاته يقول "لم تنتهِ بعد" — هذا تخبّط دعائي يُشوِّش لا يُوضِح. وإيران تُفيد بـ"اعتراض معظم الصواريخ المعادية" بينما تتساقط الصواريخ على تل أبيب ، هذه دعاية رمادية تخلط الحقيقة بالكذب.

تحذير منهجي جوهري: ما يسمى "الإعلام المقاوم" أو "الإعلام الصهيوني" أو "الإعلام الإيراني"، كلها في جوهرها دعائية بدرجات متفاوتة. الخطأ المنهجي الأكبر أن تثق بدعاية طرف على طرف اخر  .


 3. الحرب النفسية (Psychological Warfare)

هي الأعمق والأخطر. لا تستهدف العقل الواعي مباشرة، بل تستهدف المنظومة العاطفية والبنية النفسية للمتلقي، لتُحدث أثراً في السلوك الجمعي دون أن يشعر الفرد بأنه تعرّض للتأثير.

أدواتها الرئيسية:

- الإرهاب المعنوي: نشر صور الدمار لكسر الإرادة الجمعية وإجبار الخصم على الاستسلام أو الخروج من الحرب

- التضخيم الانتصاري الكاذب: لرفع الروح المعنوية لجمهور الداخل، كما في ادعاءات "اعتراض تسعين بالمائة من الصواريخ"

- التشكيك في الكفاءة: استهداف صورة قيادة العدو أمام شعبه، كما في نشر مقاطع ضحايا المدنيين الإيرانيين لكسر الشعب الإيراني من الداخل

- إدارة التوقعات: لإحداث صدمة حين تخالف الأحداث الرواية المبنية، ومن أشد أدوات هذه الحرب أثراً في الوقت الراهن

- التقية الإيرانية المنهجية: وهي آلية راسخة في السياسة الإيرانية، تُجيز إظهار خلاف الحقيقة لدرء الضرر. وهذا ليس حكماً مسبقاً بل توصيف لأداة سياسية دينية موثقة تاريخياً، ظهر أثرها جلياً في تصريحات إيران بشأن "عدم تسرب إشعاعي" من المفاعلات المضروبة، وهو أمر يستحيل التحقق منه في خضم الحرب.

نموذج فارق من اليوم التاسع والعشرين:

 إيران تُطلق صواريخ على شارع تجاري مزدحم في تل أبيب وتقتل الناس — هذا إرهاب معنوي موجَّه للرأي العام الإسرائيلي. وإسرائيل تُدمِّر مصانع الصلب والأسمنت والمفاعلات والمواقع التراثية — هذا إرهاب معنوي موجَّه للشعب الإيراني لكسر إرادته من الداخل.


 ثانياً: تشريح مصادر الكذب الثلاثة — بشواهد من الحرب الجارية

  أ) الكذب الصهيوني: بنية قائمة على الرواية

منذ نشأة الكيان الصهيوني، قامت هويته على روايةٍ تأسيسية تحتاج إلى صيانة مستمرة بالكذب التاريخي والإعلامي. وفي هذه الحرب تجلّى ذلك بصورة كاشفة:

- ضُرِبت مدرسة البنات الابتدائية في مينب قُرب بندر عباس في الساعات الأولى من الهجوم، وقُتل فيها ما يزيد على مائة وسبعين شخصاً معظمهم أطفال، فأعاد الجيش الإسرائيلي توصيفها بأنها "ملحقة بمجمع عسكري"، في حين تُظهر صور الأقمار الاصطناعية أنها مدرسة مستقلة بكل وضوح

- ادعاءات خسائر العدو تُضخَّم والخسائر الذاتية تُقلَّل بحسب المعادلة المعتادة

- توصيف الضحايا المدنيين في إيران ولبنان بأنهم "حواضن لإرهابيين" لتسويغ القتل

- التحكم في وصول الإعلام الدولي إلى مناطق العمليات، وهو ما يجعل التحقق المستقل شبه مستحيل


الخلاصة التحليلية: كل رقم وكل ادعاء صهيوني يحتاج مُقابلاً مستقلاً للتحقق. ولا يُقبَل تأطيره لنفسه دفاعاً وهو من شنّ الهجوم وكسر الحظر على التعاملات مع دولة ذات سيادة.


