img
img

رقي القرآن في بيان ما يسوجب البيان: تأملات في أدب العلاقة الزوجية

img
منَصَّة المَرْأَة المُسْلِمَة

رقي القرآن في بيان ما يسوجب البيان: تأملات في أدب العلاقة الزوجية

أ. سميحة بنعمر
الأمين العام لشبكة الرواد المجتمعية ومستشارة منصة المرأة المسلمة
وخريجة أكاديمية "تفسير" بالرياض



  • تأمل معي هذا الأدب الرباني الفريد، حين يتحدث الجليل سبحانه عن أجلِّ العلاقات وأخصِّها،

  • تلك العلاقة التي تُستر بالجدران وتُكنى على الألسن الراقية،

  • فيأتي كتابه العزيز للبيان بأرقى العبارة وألطف الكناية، 

  • يرقى بها إلى مقام من الجمال والطهر يليق بكرامة الإنسان وعبوديته لله.

  • إنه المصدر الأول الذي يجب أن يعتمد عليه لفتح البيوت وبناء العلاقات الزوجية، 

  • لا من ثقافة الخجل المذموم التي تجعل الحديث عنها عيبًا وحرجًا،

  • ولا من ثقافة الإباحية الماجنة التي تجردها من روحانيتها وتختزلها في غريزة بهيمية.

  • فالقرآن يقدم لنا منهجًا متكاملًا يبدأ من المقصد الأعظم للزواج،

  • ويمر بأسرار السكن والانسجام،

  • ويُكلل بصور البلاغة التي تشد القلوب إلى جمال هذه العلاقة حين تُعاش في ظل العبودية لله.


  • فالمقصد الأول الذي يضعه القرآن نصب أعين الزوجين هو مقصد تكثير النسل الصالح،

  • قال تعالى في سورة البقرة: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ) (البقرة: 223). 

  • إنها صورة بديعة: المرأة كالأرض المعطاءة، والرجل كالزارع الذي يبث فيها البذر، فتنمو الحبة بإذن الله وتصير نباتًا ثم تثمر.


  • يقول الإمام الطبري في تفسيره (3/745، 759):

  • "إنَّ نساءكم مُزدرَعٌ لأولادكم، مثلما تكون الأرض حرثًا للزارع حيث يبثُّ فيها الحَب؛ فينمو ويخرج نباتًا، فكذلك النِّساء حرث يضع فيه الرجال الماء الدافق، فينزرع في الرَّحم حتى ينمو ويخرج بشرًا سويًّا بإذن الله تعالى. ولكم يا معاشرَ الرِّجال، أن تجامعوا نساءكم على أيِّ جهة، وبأي كيفيَّة شِئتم، شريطةَ أن يكون جماعهنَّ دومًا في موضع الحرث، وهو القُبُل".


  • وهكذا يربط القرآن بين لحظة المتعة العابرة وبين مشروع بناء الأمة بالذرية الصالحة، ويجعل من الجماع عبادة يُراد بها الولد الصالح الذي يكون صدقة جارية بعد الممات.


  • فعن أبي ذر رضي الله عنه أيضاً أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا للنبي صلى الله تعالى وعليه وآله وسلم:

  • "يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور: يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون: إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر" (رواه مسلم).

  • وقد أشار الإمام الزمخشري في تفسيره (1/266) إلى جمال هذا الأسلوب قائلًا:

  • "قوله: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ فيه كِناياتٌ لطيفة، وتعريضات مستحسَنة في التعبير عن جِماعِ النِّساء بهذه الألفاظ؛ وهذه وأشباهها في كلام الله آدابٌ حَسنةٌ، على المؤمنين أن يتعلَّموها ويتأدَّبوا بها، ويتكلَّفوا مثلها في محاورتهم ومكاتبتهم".


  • ثم ينتقل القرآن إلى مقصد لا يقل أهمية، وهو السكن والمودة والرحمة، ذلك المعنى الذي يجعل من الزواج راحة النفوس وسكينة القلوب.

  • قال تعالى في سورة الروم: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم: 21). 

  • ويقول في سورة الأعراف: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) (الأعراف: 189).

  • وقد ساق المفسرون في ظل هذه الآيات قصة خلق حواء عليها السلام لتكون أبلغ شاهد على هذا السكن.

  • يقول الإمام ابن كثير في تفسيره: "خلق لكم من جنسكم إناثًا يكن لكم أزواجًا، لتسكنوا إليها. ولو أنه جعل بني آدم كلهم ذكورًا وجعل إناثهم من جنس آخر، إما من جان أو حيوان، لما حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج، بل كانت تحصل نفرة لو كانت الأزواج من غير الجنس. ثم من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم وبينهن مودة: وهي المحبة، ورحمة: وهي الرأفة".

