img
img

الباحثون عن السعادة حمله متكاملة متعددة المنصات

img
منصة تمكين العمل الإنساني

الباحثون عن السعادة حمله متكاملة متعددة المنصات

دكتور: عبدالرحمن السميط

طبيب كويتي ورائد العمل الإنساني في إفريقياء


طبيعه المقال:أتحدث مع نفسي طويلًا، وأتساءل: أين السعادة؟ لقد جربت أشياء كثيرة في حياتي. درست الطب، وتخصصت في الباطنية والجهاز الهضمي، وعملت في أكبر مستشفيات العالم. عشت في كندا سنوات، وذقت ما يسميه الناس هناك "الرفاهية" و"الراحة". عدت إلى الكويت، واستقر بي المقام في منصب مرموق، ودخل محترم، وبيت جميل. كان كل شيء يبدو مثاليًا. لكنني كنت أشعر أن هناك شيئًا ينقصني. شعور غامض بأني أركض وراء سراب.

الناس من حولي يبحثون عن السعادة في أماكن مختلفة: في المال، في المناصب، في السفر، في البيوت الفارهة، في السيارات الفاخرة. وكلما نالوا شيئًا منها، ازداد شوقهم إلى ما بعده. كأن السعادة حلم لا يدرك، أو سراب يبتعد كلما اقتربت منه.في أحد الأيام، وأنا أقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، تذكرت قول الله تعالى: "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين". تذكرت أن السعادة ليست في أن تأخذ، بل في أن تعطي. ليست في أن تجمع، بل في أن تبذل.

بدأت رحلة بحثي عن السعادة الحقيقية. سافرت إلى أفريقيا، حيث الفقر المدقع، والمرض المنتشر، والجهل المقيم. هناك، في قرى لا تصل إليها الطرق المعبدة، ولا تعرف معنى الكهرباء، وجدت شيئًا لم أجده في قاعات المؤتمرات الدولية ولا في غرف العمليات الفاخرة.

في إحدى القرى النائية، رأيت طفلًا صغيرًا لا يزيد عمره عن عشر سنوات، يحمل جرة ماء على رأسه، يمشي حافيًا على أرض ملتهبة. نظر إليّ بابتسامة لا توصف. لم يسألني: من أين أتيت؟ ما جنسيتك؟ ما دينك؟ كان همه الوحيد أن يشرب ماءً نظيفًا، وأن ينام ليلة دون أن يقرصه الجوع. في تلك اللحظة شعرت بالخزي. كيف نلهث خلف الكماليات، وهناك من لا يجد قوت يومه؟

سألت نفسي: أين نحن من إخواننا المحتاجين الذين لا يجدون ما يسترون به عوراتهم، وفي دواليبنا العديد من الفساتين التي لا نلبسها؟ أين نحن من آلاف المسلمين يموتون جوعًا لأنهم لم يجدوا حتى الحشيش ليأكلوه، ونحن نلقي بالكثير من الطعام في القمامة بعد كل وجبة؟

قضيت في أفريقيا سنوات. لم تكن سهلة. كنت أشرب من مستنقعات المياه التي تشرب منها الحيوانات، وأنام على التراب مثلهم. تعرضت لمحاولات اغتيال، وحاصرتني الكوبرا أكثر من مرة. في تلك اللحظات الصعبة، كنت أتذكر قول الله: "وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله".

وفي أحد الأيام، ونحن نحفر بئرًا في قرية نائية، جاءني رجل عجوز، أخذ يبكي ويقبل يدي. قال: "يا طيب، جئت إلينا من مكان بعيد، تاركًا أهلك ومالك، لتسقينا الماء. كيف نشكرك؟ كيف نشكر ربك الذي أرسلك إلينا؟" ثم رفع السبابة ونطق بالشهادة. في تلك اللحظة، شعرت بسعادة لم أشعر بها في حياتي يومًا.

تذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم". وتذكرت قول الله: "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا". أليس إحياء الروح بالهداية أعظم من إحياء الجسد بالطعام والشراب؟

رأيت في أفريقيا نماذج بشرية عجيبة. رأيت أرملة فقدت زوجها، ومعها خمسة أطفال، لا تملك قوت يومها. حين عرضنا عليها مساعدة مالية، قالت: "لا تعطوني سمكة، علموني كيف أصطاد". أعطيناها ماكينة خياطة، ودربناها على صناعة الملابس. بعد عام، كانت هي من تشغّل غيرها. قالت لي: "الآن أنا سعيدة. لست سعيدة لأني أصبحت أغنى، بل لأني صرت قادرة على العطاء".

رأيت شابًا أفريقيًا تعلم على يدينا، ثم التحق بالجامعة التي بنيناها، وتخرج طبيبًا، وعاد ليخدم قريته. قال لي ذات يوم: "أنتم جئتم إلينا فعلمتمونا الخير، والآن دورنا أن نعلم من بعدنا".

هؤلاء هم الذين وجدوا السعادة الحقيقية. لم يجدوها في جمع المال، ولا في بناء البيوت الفارهة، ولا في السيارات الفاخرة. وجدوها في العطاء، في البذل، في أن يكونوا سببًا في حياة إنسان آخر.

اليوم، وأنا أكتب هذه الكلمات، أتذكر رحلتي الطويلة بحثًا عن السعادة. جربت كل شيء، وذهبت إلى كل مكان. أقول لكم بكل صدق: لن تجدوا السعادة في المال، ولا في البيوت الفارهة، ولا السيارة والملابس. ولكن في مسح رأس يتيم، وفي شعورك بأن حياتك قد قضيتها في خدمة إخوانك، وفي مساهمتك في هدايتهم.

لن تجدوا السعادة في أن تأخذوا، بل في أن تعطوا. لن تجدوا السعادة في أن تجمعوا، بل في أن تبذلوا. لن تجدوا السعادة في أن تحفظوا لأنفسكم، بل في أن تفتحوا أيديكم للآخرين.

ناقشت مع زوجتي ذات ليلة أمر هجرتنا إلى أفريقيا والتفرغ للعمل الخيري. كانت متخوفة في البداية، لكنها وافقت بعد أن تحدثت معها طويلًا. شعرت أنا وزوجتي أنه قد آن الأوان أن نفعل ما ندعو الناس إليه ليفعلوه. فقدنا الكثير مما تعارفنا عليه في بلادنا واعتبرناه من أساسيات الحياة المرفهة، لكن الله عوضنا راحة نفسية لم نذق مثلها في حياتنا

أيتها النفس الباحثة عن السعادة: ارفعي بصرك قليلًا عن متاع الدنيا الزائل. انظري إلى من حولك. ستجدين أيتامًا بحاجة إلى من يمسح رؤوسهم، وأرامل بحاجة إلى من يعينهن على الحياة، وفقراء بحاجة إلى من يمد لهم يد العون، وجياعًا بحاجة إلى من يطعمهم، وعطاشى بحاجة إلى من يسقيهم.

في تلك المساحات، حيث يلتقي العطاء الإنساني بالحاجة الإنسانية، هناك ستجدين السعادة. سعادة لا تشبه سعادة الدنيا العابرة. سعادة تملأ القلب وتغمر الروح، وتبقى معك حين يرحل الناس وتنقضي الأيام.

هذه وصيتي لكل باحث عن السعادة: ابحث عنها حيث تبحث عنك. ابحث عنها في عيون يتيم أعدت إليه البسمة، وفي قلب جائع شبعت جوعته، وفي روح تائهة هديتها إلى الطريق.

تلك هي السعادة. السعادة الحقيقية.

رحم الله الدكتور عبدالرحمن السميط، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. كانت هذه كلماته الخالدة التي لا تزال تلهب القلوب وتوقظ الضمائر، وتدعو كل من يقرأها إلى أن يجعل من حياته قصة عطاء لا تنتهي بانتهائها.

تعليقات