 ب) الكذب الإيراني: التقية كاستراتيجية دولة

إيران تمتلك ثلاثة مستويات من الخطاب تعمل في وقت واحد:

1. الخطاب الداخلي للاستهلاك الشعبي الديني، مليء بالشعارات والانتصارات المبالغ فيها

2. الخطاب الإقليمي لأذرعها ووكلائها من الحوثيين وحزب الله والحشد الشعبي، محسوب ومُوجَّه

3. الخطاب الدولي لمفاوضات واشنطن وباكستان وأنقرة، براغماتي بامتياز، تطالب فيه بالتعويضات والسيادة على هرمز بينما تُغلق المضيق فعلياً في الوقت ذاته.


شواهد حيّة من الحرب:

- إيران تُعلن "اعتراض معظم الصواريخ المعادية" بينما تنشر صور الدمار في طهران وأصفهان وإيلام

- تُصرّح بـ"عدم تسرب إشعاعي" من المنشآت النووية المضروبة، وهو ادعاء لا يمكن التحقق منه في ظل انقطاع الإنترنت والحصار الإعلامي

- رفضت مقترح السلام الأمريكي ووصفته بـ"الجائر والأحادي"، لكنها في الوقت ذاته تستخدم قناة باكستان للإبقاء على خط التفاوض مفتوحاً

- ادعت مقتل أحمدي نجاد في الضربات الأولى، ثم تبيّن أنه حيّ، وهذا نموذج صارخ على الفوضى في الرواية الإيرانية حتى تجاه شخصيات علنية


التقية هنا ليست ظاهرة فردية بل مؤسسية منهجية. وما يزيد الأمر تعقيداً أن أذرع إيران الإقليمية باتت تعمل بقدر من الاستقلالية، فدخول الحوثيين الحرب في اليوم التاسع والعشرين جاء بعد أسابيع من تحذيرات لم تتحول إلى فعل، مما يُصعّب الجزم بما إذا كان ذلك قرار طهران أو قراراً يمنياً ذاتياً.

 ج) الكذب الأمريكي — ترامب النموذج: النرجسية كأداة سياسية

ترامب يُمثّل نمطاً فريداً في تاريخ السياسة الأمريكية: الكذب الناعم المُعلن. لا يكذب كما يكذب الدبلوماسيون بحرفية، بل يُضخّم ويبالغ ويُعيد تعريف الحقيقة بما يخدم صورته الشخصية، وقد وفّرت هذه الحرب أرضاً خصبة لهذا النمط.

شواهد موثّقة من الحرب:

- في اليوم الأول، صرّح: "لقد دمّرنا كل شيء تقريباً، ليس لديهم بحرية ولا سلاح جوي ولا رادارات" — بينما استمرت الصواريخ الإيرانية في التساقط لأسابيع بعدها

- في اليوم الثاني والعشرين، أعلن في البيت الأبيض: "لقد انتصرنا، هذه الحرب انتُصِرت فيها، الوحيد الذي يريد الاستمرار هو الإعلام الكاذب" — ثم قال في اليوم التاسع والعشرين: "الحرب لم تنتهِ، وأمامنا آلاف الأهداف"

- أجّل ضرب المنشآت النفطية الإيرانية عشرة أيام "لأن المفاوضات تسير بشكل رائع" — بينما وصفت إيران الاقتراح الأمريكي بأنه "أحادي وجائر"

- أعلن خيبته من "الناتو الورقي" — وهذا توظيف للحرب لتحقيق أجندة داخلية أمريكية لا علاقة لها بإيران


الخطر المنهجي في تحليل تصريحاته:

- ما يقوله ليس بالضرورة سياسة الدولة العميقة

- ما لا يقوله أحياناً هو السياسة الحقيقية

- يستخدم التصريح المفاجئ لاختبار ردود الفعل قبل اتخاذ القرار، وهي تقنية مقصودة لا طيش عشوائي

- التضخيم الانتصاري عنده ليس ادعاءً كاذباً فحسب، بل أسلوب تفاوضي مع الخصم ومع الحلفاء في آنٍ واحد