  • ويتحدث الإمام القرطبي في تفسيره عن تفاصيل هذه القصة فيقول: "وزوج آدم عليه السلام هي حواء عليها السلام، وهو أول من سماها بذلك حين خلقت من ضلعه من غير أن يحس آدم عليه السلام بذلك، ولو ألم بذلك لم يعطف رجل على امرأته".

  • ويضيف نقلاً عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما: "لما أسكن آدم الجنة مشى فيها مستوحشًا، فلما نام خلقت حواء من ضلعه القصرى من شقه الأيسر ليسكن إليها ويأنس بها، فلما انتبه رآها فقال: من أنت؟ قالت: امرأة خلقت من ضلعك لتسكن إلي".

  •  ثم يروي القرطبي أثرًا عن الملائكة وسؤالهم آدم وحواء عن الحب: 

  • "روي أن الملائكة سألته عن ذلك لتجرب علمه، وأنهم قالوا له: أتحبها يا آدم؟ قال: نعم، قالوا لحواء: أتحبينه يا حواء؟ قالت: لا، وفي قلبها أضعاف ما في قلبه من حبه. قالوا: فلو صدقت امرأة في حبها لزوجها لصدقت حواء".

  • إنه سر من أسرار الفطرة التي فطر الله عليها الزوجين: جعل حب الرجل ظاهرًا، وحب المرأة أعمق وأكتم، ليكون بينهما توازن وتكامل يضمن استمرار الحياة الزوجية في هناء.

  • وقد أكمل النبي ﷺ هذا المعنى بقوله كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: 

  • "إن المرأة خُلقت من ضِلَع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها" (رواه البخاري 5186، ومسلم 1468). 

  • فخلقها من الضلع فيه إشارة إلى حاجتها إلى الرفق والصبر، وأن السكن والاستمتاع إنما يتحققان بالتعامل مع هذا العِوَج الطبيعي بالحكمة.

  • وهنا يأتي أبلغ تعبير قرآني عن هذا الانسجام والتلاحم بين الزوجين، حين وصفهما باللباس لكل منهما للآخر. 

  • قال تعالى في سورة البقرة: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ) (البقرة: 187).

  • يقول الإمام الطبري في تفسيره (3/231-232):

  • "أي: إنَّ كلًّا مِن الزَّوجِ والزَّوجة بمثابةِ اللِّباس للآخَر، وذلك تعبيرٌ عن انضمامِهما متجرِّدَيْنِ، وشدةِ امتزاجِهما ببعضِهما حال الجِماعِ". 

  • واللباس كما هو معلوم: يُجمِّل صاحبه، ويستره، ويدنو منه في السر والعلن، ولا يفارقه في ليله ونهاره. فكذلك الزوجان: كل منهما جمال للآخر، وستر لعوراته في الدنيا والآخرة، ووقاء من الحرام، وأمان من الوحشة.

  • وهذا التشبيه يجمع بين المعنى الحسي والمعنى المعنوي، ويشير إلى أن العلاقة الزوجية ليست مجرد لقاء جسدي، بل هي اندماج كامل في النفس والجسد، وارتباط وثيق يجعل كلًا منهما سترًا وصيانة للآخر.


  • وقد نبَّه النبي ﷺ إلى ضرورة التحصن بالله في هذه اللحظات، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ:

  • "لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإن قُضي بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدًا" (رواه البخاري 141).


  • بهذه الآيات المباركات يقدم القرآن منهجًا كاملًا لتربية النشء على فهم الحياة الزوجية من أنقى مصدر.

  • يبدأ بالمقصد الأسمى: الحرث وتكثير النسل الصالح، فيربط المتعة العابرة بمشروع بناء الأمة. 

  • ثم ينتقل إلى مقصد السكن والمودة والرحمة، فيروي قصة خلق حواء من ضلع آدم ليكون بينهما من الانسجام والاتحاد ما لا يكون بين غريبين، ويجعل من الحب سرًّا فطريًّا يختلف ظهوره بين الرجل والمرأة لكنه يتكامل لتحقيق الاستقرار.

  • ثم يختتم بأروع صورة: اللباس الذي يعبر عن الامتزاج التام والستر المتبادل، ليكون الرجل والمرأة في أحضان العلاقة الزوجية كاللباس الذي لا ينفك عن صاحبه، يجمل ويستر ويحمي.

  • فإذا أسست البيوت المسلمة على المنهج  القرآني، نُظر للزواج على أنه مشروع مقدس يجمع بين العبادة والغاية النبيلة والانسجام الفطري، 

  • وعُلم أن الحديث عنه لا يكون إلا بأدب الأنبياء وكناية القرآن،

  • وأن المصدر الأول لتعلم هذه الآداب هو كتاب الله الذي لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا بينها أحسن البيان.

  • اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنك على كل شيء قدير، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تعليقات