ثالثاً: أثر هذه الحروب على التحليل والفتوى

المشكلة الكبرى: العالِم الذي يستهلك دون منهج

حين يُبني العالِم فتواه أو الباحث تحليله على:

- خبر منقول عن وسيلة إعلام ذات توجه معروف دون تحقق

- صورة أو مقطع متداول لا يُعرف سياقه الزمني والجغرافي، وقد رصدنا في هذه الحرب مقاطع من حوادث 2024 تُوزَّع على أنها من رمضان 2026

- رواية طرف لأن القضية تستدعي التعاطف معه دينياً أو قومياً


...فهو لا يحلل الواقع، بل يُعيد إنتاج الدعاية بلباس علمي أو شرعي، ويصبح جندياً في الحرب الإعلامية دون أن يدري. والمشكلة أن الجندي الساذج في حرب الدعاية أشد خطراً في بعض الأحيان من الجندي المأجور، لأن الأول يتكلم بنبرة الصدق فيُصدَّق.


 ضوابط منهجية للعالِم والمحلل

1. قاعدة التحقق الثلاثي:

لا يُبنى حكم على حدث إلا بعد تأكيده من ثلاثة مصادر مستقلة غير متوافقة الأجندة. في الفقه الإسلامي: خبر الفاسق يحتاج تبيّناً، فكيف بخبر الدول المتحاربة ذوات المصالح؟ وقد رأينا في هذه الحرب كيف أن خبر مقتل مسؤول إيراني رفيع أُعلن ثم نُفي في أقل من أربع وعشرين ساعة.


2. قاعدة الفصل بين الحدث والتأطير:

كل خبر له مادة خام (وقوع شيء ما) وتأطير (تفسير ما وقع). يجب الفصل بينهما دائماً. القصف وقع وأطفال ماتوا: هذا حدث لا جدال فيه. هل المدرسة كانت هدفاً عسكرياً أم مدنياً: هذا تأطير يحتاج تحليلاً مستقلاً.


3. قاعدة المصلحة الكاشفة:

اسأل دائماً: من يستفيد من تداول هذه الرواية الآن وبهذه الطريقة؟ كشف المستفيد لا يكذّب الخبر بالضرورة، لكنه يضع يدك على محل التشكيك. إيران تُبالغ في أرقام ضحاياها لاستنهاض الرأي العام الإسلامي. إسرائيل تُقلّل من خسائرها لحماية معنويات جمهورها الداخلي. وكلاهما يكذبان لكن باتجاهين متعاكسين.


4. قاعدة الصمت المعلوماتي:

في أوقات الحرب، غياب الخبر أحياناً أكثر دلالة من حضوره. إيران تفرض حصاراً على الإنترنت: هذا يعني أن هناك ما تُخفيه. سكوت أمريكا عن تفاصيل الخسائر في قاعدة الأمير سلطان يعني أن الأمر أخطر مما يُصرَّح به. وصمت دول الخليج الرسمي عن تفاصيل الضربات الإيرانية عليها يعني ضغطاً دبلوماسياً داخلياً أعمق مما يظهر.


5. قاعدة التأخر الحكيم:

الفتوى في زمن الحرب على أحداث لم تتضح ملابساتها بعد خطأ منهجي. الفقيه الحصيف يُؤخّر حكمه حتى تتجلى الصورة، ويفرق بين الموقف الشرعي الثابت (حرمة العدوان وحق الدفاع ووجوب حماية المدنيين) وبين الحكم على الحدث المتحرك الذي يحتاج معلومة موثوقة. والفتوى المبنية على رواية متحيزة قد تكون في ميزان الحكيم أشد إثماً من السكوت.


6. قاعدة التمييز بين القضية والنظام:

وهي قاعدة غائبة عن كثير من التحليلات الإسلامية المعاصرة. يمكن للمسلم أن يرفض العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران ورفض السياسات الإيرانية الطائفية في الوقت ذاته. ويمكنه أن يتألم لمصاب الشعب الإيراني دون أن يُضفي شرعيةً على نظام قمع شعبه بعشرات آلاف القتلى في يناير 2026. هذان الموقفان لا يتناقضان، والخلط بينهما هو بالضبط ما تريده ماكينات الدعاية الثلاث.


 رابعاً: الموقف الشرعي الثابت في خضم الضباب

رغم كل ضباب المعلومات، ثمة مسائل شرعية لا تحتاج تحققاً إعلامياً لأنها ثوابت لا تتزعزع بتغيّر الروايات:

- تحريم العدوان على المدنيين مطلقاً أياً كان مرتكبه، وما جرى لأطفال مدرسة مينب ومدنيي طهران ولبنان والضفة الغربية جرائم حرب موثقة لا تقبل التسويغ

- مشروعية المقاومة لشعب يُحتل ويُهجَّر من أرضه، وهذا ثابت لا يتوقف على مواقف هذا النظام أو ذاك

- حرمة الاستعانة بعدو الدين لتحقيق مكاسب سياسية أو مذهبية أو غيرها، وإيران لم تكن يوماً بريئة من هذه التهمة في سوريا والعراق واليمن

- تحريم الكذب والتدليس حتى في نصرة القضايا العادلة، والمسلم الذي ينشر خبراً كاذباً لنصرة المظلوم يُفسد قضيته قبل أن يخدمها

- وجوب التثبت قبل الحكم والبراءة الأصلية حتى يثبت الخلاف، وهو أصل قرآني يسبق كل منهجيات الإعلام الحديثة بأربعة عشر قرناً

- حرمة الشماتة بالمسلم المقهور أياً كانت سياسات حكامه، والشعب الإيراني ونخص بالذكر السنة المضطهدين ، هذا الشعب الذي دفع ثمن نظامه أولاً بعشرات آلاف القتلى في احتجاجات يناير وقبلها في عربستان  ، ثم يدفعه ثانياً بدماء أبنائه في هذه الحرب، يستحق من المسلم الدعاء والتألم لا الشماتة والتبرير


أما التحليل العملياتي لمعارك بعينها وادعاءات خسائر محددة فهذا ليس مجال الفتوى الشرعية، بل مجال التحليل الأمني والعسكري الذي يحتاج أدواته الخاصة ومصادره المستقلة.


 خاتمة: العقل المسلح بالمنهج

الخطر الحقيقي ليس في أن يكذب الصهاينة أو الإيرانيون أو الأمريكيون، فهذا متوقع ومعهود ولا يُفاجئ عاقلاً. الخطر الحقيقي في أن يُصدَّق الكذب بحسن نية، وأن يُصبح المثقف والعالم والمحلل المسلم ناقلاً للرواية لا صانعاً للفهم. وقد كشفت هذه حرب  2026 أن كثيرين ممن يُفترض أنهم مرجعيات، قد سقطوا في هذا الفخ: يُعلّقون على خبر لم يتحقق، ويُفتون في واقعة لم تتضح، ويُبنون موقفاً على صورة لا يعرفون متى التُقطت.

العقل الذي يعرف كيف تعمل الحرب الإعلامية لن يُعفى من الخطأ، لكنه سيُقلّله. والعالِم الذي يُؤخّر فتواه حتى يتبيّن ليس جباناً بل هو الأمين على دينه وعقله وأمانة العلم في زمن يُكافأ فيه المتسرع ويُتجاهَل المتروّي.

في زمن يتسابق فيه الجميع على الكلام، ويتنافس فيه العلماء على السبق الإعلامي كما يتنافس المذيعون، الصمت المنهجي المؤقت فضيلة، والتريّث حكمة، والتثبّت فريضة.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ"— الحجرات: 6

هذه الآية كُتبت منذ أربعة عشر قرناً في سياق خبر واحد عن رجل واحد. فكيف لو رأى صاحبها هذا الزمن الذي تتدفق فيه آلاف الأخبار المتناقضة في الدقيقة الواحدة، من ثلاثة أطراف كاذبة تتنافس على عقل المسلم وعاطفته؟ لكانت هذه الآية وحدها عنواناً لمقرر دراسي كامل في نقد الإعلام الحربي وضوابط الفتوى في زمن الضباب المعلوماتي.

تعليقات